الصفحة السابقة

الصفحة التالية

لا ننكر براعة الانجليز في السياسة، ولكن الامر اكبر من البراعة والدهاء. كما لا نعتقد بان المرجعية توانت عن امر كان ينبغي لها القيام به، فما قامت به هو اعلى دور يمكنها ان تؤديه.والتفسير الصحيح لهذه الظاهرة الغريبة يكمن في تفاوت ادوار الحضارة بين الانجليز والمسلمين، فقد دخل المجتمع الاسلامي المعركة مع الغرب وهو -اي المجتمع الاسلامي- في تهافت الدورة الاخيرة من حضارته الاسلامية وذبولها، مثقلا بتراكمات كثيرة، وتنخره سلبيات كبيرة وتضعفه عوامل عديدة، كان بحاجة الى بناء جديد، وهو ما يتطلب وقتا ليس بالقليل وشروطا ليست هينة، فيما خاض الغرب هذه المعركة وهو في عنفوان دورة حضارية جديدة، يتحرك بزخم فاعل ويعمل بثقة عالية بالنفس.

وفي مازق من هذا النوع لم يكن بوسع المرجعية الا ان تمد الوضع القائم بمقومات الصمود امام التحديات الغربية الهادفة الى اسقاط الهوية الاسلامية للمسلمين في مجالات السياسة والثقافة والاجتماع، وابرز هذه المقومات هي:

1- اقامة الصلح بن الدولتين العثمانية والقاجارية.

2- القضاء على النفوذ الاقتصادي الغربي.

3- العمل على اصلاح الحياة السياسية.

4- اعلان الجهاد المقدس ضد الاستعمار.

وقد استطاعت، في هذه الادوار الاربعة الرئيسية، ان تحقق زخما سياسيا وثوريا قل نظيره كما وكيفا، بحيث لا يتصور ان واجهة قيادية اخرى يمكنها ان تحقق ذلك.

لكن العامل الحضاري، المتمثل بكون المجتمع المسلم يعيش نهاية دورة حضارية، تسبب في وجود اعماق اجتماعية هرمة لا يمكنها الاستجابة لمتطلبات المعركة بكل ابعادها، فانحصرزخم المرجعية في السطح، فظهرت الاندفاعة الثورية والجهادية التي توالت بشكل متواصل ما بين عامي 1891 و1924، والتي تمثل الطاقة الدفاعية المتبقية للحضارة الاسلامية في دورتهاالاخيرة.

ووفقا لهذه المعادلة تمثل دور الغرب، وبشكل طبيعي، في بناء متواصل الخط ى فيما تمثل دور الامة في دفاع مستميت الا انه دفاع لا ينطلق من قاعدة صلبة بل من دورة حضارية ميتة، لذاكان دفاعا محكوما بالتراجع وفقدان المواقع، الواحد تلو الاخر، حتى جاء العام 1924 ليسجل نهاية الدفاع وبدء عهد التبعية. ففي تركيا سقطت الخلافة العثمانية، واسس اتاتورك جمهوريته العلمانية على انقاضها! وفي ايران تم تحريف الحركة الدستورية، وبدات خطوات جادة لانهاء الحكم القاجاري وابداله بحكم علماني صريح! وفي الجزيرة العربية تمت تصفية «الشريف حسين» الذي كان يطمح الى تاسيس خلافة اسلامية تشمل الجزيرة والشام والعراق، وجيء ب آل سعود بدلا منه! ولم تكن الساحة العراقية بدعا من هذه الساحات.

فمشروع الجهاد الذي بدا، من العام «1914»، وعلى الرغم من زخمه واندفاعه الشديدين لم يحقق النتائج الميدانية المطلوبة والمرجوة، اذ لم يحل في المحصلة النهائية دون تحقق الاحتلال. وانتكست ثورة النجف وبعدها ثورة العشرين فيما تواصل دور الانجليز المتنامي: تشكيل نخب علمانية متغربة، اكمال الاحتلال، تشكيل الحكومة المؤقتة، تنصيب الملك فيصل.

والفصل الاخير الذي تبقى من المعركة بين الطرفين كان يتمثل في انتخابات المجلس التاسيسي وعقد معاهدة الانتداب، وهو الفصل الذي حسم اخيرا بتسفير المراجع الثلاثة ومن معهم من العلماء الكبار خارج العراق والذي ظهرت فيه علائم نضوب المقاومة لدى الامة، وابدت جماهير المرجعية استرخاء امام السلطة ولم تؤد الدور المعهود منها ازاء مسؤول عادي في الدولة هو متصرف كربلاء، عندما امر باعتقال ابرز مرجعين في النجف الاشرف هما: الامام الاصفهاني والامام النائيني، مع عدد كبير من العلماء البارزين.

هذه هي الدلالات البالغة والعميقة لحادثة تسفير العلماء. وما لم ندركها ضمن سياق الصراع الحضاري بين الغرب والامة الاسلامية، آنذاك، لا يمكننا ان ندرك موقف المرجعية المتمثل بالعودة الى العراق وقبول اشتراط عدم التدخل في السياسة. ان السياسة تمثل مرحلة متقدمة من مشروع حضاري، والمشروع الاسلامي آنذاك كان يعيش سلسلة تراجعات قهرية فرضهاالعامل الحضاري المذكور آنفا حتى وصل، اخيرا في عام 1924، الى الصفر، حيث اغلق ملف آخر دورة من دورات الحضارة الاسلامية. وهذا يعني ان السياسة اصبحت عملا عائما بلااسس حضارية، ولذا لم تكن ذات اهمية واصبح متعينا على المسلمين النهوض باعباء دورة جديدة وتاسيس واقع جديد ياخذ بعين الاعتبار المعطيات الجديدة للحياة، وقد يستبعد بعضهم هذا التصور، استكثارا منه على المرجعية مثل هذا الوعي ولكنه استبعاد غريب، فان المرجعية التي وافقت على اشتراط عدم التدخل في السياسة كان لها حضورها السياسي المبكرومعايشتها للمرحلة الاولى، منذ ثورة التنباك سنة 1891، اي انها رافقت المشروع الاسلامي منذ ايامه الاولى، وواكبت محطاته، انتصاراته وانتكاساته، بشكل يجعل التصور المذكور امراتلقائيا وطبيعيا جدا.

لقد ادركت المرجعية، وهي في ايران، انها اصبحت في غنى عن السياسة وانه يتعين عليها خوض مهام التحديث في البنى الاساسية للمجتمع الاسلامي، فعادت الى العراق ووافقت على شرط السلطة الذي لو لم يشترط عليها لكانت قد التزمت به بشكل تلقائي، لانها دخلت مرحلة التحديث التي ستتشكل من اربع فترات.

1- فترة اعادة بناء القواعد التحتية للمجتمع ونقصد بالقواعد التحتية الاسس الثقافية والاجتماعية التي يتوجب اعادة بنائها بما يتوافق والظروف العصرية الجديدة.

