هكذا يغزو ابن
عربي بباطنيته مجال الشريعة ايضا، فضلا عن
الحقيقة! هذا ناهيك عن التهافت الداخلي لهذه
القراءة
المتشنجة، حينما ادعى الجابري ان ابن عربي كان يعرض
العرفان ب آلية بيانية.. كيف، بعد هذه المحاولة
المستميتة
لانزال العرفان وآليته الذهنية منزلة ادنى من
منزلة العقل..
كيف تستطيع آلية المعقول الديني والمعقول العقلي،
ان
تحتضن -من دون نشاز- ذلك اللامعقول الديني
واللامعقول
العقلي! كيف، اذا كانت آلية العرفان، تتجسد في ذلك
الانزياح
عن المماثلة من دون رقابة عقلية، ان تحافظ على
شطحها
وحقائقها، حينما تعرض ب آلية بيانية متشددة! وهل
العقل
-الحجاب كما اجمع العرفانيون، يستطيع ان يقدم
العرفان،
ويحدث بذلك اختراقا لدائرة البيان.. اذن، لما بقي
العرفان،
عرفانا.. ولما كان لدائرة البيان فضل في
ايجادالرقابة العقلية
الحصينة لعالمها المعقولي!
فهذا -كما سبق قولنا- لا يعبر عن تناقض. لان الجابري،
وهو
يؤسس لمشروع يكتنفه الكثير من الغموض، لم يكن يمثل
عقلا
بيانيا، حتى يكون التناقض مذمة له حينما يكون متهما
به..
بل هو ناحت في التراث على اساس علة غائية.. تضحي بكل
ما
من شانه اعاقة النتيجة! ولذلك، تظل المعيارية، حتى
في هذه
الحدود الضيقة، متصلة بمعيارية القرب من السلطة او
البعد
عنها.فكلما اتجهنا نحو المعارضة توغلنا في مجاهل
الغنوص
والهرمسية، او بتعبير آخر: تزندقنا واوغلنا في
الكفر.. حتى اذا
دخلنا في اقوى معارضة (التشيع)، كنا قد دخلنا
الهرمسية
ذاتها، ما دام ان التشيع قد تهرمس نهائيا. وكلما
اقتربنا من
السلطة اتجهنا صوب عقل البيان.. المعقول الديني..
الاجماع، او
بتعبير صريح، دخلنا الاسلام!
اتجاه الاسلام اتجاه السلطة اتجاه
المعارضة اتجاه الكفر كلما
تقدمنا في اتجاه السلطة، تقدمنا تبعا لذلك باتجاه
الاسلام،
والعكس صحيح.
بهذا يكشف الجابري، في مغامرته التجزيئية
والتغليبية، في
حقل التراث العربي والاسلامي، ومن خلال جراته،
واستسهاله
لمخاطر هذا الحقل، عن انه كان يؤسس -وهو لا يناقض
نفسه،اي انه واع، جدا، بخطواته الفكرية -لخطاب
سلفي، عمل
على تحيينه، وتجديد اصطلاحاته مع الابقاء على
مضمونه..
خطاب تتجسد حرفيته وظاهريته- المعادية للمعقول
العقلي
نفسه-في دائرة البيان! انه خطاب يعانق منطقا
بيانيا، صوريا،
تشوبه سلفية ظاهرية حروفية، تجللهما معا، سلطوية
متمركزة.
وقد يكون من المناسب ان نقول: ان اكثر العناصر عداء
للمعقول
الديني والعقلي، ظلت هي هذا الثالوث المسيطر، ذو
الاضلاع
الحميمة المتكاملة.. خطاب غاياته سلطوية، قاعدته
سلفية
وذهنيته ظاهرية!
اذا كان ذلك ما تراى للجابري بخصوص التشيع، وفي
مجال
الحقيقة.. فان ميدان الشريعة ايضا طاله قسم من
الطعون،
حينما اعتبر الشيعة لا يضفرون بفقه فعال. انه «فقه
متوارث».. وليس ذلك مرده فقط، الى قصور المصادر
التي
استند اليها الباحث، ولم تسعفه في تكوين رؤية
حقيقية حول
طبيعة النظر الفقهي عند الامامية.. كما ليس مرد ذلك
الى
الخلط بين الامامية والاسماعيلية حيث لم يقع نظره
على تراث
فقهي كبير لدى الاسماعيلية، يضارع تراثهم الفلسفي!
بل مرد
ذلك الى نظرة معكوسة، تقلب وجه التراث، ويتحول
المتوارث
الى الديناميكي،والعكس صحيح! لقد صادر الجابري على
ان
الزمن الشيعي مغلق ودائري. وهو في ثباته كالمكان.
ومن هنا
فالشيعي او العرفاني، يرى نفسه قادرا على الحراك في
كل
اتجاهاته.. الزمن بمخارجه الثلاثة، كما يملك
الحضور فيه
والغياب عنه..
من هنا لابد من ان ينتهي الى المصادرة على ثبات
فقههم
وطبيعته الوراثية، على اساس المنظور «الكورباني»
(نسبة
الى المستشرق هنري كوربان) حول فلسفة المعاد او
انتظار
ظهور الحقيقة المستورة.. ( الظهور التام). فالفقه هو
بالتالي
نتيجة اجتهاد. وثمرة نظر متواصل يلحظ الواقع وتطور
الزمن.
من هنا اهمية المقاصد.. طبعا، الجابري لم يكلف نفسه
البحث
في التراث الفقهي الامامي، حتى يستطيع بناء حكم
كهذا،
توصل اليه من طريق تكهني.. وقياس ناقص! وكان يكفيه ان
يتساءل، ان كانت ظاهرة «الحفاظ» مما شهده التراث
الشيعي.. ظاهرة الحفاظ كانت ملازمة لكل فقه متوارث.
اما
الدائرة التي يقف عليها مشروع الجابري الظاهري،
فقد
احتضنت ظاهرة الحفاظ، وساهمت في انهاء «قصة»
الاجتهاد،
في القرن الرابع الهجري.
وهو بالذات، زمن الاجتهاد الفقهي الشيعي، الذي
سيثمر مع
مرور الزمن، تراثا فقهيا وعقلانيا مهما، كما سنوضع
في ما بعد!
ان هذه الانتظارية -التفاؤلية- التي اساء الجابري
استيعابها..
تتحول الى زمن دائري، وقار، في حين، هي جوهر لحقيقة
روحية وسياسية، كافرة بالزمن السيال على دروب
التظلم، اي
الزمن المتحرك على غير ممشاه الحقيقي ( الزمن
الثابت)
فالوجه الاخر، لهذه الثباتية الزمانية، هي
الديناميكية الفعالة،
المتحركة بكيفية ارادية. تجعل الانسان سيد مجاله
ومداه!
فالعقل الشيعي، ككل عقل، فعالية ذهنية ذات اصل غير
مفارق.
وهناك فضاءات اشتغل فيها هذا العقل فكانت بذلك احدى
تلويناته.. كونه عقل انبثق عن ماساة.. وتتحول تلك
الماساة الى
نظام رموز واشارات.. تبقى هي اللون الطاغي على الفكر الشيعي اليومي.. تشده
بالماساة، تركزها وتخترق بها الزمن، لتتحول الماساة الى الذاكرة المعاشة والخارقة
في آن.. تتعالى على الزمن (الزمن الرديء) في نغمة متصلة، تجعل من كل
يوم
عاشوراء ومن كل ارض كربلاء! ان ما يبدو زمانا مغلقا
وعقلا
مانعا، هو عقل التزام! وعقل الرفض لمنشى ء
الماساة.. «الماساة
ملة واحدة »..
