الصفحة السابقة

الصفحة التالية

تاريخ ميلاده مجهول. وينقل المستشرق المعروف هنري كوربان، في مقدمته لكتاب «المشاعر» التي كتبها بالفرنسية، ونقل اليها الكتاب نفسه، عن العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي الذي كان استاذا في جامعة قم-وحسبك به من محقق- انه عثر حين اهتمامه بكتاب الاسفار لملا صدرا، في مخطوطة لهذا الكتاب منسوخة في عام 1197ه/1703م، على تعليقات هامشية كان المؤلف نفسه قد كتبها، وجاء في التعليق على فصل «اتحاد العاقل والمعقول» انه الهم ذلك شروق الشمس، يوم الجمعة السابع من جمادى الاولى عام 1037ه/ 14 كانون الثاني 1628م، وانه كان اذ ذاك في سن الثامنة والخمسين. ويكفي ان نطرح 58 من عام 1037 حتى يتحصل تاريخ ميلاده وهو عام 979 او 980ه الموافق 1571 او 1572م.

هكذا يكون تاريخ ميلاده المحقق بهذه الطريقة وتاريخ وفاته المعروف، وهو عام 1050ه/1640م، المعلمين الموثوقين في سيرة حياته.

يتيسر تمييز ثلاث مراحل في حياة ملا صدرا:

المرحلة الاولى كان والده رجلا صالحا اسمه ابراهيم بن يحيى القوامي. يقال انه كان احد وزراء دولة فارس وكانت عاصمتها شيراز. ولم يولد له ولد ذكر، فنذر للّه ان ينفق مالا كثيرا على الفقراء واهل العلم اذا رزق ولدا ذكرا. فكان ما اراد في شخص ولده هذا. نشا الولد الوحيد لابويه معززا مكرما في اسرة كريمة. درس في شيراز مسقط راسه. ولما توفي والده احس في نفسه حبا جما للعلم والفلسفة. فانتجع اصفهان. وكانت آنذاك عاصمة العلم والسلطان في الدولة الصفوية، رغبة منه في استكمال معارفه والاخذ عن العلماء الاعلام. وكان اول حضوره في مجلس الشيخ المشهوربهاء الدين العاملي (953 ه/1547م 1031ه/1621م).

كان بهاء الدين عبقرية من عبقريات الحضارة الاسلامية بزغت في بعلبك من بلاد الشام من اسرة عربية الاصل ترجع في نسبها الى الحارث الهمداني صاحب امير المؤمنين الامام علي(ع). ويلقبه الايرانيون «بالشيخ بهائي». توفي باصبهان عن عمر يناهز الثامنة والسبعين قضاه في العلم والعمل والعبادة والتنقل والسياحة في ربوع العالم العربي والاسلامي.

وقد كان هاجر مع ابيه الى الدولة الصفوية، وتلقاه الشاه عباس وقربه منه وغدا شيخ الاسلام في دار السلطنة.

كان بهاء الدين العاملي - وهو من هو في العلم والاطلاع - رياضيا ومهندسا وشاعرا ومؤلفا في اللغتين العربية والفارسية ومتالها صوفيا.. وهو اول اساتذة ملا صدرا، درس عليه العلوم الاسلامية، من فقه وتفسير وحديث وعلم طبقات الرجال، ونال من شيخه الاجازة بتدريس جميع ما درسه عليه من العلوم.

الاستاذ الثاني الذي افاد منه صدر الدين جل فلسفته هو الشيخ محمد باقر، المعروف بالمير داماد (ت 1041ه/1631م) وهو ابن محمد الحسيني، وداماد لفظ فارسي معناه الصهر لان اباه صاهر الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، ذا المنزلة الرفيعة عند الشاه اسماعيل وابنه الشاه طهماسب. فورث الولد لقب الوالد.

اخذ عنه العلوم الفلسفية. وكان بين المير داماد وبهاء الدين العاملي مودة وثيقة، واحب، ههنا، ان اورد هذه النادرة في علاقة الشيخين احدهما بالاخر. فقد حكي ان الشاه عباسا ركب يوما الى بعض متنزهاته، وكان البهائي والداماد في موكبه.

وكان الداماد عظيم الجثة والبهاء نحيفها. فاراد الشاه ان يختبر صفاء الخواطر بينهما. فقال للداماد، وهو راكب فرسه في مؤخرة الجمع وقد ظهرت عليه آثار الاعياء والتعب، والبهائي في مقدمة الركب: الا تنظر الى هذا الشيخ كيف تقدم بفرسه ولم يمش على وقار كما تمشي انت؟! فقال الداماد: ايها الملك، ان جواد الشيخ قد استخفه الطرب بمن ركبه، فهو لا يستطيع التاني. الاتعلم من ركبه! ثم قال للبهائي: يا شيخنا، الا تنظر الى هذا السيد كيف اتعب مركبه بجثمانه الثقيل، والعالم ينبغي ان يكون مرتاضا مثلك، خفيف المؤونة! فقال البهائي: ايها الملك ان جوادالشيخ اعيا بما حمل من علمه الذي لا تستطيع حمله الجبال! فعند ذلك نزل الشاه عن جواده، وسجد للّه شكرا على ان يكون علماء دولته بهذا الصفاء والت آزر.

لقد كان مريدو الداماد وطلابه معجبين باتساع علمه وبعمق اطلاعه على الشؤون والقضايا الفلسفية، حتى انهم لقبوه بالمعلم الثالث للاعراب عن مكانته بالنظر الى المعلم الثاني، وهوالفارابي، والمعلم الاول، وهو ارسطوطاليس.

كانت بحوث الداماد الفلسفية يحفها جو من الغموض والاستغلاق، فلم يكتب لاكثرها النشر والظهور، حتى ذهب الظن ببعض المؤرخين الى ان كتب تلميذه ملا صدرا حجبت كتب الاستاذ. كان المير داماد، الى جانب اطلاعه على الفلسفة المشائية، متاثرا بتعاليم الفلسفة الاشراقية التي كان زعيمها ابا الفتوح شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي (549 ه/1155م 587 ه/1191م) وينوه مثله بان الفلسفة التي لا تؤدي الى تجربة صوفية وتكوين روحي اصيل هي عبث وباطل، وان التجارب الصوفية التي لا يدعمها زاد فلسفي قوي تنتهي بالوهم والضلال.

والاستاذ الثالث الذي تاثر به صدر الدين هو ابو القاسم بن ميرزا بيك بن صدر الدين فندرسكي، عاش نحوا من ثمانين سنة، وتوفي باصفهان عام 1050ه/1640م في السنة التي توفي فيهاتلميذه النابغة ملا صدرا بعمر يقل عنه بنحو عشر سنوات.