وقبل ان نشرح الادوار التي قامت بها المرجعية في هذا المجال، لابد لنامن الاشارة الى ان جذور هذه الفترة تشكلت في المرحلة السابقة الا انها لم تعرف طابعها المتميز الا في المرحلة الثانية.

اما الادوار التي قامت بها المرجعية، في هذه الفترة، فتتمثل بالامور التالية:

ا- اعادة تنظيم الفكر الامامي وتجديده: وهذا ما يتمثل في الاعمال الفكرية للسيد عبد الحسين شرف الدين، والعلامة الاميني، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ كاشف الغطاء، والسيدحسن الصدر، والسيد الشهيد الصدر، والشهيد الدكتور مطهري، وآخرين.

ب- ترسيخ قواعد المرجعية وتوسع نطاقها: ويتمثل هذا في مرجعية الامام السيد ابي الحسن الاصفهاني، والميرزا حسين النائيني، وتاسيس الشيخ عبد الكريم اليزدي لحوزة علمية في قم المقدسة، وما تضمن ذلك من انشاء موطن اضافي سرعان ما احتضن المرجعية العليا في اعقاب وفاة الامام الاصفهاني، تلك هي مرجعية الامام حسين البرجوردي التي واصلت هذاالدور.

ج- تجديد نظم الدراسة وهيكلية الحوزة: ويتمثل ذلك بمشروع جمعية منتدى النشر للشيخ محمد رضا المظفر.

د- الاصلاح الاجتماعي: ويتمثل هذا الدور في الاعمال الاصلاحية للسيد محسن الامين العاملي، على صعيد الشعائر الحسينية وتاسيس الجمعيات الخيرية، وللشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء على صعيد المجتمع الشيعي في العراق.

ه- انماء حركة الفكر الاسلامي: ويتمثل ذلك في الاعمال الفكرية للشيخ البلاغي، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والشيخ عبد الكريم الزنجانيى، والشهيد الصدر، والشهيدالمطهري.

و- فهرسة التراث الشيعي: ويتمثل هذا الدور بالاعمال الرجالية والبيبلوغرافية القيمة للشيخ الجليل آغا بزرك الطهراني، والسيد محسن الامين العاملي.

ولا يعني انشغال المرجعية، في هذه الفترة، ببناء الاسس الجديدة للمجتمع انها انصرفت تماما عن السياسة، فالسيد الاصفهاني الذي امضى شرط عدم التدخل في السياسة والسيد حسين القمي والسيد حسن المدرس والشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء والسيد البرجوردي قاموا بنشاطات وادوار سياسية مختلفة عندما اقتضت الضرورة ذلك منهم.

2- فترة الاصدام مع السلطة ومنذ اوائل الخمسينات، بدا الطابع السياسي يزداد ظهورا في اعمال المرجعية الاسلامية التي بدات تطرح محورا جديدا هو محور معارضة النظام الحاكم، ففي ايران ظهرت حركة«فدائيان اسلام» بقيادة السيد «نواب صفوي». كما ظهرت حركة السيد ابي القاسم الكاشاني في معارضة الاحتكارات الاجنبية لصناعة النفط والدعوة الى تاميمه، وفي عام «1963م» تصدرمحور معارضة النظام اعمال المرجعية، بحيث قام الامام الخميني بقيادة انتفاضة «15 خرداد» ضد النظام البهلوي المقبور، وفي العراق بدا السيد محسن الحكيم مرجعيته، في اوائل الخمسينات، بمعارضة واضحة للنظام الملكي ما لبثت ان تبلورت بشكل اوضح ابان العدوان الثلاثي على مصر عام «1956م»، وفي مطلع العهد الجمهوري تم تاسيس «جماعة العلماء»و-«حزب الدعوة الاسلامية» ليكونا ذراعي المرجعية في مواجهة النظام القائم.

وفي منتصف الستينات، مارست مرجعية الامام الحكيم دورا بارزا في بلورة راي جماهيري رافض للنظام الحاكم.

3- فترة طرح النظام الاسلامي منذ اوائل الستينات، بدات تظهر في اوساط المرجعية فكرة اقامة نظام اسلامي، وذلك من خلال جملة كتابات ابرزها كتابات الامام الشهيد محمد باقر الصدر، غير ان هذه الفكرة لم تتبلور،بشكل بارز ومشخص، الا في نهاية الستينات عندما القى الامام الخميني محاضراته عن «ولاية الفقيه» التي مثلت اول صياغة فقهية محددة لمشروع «الحكومة الاسلامية»، واول مبادرة سياسية مرجعية في هذا الاتجاه الذي رافقه ظهور حركة فكرية قوية تدعمه.

فقد اثرت كتابات الامام الشهيد الصدر والعلامة الطباطبائي والشهيد مرتضى المطهري والعلامة محمد حسين فضل اللّه والشيخ محمد مهدي شمس الدين والعلامة مرتضى العسكري والحجة الشيخ محمد مهدي الاصفي والشيخ باقر شريف القرشي والشيخ عبد الهادي الفضلي وآخرين المدرسة الاسلامية، وادخلتها طورا جديدا، وجعلت فكرة اقامة النظام الاسلامي تنطلق من قاعدة رصينة.

وقد واصلت المرجعية اتجاهها الجديد بكل اصرار وحزم حتى قيض اللّه، سبحانه وتعالى، تحقيق حلم الانبياء من خلال اقامة الجمهورية الاسلامية في ايران عام 1979م.

4- فترة الدعوة الى تطوير واقع المرجعية منذ اوائل المرحلة التحديثية، التفتت المرجعية الى ضرورة تطوير واقعها واساليب عملها بما يتناسب مع خصائص الوضع الجديد ومهامه، فظهرت فكرة جمعية منتدى النشر التي عبرت عن تغيير كيفي في عمل الحوزة ومناهجها فيما ظهرت مرجعية قم بزعامة آية اللّه اليزدي ومن بعده آية اللّه البروجردي، وتوسعت مرجعية النجف الاشرف بزعامة الامام الاصفهاني توسعاكبيرا، وعبرت هذه الاضافة والتوسع عن تطور في حجم المرجعية، فيما بقي الجانب النوعي من عملها منتظرا الفرصة المناسبة للظهور، حتى جاءت فترة طرح النظام الاسلامي لتسلط الضوء على الواقع النوعي للمرجعية لضرورة تطوره والارتفاع به الى مستوى التحديات والمهام الجديدة. وتاكدت هذه الضرورة -بل تحولت الى حتمية- بعد قيام النظام الاسلامي في ايران، ومع ان الكثير بداوا يرون في الواقع النوعي للحوزة والمرجعية صورا مؤلمة الا انهم لم يدرسوا الاسباب الطبيعية لها، المتمثلة اساسا بان قيام الثورة الاسلامية واقامة النظام الاسلامي فاجا المرجعية واخذ يطالبها بخصائص وامتيازات ما كان بالامكان توفرها، كما ان هناك شروطا نوعية مفقودة كانت سنة التدرج تقتضيها للدخول في الواقع المطلوب.