فالزمن الماساوي ينغلق ليزداد وعيا
بماساويته.. فلا ينفتح الزمان المغلق الا مع التغيير، ليكون الانفتاح حقيقيا، كان العقل الماساوي، يستبعد وجود الزمان المنفتح من دون تغيير. المانعية هناهي تحقيق لعقل ملتزم، تصل به القناعة بالتغيير الى مستوى «نكون او لا نكون»! ومع ذلك، فان العقل الشيعي لم يقتصر على عقل الماساة، بل تجاوزها، ليلامس ما سماه بعقل العقل،بتقنيات المعاقلة العالمة! ففي المنطق والاصول والفقه.. لم تحضر الماساة بثقلها كله، ولا كان هناك مجال لاي هرمسية -جابرية- مزعومة.. ينهض العقل الشيعي ليرتفع بالعقل الاسلامي الى ارقى مداركه! هكذا اثمر الزمان الشيعي، المتظاهر بثباته الكاذب، المحتال، تطورا فلسفيا ومعرفيا هائلا.. اقتحم دائرة البيان، دائرة الزمان المتحرك، المنفتح، احدث تغييرا رهيبا، في التاريخية الاسلامية وجغرافيتها، ناضل، ثار، حكم، اجتهد! بينما ظل الزمان البياني، الحراكي، متيما بسلفيته. ارتجاعيا، مهادنا، «حفاظي»، حشويا، زمانا متوقفا!
السيد حسن الاءمين
قبل الثورة
في سنة 79 هجرية، كان الحجاج بن يوسف قد ساق نخبة
رجال
الشعب وخيرة فرسانه ، شيوخاوشبابا، الى مجزرة
رهيبة في
محاولة لغزو «رتيبل» ملك الترك. في عقر داره، وكان
يقود
الحملة والى سجستان عبيداللّه بن ابي بكرة.
ولكي ندرك ان هذا الغزو لم يكن له اي مسوغ ننقل
عبارة
الطبري، كما وردت في تاريخه. يقول الطبري،وهو يتحدث
عن
ولاية ان ابي بكرة على سجستان : «ثم انه غزا رتبيل
وقد كان
مصالح». ثم يقول الطبري:«فبعث الحجاج الى
عبيداللّه بن
ابي بكرة ان ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى
تستبيح ارضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتليه وتسبي
ذريته»
ومن النصوص المتقدمة الواردة في الطبري نعلم
ان«رتبيل» كان مصالحا، وان سلاما كان متفقا عليه بين الفريقين، وان لا شيء يوجب نقض الصلح واستبدال الحرب بالسلم.
ثم ان اوامر الحجاج صريحة، فهي لا تطلب من قائد
الجيش ان
يهدي الناس ويرشدهم، ولا ان ينشر بينهم الرحمة
والعدل
والعلم والمعرفة ، وهي الاهداف التي اراد الاسلام
تحقيقها. بل
يطلب اليه ان يستبيح الارض ويقتل الرجال ويسبي
النساء
والابناء. واية حرب هي هذه الحرب التي لا تهدف الا
الي
الاستباحة والقتل والسبي. ولا تتحدث اوامرها الا
عن المغانم
والجرائم!
اهي الحرب التي يجوز ان يكون وقودها شبان المسلمين
وشيوخهم، وان يفني فيها اهل الحفاظ
والحمية والنجدة؟
ويسترسل الطبري في الحديث فيقول: «فخرج عبيداللّه
بن
ابي بكرة بمن معه من المسلمين من اهل الكوفة واهل
البصرة،
حتى وغل في بلاد «رتبيل» فاصاب من البقر والغنم
والاموال
ما شاء».
وهكذا فان اهل البصرة والكوفة هم المقصودون، وهم
المراد
لهم ان يكونوا الضحايا، وهكذا فان رجلاكريما، مثل
شريح بن
هانى ء الحارثي، يساق بعد السير تحت راية علي، الى
السير تحت
رايات الحجاج لسلب البقر والغنم.
وهكذا، فقد كانت غاية الحملة حيازة الاموال وسوق
المواشي،
وحسبك بهذه الغاية غاية لئيمة مجرمة.وغنم من وبقر
من،
واموال من اصحاب الجيش المجاهد؟ انها غنم الفقراء
وبقر
المستضعفين، واموال البؤساء من غير شك، انها
المواشي التي
كانت تسرح في المراعي، واصحابها مطمئنون للصلح. اما
عن الدعوة الى الهدى والنداء الى الحق، فلا تحدثنا اخبار الحملة بشيء عنه ابدا. وما دام الجيش الغازي
قداصاب البقر
والغنم والاموال فقد حقق هدفه وانجز طلبته وفاز
بالمراد.
وكان الترك، قوم «رتبيل»، قد اعدوا خطة محكمة
لحماية
بلادهم فتركوا الجيش المقبل يتوغل في ارضهم، ثم «اخذوا
على المسلمين العقاب والشعاب فسقط في ايدي
المسلمين»،
على حد تعبيرالطبرى، وحوصروا في تلك الفجاج حصارا
محكما وضاق بهم الامر، ولم يفد البقر والغنم شيئا،
واحتارقائد
الجيش ابن ابي بكرة في ما يصنع، فارسل الى شريح بن
هانى ء
يستشيره في ان يدفع اموالا ليخلوابينه وبين الخروج.
ولكن
شريحا نبهه الى ان غاية «المتامرين» من هذه الحرب
هي
سلب الاموال، وانه حين يدفع ما لا للاعداء، فان
الدولة ستقطع
الاموال من رواتبهم، فقال له ما نصه: «انك لا تصالح
على شيء
الا حسبه السلطان عليكم في اعطياتكم». فقال ابن ابي
بكرة:
لو منعنا العطاء ما حيينا كان اهون علينامن
اهلاكنا. وبعد حوار
قصير بينهما قال له شريح: «انما حسبك ان يقال بستان
ابن
ابي بكرة وحمان ابن ابي بكرة».
نفهم من هذا الحوار، ان ابن ابي بكرة، وهو من ولاة
الامويين
وحكامهم، كان له من المزارع والعقارات كغيره من
الحكام ما
يغنيه عن راتبه، اما الجنود، وهم من افراد الشعب
البائس
المحروم، فليس لهم رزق اذامنعوا اعطياتهم وحرموا
من
رواتبهم، لذلك كان من راى شريح ان يجازفوا في
الافلات من
الحصاربهجمات يائسة لعل بعضهم ينجو ويسلم. وهكذا
نادى
شريح: يا اهل الاسلام، من اراد منك الشهادة فالي،
فقاتل حتى
قتل. ويقول الطبري: «فاتبعه فرسان الناس واهل
الحفاظ
فقاتلوا حتى اصيبوا الا قليلا،ونجا من نجا من
«رتبيل» حتى
خرجوا منه».
ولما بلغ الحجاج الخبر كتب الى عبدالملك بن مروان
بما جرى
من جملة كتاب: «اما بعد، فان جنداميرالمؤمنين الذين
بسجستان اصيبوا ولم ينتج منهم الا القليل».