كان بين الدولة الصفوية والدولة المغولية، في زمن شاه اكبر بالهند، صلات ثقافية واسعة وقوية. وقد فكر فندرسكي في ترجمة بعض الكتب السنسكريتية الى الفارسية. على انه من المناسب ان نشير الى هذا العصر الذي ازدحم فيه عظماء الملوك واعلام العلماء في شتى انحاء الارض، وهو يضم النصف الثاني من القرن السادس عشر والنصف الاول من القرن السابع عشر الميلاديين. هو عهد الملوك العظام من امثال السلطان العثماني سليمان القانوني (ملك من سنة 1520 حتى وفاته 1566م) وصلت جيوشه فحاصرت مدينة فيينا عاصمة النمسا عام 1529، والشاه عباس الاول الصفوي في ايران (ملك من سنة 1587 حتى وفاته عام 1629)، والسلطان المغولي جلال الدين محمد شاه اكبر في الهند (ملك من سنة 1556 حتى وفاته عام 1605)، والملكة اليزابت الاولى في انكلترا (ملكت من عام 1558 حتى وفاتها عام 1603) ولويس الرابع عشر في فرنسا، انتحل زهوالقب «الملك الشمس» (حكم بعدهم بقليل من سنة 1642 حتى وفاته عام 1715).

شهر هؤلاء الملوك والسلاطين بحب العلم والاهتمام بالعمران وتحسين مرافق الدولة، كما شهرت اليزابت بتشجيع التجارة والاستعمار البغيض. وفي ذلك العهد، نشا في تلك الدول علماء وفنانون كبار. ظهر في انكلترا فرنسيس بيكون صاحب الطريقة التجريبية (1561 - 1626) التي افاد فيها من مضمون التراث العلمي العربي، والشاعر شكسبير (1564 - 1616)،وظهر في فرنسا الفيلسوف روني ديكارت (1596 - 1650) وعالم الرياضيات الراهب غاسندي (1592 - 1655) والشاعر المسرحي كورني (1606 - 1684)، وتالق في اسبانيا الكاتب المشهور سرفانتش صاحب «دون كيشوت» (1547 - 1616) والمصور الكبير فيلاسكيز (1599 - 1660) وفي المانيا الفلكي كيلر (1571 - 1630)، وفي ايطاليا الفيزيائي والفلكي غاليلو(1564 - 1642). لقد كان عهد تلك الدول جميعا في اقبال وازدهار ابان تلك الحقبة.

المرحلة الثانية:

لم يكن ملا صدرا يتورع، في نشاته النبوغية، من التصريح بما يراه هو في قضايا الفلسفة والعرفان ومن الجهر ب آرائه الجريئة.

ولذلك نشا له حساد بين العلماء المحافظين، واستهدف للنقدوالمضايقة من قبل ادعياء العلم، وهم كثير. وعندئذ الفى نفسه وحيدا بين متعسفين ومتعصبين، ف آثر العزلة عنهم والفرار منهم والانقطاع الى التامل والعبادة في بعض الجبال النائية، لعل الانفراد يهيء له الهدوء والاطمئنان والنظر في صقل آرائه وتصفية ما غمض منها، والانتقال من العلم النظري الى ما يشبه التجربة العيانية. وهذه هي المرحلة الثانية بعد المرحلة الاولى،مرحلة نشاته وثقافته. قصد الى قرية من قرى مدينة قم تقع بين شعاب الجبال واوديتها، ويقوم فيها مسجد بني في ذلك العهد تحفه خضرة الاشجار من كل نوع، اسم القرية «كهيك» او«كهاك». يقدر مؤرخو الشيخ مدة هذه العزلة بين سبع سنوات وخمس عشرة سنة. وقد حكى هو نفسه قصته ابان هذه الاونة في مقدمة كتابه «الاسفار». يقول في عزلته هذه مبينا سببها، وهوانه لما راى الحال على ذلك المنوال من خلو الديار من اهل المعرفة وضياع السير العادلة واشاعة الاراء الباطلة ضرب صفحا عن ابناء الزمان، والتجا الى ان ينزوي في بعض نواحي الديار،منكسر البال منقطع الال متوفرا على العبادة لا على درس يلقيه ولا تاليف يتصرف فيه.

كان يعتقد ان المرء يحصل على العلم اللدني والانكشاف اليقيني بالمجاهدة والانقطاع الى اللّهوبتصفية الباطن لعل الحجب ترتفع عن النفس. ولابد لصاحب الهمة من النجاح. وقد كتب يقول: «اشتعلت نفسي لطول المجاهدات والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهابا قويا، ففاضت عليهاانوار الملكوت، وحلت بها خبايا الجبروت، ولحقتها الاضواء الاحدية وتداركتها الالطاف الالهية. فاطلعت على اسرار لم اكن اطلعت عليها الى الان، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان بل كل ما علمته من قبل بالبرهان عاينته مع زوائد بالشهود والعيان». وربما كان، في هذه العزلة المباركة، يتاسى بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في غار حراء.وهي لا شك افضل اسوة واهدى قدوة.

لابد لمثل ملا صدرا، بعد ان حصل تلك المعارف نظريا وصفاها روحيا حتى غدت عنده انكشافا يقينيا وحضوريا، من ان يتسامع به محبو العلم والعرفان وان ينوهوا بمكانته الرفيعة ومواهبه وقدراته الفكرية. وقد بلغت اخباره حاكم فارس وهي الولاية الجنوبية من ايران، واسمه «اللّه ويردي خان»، وهو من امراء دولة الشاه عباس الصفوي الاول، واسمه مؤلف من لفظين: عربي وفارسي يقابله بالعربية عطاء اللّه، حكم فارس من عام 1003ه/1594 او 1595م الى وفاته عام 1021/1612م فشاد ل«ملا صدر» مدرسة في شيراز ودعاه الى مسقط راسه لينشر فيهاتعاليمه.

وما زالت اطلال تلك المدرسة قائمة في المدينة باسم مدرسة خان. وقد رممت وبالامكان زيارة القاعة الواسعة التي كان الشيخ يلقي دروسه فيها. وربما كانت الدعوة تمت بالاتفاق مع الشاه عباس الاول (1587 - 1629).

كان الشيخ في الواحدة والاربعين من عمره لما توفي عطاء اللّه ويردي، ويرى بعض المؤرخين ان مجيء «ملا صدر» الى شيراز تم عقب وفاة عطاء اللّه، اي في عهد ولده قولي خان الذي ولي فارس بعد وفاة والده واستمر حكمه الى عام 1043ه/1633م او 1634م وهو الذي انهى بناء المدرسة في عام 1022ه/1613م.

المرحلة الثالثة ومهما يكن من امر، فان المرحلة الشيرازية هي المرحلة الثالثة لسيرة «ملا صدر» الفكرية. وقد غدت شيراز بهذه المدرسة تضاهي اصفهان في الشهرة العلمية. يذكر المستشرق كوربان ان سائحا انكليزيا، في القرن السابع عشر، اسمه «توماس هربرت»، كتب ان في شيراز كلية تدرس فيها الفلسفة والفلك والفيزياء والكيمياء والرياضيات وانها من انبه كليات ايران.