ومن بين كبار العلماء العاملين الذين افصحوا عن رغبتهم في تطوير الواقع النوعي للمرجعية تفرد الامام الشهيد الصدر-«قدس سره»، بحكم قيمومته على الفكر والتنظير الاسلامي المعاصر، بتقديم اطروحة متكاملة في هذا المجال يمكن اعتبارها، في الحد الادنى، ورقة عمل لمؤتمر قمة مرجعي تفرض الضرورة الراهنة اقامته للوصول الى صيغة جديدة في واقع المرجعية الاسلامية، وسنشير الى هذه الاطروحة وافكارها في الفقرة التي ستاتي بعنوان «الاسس الجديدة».

خصائص خط العلماء تميزت المرجعية، في عملها السياسي والاجتماعي والفكري، بجملة خصائص نوعية فريدة لا نجدها في اي خط اسلامي آخر، وهي:

1- الخط الحاشد بالجماهير فقد كان الحضور الجماهيري، في هذا الخط، منقطع النظير في عالم السياسة الحديثة، ففي ثورة التنباك التزم الشعب الايراني برمته بفتوى المرجعية بحرمة التنباك وحطمت آلات استعماله (النارجيلة) حتى التي كانت في قصر الشاه.

وفي الثورة الدستورية، كان وصول بيان من المرجعية في النجف الاشرف الى ايران كافيا لاحداث مظاهرات عارمة في مختلف المدن الايرانية.

وفي فترة الجهاد، ضد الاحتلال الاجنبي، استطاعت المرجعية ان تجند العشائر العراقية ليس ضد الاحتلال الانجليزي للعراق فحسب بل ضد الاحتلال الروسي لاذربيجان ايضا، رغم المسافة الجغرافية والقومية الفاصلة بين العراق واذربيجان، ورغم صعوبة المواصلات آنذاك.

وهكذا كان الامر في ثورة العشرين، وقد اغنتنا الثورة الاسلامية بقيادة الامام الخميني عن سرد الشواهد التاريخية في هذا المجال، حيث كانت الكلمة التي يطلقها الامام، وهو في منفاه،تتحول بسرعة خاطفة الى غليان جماهيري مليوني في المدن الايرانية كافة. ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها الثورة الاسلامية لم تنخفض الحالة الجماهيرية في ايران، بل انها وخلافالما يتصوره بعضهم ترسخت اكثر. فالقائد الذي استقبله ثمانية ملايين مواطن شيعه بعد عشرة اعوام الى مثواه الاخير ثلاثة عشر مليون مواطن.

وبحكم الطبيعة البشرية التي تقترن فيها السلبيات بالايجابيات دائما انعكست هذه الظاهرة الايجابية بشكل سلبي على بعض اعمال المرجعية، واهم امثلة ذلك امران:

ا- انعدام النظام في الجوانب الدراسية والاقتصادية والوظيفية الرسالية، وظهوره في بعض الاوساط بوصفه منهجا متبنى، فعندما طرح المجددون فكرة النظام والتنظيم دافع المحافظون عن الواقع القائم خوفا من الجديد ذي المستقبل غير المضمون، وتقديسا لطريقة السلف التي بدت في نظرهم كانها مقدسة فعلا، طرحوا فكرة مضادة تقول: «ان نظمنا في اللانظام» وهي الفكرة التي يحتمل الامام الخميني-«قدس سره» ان يكون الاجانب قد اوحوا بها في الحوزة العلمية بشكل او ب آخر.

ب- حكومة العوام: فنتيجة للعلاقة الصحيحة التي تربط الجماهير بالمرجعية تضخم دور الجماهير، واصبح اثره سلبيا في بعض الاحيان، وهو ما يعبر عنه آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضى المطهري ب-«حكومة العوام»، حيث غدت هذه الحكومة قوة يحسب لها المرجع الديني حسابات دقيقة قبل ان يقدم على اي خطوة في الميدان الاجتماعي والسياسي والفكري، وفي كثير من الحالات جعلت هذا المرجع او ذاك يحجم عن الاصلاح والتغيير الذي يصطدم مع عواطف الجماهير واحاسيسها، كما سياتي تفصيله.

2- خط الاصالة وتميز خط العلماء ايضا باعلى درجات الاصالة والنقاء لانه يتلقى فهمه للاسلام من خلال الكتاب والسنة مباشرة، ويجعلهما القاعدة في نسج تصوراته ومفاهيمه عن الكون والحياة والانسان،فهو يبدا من الكتاب والسنة وينتهي بالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خلافا للنهج الاخر الذي يبدا بالحياة ويجعل معطيات الحاضر اساسا في فهمه للكتاب والسنة كان الاسلام يستمد مصداقيته وشرعيته من الواقع الحاضر لا العكس.

وبفضل هذه الصفة، استطاع خط العلماء الاعلام تنقية الاسلام المحمدي الاصيل من تيارات الضلال والانحراف والمحافظة عليه رغم كل المشاق والتحديات الصعبة، غير ان تيارا ظهر-وبحكم الطبيعة البشرية- اساء فهم الاصالة فترجمها الى اتجاه محافظ يرفض مواكبة التطورات ويحجم عن استيعاب المتغيرات خوفا من تحول هذه وتلك الى عناصر مخلة بالاصالة ودخولها في الاسلام اجزاء اضافية فيه، وهو اتجاه ينشا في اسبابه البعيدة من العجز الفكري عن الجمع بين الضرورتين: الاصالة واستيعاب المتغيرات، فيجد اصحابه انفسهم مخيرين بين احداهما فيكون الاقتصار على الاصالة -وفق مفهومهم- خيارهم الوحيد والطبيعي.

غير ان هذا الاتجاه جاء مخالفا ايضا لجملة من اساسيات الفكر الاسلامي، منها الفكرتان التاليتان:

ا- الاجتهاد: فان الاجتهاد يعني بكل وضوح استيعاب المتغيرات ومعالجتها على اساس الاصالة، او صب الاصالة في اشكال متجددة باستمرار، ومن الغريب حقا ظهور اتجاه محافظ في المدرسة الامامية التي تتميز بتبنيها الراسخ للاجتهاد.

ب- التجديد: فقد ورد عن النبي(ص) «ان للّه في كل عصر حجة قائمة يرد كيد الخائنين، وان على راس كل مائة مجددا للدين».

وعند تحليلنا لقوله(ص) «... مجدد للدين» نجد ان التجديد الديني، في رسالة خاتمة لا يمكن نسخها، يعني امرين لا ثالث لهما.