وهكذا فان فرسان العرب واهل الحفاظ ابيدوا عن آخرهم
الا
قليلا، ابيدوا في تلك الديار انائية، بعيدين عن
اهلهم واوطانهم،
ابيدوا لان عن آخرهم الا قليلا، ابيدوا في تلك
الديار النائية،
بعيدين عن اهلهم واوطانهم، ابيدوا لان «الدولة
العربية»
حولتهم الى سراق بقر وغنم، وكانوا بين خطتين: اما ان
يبيدهم السيف في ارض عدوهم، او يعودوا فيذلهم
الفقر في
اوطانهم.
جيش جديد
وكان في ما كتبه الحجاج لعبد الملك طلبه تجهيز حملة
جديدة من ابناء الكوفة والبصرة لتسلك طريق الحملة
الاولى،
فوافق هذا الطلب هوى عبدالملك فارسل الى الحجاج
موافقا
على تسيير هذه الحملة.
يقول الطبري: «كان الحجاج وليس في العراق ابغض اليه
من
عبدالرحمن بن ممد بن الاشعث، وكان يقول:ما رايته فط
الا
اردت قتله». ويفترض في مثل هذا البغيض ان يكون بعيدا
عن
الحجاج ووظائفه، ولكن الوالي الذكي لم يختر
لقيادة الحملة
الجديدة الا بغيضه اللدود عبدالرحمن.
وكيف لا يختاره ما دام المقصود من الحملة لا كسب
المحامد
ونشر الفضائل، ولا الدعوة الى صلاح ورشاد. بل
المقصود منها
تحطيم قوى الشعب الروحية والجسدية، والقضاء على
فروسيته
في المجاهل النائية.
ويروي الطبري، ايضا، ان عبدالرحمن هذا دخل مرة على
الحجاج، فلما رآه مقبلا قال لجليسه الشعبي:«انظر
الى
مشيته، واللّه لهممت ان اضرب عنقه».
عبدالرحمن ابغض الناس الى الحجاج، والحجاج يود لو
يقتله،
فمن هو اذن اجدر من عبدالرحمن ليقودالاربعين الفا
من
الشبان العرب الى مصارعهم باسم الفتح والجهاد.
ان نظرة الحجاج الى القائد العام للجيش لا تختلف
ابدا عن
نظرته الى كل فرد من افراد الجيش، وان نواياه لعبد
الرحمن لا
تختلف عن نواياه لاولئك الاربعين الف جندي
الباسلين، وانه
ليبغضهم كما يبغض قائدهم ويود لو ضرب اعناقهم
كافة، لذلك
خصهم كما خص قائدهم بهذا الجهاد.
يقول الطبري: «ثم ان الحجاج اخذ في جهاز عشرين الف
رجل
من اهل الكوفة، وعشرين الف رجل من اهل البصرة».
ومضى هذا الجيش بقيادة عبدالرحمن، ولما بلغ الخبر
الى
«رتبيل» كتب الى عبدالرحمن «يعتذر اليه عن مصاب
المسلمين، ويخبره انه كان لذلك كارها، وانهم لجاوا
الى
قتالهم ويساله الصلح».
عبدالرحمن يحاول التخلص
وهكذا كان، فقد اقتحم عبدالرحمن بجيشه بلاد
«رتبيل» من
دون ان يلقى مقاومة، لان «رتبيل» كان قد
اتبع النهج الذي
اتبعه فى مقاومة الحملة الاولى، فترك هذه الحملة
الثانية
تتوغل في بلاده على امل اصطيادهافي الثنايا
والشعاب، لانه لا
بد لها، اذا ارادت تنفيذ اوامر عبدالملك والحجاج،
من الوقوع
في المصيدة.ولكن عبدالرحمن وقف عند نقطة معينة ولم
يتجاوزها.
يقول الطبرى: «حتى اذا حاز من ارضه (رتبيل) ارضا
عظيمة
وملا يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس
الناس على
الوغول في ارض رتبيل».
وبهذا افسد عبدالرحمن خطة الحجاج وعبدالملك في
افناء
شبان المسلمين في تلك المعاقل والعقاب والشعاب،
وفي
الوقت نفسه حقق لهما حيازة الاسلاب من البقر والغنم
والاموال الاخرى.
ثم كتب الى الحجاج بما انتهى اليه وابان له رايه في
وجوب
التوقف عن الاندفاع في اراضي الاعداء،
ولكن الحجاج لم يكن
يرضيه هذا الراى فلا بد من الغزو لان في الغزو تحقيق
ما
يشتهي، فكتب الى عبدالرحمن يفند رايه ويحاول ان
يثير فيه
عاطفته فنسبه الى الجبن وفساد الراي، فقال في ما
قاله له:
«انه لم يحملك عليه الا ضعفك والتياث رايك فامض
بما
امرتك به من الوغول في ارضهم والهدم لحصونهم وقتل
وسبي ذراريهم». وهكذا فالاوامر واحدة لكل حملة:
هدم وقتل
وسبي، اما نشر الاسلام واشاعة العدل
والرحمة والحق فلا مكان
لها في اوامر الدولة ثم اردف الكتاب بكتاب ثان ثم
بكتاب ثالث.
مؤتمر شعبي
وكان عبدالرحمن اعقل واحكم من ان يعرض نفسه ويعرض
معه الاربعين الف عربي لمجزرة ارضاءلنزوات الحجاج،
على انه
لم يشا ان يتفرد بالامر وحده، بل راى ان يشرك معه
مجموع
الجيش، فدعاالناس ووقف فيهم قائلا: «اني لكم ناصح
ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر. وقد
كان من رايي في ما بينكم وبين عدوكم راي استشرت فيه
ذوي احلامكم واولي التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم
رايا
وراوه لكم في العاجل والاجل صلاحا، وقد كتبت الى
اميركم
الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزنى ويضعفنى ويامرني
بتعجيل
الوغول بكم في ارض العدو، وهي البلاد التي هلك
اخوانكم فيها
بالامس،وانما انا رجل منك امضي اذا مضيتم وابى اذا
ابيتم».
ومنم هذه الكلمة، ندرك ان عبدالرحمن كان قد استشار
ذوي
الراي العسكري، وتداول معهم في ما يجب علمه، وانهم
كانوا قد
اقروه على ما ارتاى، وانه حين جمع جمهرة الناس انما
جمعهم
ليبلغهم راى العسكريين الفنيين وانهم مجمعون على
ان لا امل
في نجاح الحملة، فهو الان يترك الكلمة الاخيرة
لهذه المجموعة الحاشدة لتحمل مسؤليتها نفسها.
يقول الطبري: «فثار اليه الناس فقالوا: لا بل نابى
على عدو اللّه
ولا نسمع له ولا نطيع».
الاربعون الفا كانوا مدركين كل الادراك غايات
الحجاج، وكانوا
يعلمون ما يبيته لهم، لذلك كان رايهم فيه بالاجماع
انه «عدو
اللّه» وانهم «لا يسمعون له ولا يطيعون». هذا هو راي
الشعب
بحكامه يومذاك، هذا هوراي المسلمين والعرب
المحكومين
بالدولة العربية الحاكمة.
ولم يكتف الناس بهذا القول الجماعي بل وقف خطباؤهم
يفصلون الامر ويشرحونه، فكان ممن خطب عامر بن
واثلة
الكناني، وكان شاعرا خطيبا، فكان مما قاله: ان «الحجاج لا
يرى فيكم الا راي القائل الذي قال لاخيه: احمل عبدك
على
الفرس فان هلك هلك وان نجا فلك. ان الحجاج واللّه لا
يبالي
ان يخاطر بكم فيقحمكم بلادا كثيرة اللهوب
واللصوب، فان
ظفرتم فغنمتم اكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة
في سلطانه، وان ظفر عدوكم كنتم انتم الاعداء
البغضاء الذين لا
يبالي عنتهم ولا يقي عليهم».