ويسعنا ان نتصور ملا صدرا، في هذه المرحلة، يؤلف كتبه ويعلم طلابه ومريديه ما يتيسر له من الوقت، مع تلقينه اياهم آداب الطلب، مؤكدا فيها على اربعة مبادى ء في الطريق الروحي الفكري، وهي: الانصراف عن السعي في اقتناء المال ونبذ الاطماع الدنيوية وتجنب المعاصي ورفض التقليد مع الدعوة الى الاجتهاد.

وفي ابان ذلك، لم ينقطع «ملا صدر» عن الاكثار من العبادة والتقرب بالفرائض والنوافل. يروي مؤرخوه انه حج سبع حجج الى بيت اللّه الحرام، وتوفي في المرة السابعة حين ايابه،بالبصرة، حيث دفن عام 1050ه/1640م.

مؤلفاته ومنهجه لقد خلف «ملا صدر» كنزا وافيا من الكتب يتالف بعضها من مئات الصفحات، ويتمثل بعضها الاخر برسائل لا تكاد صفحات الواحدة منها تناهز مئة صفحة. وجلها باللغة العربية لان هذه اللغة كانت دائما لغة العلم والفلسفة المطواع. وهي تعالج الحكمة الالهية، اي مختلف القضايا الاسلامية الكلامية والميتافيزيائية او تشرح آراء ابن سينا المشائي، والسهروردي الاشراقي،ومحمد بن يعقوب الكليني (توفي عام 328) في كتبه: «الكافي» و «رسائل الائمة» و «كتاب الرجال»، وهو من رؤساء فضلاء الشيعة في ايام الخليفة المقتدر، كما يقول فيه الحافظ ابن حجرالعسقلاني، ومن المجودين لمذهب الامامية على راس المئة الثالثة، كما يقول فيه ابن الاثير، ومقالات الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (336هر947م - 413هر1022م) رئيس الامامية في وقته وغيرهم الكثير. ومن اشهر المفكرين الذين اعجب بهم «ملا صدر» محيي الدين بن عربي (560 ه/1165م - 638 ه/1240م).

جميع تلك الاراء ينبغي ان تستند الى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وآراء الائمة. ولكنها ايضا تعالج مختلف القضايا والمشكلات الفكرية الانسانية في رؤيا متسقة للكون والدنياوالاخرة. من اهم تلك القضايا: الوجود والماهية وحدوث العالم والنفس والعقل والخيال والحشر الجسماني واحوال الاخرة وجوهر النبوة والرسالة والولاية واللوح المحفوظ وعالم المعقولات وعالم المحسوسات وامور العرفان وهلم جرا.

وقد لخص الامام السيد محسن الامين، في كتابه «اعيان الشيعة»، اهداف كتب «ملا صدر» في ستة مقاصد: ثلاثة منها كالدعائم والاصول وثلاثة كاللواحق. وركز مؤلفاته على الدعائم،وهي:

1- معرفة الحق الاول وصفاته وآثاره. وهو فن الربوبيات الذي هو جزء من الفلسفة الكلية.

2- معرفة الصراط المستقيم ودرجات الصعود اليه تعالى وكيفية السلوك اليه، وهو علم النفس الذي هو جزء من العلم الطبيعي.

3- معرفة المعاد والمرجع اليه تعالى واحوال الواصلين اليه والى دار رحمته، وهو علم المعاد.

هذه الدعائم الثلاث محور مؤلفاته وعليها تدور.

اما اللواحق فلم يفرد لها تاليفا، وانما يذكرها عرضا وبالتبع في غضون مؤلفاته وهي:

1- معرفة المبعوثين من عند اللّه لدعوة الخلق ونجاة النفس، وهم قواد سفر الاخرة ورؤساء القوافل، يعني الانبياء والاوصياء والاولياء.

2- حكاية اقوال الجاحدين وكشف فضائحهم، وهم قطاع الطريق في سفر الاخرة.

3- تعليم عمارة المنازل والمراحل في ذلك السفر وكيفية اخذ الزاد والراحلة له والاستعداد برياضة المركب وعلف الدابة (يقصد بالمركب والدابة النفس)، وهذا يسمى علم الاخلاق.

وهو في ذلك كله ينهج طريقة الجمع بين المشائية والاشراقية والصوفية والاسلام، اي يذكر الادلة المنطقية على مطلوبه، ويذكر مكاشفاته ومشاهداته العرفانية ويستشهد بالادلة السمعية.وقد سلك هذا المنهج في اكثر كتبه، ولا سيما كتاب «الاسفار» الذي هو ام تلك الكتب، على انه خص بعض مؤلفاته بالمسلك العرفاني وبعضها الاخر بالمسلك البحثي.

اما كتبه فاهمها: كتاب «الاسفار»، وهو اول مصنفاته في المرحلة الثالثة من حياته، وهي مرحلة التاليف. وقد شحنه بكل ما عنده من افكار وآراء ومكاشفات وشواهد ربوبية وواردات قلبية ومشاعر الهية. وكل كتاب الفه او رسالة صنعها بعده فالجميع مجرد منه ومقتبس من عباراته وآرائه. حتى كتب التفسير التي الفها على ما يظهر لتطبيق فلسفته على ما جاء في القرآن الكريم استقى آراءه فيها من ذلك الكتاب.

على ان هنري كوربان، في مقدمته لكتاب «المشاعر» الذي نقله الى الفرنسية، يذكر اول الامر قلة المؤلفين الذين نوهوا بمكانة «ملا صدر» وب آفاق كتبه وآرائه. ولا نستطيع هنا الا ان نذكرهاتين النادرتين اللتين يوردهما المستشرق متهكما على مدى معرفة المستشرقين الذين سبقوه بكتب العلماء المسلمين. يورد كوربان اسم المستشرق والدبلوماسي الفرنسي غوبينو «1816- 1882) وهو صاحب الكتاب المشهور «بحث في عدم المساواة بين العروق الانسانية» يزعم فيه ان العرق المستطيل الرؤوس الاري الاشقر اعلى عروق البشرية. يذكر كوربان ان غوبينوهذا ظن ان كتاب الاسفار الاربعة لملا صدرا هو رحلات جغرافية قام بها المؤلف بدلا من اسفار روحية.

ونزيد على كلام كوربان ان ذلك المستشرق (الاري اللغوي!) قد ادخله علمه باللغة العربية الى ان يزعم ان العرب يطلقون على القلب والكلب لفظا واحدا! وكذلك يشير كوربان الى المستشرق الانكليزي المشهور «ادوارد غرانفيل براون» بانه ظن الاسفار الاربعة انما هي اربعة كتب (الاسفار جمع سفر بمعنى الكتاب). ثم يندد مترجم «كتاب المشاعر» بمن ليست لهم دراية بالفلسفة ويزاولون مع ذلك كتبها، ويعلن ان ثمة حلبة وعرة على مدخلها مكتوب بخط غير مرئي: «لا يدخل هنا من لم يكن فيلسوف» مساوقة لكلمة افلاطون:«لا يدخل علينا من لم يكن مهندس».