اولهما: تجديد الروح الدينية في المجتمع الاسلامي بحيث يبدو كانه في تجدد، فان الدين يطلق تارة على الحقيقة الالهية التجريدية المطلقة، وهي بنفسها غير قابلة للتجديد، ويطلق تارة اخرى على الحقيقة الروحية والفكرية القائمة في المجتمع، الاخيرة تحتاج الى التجديد لانها في معرض لكثير من السلبيات والمتغيرات، وعلى هذا الاحتمال يكون التجديد الديني المقصود هو التجديد الاجتماعي والسياسي، اي ضخ المجتمع بروحية دينية متجددة تاخذ بعين الاعتبار المتغيرات الاجتماعية الجديدة.

وثانيهما: التجديد الفكري، فان الفكرة الدينية قبل اختلاطها بحياة الانسان تكون مطلقة، وعندما تمتزج بالحياة الانسانية تصبح تحت تاثيرها سلبا وايجابا، وبعد فترة من الزمن تتراكم التاثيرات عليها حتى تبدو غريبة عن الدين فتظهر الحاجة الى اعادة البناء والتاصيل الديني.

ولا مانع من الاخذ بكلا التفسيرين للحديث النبوي: التفسير الاجتماعي والتفسير الفكري، فالدين بوصفه حقيقة اجتماعية وفكرية، لا بما هو حقيقة مطلقة، يحتاج الى تجديد- مستمرلضمان ضرورتين واشباع حاجتين: اولاهما المعاصرة المعبر عنها بمواكبة المتغيرات واستيعابها لكي يكون تواصل الدين مع الحياة مستمرا ولا يتحول الى انطواء على الذات ودائرة مغلقة على نفسها. وثانيتهما المحافظة على الاصالة في البناء الفكري الاجتماعي للانسان المسلم فيكون للفكر، وكذا للمجتمع الديني، دورات تجديدية متواصلة.

خلافا لما يتصوره الخط المحافظ من ان ابقاء الواقع كما هو يعطي ضمانا للاصالة وان المعاصرة تثير احتمالات ضعفها والخطر عليها، ذلك ان الواقع لم يتشكل من الحقيقة الدينية المطلقة فقط حتى يكون مقياسا للاصالة، وانما تشكل من طبيعة الوعي الانساني لهذه الحقيقة في ضوء مرحلة معينة، وبالتالي فهو لا يملك مؤهلات البقاء للمرحلة التالية، بل يكون بقاؤه في المرحلة التالية امرا منافيا للاصالة.

ومن هنا تبرز الاصالة والمعاصرة معا في مقولة الخط الاصلاحي: «هم رجال ونحن رجال». اسس السلف لمرحلته وعلى الخلف ان يؤسس لمرحلته، كل في اطار الشرع ومقاييسه.

3- خط الاصلاح والتغيير الاصلاح والتغيير والتجديد والاحياء نوازع عميقة الجذور في الفكر الاسلامي، ويكفي ان نذكر ان مادة «صلح» تكررت في القرآن الكريم اكثر من «180» مرة، وهذا امر لا نظير له في المجالات القرآنية الاخرى، وقد فرض هذا الزخم نفسه على تاريخ المرجعية المعاصر. فادوار الشيخ موسى كاشف الغطاء، والمجدد الشيرازي، وقادة الثورة الدستورية، وثورة العشرين والسيد محسن الامين العاملي، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والسيد الشهيد الصدر-قدس سره والامام الخميني-قدس سره تشكل سلسلة ذات حلقات متصلة من الاصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي. وقد يقال ان هذه الادوار هي اقل مما ينبغي بحساب الاهتمام الاسلامي الشديدبالاصلاح والتغيير من جهة، ومتطلبات الساحة الاسلامية من جهة ثانية، والامكانات العملية الجديدة التي يملكها خط العلماء في هذا المجال من جهة ثالثة.

فكيف نفسر هذه المفارقة المهمة بين الواقع والمطلوب في حركة المرجعية على صعيد الاصلاح؟ ولدى الاجابة على هذا التساؤل نجد ان قسما من هذه المفارقة ناشىء من المعارضة التقليدية التي تلقاها حركة الاصلاح والتغيير في كل مجتمع لاسباب نفسية غير موضوعية ناشئة من قدسية الماضي ومجهولية المستقبل الذي يريده الاصلاحيون.

والمستقبل المجهول -من وجهة نظر المحافظين- ليس افضل من الحاضر وان كان سيئا.

والقسم الاعظم منها ناشىء من ان الحركة الاصلاحية لخط المرجعية كانت واقعة تحت تاثير السلبيات الجانبية التي لمسناها في الحقيقتين السابقتين، فقد عرفنا سابقا ان جماهيرية خط العلماء تحولت لدى بعضهم الى حالة سلبية عبر عنها ب-«حكومة العوام».

وقد شكلت هاتان الحالتان قيدين كبيرين تسببا في اجهاض الكثير من الادوار الاصلاحية للعلماء واضعافهم، وبخاصة ان هناك انسجاما وعلاقة تقليدية بين العوام والمحافظين، بحيث يجدالمحافظون دائما نصيرهم القوي في «حكومة العوام». ان «حكومة العوام» وجناح المحافظين لعبا دورين كبيرين في تكوين المفارقة المشار اليها. وان البيان الوثائقي التاريخي المفصل لايتناسب مع حجم هذا المدخل التحليلي، لكننا نشير في استعراض سريع الى ابرز حلقات هذه الظاهرة.

ا- آية اللّه حسين النائيني يمكننا تعريف الميرزا حسين النائيني بانه المنظر الفكري للحركة الدستورية، فاضافة الى مشاركته الميدانية في نشاطات هذه الحركة قام هذا الفقيه الكبير بتاليف اول رسالة فقهية من نوعهافي التاريخ المعاصر، وهي رسالة «تنبيه الامة وتنزيه الملة» التي اثبت فيها مشروعية الحركة الدستورية.

الا انه بعد انكسار الحركة الدستورية، وتحت تاثير «حكومة العوام»، قام آية اللّه النائيني بجمع كل نسخ الرسالة من المكتبات واتلافها، وكان يقوم بشراء نسخها من الاسواق مهما كانت قيمتها حرصا على انهاء وجودها من السوق تماما، وذلك تجاوبا مع العوام الذين اصبحوا يرون الحركة الدستورية مجرد فتنة لا خير فيها، بل انه كف عن الاسهام السياسي والاجتماعي باستثناء فترة معارضة الانتخابات التشريعية في العراق.

ب- السيد محسن الامين العاملي في اواخر العشرينات، اعلن السيد محسن الامين العاملي حركته الاصلاحية بشان الشعائر الحسينية، فواجهته «حكومة العوام» بمعارضة شديدة قل نظيرها، حيث اعتبر امويا يزيديا معادياللحسين(ع).