وتكلم غيره من الخطباء، فنادى الناس، من كل جانب
مؤيدين،
اقوال الخطباء منادين بالثورة على الحكم الفاسد
الجائرر،
والكلام الذي اعلنه الخطيب الكناني كان يصور
الحقيقة البشعة
التي استهدفها الحكام الامويون في ما اسموه
بالفتوحات والتي
عرضوا بسببها الشعب الى هذه المحن المبيدة.
اعلنت الثورة، وتقدم الثوار نحو العراق مستهدفين
الحجاج ثم
الحكم الاموي كله. وكان شاعر الثورة اعشى همدان،
فقال
مشيرا الى ان الثورة عربية عامة تمثل العرب
والمسلمين كلهم
في نقمتهم على الحكم الفاسد الذي اراد بهم ما اراد:
انا سمونا للكفور الفتان
حين طغى في الكفر بعد الايمان
بالسيد الغطريف عبدالرحمن
سار بجمع كالدبى من قحطان
ومن معد قد اتى ابن عدنان
بجحفل جم شديد الارنان
فقل لحجاج ولى الشيطان
يثبت لمذحج وهمدان
اما مبادى ء الثورة فقد حددتها صورة لمبايعة التي
بايع بها
الناس عبدالرحمن بن محمد الاشعث وهذانصها: نبايع
على
كتاب اللّه وسنة نبيه وخلع ائمة الضلال وجهاد
المحلين».
وهذا نص واضح صريح يحدد اهداف الثورة ويعلن مناهجها
ومبادئها، وهي المناهج والمبادى ءوالاهداف التي
تؤدي الى
تحرير الشعب العربي من عبودية الحكام الفاسدين
واقطاعية
الولاة الظالمين،والعودة به الى المبادى ء التي
قضى عليها
الحكام الجدد وعادوا بالمسلمين الى ما هو شر من
الجاهلية الاولى.
تطور الثورة
كانت الثورة، في اول امرها، ثورة الجيش وحده، ولكن
لم تكد
طلائع هذا الجيش تقبل من سجستان ويعلم الناس
بالامر حتى
هب الشعب عن بكرة ابيه يؤيد الثائرين وينضم الى
صفوفهم،
فاول مدينة ثارت هي البصرة فاقبل اليها ابن
الاشعث، ويقول
الطبري: «بايعه على حرب الحجاج وخلع عبدالملك
جميع اهله». وتلت البصرة في الثورة الكوفة.
ويقول الطبرى: «فلما دخل ابن الاشعث الكوفة مال
اليه اهلها
كلهم». ثم تتابعت البلدان الثائرة، فيقول الطبري: «وتقوضت
الى ابن الاشعث المسالح والثغور». وهذا ابلغ تعبير
في الاشارة
الى انتشار الثورة في كل مكان انتشارا جعل منها
اضخم ثورة
شعبية تحررية.
وكان قادتها زعماء شعبيين متواضعين، نبتوا في
اوساط الشعب
وخبروا حياته وعاشوا دنياه بكل ما فيهامن اهتضام
وحرمان
وجوور، وكان بينهم نخبة العلماء والفقهاء
والشعراء، او
باصطلاحنا الحديث نخبة المثقفين المتحررين ذوي
الرسالات
الهادفة المناضلة، وكانوا وهم يحرضون الشعب على
الصمودوالثبات كانما يسجلون شعارات الثورة، فمن
اقوالهم ما
كان يحرض به عبدالرحمن بن ابي ليلى الفقيه من جملة
قوله:
«قاتول هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين
جهلوا
الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه».
وقال
ابوالبخترى: «ايها الناس، قاتلوهم على دينكم
ودنياكم فواللّه
لئن ظهروا عليكم ليفسدون عليكم دينكم وليغلبن على
دنياكم». وقال الشعبي: «يا اهل الاسلام، قاتلوهم
ولا ياخذكم
حرج من قتالهم فواللّه ما اعلم قوما على بسيط
الارض اعمل
بظلم ولا اجور منهم في الحكم». وقال سعيد بن جبير:
«قاتلوهم ولا تاثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى
اثامهم،
قاتلوهم على جوهرم في الحكم وتجبرهم في الدين
واستذلالهم الضعفاء».
على ان الوحيد الذي كان بعيدا عن جوهر الثورة
وروحها هو
قائدها عبدالرحمن بن الاشعث، ولكن الظرف وحده هو
الذي
وضعه على راسها، وكان لابد منه لتكتيل الجيش
واستبقاء
وحدته فان وجوده على راس الجيش جعله مفروضا على
قادة
الثورة وزعمائها.
ولكن المقادير كتبت للثورة الفشل، وهي في قمة
نجاحها.
وقد كان الحجاج في ظفره لئيما لا يخالط قلبه نبل او
مروءة،
كما كان الزعماء الشعبيون ابطالا في مواجهته، وهم
اسرى بين
يديه، فمن ذلك انه كان بين من سيق اليه منهم كميل بن
زياد
النخعي فحاول الحجاج اهانته كما كان يفعل. فجرى
بينهما
حوار كان فيه كميل ابيا شموخا في اعلى ذروات
الرجولة،
وقدانهى حواره مع الحجاج بقوله: «ايها الرجل من
ثقيف، لا
تصرف علي انيابك ولا تهدم علي تهدم الكثيب ولا
تكشر
كشران الذئب، اقض ما انت قاض فان الموعد اللّه»،
فقتل كما
قتل غيره من الالوف.
اولى معارك الثورة
مضى عبدالرحمن بالجيش الى العراق ثائرا، فلما بلغ
الخبر الى
الحجاج كتب الى عبدالملك في الشام يطلب الاسراع
بارسال
الجنود اليه لقمع الثورة، وتقدم هو فنزل البصرة.
ولما وصل كتاب الحجاج الى عبدالملك هاله، واخذ في
تجهيز
جيش وارساله الى الحجاج، وتتابعت النجدات، فترك
الحجاج
البصرة وتقدم الى «دتستر» لملاقاة عبدالرحمن بن
الاشعث،
ولم تلبث ان تلافت مقدمة الجيش عند «دجيل، فكان
الصدام
بين المقدمتين، فانهزمت مقدمة الحجاج بعد قتال
شديد
وقتل منها العدد الجم.
فاضطر الحجاج للرجوع الى البصرة، فتبعه جماعة من
الثوار
اليها فقتلوا جماعة من اصحابه، فترك البصرة ولم
يلبث ان
دخلها عبدالرحمن. ويصف ابن الاثير ما جرى قائلا: «فبايعه
جميع اهلها: قراؤها وكهولهامستبصرين في قتال
الحجاج».
هذه الجملة الموجزة تريك الى اي حد كان الحكم
مكروها من
الشعب، هذا الشعب الذي لم يكد يرى اعلام الثورة
مرفوعه حتى
انضم اليها بكل طبقاته، محاولا التلخص من اولئك
الحكام
الذين لم يلق منهم الا العسف والظلم والاضطهاد.
كان الحججا، بعد انسحابه من البصرة قد نزل
«الزاوية»، وهي
مكان غير بعيد عن البصرة، ويبدو ان سبب انسحابه من
المدينة
يعود الى انه ادرك الجو الشعبي المعادي له منها،
فاثر
الانسحاب منها على ان لا يبعدعنها.