يعدد كوربان، في مقدمة ترجمته لكتاب «المشاعر»، مؤلفات «ملا صدر». وتبلغ عنده اثنين واربعين كتابا ورسالة. ونحن نذكرها للفائدة حسب الترتيب الذي اورده كوربان نفسه:

1- اجوبة المسائل، وهي جوابات السؤالات التي طرحها ملا شمس الجيلاني على المؤلف.

2- اجوبة المسائل الخمس، وهي جوابات السؤالات الخمسة التي طرحها مظفر حسين الكاشاني عليه.

3- اجوبة المسائل النصيرية، وهي جوابات «ملا صدر» عن السؤالات التي كان طرحها نصير الدين الطوسي (ت 672 ه/1274م) على شمس الدين عبد الحميد خسروشاهي (580ه/1184م 652 ه/1254م) ولم يتلق عنها جوابا.

4- كتاب الاسرار، وشرح لاسرار آيات قرآنية على المنهج العرفاني فهو مما يسمى بالتفسير الاشاري.

5- ديباجة، وهي مدخل لمؤلفات استاذه ميرداماد، وهو بالفارسية.

6- ديوانه، وهو مجموعة اشعار بالفارسية نظمها «ملا صدر» وجمعها تلميذه وصهره محسن فائز كاشاني.

7- حاشية الرواشح السماوية، وهي مقدمة لكتاب مير داماد «الانداء السماوية»، وهو ايضا مقدمة ممتازة لكتاب الاصول للكليني.

8- رسالة في الحشر. يرى المؤلف فيها ان الكائنات كلها حتى الجماد معرضة للحشر.

9- الحكمة العرشية، وهو يتضمن خلاصة مذهب «ملا صدر» في مصير الانسان.

10- الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة العقلية ويدعى ايضا كتاب الاسفار.

وقد اشرنا الى مكانته في فلسفة ملا صدرا. ويكاد يلخص الفلسفة الامامية الى عهده، انهاه عام 1037ه/1628. وقد كان موضوعا لشروح عدة مهمة وتعليقات كثيرة.

11- رسالة في حدوث العالم.

12- اكسير العارفين، يبحث فيه تصنيف العلوم، كما يبحث فيه ايضا مكانة الانسان حامل المعرفة ومبدا الانسان ومصيره.

13- رسالة في الامامة.

14- رسالة في اتحاد العاقل والمعقول.

15- رسالة في اتصاف الماهية بالوجود.

16- كسر اصنام الجاهلية في ذم المتصوفة، يدعو فيه الى التزود بالمعرفة والفلسفة قبل مزاولة التصوف.

17- رسالة في خلق الاعمال.

18- مقالة في الفلك: لم تختص المنطقة بموضعين معينين من الفلك؟ وهي بحث في سبب اختصاص دائرة البروج بمكان معين من الكرة السماوية.

19- رسالة في المعاد الجسماني.

20- كتاب المبدا والمعاد.

21- مفاتيح الغيب.

22- كتاب المشاعر.

23- كتاب المظاهر الالهية في اسرار العلوم الكمالية.

24- رسالة في المزاج.

25- تشابه القرآن.

26- نامه، وهي رسالة وجهها «ملا صدر» الى صديقه، «ملا شمسا جيلاني».

27- رسالة من «ملا صدر» الى استاذه ميرداماد باللغة الفارسية.

28- مسالة القضاء والقدر في افعال البشر.

29- الرسالة القدسية في اسرار النقطة الحسية المشيرة الى اسرار الهوية.

30- سريان نور الوجود الحق في الموجودات.

31- الينابيع الثلاثة، وهي رسالة كتبها بالفارسية.

32- شرح الهداية الاثيرية، وكتاب الهداية هو لاثير الدين الابهري.

33- شرح الاصول من الكافي، والكافي كتاب ابي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، وقد اشرنا اليه آنفا.

34- شواهد الربوبية في المناهج السلوكية. يلخص المؤلف فيه جملة فلسفته.

35- التفسير. يفسر المؤلف فيه سورتي الفاتحة والبقرة حتى الاية الواحدة والستين ثم آية الكرسي وآية النور وآيات اخرى من سور القرآن الكريم.

36- تعليقات على الهيات كتاب الشفاء. والشفاء كتاب مشهور لابن سينا.

37- تعليقات على كتاب حكمة الاشراق، وهو كتاب مشهور للسهروردي صاحب مذهب الاشراق.

38- التنقية، وهو بحث في المنطق.

39- رسالة في القصور والتصديق، وهي في المنطق ايضا.

40- رسالة في التشخص.

41- الواردات القلبية في معرفة الربوبية.

42- رسالة في الوجود.

واخيرا يورد كوربان اسماء احد عشر كتابا يشك في صحة نسبتها الى «ملا صدر». والتحقيق في ذلك رهين المستقبل.

المباحث التي عالجها من هذا العرض لمؤلفات «ملا صدر» يستبين اتساع المباحث التي يعالجها فيها. وجلها فلسفية شديدة الاتصال بتاريخ الفكر الاسلامي وفلاسفته المشاهير، من مشائين واشراقيين ومتكلمين وصوفية.

قضية الوجود واهم تلك المباحث التي تتصدر كتبه، او يقصر عليها رسائل مفردة، قضية الوجود. لقد كتب: «الحق ان الجهل بمسالة الوجود للانسان يوجب له الجهل بجميع اصول المعارف والاركان،لانه بالوجود يعرف كل شيء. وهو اول كل تصور واعرف من كل متصور. فاذا جهل جهل كل ما عداه. وعرفانه لا يحصل الا بالكشف والشهود كما مر. ولهذا قيل: من لا كشف له لا علم له».

وحقا كانت قضية الوجود دائما هاجس المفكرين من فلاسفة وعلماء وانبياء. لقد نشا في اليونان مفكر يعد رائدا في الفلسفة الايلية. حمل قضية الوجود وجعله اصل الاشياء السرمد، وهوپارمنيدس. عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. كان ينظر الى الكون فيرى الوجود من وراء التبدل والتغير. فكان يعلن كلاما ظاهره بسيط ولكن فحواه فلسفة او ميتافيزياء خالصة. كان يقول:«الوجود موجود، واللاوجود غير موجود»، اي مستحيل لا يتحقق. وبتعبير آخر: «الوجود موجود والعدم مفقود»، والفكر قائم على الوجود. ولولا الوجود لما وجد الفكر لان شيئا لا يوجدخارج الوجود. ولما كان الوجود موجودا فهو قديم بالضرورة، وهو واحد، وهو كامل لا ينقصه شيء.

وكان في زمانه بين المفكرين القدماء آخر، وهو هرقليطس، غابت عنه مكانة الوجود في الكون، واسترعى نظره التبدل والتغير، فراى فيهما كنه الاشياء وحقائقها. نعم كل شيء موجود،ولكنه في الوقت نفسه غير موجود، لانه لا يبقى على حاله بل يتبدل ويتغير. فالصغير يكبر، والكبير يهرم، والحي يموت، والمتجمع يتفرق، والمتفرق يتجمع، وهكذا كل امر..