ج- السيد هبة الدين الشهرستاني في منتصف العقد الثاني، من القرن الميلادي الحالي، افتى السيد هبة الدين الشهرستاني بحرمة نقل الجنائز من الاماكن البعيدة الى النجف الاشرف، لما يؤدي ذلك من امراض على اثرتفسخ جثة الميت في الطريق، حيث ان وسائط النقل البدائية تتطلب زمنا طويلا لايصال الموتى الى النجف، وبخاصة بالنسبة للاماكن البعيدة. ومن الناحية الفقهية تعنون هذه الحالة بعنوان«هتك حرمة الميت»، وهذا امر لا تجيزه الشريعة المقدسة فقامت على اثر ذلك ضجة كبيرة تعرض اثناءها لمحاولة اغتيال فاشلة قام بها بعض العوام.

د- الشيخ عبد الكريم اليزدي يروي آية اللّه المطهري، في كتابه «الاجتهاد في الاسلام»، ان مؤسس حوزة قم المقدسة الشيخ عبد الكريم اليزدي، طلب تدريس اللغات الاجنبية وبعض العلوم الحديثة، كمقدمات في الحوزة، لكي يتمكن طلبتها من عرض الاسلام على الطبقات الحديثة وفي البلدان الاجنبية. ولكن ما ان انتشر الخبر حتى جاءت جماعات من الناس من طهران الى قم قائلين بانهم يدفعون الخمس لتدريس الفقه والاصول الى لغة الكفار، وانهم سوف يفعلون كذا وكذا، اذا نفذ هذا الاقتراح! فالغى الشيخ فكرته لان الموقف قد يؤدي الى انهيار الحوزة الوليدة.

ه- آية اللّه السيد البروجردي ويروي الشيخ المطهري، ايضا، في كتابه السابق ان السيد البروجردي ذكر في اثناء درسه الفقهي، ذات يوم، وبمناسبة البحث في تقية الشيعي من الشيعي، انه -اي السيد البروجردي- كان يظن ان عليه ان يستنبط الاحكام وعلى الناس العمل بها، لكنه وجد بعد ذلك ان الامر معكوس، فالناس تريد منه دائما ان يفتي بما يوافق رغباتهم.

ويروي الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ان السيد البروجردي بعث الى هيئات العزاء الحسيني توجيها يطلب منهم فيه ترك العادات المخلة وغير الصحيحة اثناء اقامة مراسم العزاء، فكان جوابهم: اننا نقلدك في 364 يوما من السنة ولكننا في يوم عاشوراء لا نقلدك.

هذه مجرد امثلة. وهناك امثلة اخرى في حياة الامام الشهيد الصدر والامام الخميني على دور العوام السلبي في سير المرجعية.

يقول آية اللّه المطهري في كتابه السابق: «ان الافة التي اصابت مجتمعنا الديني بالشلل واقعدته عن العمل هي الاصابة بالعوام... ان منظومتنا الدينية على اثر اصابتها بهذه الافة لا تستطيع ان تكون طليعة فتتحرك امام قافلة، وان تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية، انها مضطرة للتحرك وراء القافلة».

ويقول ايضا: «ان حكومة العوام هي منشا رواج الرياء والمجاملة والتظاهروكتمان الحقائق والاهتمام بالمظاهر وشيوع الالقاب والمقامات والتطلع الى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم.

ويقول ايضا: «ان حكومة العوام هي التي تدمي قلوب احرارنا وطلاب الاصلاح فين».

ومما لا شك فيه ان هذه الظاهرة اوجدت تذبذبا في حركة المصلحين. فنجد شخصية تقف الى جانب الاصلاح في قضية الى حد الزعامة، وفي الوقت نفسه تعارض الاصلاح في قضية اخرى والى حد الزعامة ايضا. فالشيخ محمد رضا المظفر الذي قاد حركة الاصلاح في مناهج الحوزة ومؤسساتها الدراسية حتى وصل الى قضية الخطابة الحسينية، محاولا برمجتها فاثيرت في وجهه ضجة عنيفة، كان قبل ذلك يصطف مع الخط المعارض لحركة السيد محسن العاملي بشان اصلاح الشعائر الحسينية.

والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم دورا اصلاحيا في الجانبين السياسي والاجتماعي سجل معارضته لحركة السيد العاملي، والشيخ النائيني الذي وقف الى جانب الاصلاح السياسي بقوة ختم حياته بمعارضة هذه الحركة ايضا.

ان حكومة العوام، وعدم التنسيق والتخطيط، وقوة الجناح المحافظ، وتضارب ادوار المصلحين، عوامل سلبية اضعفت حركة الاصلاح في حياة المرجعية وجعلتها اقل بكثير مما ينبغي.

4- خط الفكر المتنامي يتسم الفكر المدرسي، في الحوزة العلمية، بدرجة عالية من العمق والقدرة التشقيقية، ومثالا على ذلك نذكر ان كتاب «كفاية الاصول»، للشيخ كاظم الخراساني المطبوع في العقد الاول من القرن الميلادي الحالي والذي يقع في «500» صفحة تقريبا، وفق الطباعة الحديثة، يدرسه الطالب الحوزوي، في معدل عام، في ثلاث سنوات متوالية. وقد ظهرت عليه، حتى الان، شروح كثيرة قاربت المئتي شرح يقع كل منها في عدة اجزاء. وهذه ظاهرة لا نجد لها مثيلا في الفكر المدرسي الاكاديمي. وتدلل بكل تاكيد على عمق الفكر الحوزوي وخصوبته ومتانته، بمايمكن الطالب من اداء وظيفته الاساسية المتمثلة بفهم النص الديني بكل محتملاته القريبة والبعيدة وايجاد تشقيقات يمكن ان تكون اساسا لمعالجة المستجدات التي تتطلب عمقا علميااكبر في فهم النصوص كلما ازدادت المسافة الزمنية الفاصلة بينها وبين عصر التشريع، ويوفر بالتالي ارضية جديدة لفكر اسلامي خصب يمكنه ان يعالج كل قضايا الاسلام بكفاءة عالية جدا.

وكما وجدنا في الخصائص الاخرى نجد في هذه الخصيصة ايضا ان حالة سلبية طرات عليها، فان الفكر المدرسي يصرف جزءا من طاقته وطاقة الحوزة في ابحاث خيالية فرضية، واخرى فقدت ميدانها التطبيقي في عالم اليوم، وثالثة قليلة الارتباط بالواقع.

5- القيادة الطبيعية يجد المجتمع الاسلامي في المرجعية القيادية الطبيعية له، وذلك لعاملين هما:

ا- ان الدين هو المنهج الطبيعي في حياة المجتمع الاسلامي، والمرجعية هي الممثل الشرعي له.

ب- ان العلم هو المحور الصحيح للقيادة، لان تبعية الرعية للقائد قائمة على اساس ما يملكه هذا القائد من قوة الكشف عن الواقع، والملكات الفكرية للانسان تمثل جوهر هذه القوة.

ومن هذه الجهة تتطابق المرجعية مع القيادة تطابقا تاما، لان المحور العلمي المطلوب في القيادة موجود في المرجعية بدرجة اوضح، باعتبارها ظاهرة علمية قبل كل شيء.