وبعد ان ركز عبدالرحمن اموره في البصرة، قرر الزحف
الى
الحججاج بعد ان انضمت اليه جمع اهلها،ففي المحرم من
سنة
83، تزاحف الفريقان فكان بينهما عدة معارك، وفي آخر
المحرم اشتد القتال فانهزم جيش الحجاج اول الامر،
ولكن لم
يطل امد الهزيمة اذ لم يلبث امر الثوار ان تضعضع
فانهزموا الى
الكوفة،بما فيهم اهل القوة واصحاب الخيل من اهل
البصرة.
وثبت في البصة عبدالرحمن بن عباس بن ربيعة بن
الحارث بن
عبد المطلب، فبايعه من بقي من اهلهافقاتل بهم
الحجاج
خمس ليال اشد قتال، ثم انسحب لا حقا بعبد الرحمن في
الكوفة.
وكان الصحابي عامر بن واثلة ممن شارك في هذا
القتال، مع
ولده طفيل، فقتل طفيل فرثاه ابوه بقصيدة منها:
خلى طفيل علي الهم فانشعبا
وهد ذلك ركني هدة عجبا
مهما نسيت فلا انساه اذ حدقت
به الاسنة مقتولا ومنسلبا
واخطاتني المنايا لا تطالعني
حتى كبرت ولم يتركن لي نشبا
وكنت، بعد طفيل، كالذي نضبت
عنه السيول وغاض الماء فانقضبا
وقد عرفت هذه الوقعة باسم «يوم الزاوية».
وتم امر البصرة للحجاج، فكان اول ما استفتح به
مجازره، فقتل
احد عشر الفا، وكان سبيله الى ذلك ان خدع الناس
بالامان،
فارسل من نادى في البصرة: لا امان لفلان بن فلان،
وسمى
رجالا، فاعتقد العامة انه قد آمن الناس، فحضروا
اليه فامر
بقتلهم فقتلوا.
اما في الكوفة فقد كان واليها من قبل الحجاج
عبدالرحمن
الحضرمي، وفي غياب الحجاج واشنغاله بماانشغل به،
استغل
ذلك مطر به ناجية اليربوعي فاراد الاستيلاء الكوفة
فتحصن
ابن الحضرمي باقصر، وثاراهل الكوفة مع مطر فاخرج
ابن
الحضرمي ومن معه وكانوا اربعة الاف، واستولى مطر
على
القصر، فلماوصل عبدالرحمن الى الكوفة ابى مطر
التسليم له
وتحصن في القصر ومعه جماعة من بني تميم غيرمدرك
حقيقة قوة عبدالرحمن، معتقدا انه مجرد منهزم من
الحجاج،
فاكتفى عبدالرحمن بان اصعد الناس بالسلالم الى
القصر
فاستولوا عليه وقبضوا على مطر بن ناجية فسجنه اول
الامر،
وراى ان يصطنعه لانه بحاجة للرجال فاطلقة، فانضم
مطر اليه.
وكان اهل الكوفة قد خرجوا لاستقبال ابن الاشعث
عندما علموا
بقدومه، ثم مالوا اليه كلهم، وسبقت همدان اليه
فحفت به.
وتداعى اليه الناس من كل مكان في العراق. «وتقوضت
اليه
اهل المسالح والثغور».
ولم تؤثر هزيمة «الزاوية» في عزم الناس على
الاستمرار في
الثورة، وبعد ان كانت في اول امرها ثورة الجيش
اصحبت ثورة
الشعب والجيش معا.
الزحف من البصرة والمناوشات
لما تمكن الحجاج في البصرة،ئ زحف منها قاصدا
عبدالرحمن،
ومضى حتى مر بين القادسية والعذيب،فارسل اليه
عبدالرحمن
بن الاشعث خيلا عظيمة من فرسان الكوفة والبصرة
بقيادة
عبدالرحمن بن العباس الهاشمي منعته من نزول
القادسية، ثم
سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثم تسايروا
حتى نزل
الحجاج دير قرة ونزل عبدالرحمن بن العباس دير
الجماجم.
ومعنى ذلك ان الحجاج، في زحفه من البصرة، لم يلق
مقاومة
حتى كاد يشارف الكوفة، فلم تكن الارياف التي مر
فيها مهياة
للقتال، ولا كان ابن الاشعث مهيا للصمود قبل
الكوفة، بل كان
منهزما يريد ان يلوذ في المدينة حيث تجمعت الوقى
من كل
مكان، ومنها خرج ابن لعباس بفرسانه لوقف زحف
الحجاج،فاوقفوه عند «دير قرة»، ووقفوا عند «دير
الجماجم».
ولما كان الحجاج زاحفا، بكل قوته، كان لا بد للثورة
من ان
تقابله بكل قوتها، لذلك تقدم ابن الاشعث من الكوفة
واصلا الى
دير الجمام.
يصف الطبري قوى الثورة بهذا الوصف: «واجتمع اهل
الكوفة
واهل البصرة واهل الثغور والمسالح بديرالجماجم،
والقراء من
اهل المصرين، فاجتمعوا جميعا على حرب الحجاج،
وجمعهم
عليه بغضهم والكراهية له، وهم اذ ذاك مئة الف
مقاتل ومعهم
مثلهم من مواليهم».
وكان الحجاج يتلقى النجدات من عبدالملك قبل نزوله
«دير
قرة»، وظلت النجدات تتواصل اليه وهو في هذا
المكان. على
انه كان قد فكر قبل نزوله ان يتقدم الى «هيت»، وهي
بلدة
على الفرات فوق الانبار،وناحية الجزيرة، ليقترب من
الشام
فياتيه منها ومن الجزيرة المدد من قريب. ولكنه
عندما وصل «دير قرة»قال: ما بهذا المنزل بعد من اميرالمؤمنين
وان
الفلاليج وعين التمر الى جنبنا، فنزل.
ويبدو ان قوى الثورة كانت عاملا في الحؤول دون
تقدمه الى
«هيت» ونواحي الجزيرة، ما حمله على النزول بدير
قرة.
وهكذا وقف الفريقان وجها لوجه يتناوشان، ثم اشتد
القتال
بينهما، وكانت الاخبار تصل الى عبدالملك بن مروان
في
دمشق على خيل البريد المسرعة، وعرفت في دمشق قوة
حشود الثورة وخيف من الصدام الاكبر بين الفريقين
وما يجره
من الضحايا، وما يمكن ان ينتهي اليه امر الثوار من
النصر.
المفاوضات
ويقول الطبري: ان اشتداد القتال بلغ «رؤوس قريش
واهل
الشام قبل عبد الملك ومواليه»، وعرفوا ان المطلوب
راس
الحجاج باقالته من ولاية العراق، فاقترحوا على
عبدالملك:
«ان كان انما يرضى اهل العراق ان تنزع عنهم الحجاج
فان نزع
الحجاج ايسر من حرب اهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك
طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم».