كل شيءيمضي، ولا شيء يبقى. برعم الورد مثلا لا يلبث بعد تكونه ان يتفتح وردا، ولا يلبث الورد بعد نضارته ان يذوي ويذبل ويغدو هشيما.

وجها التفكير هذان متقابلان، شرحناهما لماما عند ممثليهما الفيلسوفين اليونانيين، ونجدهما مجتمعين لدى شخصية بارزة في تاريخ الاديان، وهو ابراهيم ابو الانبياء الذي عاش في ربوع مابين النهرين وبلاد الشام ومصر والحجاز. وهو، في اصح التقدير، من بعض القبائل العربية القديمة التي كانت تعمر تلك البقاع جميعا وتسعى في مناكبها هجرة واستيطانا. وذلك انه قلب وجهه في السماء فراعه بزوغ النجوم وافولها وظهور القمر وغيابه وشروق الشمس وغروبها، فتنقل من هذه الظواهر المتبدلة الى التماس الوجود السرمدي وراءها. ولكن تلك السرمدية تحيط بجريان الظواهر الطبيعية على نسقها المعروف، وتحفز على تامل هذا النسق القائم في حقائق تلك الظواهر. كان ذلك قبل خمسة عشر قرنا بالنسبة الى ذينك الفيلسوفين اليونانيين.ولا شك في ان العلماء والمفكرين الاعلام توارثوا التفكير في الوجود وفي العدم وفي تفسير الاحوال وتبدلها وشغلتهم من ذلك شواغل فكرية دائمة ودائبة.

وما اجمل الاثر الذي يقول:«العلماء ورثة الانبياء». وهكذا نجد ان العلماء المسلمين، من متكلمين وفلاسفة واشراقيين وصوفية، تداولوا قضايا الوجود والتبدل والعدم، وتاولوها ما شاء لهم التاول والتفكر. ومن اعلام اولئك الذين جمعوا بين النظر والعمل والمشاهدة والتاليف، وادلوا ب آرائهم الجريئة التي فتحت آفاقا جديدة في الفكر «صدر المحققين، ملا صدر».

من اهم مؤلفات «ملا صدر» كتاب «الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية». وقد اوردنا آنفا فقرات قصارا تعلي شان الوجود وتعده ركن المعارف. بنى المؤلف كتابه هذا على خمسة مشاهد. وفي كل مشهد شواهد. وفي كل شاهد اشراقات.

وهي تعبيرات تنوب عن الابواب والفصول والفقرات وامثال ذلك. يتضمن هذا البناء طبائع المعارف التي يثبتها على طريق العرفان والشهود والواردات. ولا باس في ان نشرح هذه الالفاظ: المشهد مصدر ميمي، واسم مكان، واسم زمان، فمعناه الشهود ومحل الشهود وميقات الشهود. وكل منها على حد تعبيرصاحب التعليقات على الكتاب يصير القلب مظهرا ومشهدا ومتجلى لنور الوجود ولو علما. فان حقيقة الحكمة الالهية حقيقة الوجود. واما الشاهد فهو الدليل والبينة. وهو شاهد على القول اوهو مشهود للقائل لان اسم الفاعل في العربية ياتي بمعنى اسم المفعول كما ينص علماء اللغة. واما الاشراقات فهي كفنون التجليات وشعب الواردات.

يشير المؤلف، في مقدمة قصيرة، الى كثرة مراجعاته في عالم المعاني والاسرار وملازمته باب حكمة اللّه مفيض الانوار، والى بعده عما اكبت عليه طبائع الجمهور واستحسنوه ثقة هوالمشهور، ويؤكد وصوله الى الحق القراح، وهو انوار ملكوتية تتلالا في سماء القدس والولاية وايد باسطة تكاد تقرع باب النبوة.

يريد المؤلف بهذا التنويه ان يفصح عن مشاهداته، وان يبث الثقة في صدور مريديه على النهج الذي سلكه الشيخ محيي الدين في استهلال بعض كتبه باعتبار ما يكتبه الهاماوواردات علوية.

المشهد الاول في ما يفتقر اليه في جميع العلوم من المعاني العامة.

المشهد الثاني في وجوده تعالى وانشائه النشاتين: الاخرة والاولى.

المشهد الثالث في النظر المختص بعلم المعاد.

المشهد الرابع في اثبات الخسر الجسماني.

المشهد الخامس في النبوات والولايات.

وفي كل مشهد شواهد واشراقات.

الرائد الاكبر في فلسفات الوجود الحديثة موضوع بحثنا هنا خاصة هو المشهد الاول. وفيه مطلبنا من هذا المقال. وهو ان «ملا صدر» هو الرائد الاكبر في فلسفات الوجود الحديثة، وذلك بتنويهه الدائم باهمية الوجود بالنسبة الى الانسان، وباسبقيته في القول بتقدم الوجود على الماهية.

ولا باس في ان نذكر شطرا، من هذا المشهد، بكلام المؤلف، لندرة كتبه وقلة وقوعها بايدي الناس.

الشاهد «الاول في الوجود. وفيه اشراقات. الاول في تحققه.

الوجود احق الاشياء بالتحقق لانه غيره به يكون متحققا، وكائنا في الاعيان وفي الاذهان. فهو الذي به ينال كل ذي حق حقيقته.فكيف يكون امرا اعتباريا كما يقول المحجوبون عن شهوده، ولانه المجعول بالذات دون المسمى بالماهية كما يظهر ان شاء اللّه.

الثاني في وجدانه. الوجود لا يمكن تصوره بالحد ولا بالرسم ولا بصورة مساوية له، اذ تصور الشيء العيني عبارة عن حصول معناه وانتقاله من حد العين الى حد الذهن. فهذا يجري في غيرالوجود. واما في الوجود فلا يمكن ذلك الا بصريح المشاهدة وعين العيان دون اشارة الحد والبرهان وتفهيم العبارة والبيان.

واذ ليس له وجود ذهني فليس بكلي ولا جزئي ولا عام ولا خاص ولا مطلق ولا مقيد بل تلزمه هذه الاشياء بحسب الدرجات، وما يوجد به من الماهيات وعوارضها وهو في ذاته امر بسيط،لا يكون له جنس ولا فصل، ولا ايضا يحتاج في تحصله الى ضميمة قيد فعلي او عرضي مصنف او مشخص.

الثالث ان شمول الوجود للاشياء ليس كشمول الكلي للجزئيات، كما اشرنا اليه، بل شموله من باب الانبساط والسريان على هياكل الماهيات سريانا مجهول التصور. فهو مع كونه امراشخصيا متشخصا بذاته ومشخصا لما يوجد به من ذوات الماهيات الكلية، مما يجوز القول بانه مختلف الحقائق بحسب الماهيات المتحدة به، كل منها بمرتبة من مراتبه ودرجة من درجاته سوى الموجود الاول الذي لا تشوبه ماهية اصلا، لانه صريح الوجود الذي لا اتم منه، وصرف الوجود المتاكد الشديد الذي لا تتناهى قوته وشدته. بل هو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى. فلايحده حد ولا يضبطه رسم (ولا يحيطون به علما × وعنت الوجوه للحي القيوم...) «طه، 110و111».