ولا نجد هذا التطابق في الواجهات الاخرى التي تزعم لنفسها صفة القيادة. فالعسكريون والراسماليون والشخصيات الحزبية واجهات ثلاث طرحت نفسها في عالم اليوم باعتبارها واجهات قيادية، وهي ان كانت تتسم بالعلم الا انها لم تجعل العلم المحور الاساسي في وجودها كما فعلت المرجعية، وهناك فرق نوعي آخر فالعلم الذي تتسم به هذه الواجهات يتمثل في ثقافة عامة تحيط بظروف العصر وملابساته. بينما العلم الذي تقوم على اساسه المرجعية هو العلم بالقانون الاجتماعي والتخصص بالشريعة التي يراد تطبيقها. وهو اكثر تماسا مع وظيفة القيادة من الثقافة العامة التي يطلب من المرجعية كذلك الالمام بها، فالمرجعية قيادة تشترك مع القيادات الاخرى في ضرورة الالمام بظروف العصر وافكاره وملابساته، وتنفرد عنها فيما هو الجانب العلمي الاساس في القيادة المتمثل بقانون المجتمع وشريعته وايديولوجيته.

ولعل هذا افضل دليل يمكن تقديمه لاثبات ان المرجعية هي القادرة على ان تحل ازمة القيادة التي نشات بسبب الزعامات غير المؤهلة لهذا الموقع.

من هذا العرض لخصائص خط المرجعية وامتيازاته يتبين لنا انها من ناحية اساسية خصائص وامتيازات فريدة تجسد سمو الاسلام على ما سواه من النظم، لكننا وجدنا في احقاب تاريخية متعددة حالات سلبية طرات بشكل جانبي على هذه الخصائص وقللت من اهميتها، بخاصة في الجانب الاصلاحي من حركة المرجعية، ومع اننا نعتقد بان هذه الحالات جاءت نتيجة لظروف وملابسات موضوعية الا انها لا تستعصي على الحل، فمن الممكن معالجتها والحد منها اذا ما كانت هناك مرجعية مؤسسية قائمة على اساس البرمجة والتخطيط بحيث تعمل على تنمية الخصائص المذكورة لها ومكافحة الحالات السلبية الناشئة بشكل جانبي، بوصف ان تلك الحالات تدلل على وجود خلل ما في بنية الجهاز الديني.

الاسس الجديدة واخيرا، دخلت المرجعية مرحلة جديدة، واصبح يتحتم عليها مواجهة الواقع ومعالجة كل تفاصيله بشكل مناسب او الانزواء عنه والتراجع الى الوراء. ربما كان الهروب من الواقع امرا ممكنافي المرحلة السابقة، لكنه في المرحلة المعاصرة صار يعني غياب المنظومة الدينية عن واقع الحياة. في المرحلة السابقة لم تكن المنظومة الدينية تقود الواقع فكان يمكنها الهروب من مسؤولياته تحت غطاء ما تصبه من اللعنة عليه والبراءة منه.

لكنها اصبحت اليوم، بشكل او ب آخر، قائدة له، وعليها ان تثبت كفاءتها في هذا الدور او تقبل بالتحول الى الحالة «الفاتيكانية». ان المرجعية الاسلامية تواجه اليوم تحديات خطيرة لان الانتصار الساحق الذي حققته على الغرب من خلال الثورة الاسلامية امر لا يمكن للغرب نسيانه ولا نتوقع منه اهماله.

فالاتهامات، والشبهات، واثارة الافكار المنحرفة، ودس العملاء، واثارة الخصومات الداخلية، بشكل او ب آخر، حالات ينبغي الحذر منها، وتحديات لا شك انها تمثل تيارا غريبا في مواجهة المرجعية.

من جهة ثانية، فان الوضع الدولي الجديد للاسلام اصبح يتطلب من المنظمة الدينية مهمات كبيرة في النوع والحجم، ويثقل كاهلها بمستلزمات لا تجد ازاءها خيارا غير الاستجابة لها.فهناك الحاجة الى مد الدولة بالكوادر الكفوءة وباعداد كبيرة وفي مستويات عمل الدولة كافة والحاجة الى التبليغ والمبلغين في الداخل والخارج، وهناك الحاجة الاساسية لتطوير حركة الفكر في المجتمع والدولة.

ومن جهة ثالثة هناك المهمة الرسالية التي اصبح لزاما عليها ان تؤديها ازاء العالم باسره، فالانفتاح الواسع النطاق الذي يعيشه العالم اليوم بشكل عام نحو الاسلام يلقي على منظومتنا الدينية مهمة الاستجابة لمتطلباته الفكرية والاجتماعية، وبخاصة وان بعض مناطق هذا الانفتاح يمثل بيئة عريقة بالفكر والثقافة.

كل ذلك يجعل منظومتنا الدينية في ظرف حساس للغاية يصعب على الفرد الواحد، مهما اوتي من قدرة فكرية، الالمام به فضلا عن معالجته. وهذا ما يجعل الباحث يعتقد ان بداية الطريق للارتفاع بالقيادة المرجعية الى مستوى الظرف الدقيق الذي تجتازه تتمثل باقامة مؤتمر اسلامي عام يحضره المفكرون والخبراء والعلماء من ذوي السابقة في العمل والاخلاص والتضحية لدراسة الطور الجديد والصيغة الجديدة التي ينبغي اعادة تاسيس المنظومة الدينية في ضوئها، بحيث تستجيب للشروط والمتطلبات الجديدة.

وهكذا فان التجديد في بناء المنظومة الدينية يعني بالنسبة للجميع مسالة موت او حياة والمشاركة فيها وظيفة الجميع كل حسب قدرته واستطاعته. وينبغي ان لا تعطل طاقة يمكنهاالمشاركة، تحت اي ذريعة، ما دامت تنطلق من الحرص والاخلاص والدرجة المناسبة من الخبرة والدراية.

البناء الجديد وبشكل اولي يمكننا ان نطرح ما نرجح صحته من التطورات بشان البناء المستقبلي المطلوب وهو ان البناء الجديد ينبغي اقامته على اساسين جديدين هما:

اولا: الاساس الاجتماعي المتوازن للفقه فلقد ولد الفقه الامامي في ظروف سياسية ضاغطة يرفض فيها الحاكم هذا الفقه ويحاربه، والمدلول العلمي لهذا الرفض كان يتمثل في وجهتين: وجهة الحاكم، بمنع ظهور صياغة متكاملة للفقه تتناول الفرد والمجتمع معا ووجهة الفقيه الامامي، في عدم الحاجة الى مثل هذه الصياغة. فتالف اجماع من الحاكم والفقيه الامامي على مصادرة الجانب الاجتماعي للفقه والاقتصار على الجانب الفردي، وبمرور الزمن تبلورت النزعة الفردية التي تمنهج البحث الفقهي في ضوء حاجات الفرد ومسائله فقط، ولما استفردت هذه النزعة بالفقه اخذت تتسرب الى الشريعة،واخذ الفقيه ينظر للشريعة من الزاوية الفردية كانها بنيت هي الاخرى على هذا الاساس.