لا شك في ان السبب الاول للثورة كانت مظالم الحجاج
وطغيانه، ولكن الثوار بعد ان توحدت كلمتهم واشتد
ساعدهم
وتنامت قوتهم، لم يعد عزل الحجاج مطلبهم، بل ان
مطلبهم
هو اتقلاع الشر من جذوره والقضاء على المصدر
الاساسي للظلم
والاضطهاد، فالحجاج شعبة من شعب الطغيان وفرع من
فروعه،فاذا نحي اليوم فتنحيته لا تجدي ما دام من
سيحل
محله من الطينة نفسها ومن المعدن نفسه. ثم
ان المطلوب
ليس انقاذ شعب العراق وحده، بل انقاذ الامة كلها من
اقصى
ديارها الى اقصاها، وهذا لا يتم الابهدم الاساس
الذي يقوم عليه
هذا الهيكل الطغياني الذي استهان بالناس ودمائهم
وكراماتهم
وحقوقهم منذ قام في العام الواحد والاربعين من
الهجرة.
هذا ما لم يفكر فيه «رؤوس قريش واهل الشام قبل
عبدالملك
ومواليه».
لذلك اقترحوا عزل الحجاج ارضاء للثوار. وما لم يفكر
فيه
عبدالملك نفسه لذلك قبل اقتراحهم، ورضي بان يضحي
بالحجاج.
استدعى عبدالملك ولده عبداللّه وطلب الى اخيه محمد
بن
مروان الذي كان بارض الموصل ان يوافيه الى دمشق،
فاجتمعا
عنده كلاهما في جنديهما. فقد اراد ان يكون وفده الى
الثوار
على مستوى عال ومن صميم البيت المالك ومن الصق
الناس
بشخصه، ليكون في ذلك ضمانا للثوار في انفاذ ما
يعرضه اذا
قبلوه.ولم يكتف بذلك بل دعم موقفه بقوة عسكرية هي
القوة
التي كانت بقيادة كل من ولده واخيه، ليقول
للثوارضمنا انه لا
يفاوضهم عن ضعف، وان الناطقين باسمه بلسانيهما
سينطقان
عند الاقتضاء بسيوف جنودهما.
ومضى الوفد المفاوض حاملا الحل المقترح ليعرضه على
الثوار
وهو:
1 عزل الحجاج عن ولاية العراق.
2 يحل محله في ولاية العراق محمد بن مروان اخو
عبدالملك.
3 يختار عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث اي بلد في
العراق
ليكون واليا عليه، ما دام حيا وما دام عبدالملك
باقيا.
4 ان تجري على اهل العراق اعطياتهم كما تجري على اهل
الشام.
فلما وصل الوفد الى العراق، والتقى الحجاج واطلعه
على
مهمته، كان موقف الحجاج كما وصفه الطبري:
«فلم يات على الحجاج امر قط كان اشد عليه ولا اغيظ
له ولا
اوجع لقلبه منه مخافة ان يقبلوا فيعزل عنهم».
فكتب الى عبدالملك: لئن اعطيت اهل العراق نزعي لا
يلبثون
الا قليلا حتى يخالفوك وبسيروا اليك ولايزيدهم ذلك
الا جراة
عليك، الم تسمع بوثوب اهل العراق مع الاشتر على ابن
عفان،
فلما سالهم مايريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص،
فلما نزعه لم
تتم لهم السنة حتى ساروا اليه فقتلوه، ان
الحديدبالحديد يفلح،
خار اللّه لك في ما ارتايت والسلام عليك.
ونحن هنا نريد ان نناقض راي الحجاج هذا، اننا لا
نستغرب
تشبث الحجاج بولاية العراق وتفضيله اراقة دماء
الشعب على
احتفاظة بالولاية. ولكن تعريضه بالثائرين على ابن
عفان بقيادة
الاشتر، وقوله بانهم بعدان استجاب لهم ابن عفان
بعزل سعييد
بن العاص عادوا فساروا اليه قبل ان تتم السنة
فقتلوه. ان
تعريضه هذا نابع من روح الطغيان المتاصلة فيه، فهو
لا يفهم ان
للشعب حقوقا هي ابعد من تغيير وال بوال آخر،وماذا
يجدي
ابدال سعيد بن العاص بغيره من الولاة ما دام مروان
بن الحكم
مسيطرا على الخليفة في المدينة، مروان بمفاسده
وآثامه
المتنافية مع ابسط حقوق الناس، وما دام الخليفة
مسترسلا في
تحكيم استره الفاسدة بمرافق الدولة واباحة تلك
المرافق لها،
وحرمان اصحاب الحقوق من حقوقهم.
لقد طالب احرار الكوفة، بقيادة الاشتر، بابدال
سعيد بن العاص
بعد ان نال العشب ما ناله من مظالمه وتهتكه
فاستجيب طلبهم
فرضوا لعل الامر العام يمشي الى الصلاح، ولكن قبل
ان تتم
السنة كان الامر في الامة كلها يسير من سيء الى
اسوا، فكان
منهم ما كان.
رفض عبدالملك طلب الحجاج واصر على عرض الاقتراحات
على الثائرين.
لقد كانت الثورة، كما قلنا، ثورة الجيش وثورة العشب
بكل
طبقاته، وكانت نقية مخلصة مؤمنة لا مطمع لرجالها
الا صلاح
الحكم.
ولكن الظروف وضعت على راسها رجلا هو ابعد الناس عن
مهمة الثورة وعن اهدافها وعما تطالب به،وهو في
حقيقته، لا
يقل بغيا وعسفا وفسادا عن الذين تثور عليهم الثورة
لبغيهم
وعسفهم وفسادهم.
ويكفى انه من الارومة التي انبتت الاشعث بن قيس
وابنه
محمدا وبني الاشعث، ومن البيت الذي خرجت منه تلك
الزمرة
التي عرفها الناس بما عرفوها به من شرور وآثام.
وكان هذا الوهن الاكبر في الثورة.
تقدم عبداللّه بن عبدالملك فقال: يا اهل العراق...
انا عبداللّه بن
امير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا...وذكر لهم
المقترحات
التي تقدم ذكرها.
ثم تقدم محمد بن مروان وقال: انا رسول اميرالمؤمنين
اليكم،
وهو يعرض عليكم كذا وكذا...
فوجى ء الثوار بهذا الموقف، ولم يكن من الممكن
اعطاء الجواب
في الحال، فقالوا: نرجع العشية...فرجعوا فاجتمعوا
عند ابن
الاشعث، فلم يبق قائد ولا راس قوم و لا فارس الا
اتاه.
لقد كانت المقترحات موافقة لهوى ابن الاشعث فهو لم
يثر لامر
عام، بل ثار لامر شخصي، وما دام هذا الامر الشخصي قد
تحقق
لمصلحته، فهو سيكون واليا ككل ولاة هذه الدولة
متحكمابالشعب على هواه ومزاجه. وما دام الامر كذلك
يجب
انهاء الثورة. لذلك، فان ابن الاشعث افتتح المؤتمر
الشعبي
المنعقد برئاسته لتقرير مصير حقبة من اخطر حقب
تاريخ الامة
في ذلك الوقت افتتحه بهذا الخطاب الانهزامي، كما
يرويه
الطبري:
«فحمد اللّه ابن الاشعث واثنى عليه، ثم قال: اما
بعد، فقد
اعطيتم امرا انتهازكم اليوم اياه فرصة، ولا آمن ان
يكون على
ذي الراي غدا حسرة، وانكم اليوم على النصف، وان
كانوا
اعتدوبالزاوية فانتم تعتدون عليهم بيوم تستر،
فاقبلوا ما عرضوا
عليكم وانتم اعزاء اقوياء والقوم لكم هائبون،
وانتم لهم
منتقصون، فلا واللّه لا زلتم عليهم جراء ولا زلتم
عندهم اعزاء
ان انتم قبلتم ابدا ما بقيتم».