فلا تخالف بين ما ذهبنا اليه من اتحاد حقيقة الوجود واختلاف مراتبها بالتقدم والتاخر والتاكد والضعف، وبين ما ذهب اليه المشاؤون اقوام الفيلسوف المقدم من اختلاف حقائقها عندالتفتيش.

الرابع ان الوجود في كل شيء عين العلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية للموجود بما هو موجود، لكن في كل شيء موجود بحسبه.

الخامس ان بين الوجود والماهية الموجودة به ملازمة عقلية لا صحابة بحسب الاتفاق فقط بل بالمعنى المعهود بين الحكماء.

ولابد من ان يكون احد المتلازمين تلازما عقليا متحققا بالاخر،او هما متحققين جميعا بامر ثالث موقع الارتباط بينهما. والشق الثاني غير صحيح لان احدهما وهو الماهية غير مجعولة ولا موجودة في نفسها لنفسها كما اقمنا البراهين عليه في مقامه فيبقى الشق الاول. ثم لا يجوز ان تكون الماهية مقتضية للوجود، والا لكانت قبل الوجود موجودة هذا محال.

فالحق ان المتقدم منهما على الاخر هو الوجود. لكن لا بمعنى انه مؤثر في الماهية لكونها غير مجعولة، كما مر، بل بمعنى ان الوجود هو الاصل في التحقق، والماهية تبع له لا كما يتبع الموجود للموجود، بل كما يتبع الظل للشخص والشبح لذي الشبح من غير تاثير وتاثر، فيكون الموجود موجودا في نفسه بالذات، والماهية موجودة بالوجود اي بالعرض فهما متحدان بهذاالاتحاد.

السادس ان الوجود في ذاته ليس بجوهر ولا عرض لان كلا منهما عنوان لماهية كلية. وقد دريت ان الوجود متشخص بنفسه متحصل بذاته وبمفيضه وجاعله. ولو كان تحت الجوهر الذي جنسوه او تحت معنى جنسي من الاعراض لكان مفتقرا الى ما يحصله وجودا كالفصل وما يجري مجراه من سائر المحصلات للوجود فلم يكن الوجود وجودا. هذا خلف.

ثم اعلم ان وجود الجوهر جوهر بعين جوهرية ذلك الجوهر، ووجود العرض عرض كذلك».

ويمضي المؤلف في شروحه وتفننه في التفريع. ثم يرى ان الشاهد السابع هو الامتياز بين الوجودات اما بالتقدم والتاخر او الكمال والنقص او بالغنى والفقر، واما بعوارض مادية ان وقع في المواد، وهي لوازم الشخص المادي وعلاماته.

والشاهد الثامن في مشكلة اتصاف الماهية بالوجود. فيرى ان الوجود نفس موجودية الماهية لا موجودية شيء غيره لها كسائر الاعراض. فهي امر متحد مع الوجود ضربا من الاتحاد.

ونسبة الوجود اليها على ضرب من الحكاية لا الحقيقة.

حين نقرا هذا النص وامثاله المتفننة المتكررة في مؤلفات «ملا صدر» نتبين المكانة الكبرى التي يوليها للوجود. انه حقا بالتعريف الحديث فيلسوف الوجود. واذا اردنا ان نقابله بالفلاسفة الحديثين نستطيع ان نذكر ياسبرز الالماني الذي جعل موضوع بحوثه الوجود الانساني وايضاح العوامل المؤثرة فيه، ونذكر ايضا ميرلو بونتي الفرنسي ودقة وصفه وتحليله المشخص للوجود الانساني. ولكننا نفكر اكثر من ذلك في جان بول سارتر الفرنسي الذي هو زعيم الفلسفة الوجودية في العصر الحديث. وقد نشر مذهبه في كتابه المشهور «الوجود والعدم»، كمانشره في ما كتب من مسرحيات وروايات ومقالات. وخلاصة مذهبه ان الوجود متقدم على الماهية كما نوه بذلك «ملا صدر». على ان الفرق كبير بين وجودية «ملا صدر» المؤمنة ووجودية سارتر الملحدة. كذلك نفكر في هيدغر الالماني الذي يعلن ان ماهية الانسان هي وجوده الذي يخصه. فالوجود والماهية عنده متلازمان. وقد شرح «ملا صدر» ذلك وفصل هذا التلازم باوجز عبارة، وادق بيان في النص السابق.

وربما يكون مفيدا، في هذا الصدد، ايضاح ما يراد بالماهية وبالوجود في الفلسفة. ونحن نرغب، في هذا الايضاح، بما يناسب اتساع المجال.

للماهية في الفلسفة معنيان رئيسيان. فهي:

1- تطلق على ما هو ضروري في تعريف الشيء، او على ما هو الشيء في حقيقته مقابل ما يطرا عليه من تبدلات، اي مقابل ما يدعى بالعرض. فالماهية حقيقة الشيء وقوامه ويقابلها العرض وهو ما لا يقوم بنفسه. هذا هو المتعارف عند المنطقيين.

2- قد تقابل الماهية بالوجود. وعندئذ تفيد ذات الشيء العامة خارجة عن الزمان والمكان. اما الوجود فهو الوجود الخارجي، وذلك بالنظر الى الاعتبار الديني. فاللّه سبحانه يقدر ماهية الانسان ثم يمنحه الوجود كوجود الناس او كوجود زيد وعمرو.

نجد هذين التعريفين في كتب التراث المشهورة وها هي ذي خلاصاتها. جاء في كتاب «التعريفات» للجرجاني: «الماهية تطلق غالبا على الامر المتعقل من الانسان، وهو الحيوان الناطق مع قطع النظر عن الوجود الخارجي. والامر المتعقل من حيث هو مقول في جواب ما هو يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الاغيار هوية، ومن حيث حمل اللوازم له ذاتا، ومن حيث يستنبط من اللفظ مدلولا، ومن حيث انه محل الحوادث جوهرا، وعلى هذ».

والماهية، من حيث اللغة، اشتقت عن ما هو بالحاق ياء النسبة وحذف الواو والحاق ياء التانيث للنقل من الوصفية الى الاسمية.

وقيل ان لفظ الماهية منسوب الى لفظ ما بالحاق ياء النسبة اليه.ومثل لفظ ما اذا اريد به لفظ تلحقه الهمزة. فيقال مائية، اي لفظ يجاب به عن السؤال بما قلبت همزته هاء، لما بينهما من قرب المخرج، كما قد يقال في اياك هياك.