ونتيجة لهذا اصبحت النزعة الفردية، كانها الحالة الطبيعية في الفقه، بحيث اختفى الكثير من الابعاد الاجتماعية، وعاد الفقيه يعاني في معالجته للابعاد الاجتماعية التي تستعصي على الفهم الفردي، وهو ما تغلب عليه بوسائل متعددة منها «الحيل الشرعية»، فتم تذويب تلك الابعاد من خلالها لصالح الابعاد الفردية المستفحلة.

وما جرى للفقه جرى مثله للاصول والاخلاق ايضا، لكن الفقه يبقى المثال الاكثر بروزا في هذا المجال.

وربما ساعد على هذه النزعة ان الفترة الممتدة ما بين حياة الامام الباقر(ع) وغيبة الامام المهدي(ع)، وهي فترة مهمة في عصر النص عاشت الظروف ذاتها وتركت آثارها على النصوص.وحينما تبلور الفقه وقام بدراستها لم يفهمها بوصفها نصوصا طرحت في جو خاص، ولم يدرس اثر هذه الخصوصية عليها، بل تلقاها على واقعها كما هو. ومن الطبيعي ان يكون اثر هذه النزعة على الفقه كبيرا جدا، فان الشريعة في مجالها الدنيوي قانون ينظم العلاقة بين الفرد والمجتمع، والروح الاجتماعية هي الاساس في كل قانون، ومصادرة هذه الروح تعني مصادرة الجانب الاساسي منه.

وهذا لا يعني ان الفقه، طوال هذه العصور لم يكن شرعيا، وان ما حصل كان انحرافا عن الشرع، ليس الامر كذلك، فان الصورة التي توصل اليها الفقه في ظل تلك الظروف كانت تجسيدامشروعا بحكم مشروعية الاجتهاد، لكنه ليس التجسيد الوحيد، لقد انعكست آثار هذه النزعة على ابواب واسعة في الفقه كالزكاة والخمس والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل انعكست على منهجية البحث الفقهي وكيفية تقسيم ابواب الفقه، ونقتصر على ذكر ثلاثة نماذج منها:

1- الخمس ذهب المشهور الفقهي الى ان الخمس فريضة مالية يؤديها المكلف للمجتهد والسادة ذرية الرسول الاعظم محمد(ص)، من دون الالتفات الى ان اعطاء فئة اجتماعية محدودة نصف الخمس، من موارده السبعة المقررة، امر لا يتناسب مع حاجات تلك الفئة، فان فقراء السادة في العالم يمكن اشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط، كما يقول الامام الخميني في كتابه «الحكومة الاسلامية»، فاذا اشبعت حوائجهم اين نمضي بالباقي اذا كان مقررا لهم فقط؟ ولو تصورنا ان العالم باجمعه طبق الاسلام، يوما ما، فهل عليه ان يدفع نصف الخمس من ارباح مكاسبه وكنوزه ومعادنه وغوصه... الخ الى فقراء السادة؟ هل يعقل مثل هذا القصور في شريعة هي اكمل الشرائع؟ ان هذا التصور من نتائج الفقه الفردي الذي لا يوازن بين الفرد والمجتمع، ومنه تتولد نتائج فردية اخرى ك «الشانية»!.

حيث يدعى ان المساواة ليست هي الاساس في توزيع الخمس على السادة المستحقين له، بل «الشانية» هي الاساس. فمن كان شانه امتلاك السيارة يعط ى سيارة ومن ليس له هذا الشان لا يعط ى! وهذه الشانية قابلة للنمو! كما ان البسط على المستحقين غير واجب في التوزيع، فمن الممكن اعطاء ذي الشان الرفيع سيارة فارهة تتناسب وشانه وحرمان بقية المستحقين من الحقوق.

وعارضت هذا الاتجاه آراء حديثة اعتبرت الخمس فريضة يؤديها المكلف للمجتهد بما هو الحاكم الشرعي وولي الامر، فيصرفه على حاجات الدولة واغراضها ويعزل منه حصة للسادة يتم تحديدها في ضوء الحاجة والظروف. ليكون ذلك عوضا عن الزكاة التي حرموا منها، وقد تبنى هذا الاتجاه الامام الخميني في كتابه «الحكومة الاسلامية» وفي الجزء الثاني من كتاب «البيع»،وتبناه آية اللّه الشيخ المنتظري في الجزء الاول من كتابه «فقه الدولة الاسلامية» وفي كتاب «الخمس»، كما تبناه الشيخ فياض الدين الزيخاني في كتابه «ذخائر الامامة» المنشور في ثلاثينات القرن الميلادي الحالي.

2- «الحيل الشرعية» ان «الحيل الشرعية»، بشكل اجمالي، مبدا غريب في الحياة القانونية، وسواء كان هناك جانب موضوعي في نشاته ام لا، وسواء قام على اساس مضى ام لا، فمما لا شك فيه ان النزعة الفردية لعبت دورها في ظهوره، والمثال البارز لذلك نلمسه في مسالة الربا. حيث شدد القرآن الكريم على حرمته وتوعد القائم به بحرب من اللّه ورسوله. ومع هذه الشدة يلجا اتجاه كبيرفي الفقه الى «حيلة» يتم من خلالها التخلص من الحرمة. لا نناقش في مشروعية هذا الفقه فانه مشروع بمشروعية الاجتهاد لكننا نجده معبرا عن فقه فردي يخلو من الحس الاجتماعي الذي بنيت حرمة الربا عليه بشكل اساس.

وقد تمت مصادرة هذا الحس من خلال مبدا «الحيل الشرعية». ولذا نجد الفقه الذي يواكب الحس الاجتماعي يرفض «الحيل الشرعية». كما هو الامرفي فقه الامام الخميني-قدس سره وفي فقه السيد الشهيد الصدر وقد قدمنا شيئا من اقواله.

3- منهجية البحث الفردي في الفقه من نماذج هذه المنهجية، زج الفقه الفردي لمسالة ولاية الفقيه ذات القوام الاجتماعي في نهايات الابحاث الفردية وذيولها. ويبدو ان الفقه الفردي عانى في اختيار الموضع المناسب لها في ابواب الفقه وحتى الان لم يهتد الى ذلك، فتارة توضع هذه المسالة في ذيول بحوث التقليد والاجتهاد، واخرى في ذيول مسالة الصوم وحكم الحاكم بالهلال، وثالثة في اطراف بحث الحج، ورابعة في القضاء، وخامسة في البيع كانها من فضول البحث الفقهي.