هذا هو الخطاب الموجز الذي حاول فيه ابن الاشعث ان
يكون
منطقيا، وان يدخل الى عقول القوم، عن طريق المنطق
وتحليل الواقع تحليلا عقليا. في حين انه لم يقبل
العرض لانه
كان منطقيا عقليا بل قبله لانه حقق له مطامعه
الشخصية.
ولا شك في انه كان لهذا الخطاب اثر في توهين العزائم
وضعضعة الافكار، ولكن الصوت الاقوى كان للثائرين
المتحمسين الذين لم يستطع اي صوت واهن ان يرتفع في
دوي صوتهم الهادر، فوثبوا من كل جانب قائلين: «ان
اللّه قد
اهلكهم فاصبحوا في الازل والضنك والمجاعة والقلة
والذلة،
ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة
القريبة. لا واللّه
لانقبل».
ثم اعادوا خلع عبد الملك من جديد بعد ان كانوا قد
اعلنوا
خلعه من قبل.
فعند ذلك، «رجع محمد بن مروان وعبد اللّه بن عبد
الملك
الى الحجاج فقالا: شانك بعسكرك وجندك فاعمل برايك،
فانا
قد امرنا ان نسمع لك ونطيع. فقال: قد قلت لكما انه لا
يرادبهذا الامر غيركما، ثم قال: انما اقاتل لكما
وانما سلطاني
سلطانكم».
وكان عبد الملك قد قال لهما حين ارسلهما: ان ابوا ان
يقبلوا،
فالحجاج هو الامير وولي القتال، وانهما في طاعته.
فلما وصل
الامر الى هذا الحد كانا اذا لقيا الحجاج سلما
عليه بالامرة.
الحرب
الى هنا كان لابد من القتال، وهكذا كان، فنظم كل من
الفريقين قياداته في الميمنة والميسرة والخيل
والرجالة. ومن
ابرز قيادات الثوار كان محمد بن سعد بن ابي وقاص
الذي
كان يقود الرجالة، وعبد الرحمن بن العباس الهاشمي
الذي كان
يقود الخيالة، وجبلة بن زحر بن قيس الجحفي الذي كان
يقود القراء، وكان معه خمسة عشر رجلا من قريش،
فيهم عامر
الشعبي وسعيد بن جبير وابو البختري الطائي وعبد
الرحمن
بن ابي ليلى.
وكان الثوار في وضع حياتي جيد، اذ كانت تاتيهم
المواد
التموينية من الكوفة وريفها الواسع، في حين كان
الحجاج في
وضع سيى ء، اذ قل عنده الطعام وفقد اللحم، وكان شبه
محصور.
وبدا القتال بمناوشات بين الفريقين، يتزاحفون في
كل يوم
ويقتتلون اشد قتال وتقدم جبلة بن زحر وتقدم امامه
كميل بن
زياد في كتيبة القراء فعبا الحجاج اصحابه ثم زحف في
صفوفه،وخرج ابن الاشعث في سبعة صفوف بعضها على اثر
بعض. فعبا الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر
ثلاث
كتائب وبعث عليها الجراح بن عبد اللّه الحكمي
فاقبلوا نحوهم.
ويروي ابو يزيد السكسكي الذي كان مع الجراح الحكمي
قائلا:
انا واللّه في الخيل التي عبيت لجبلة بن زحر، حملنا
عليه وعلى
اصحابه ثلاث حملات، كل كتيبة تحمل حملة فلا واللّه
ما
استنقصنامنهم شيئا.
وقد سمعنا واحدا من جماعة الحجاج يصف حملات جماعته
على خيل جبلة بن زحر، ونسمع الان واحدا من جماعة
جبلة
يصف تلك الحملات:
قال ابو الزبير الهمداني: كنت في خيل جبلة بن زحر،
فلما
حمل عليه اهل الشام مرة، نادى عبد الرحمن بن ابي
ليلى
الفقيه، فقال: يا معشر القراء، ان الفرار ليس باحد
من الناس
باقبح به منكم، اني سمعت عليا رفع اللّه درجته في
الصالحين
واثابه احسن ثوب الشهداء والصديقين، يقول يوم
لقينا اهل
الشام: ايها المؤمنون، انه من راى عدوانا يعمل به
ومنكرا يدعى
اليه، فانكره بقلبه فقد سلم وبرى ء، ومن انكر
بلسانه فقد اجر
وهو افضل من صاحبه، ومن انكره بالسيف لتكون كلمة
اللّه
العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي اصاب سبيل
الهدى
ونور في قلبه باليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين
المحدثين
المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه،
وعملوا بالعدوان
فليس ينكرونه. وقال ابو البخترى: «ايها الناس
قاتلوهم عن
دينكم ودنياكم فواللّه لئن ظهروا عليكم ليفسدن
عليكم دينكم
وليغلبن على دنياكم». وقال الشعبي: «يا اهل
الاسلام،
قاتلوهم ولا ياخذكم حرج من قتالهم، فواللّه ما اعلم
قوما على
بسيط الارض اعمل بظلم ولا اجورمنهم في الحكم فليكن
بهم
البدار». وقال سعيد بن جبير: «قاتلوهم ولا تاثموا من
قتالهم
بنية ويقين وعلى آثامهم، قاتلوهم على جورهم في
الحكم
وتجبرهم في الدين واستذلالهم للضعفاءواماتتهم
للصلاة».
ويتمم ابو الزبير قوله متحدثا عن اثر هذه الخطب في
الثوار
قائلا: فتهيانا للحملة عليهم.
ونفهم مما رواه ابو يزيد السكسكي، ثم ما رواه ابو
الزبير
الهمداني ان الحال كان في اول الامر حال هجوم من جيش
الحجاج على الثوار، وان الثوار لزموا جانب الدفاع،
وان
هجمات الحجاج استهدفت كتيبة القراء التي كانت ضمن
قيادة
جبلة بن زحر، برئاسة كميل بن زياد النخعي، وان
الحجاج عبا
لهذه الكتيبة ثلاث كتائب، وان القصد من ذلك كان
القضاء على
هذه الكتيبة التي كانت اصلب الكتائب في القتال
واشدها ثباتا
في مواجهة الاعداء، فاذا تضعضعت كان ذلك نذيرا
بتضعضع
الجيش كله، ومن هنا راينا الحجاج يهاجمها بثلاثة
اضعافها
عددا، ثم يواصل الهجمات هجمة بعد هجمة. ولكنها
صمدت
لكل ذلك، وقد آن الاوان للخيالة كلها، ومنها كتيبة
القراء، ان
تبادر بالهجوم. فخطب الخطباء الثلاثة محرضين
معلنين
حقيقة من يثورون عليهم في سلوكهم وفي معاملتهم
للشعب
بالظلم والجور.
يقول ابو الزبير: فتهيانا للحملة عليهم، فقال لنا
جبلة: اذا
حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم
عنهم
حتى تواقعوا صفهم. فحملنا عليهم حملة، بجد منا في
قتالهم
وقوة مناعليهم، فضر بنا الكتائب الثلاث حتى
اشفترت، ثم
مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى ازلناهم عنه،
ثم
انصرفنا فمررنا بجبلة صريعا لا ندري كيف قتل، فهدنا
ذلك
وجبنافوقفنا موقفنا الذي كنا به، وان قراءنا
لمتوافرون ونحن
نتناغى جبلة بن زحر بيننا كانما فقد به كل واحد منا
اباه او
اخاه، بل هو في ذلك الموطن كان اشد علينا فقدا. فقال
لنا ابو
البختري الطائي:لا يستبين فيكم قتل جبلة بن زحر
فانما كان
كرجل منكم اتته منيته ليومها فلم يكن ليتقدم يومه
ولا ليتاخر
عنه وكلكم ذائق ما ذاق ومدعو فمجيب.