وجاء في «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي: «الماهية عند المنطقيين بمعنى ما به يجاب عن السؤال بما هو، وعند المتكلمين والحكماء بمعنى ما به الشيء هو هو». وجاء فيه ايضا: «ان الماهية والحقيقة والذات قد تطلق على سبيل الترادف» ولكن قد يفرق بينها. «والحقيقة والذات تطلقان غالبا على الماهية مع اعتبار الوجود الخارجي كلية كانت او جزئية والجزئية تسمى هوية. واما اطلاقهما على الحقيقة كلية كانت او جزئية على سبيل الترادف فبناء على تفسيرها بما به الشيء هو هو».

والمراد في بحثنا هنا هو الماهية التي تقابل الوجود.

اما الوجود فقد شغلت معانيه واشكاله اذهان الفلاسفة والمتكلمين كما اشرنا الى ذلك آنفا. له معان متعددة اهمها الوجود الواجب او واجب الوجود، وهو سبحانه وتعالى اصل الموجودات كافة وخالقها وجاعلها ومفيضها، وما عدا ذلك هو الوجود الممكن. وهو حسي كشجرة السرو هذه التي اراها منذ نافذة بيتي، وهو شبحي كظل الشجرة الذي اراه مرتسما في النهر، وخيالي كما اتصور تلك الشجرة حين اغمض عيني، وعقلي وهو معنى الشجرة المنتزع من ذلك الكائن النباتي، ومنامي كالشجرة التي اراها في الحلم، وفني كما في الرسم والتصوير والشعروغيرها من الفنون، وصنعي كما في الرسوم المتحركة، وهلم جرا. فوجود الشجرة ليس واحدا في جميع ما ذكر، وكذلك بقية الاشياء الممكنة. ولهذا اعتبر الوجود لفظا مشككا (بكسرالكاف) والتشكيك في الفلسفة كون اللفظ موضوعا لامر عام مشترك بين الافراد لا على السواء بل على التفاوت. ويقابله التواطؤ وهو كون اللفط موضوعا لامر عام بين الافراد كدلالة اسم الانسان على زيد وعمرو، ودلالة اسم الحيوان على الانسان والفرس والطير. وللتشكيك انواع كالتشكيك بالاولوية وبالتقدم والتاخر وبالشدة والضعف، ولا مجال لعرضها هنا، وقد اشار اليهاملا صدرا في سياق كتبه.

لا باس، لاتمام البحث، في ان نعرض بعض آراء سارتر للمقابلة.

فهو يرى ان الفرد هو الذي يخلق ماهيته بنفسه اي يخلق تفرده الذي يميزه عن غيره من الناس. وهذا يعني كما سلف ان الوجود سابق على الماهية. على ان سارتر يمزج بين الوجود والحرية، ليس لنا ان نختار النوع ولا العرق الذي ننتسب اليه. لا نستطيع مثلا ان نكون ازهارا في عالم النبات ولا طيورا في عالم الحيوان. وانما نستطيع ان نختار في حدود انسانيتنا، فنكون شجعانا او جبناء، علماء او جهالا، فنانين او تجارا. حتى في هذه الحدود يوجد قسط من الاختيار. ليس في قدرة انسان مشلول ان يكون مثالا في جمال الاجسام.

ولا يستطيع انسان متقدم في العمر ان يكون مثلا عازفا موسيقيا ان لم يمارس العزف منذ صباه ونعومة اظفاره. ومع هذا فان سارتر يرى ان مجال الحرية واسع جدا. اذا كنا لا نستطيع ان نختار المجتمع الذي ولدنا فيه والعصر الذي نشانا فيه، ولا نستطيع اختيار ذكائنا او ملامحنا جميلة او دميمة فاننا نستطيع اختيار المواقف التي نتخذها في اعمالنا سواء عرفنا دوافعها ام لم نعرف. فهي مستندة الى حرية مطلقة لم يتدخل فيها التفكير او التدبير. ان تلك المواقف ووجودنا في هذا العالم شيء واحد. فالحرية لا تختلف عن الوجود في شيء. لا يعترف سارتربحقيقة غير حقيقة الفعل. ليس الانسان في رايه شيئا آخر سوى افعاله واعماله. ليس المرء هو امكانياته، وانما هو اعماله. لا يقاس ولا يحكم عليه بما يامله ولكن بما يعمله. ومن هنا يترتب على هذا الوجود المشتبك بالحرية مسؤولية الفرد.

انها مسؤولية اخلاقية وليست دينية.

هذا وقد اطلق الشيخ محيي الدين على الماهية لفظ العين الثابتة. ويقصد بالثبوت الوجود العقلي كوجود ماهية الانسان او ماهية المثلث في الذهن مقابل الوجود المتحقق في الخارج مكانياوزمانيا. فالثبوت امر وجودي عقلي. ولكنه ليس هنا متحققا في الخارج لان الاشياء الخارجية ليست ثابتة بل هي متبدلة. ولكن ذلك الثبوت العقلي مسلوب عنه الوجود الخارجي. فهو بمنزلة المعدوم اي غير المتحقق خارجا.

لقد شرحنا سيرة الفيلسوف الكبير الاسلامي صدر الدين الشيرازي، وتبينا انه حري بان ننسب اليه صفة فيلسوف الوجود والرائد الاكبر للفلسفة الوجودية الحديثة، كما اوضحنا بعض الجوانب في دلالات الوجود والماهية في التراث الفكري الاسلامي مع مقابلة وجيزة بما في التراث الفلسفي العالمي الحديث.

ويحق لنا، في الختام، ان نقدم راينا في علاقات تلك الدلالات بمضمون ما وصل اليه علم الاحياء في الوقت الحاضر. ذلك ان المرء يولد حاملا معه عب ء وراثته او مخزونها في ما يدعى بالمورثات او الجينات الخاصة به. وهي عبارة عن امور وصفات وكيفيات مادية وحيوية اتضح بعضها ولا يزال بعض آخر رهن الاختيار والتدقيق والكشف. انها تقدم لنا خطة ما يستطيع المرءان يعمله ويحققه في حياته. انها تقريبا تمثل خطة المهندس التي يرسمها في بناء بيت او قصر. هذه الخطة في راينا هي الماهية وهي -ما دامت في خلايا الانسان- مشتبكة بوجوده وملازمة لهذا الوجود. ولكن هذه الخطة يمكن ان تتحقق باشكال مختلفة. يمكن ان تغفل تماما فلا يبنى البيت اذ يموت الوليد صغيرا «مختضر» بالتعبير العربي، القديم، او يحيا حاملا المخزون الوراثي حياة نباتية او حيوانية من دون تحقيق اي مجال في عالم الفكر او الفن او الاخلاق او الحياة الاجتماعية الكريمة.

ويمكن للمرء ان يحقق خطة وراثته اي خطة البيت في تمثيلنا بارقى ما يمكن من انجاز واداء. هذا اعلى الاحتمالات الممكنة.

وهو ما جاء به التعبير القرآني: (لا يكلف اللّه نفسا الا وسعها)،فالوسع هو اوسع تلك الاحتمالات في آفاق القيم العليا من علم او فن او اخلاق او معاملات وخدمات اجتماعية مفيدة وكريمة. فالماهية تابعة للوجود وملازمة له كما اشار الى ذلك «ملاصدر».