فيما قام الفقه الاجتماعي المتوازن بوضعها في باب مستقل تحت عنوان «فقه الدولة الاسلامية» كما فعل آية اللّه الشيخ المنتظري. اما الامام الشهيد الصدر فقد اوجد تقسيما جديدا كليا للفقه يتكون من اربعة ابواب رئيسية فقط.

القسم الرابع منها سماه «احكام السلوك العام»، يدرس فيه الفقه السياسي الاسلامي وسلوك الحاكم.

ان حركة الفقه مدعوة الان الى تاسيس جديد وابعاد جديدة يمكن من خلالها استيعاب المتطلبات، وقبل المباشرة بذلك لابد من دراسة السلبيات التي تعتري حركة الفقه في واقعه الراهن، واهمها النزعة الفردية، ليصار الى دراسة سبل التخلص منها، والاسس الجديدة اللازم اتباعها بدلا عنها.

ثانيا: الاساس القيادي للمرجعية وما حصل للفقه حصل للمؤسسة الدينية ايضا. فقد وجد الفقهاء الاوائل، بعد وفاة الامام الحسن العسكري(ع) في منتصف القرن الهجري الثالث، ان الفقه السني والمؤسسة الدينية السنية مرعليها زمن طويل تكونت فيه وقطعت اشواطا في البناء من خلاله، فيما يريد الفقه الامامي التكون والتبلور حديثا في صياغات منهجية، وذلك لان عصر التشريع انتهى بالنسبة للمدرسة السنية بوفاة النبي الاعظم(ص) ومنذ ذلك الحين شرعت هذه المدرسة بالظهور، بينما لم ينته عصر التشريع ولم يبدا عصر الفقه في المدرسة الامامية الا في اوائل القرن الرابع الهجري بعدانتهاء الغيبة الصغرى للامام المهدي(ع) فقامت المدرسة الامامية على اساس علمي بحت ووجدت وظيفتها في صيانة تراث الائمة وصياغته وفق مناهج البحث الفقهي، يستحثها شعور قوي بضرورة مسابقة الزمن ومواكبة ما وصلت اليه المدرسة السنية، وبفضل هذا الاساس وانجازات العلماء الكبار الاوائل، استطاعت المدرسة الامامية ان تخطو خطوات واسعة الى الامام تكون لنفسها تراثا صار يضاهي التراث السني بعد فترة قليلة بحيث انعكس على الجانب السياسي والاجتماعي، واخذ المذهب الامامي يتوسع...، وابرز معالم ذلك ما حصل على يد العلامة الحلي في القرن الثامن الهجري، وفي القرن الثالث عشر الهجري اكتسبت المدرسة الامامية ابعادا واسعة جدا حيث تطورت الحوزة العلمية في النجف الاشرف في تراثها الفكري وكيانهاالاجتماعي تطورا كبيرا جعلها المركز العلمي الاول في العالم الاسلامي قاطبة.

وغني عن البيان ان هذه المكتسبات عززت الاساس العلمي الذي قامت عليه الحوزة العلمية. وهو اساس يتناسب في مدلوله النفسي مع النزعة الفردية التي لمسناها قبل قليل في الفقه الامامي. ومعنى هذا ان النزعة الفردية تسربت الى المرجعية، الامر الذي الغى الاساس القيادي الذي لو اقيمت عليه المرجعية لكانت اكثر زخما وفاعلية مما حصل.

وكما تدعو الضرورة الان الى الغاء النزعة الفردية من الفقه تدعو كذلك الى الغاء اساس الاعلمية في الفقه للمرجعية واحلال اساس الشمولية في المعرفة بعلوم الاسلام ومتطلبات العصرمحله بوصفه الاساس الطبيعي لها، من دون ان يعني ذلك الاقلال من مكانة العلم بالفقه وشانه في الحوزة. فالعلم هو الاساس في حركة المرجع قبل بلوغه المرجعية، فاذا بلغها اصبح الاساس في حركته هو القيادة ومسؤولياتها ازاء الرسالة والامة.

ولقد بين الامام الشهيد محمد باقر الصدر، في اطروحة المرجعية الصالحة، الطابع الفردي الذي اتسمت به المرجعية في ادوارها المختلفة، واطلق عليها اسم «المرجعية الذاتية»، ونادى بطور جديد اسماه «المرجعية الموضوعية». وهو ما يمكننا تلخيصه بالاساس القيادي الذي ينبغي ان تقوم عليه المرجعية، فان الخصائص والوظائف والاهداف التي نسبها الامام الشهيدللمرجعية الموضوعية مستخلصة جميعا من الاساس القيادي للمرجعية. كما ان خصائص المرجعية الذاتية ناشئة من الاساس العلمي الذي قامت عليه المرجعية في ادوارها الماضية والنزعة الفردية التي يترجمها في الواقع العلمي.

ولقد بينا، في فقرة سابقة، ان فترة الدعوة الى تطوير واقع المرجعية تمثل آخر تطور بلغته في سيرها الارتقائي الحديث.

ويمكننا القول، الان، ان الامام الشهيد الصدر هو الرائد لهذه الفترة، حيث قدم اطروحة عن مرجعية جديدة كانت في غاية المتانة والدقة، وقد سمى هذه المرجعية «المرجعية الصالحة» «والموضوعية»، وذلك في الكراس الخاص بها.

وسماها «المرجعية الرشيدة» في بحث «لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية».

صدر الدين الشيرازي الرائد الاكبر في فلسفات الوجود الحديثة

 د. عبد الكريم اليافي

 

يذهب مؤرخو الفلسفة العربية الاسلامية الى ان فلسفة القاضي ابي الوليد ابن رشد (520 ه/1126م، 594 ه/1198م) كانت آخر حلقة فريدة من حلقاتها الغر. ولكن الحق ان مرادهم الفلسفة المشائية المتحدرة من تعاليم ارسطو. اما الفلسفة العربية الاسلامية، فكانت واسعة المجالات، رحيبة الميادين، وضيئة الافاق. ولابد من الانتباه لهذا الجزء المبدع القوي فيها، وهوفلسفة العرفان او الفلسفة الالهية او الفلسفة الصوفية. ولقد لقيت هذه الفلسفة، بعد وصولها الى الاوج على عهد محيي الدين بن عربي، ازدهارا راقيا وعلوا رائقا في الدولة الصفوية التي قامت اركانها في ايران. ضمت هذه الدولة علماء اعلاما بارزين ومتالقين، من اشهرهم محمد ابراهيم صدر الدين الشيرازي (979 ه/1572م، 1050ه/1640م)، الملقب على لسان الايرانيين ب «الملا صدر»، وعلى لسان تلامذة مدرسته ومريديه ب«صدر المتالهين» او «صدر المحققين». وهو يمثل ذروة العرفان في هذا العهد. ويسرنا هنا ان نشرح طرفا من سيرة حياته وطرفا من فلسفته.

سيرة حياته

الصفحة السابقة

الصفحة التالية