ويتمم ابو الزبير وصف ما جرى قائلا: فنظرت الى وجوه
القراء
فاذا الك آبة على وجوههم بينة، واذا السنتهم
منقطعة واذا
الفشل فيهم قد ظهر، واذا اهل الشام قد سروا وجذلوا
فنادوا:
يااعداء اللّه قد هلكتم وقتل طاغوتكم.
اما من الجانب الاخر فيحدث ابو يزيد السكسكي قائلا:
ان جبلة
حين حمل هو واصحابه علينا انكشفنا وتبعونا وافترقت
منا فرقة
فكانت ناجية، فنظرنا فاذا اصحابه يتبعون اصحابنا
وقد
وقف لاصحابه ليرجعوا اليه على راس رهوة فقال
بعضنا:
هذا واللّه جبلة بن زحر، احملوا عليه ما دام اصحابه
مشاغيل
بالقتال عنه لعلكم تصيبونه، فحملنا عليه فاشهد ما
ولى ولكن
حمل علينا بالسيف، فلما هبط من الرهوة شجرناه
بالرماح
فاذريناه عن فرسه فوقع قتيلا، ورجع اصحابه فلما
رايناهم
مقبلين نحينا عنهم فلما راوه قتيلا راينا من
استرجاعهم
وجزعهم ما قرت به اعيننا، فتبينا ذلك في قتالهم
ايانا
وخروجهم الينا.
يقول سهم بن عبد الرحمن الجهني، وهو من الثوار: لما
اصيب
جبلة هد الناس مقتله حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة
بن
هبيرة الشيباني فشجع الناس مقدمه، وقالوا: يقوم
مقام جبلة،
فسمع هذا القول من بعضهم ابو البختري فقال: قبحتم،
ان قتل
منكم رجل واحد ظننتم ان قد احيط بكم، فان قتل الان
ابن
مصقلة القيتم بايديكم الى التهلكة وقلتم: لم يبق
احد يقاتل
معه، مااخلقكم ان يخلف رجاؤنا فيكم!
وكان مقدم بسطام من الري، فالتقى هو وقتيبة في
الطريق،
فدعاه قتيبة الى الحجاج واهل الشام ودعاه بسطام الى
عبد
الرحمن واهل العراق، فكلاهما ابى على صاحبه، وقال
بسطام:
لان اموت مع اهل العراق احب الي من ان اعيش مع اهل
الشام.
وجيء براس جبلة الى الحجاج، فرفعه على رمحين، ثم
قال: يا
اهل الشام ابشروا هذا اول الفتح، وقد كان الامر
كذلك.
اسباب اخفاق الثورة
ونستطيع تصور الموقف بهذه الصورة: الثورة ثورة
عارمة، ذات
اهداف محددة هي تغيير السلطة القائمة التي طال
عبثها
بالشعب، وطال استغلالها له لمصلحة طبقة محددة من
الاقرباءوالاعوان، وها هي اليوم تقذف بمجموع
الشعب، من
الشيوخ والكهول والشبان، في اتون حرب لا تبتغي
قيادتها، من
ورائها، الا جني المغانم، غير مبالية بالخطر
الداهم الذي يحيق
بتلك الجموع الشعبية التي لا تتكافا قواها مع قوى
العدو.
قيادة غير مؤمنة بمبادى ء الثورة
الثورة على السلطة الظالمة ثورة عارمة، ولكن هذه
الثورة
العارمة تنقصها القيادة المؤمنة بمبادى ء الثورة
المتحمسة لها،
وحين تكون القيادة بهذه الصفة فانها تبعث بايمانها
وحماستها
العزم الصارم في نفوس الثوار، فتظل معنوياتهم
قوية لا تضعف
ولا تلين.
ولكن قائد هذه الثورة انتهازي وصولي لا صلة له
بمبادئها
واهدافها، ولا مطامح له الا مطامحه الشخصية، فاذا
ضمنت له
تخلى عنها.
وقد بان ذلك للثوار منذ الساعة التي ضمن له فيها وفد
عبد
الملك اشتراكه بالسلطة. فبدلا من ان يكون وجوده في
قيادة
الثورة مصدر دفع لها، اصبح مصدر تراجع!
واعتقد اعتقادا جازما بان الثورة فقدت زخمها منذ
بانت للثوار
حقيقة عبد الرحمن، ولم يبق في هذا الزخم الا مجموعة
القادة
الكبار ومن اليهم. اما الجمهور فقد تضعضع عزمه
ولابد من
ان ينهار هذا العزم عند اول صدمة.
وقد راينا ما فعل مقتل جبلة بن زحر بن قيس في
النفوس، وقد
كان اقل وصف له انه هد الناس!
والثورة التي يهد الناس فيها مقتل قائد من قوادها
هي ثورة
مضعضعة الجمهور، والعامل الاول في هذا التضعضع هو
قيادتها
الانتهازية الوصولية التي لو كانت قيادة صالحة
لكان مجرد
ظهورهاللناس كافيا لتثبيت اقدامهم وشحذ عزائمهم،
ولكن
ظهور عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث الكندي للناس
يذكرهم بمواقفه ومواقف اسرته الخيانية الغادرة
فيزلزل الاقدام
ويوهي العزائم.
وقد كان جزع الناس لمقتل جبلة بن زحر، ثم تشجعهم بمجيء
بسطام بن مصقلة دليلا واضحا على تلهفهم الى القيادة
الصحيحة التي كانوا يفقدونها بوجود ابن الاشعث. وقد عرف ابو البختري الامر على حقيقته، لذلك خاطب الناس بما خاطبهم به لانهدادهم بمقتل جبلة وانبعاثهم بمجيى ء بسطام! لقد كانت جمهرة الثورة امرا عجيبا. فهذا عامر بن واثلة وعبد الرحمن بن ابي ليلى وسعيد بن جبير وابو البختري الطائي وامثالهم، ممن قاتلوا بقيادة علي بن ابي طالب، يرون انفسهم اليوم يقاتلون بقيادة من كان هو واسرته صنيعة الحكام. كما اوضحنا في الهامش (23). وهؤلاء ثوار ثائرون على الظلم والاستبداد والفساد، وعلى حكم اذل الشعب واستباح حرماته وامواله، يرون انفسهم مقودين بمن كان هو وابوه واعمامه وجده من قواعد هذا الحكم، وحين اطمانوا اليه فلوح له بالمنصب لم يلبث ان عاد الى اصوله يحاول بيع الثورة ومبادئها واهدافها بذاك المنصب! الانقسام القبلي عندما كان القتال قتال مناوشات ومبارزات، تبينت حقيقة الانقسام القبلي، وتفرق العشيرة بين هذا الفريق وذاك. فمن ذلك ان رجلا من اهل الشام تقدم يدعو الى المبارزة، فخرج اليه الحجاج بن جارية، فحمل عليه فطعنه فاذراه، وحمل اصحابه فاستنقذوه، فاذا هو رجل من خثعم يقال له ابو الدرداء، وكان ابن جارية خثعميا، فقال: اني لم اعرفه حتى وقع ولو عرفته مابارزته، ما احب ان يصاب احد من قومي مثله.
|
|---|