ثم ان ذلك الاداء او الانجاز هو ما اشار اليه القرآن الكريم بالموازين في سورة القارعة: (فاما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية. واما من خفت موازينه فامه هاوية). فالموازين جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وقيمة في الحياة الانسانية.

ربما يقال: ان العب ء الوراثي الذي يحمله المرء فيه قسط من الحتمية، اي ان المرء مقسور به ومقيد بما يمليه عليه. وهكذا تغدو الحتمية وسيلة لتسويغ الجنوح والشذوذ والاجرام وقلة المبالاة. لكننا نحن نقف موقفا ايجابيا مع الروح التي هي من امر اللّه ومع الوعي الانساني والتربية القويمة وفضائل المجتمع المزدان بالاخلاق والتضامن الانساني البليغ. وفي هذا تكمن مسؤوليات الافراد والدول والمجتمعات يوم ينادى:

(وقفوهم انهم مسئولون) «الصافات، 24».

الجابري.. واللامعقول الشيعي!

الاستاذ ادريس هاني
 

جدل الخطابة المتستر بمناهج علمية في ظاهرها الخاصية التي تتبادر الى الذهن، ونحن نقرا ابحاث د.

الجابري حول الفكر الشيعي وتاريخه السياسي، هي تلك المحاولة التي لم تقطع مع طرائق الجدل، ونعني بها طرائق الخطابة القائمة على كثرة الاقيسة الناقصة والمصادرات على المطلوب، والمغالطات...، حتى وهي تتستر وراء مناهج ومفاهيم، تبدو -في ظاهرها- علمية، وبرهانية. على انه لايكفي، في التحليل العلمي، ايراد المفاهيم العلمية، هذه التي من اليسير تحويلها الى اساس لرؤية مفارقة، حينما لا نحسن استخدامها او توظيفها.

لم تكن محاولة الجابري، اذن، سوى عملية جريئة، لتحيين ذلك الصراع التقليدي، الذي يتم فيه الانتصار لعقلانية فانتازية، تجد اطارها -بتكلف واسراف زائدين- في ظاهرية ابن حزم وسلفية ابن تيمية، وهي محاولة تراثية استهدفت العقل نفسه عند المعتزلة وعموم الفلاسفة.. في حين لا يجد المشروع العقلاني، كما خطط له الجابري، اطاره الحالم، في اسهامات الفلاسفة المسلمين، الذين نعتهم بانصار العقل المستقيل. لا ندري، اذا كان الجابري هنا ينحو في كل ذلك، منحى جدليا، ارغمه على ممارسة انتقائية مبتسرة في اغلب الاحوال، من تقارير استشراقية، وقعت في المازق، الذي اشرنا اليه آنفا. ما عدا ذلك، لم تعكس تلك المحاولات، اي المام بالتاريخ او الفكر الشيعيين، كما تدل على ذلك مصادره المعتمدة. نعزو تلك المحاولة التي لم تحقق النجاح المطلوب الى الهاجس السياسي والايديولوجي الساكن - بقوة - في اعماق مشروع الجابري، مضافا اليه عدم التخصص، والبعد عن المصادر، والسرعة -وهي آفة كل مشروع ايديولوجي- في تركيب الصور والاحكام التاريخية. ويكفي، في هذا الاطار، تصدي الكثير من النقاد الى تفكيك هذا المشروع وبيان هواجسه ونقائضه.

وحينما نعود الى جملة المصادر التي اعتمدها الجابري في تناوله للفكر الشيعي، وهي العملية التي ستكشف، ليس فقط، عن عجز في الاستيعاب، بل، وهو الاخطر من ذلك، عن عجز في الفرز بين مختلف الفرق الشيعية، خصوصا الاسماعيلية منها والاثني عشرية. بل حتى على صعيد العرفان الشيعي، في تلك الصلة التي اوجدها في ما بين تصوف ابن عربي او الجنيد وعموم الباطنية وبين التيار الغنوصي نتبين الخلط الذي يعود الى ذهنية البحث عن الاشباه والنظائر، كما تعكسها مجمل الابحاث الكلاسيكية، الناظرة في تلك العلاقات. لكننا، وبغض النظر عن هذه الملاحظة، نعود للقول، اننا نعثر على مصادر هزيلة جدا، من الصعوبة بمكان تقبلها بوصفها آثارا مرجعية كافية، لتشكيل رؤية متكاملة عن التشيع. نجد اعتمادا بسيطا على ما لا يتجاوزثلاثة مصادر او اربعة. في مقابل ذلك، وبالاضافة الى عدد من المصادر الاستشراقية، مثل ابحاث هنري كوربان - الذي اساء الجابري فهمه-، نجد مادة مصدرية غنية، تتعلق بجملة من المؤلفات ذات المنزع السلفي او السني الاشعري، واعني بذلك كتاب: «مقالات الاسلاميين» للاشعري، وكتاب: «الفرق بين الفرق»، لعبد القاهر البغدادي، و«نهاية الاقدام في علم الكلام» للشهرستاني و-«المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين» لابي رشيد النيسابوري، و-«فتاوى» ابن تيمية. الخ..

ولا يخفي الجابري -مثلما يفعل دائما- هذه الحقيقة التي عبر عنها في كتابه «العقل السياسي العربي»، فقال: «وان جميع من له المام باحداث القرن الهجري الاول يعرف كيف ان مصادرنا التاريخية او بعضها على الاقل- المصادر السنية عموما- تجعل «الفتنة» زمن عثمان، من تدبير شخص، اسمه عبداللّه بن سبا(...) وقد اطلقت مصادرنا التاريخية على حركة المعارضة لمعاوية، اسم «السبئية» نسبة الى عبداللّه بن سبا هذ».

لقد وقع الجابري بين قوى جذب مختلفة، بين نزعة تمركز الاسلام السني، التي تاثر فيها، لا اقول بهاملتون جيب فحسب، بل بمجمل البيئة الثقافية للباحث وبين ذلك الجهل الكبير بالتراث الاخر، بالاضافة الى جاذبية المشروع النهضوي في بيئة، اقتضت الانتصار الى مجمل الفرق الاندلسية والمغربية، حيث يصير «على مجدد الخطاب التاريخي العربي التقليدي، ان يجعل فلاسفة الشرق، وفي مقدمتهم، الشيعة، يدفعون ثمن هذا الصرح الايديولوجي الضخم! ولا يكلفه ذلك اي جهد معرفي لاقامة الحد على جزء طليعي من التراث العربي والاسلامي، في محيط لا يوفر رايا جديدا. هاهنا، تستبد الايديولوجيا بالبحث، ويستغني الباحث المنتمي، عن الالية الابستمولوجية في استكشاف البنية الحقيقية، التي تستقر في مكامن هذا الخطاب التاريخي المتعصب لمعصوميته المزعومة، والمتسلح بعناصر غير معرفية: عناصر الغلبة، والتمركز، والامر الواقع!

الصفحة السابقة

الصفحة التالية