|
ينتمي دعبل في نسبه الى
قبيلة خزاعة المعروفة بولائها
العريق للاسلام ولرسول اللّه، ولاهل بيت الرسول.
فعبداللّه بن
بديل بن ورقاء، الجد الاكبر لدعبل، كان هو واخوه
عبد
الرحمن رسولي رسول اللّه محمد(ص) الى اليمن. وكانا
وشقيقهم عثمان من فرسان جيش الامام امير المؤمنين
علي
بن ابي طالب في «صفين». اما الاخ الرابع لعبد اللّه
بن
بديل:نافع بن بديل «كان قديم الاسلام، واستشهد على
عهد
النبي(ص) الذي قتله اهل نجد حين بعثه الرسول
محمد(ص) مع سبعين رجلا من خيار المسلمين.
ويروي ابن مزاحم عن معاوية بن ابي سفيان وقد وقف على
جثمان عبداللّه بن بديل في «صفين» انه قال من جملة
ما
قال: «ان نساء خزاعة لو قدرت على ان تقاتلني فضلا عن
رجالهافعلت».
عاش دعبل وتربى في اجواء اسرة موالية لاهل البيت،
ومحبة
لها، وعلى الرغم من كل الصور المشوهة التي نسجها
بعض
المؤرخين حول شخصية دعبل، الا ان احدا لم يستطع ان
يطعن في عقيدة دعبل، ولا ان يتهمه بالانحراف عن
ولائه
لاهل البيت. ويتجلى هذا الوفاء -من ضمن ما يتجلى- في
مدحه للامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب(ع) في
قصيدة
لم يبق منها سوى هاذين البيتين:
وكان سنانه ابدا ضمير
فليس له عن القلب انقلاب
وصارمه كبيعته بخمفموضعها من الناس الرقاب(بحر
الوافر)
ان قراءة للنزر اليسير مما وصل الينا من شعر دعبل
الخزاعي
قياسا الى سنوات عمره التي امتدت الى ما يقارب
القرن، يمكن
ان تعكس بجلاء وجهة نظره العقيدية في الولاء لاهل
بيت
النبي محمد(ص) بل ان شعره يتمحض في مدح اهل البيت
وفي هجاء الامويين والعباسيين وسواهم. يقول الشيخ
كامل
محمد عويضة في دراسته عن الصورة الفنية، عند دعبل:
«يعكس شعر دعبل وجهة نظره العقائدية في فهم
التشيع،
والتعبير عن سماته الفكرية باعتباره عقيدة مقدسة
ووجهة نظر
ملتزمة... كذلك يتصل بفكرة التشيع عند دعبل كثير مما
آمن
به المسلمون الشيعة من امامة علي بن ابي طالب،
واحقية بنيه
في الخلافة... فلم يكن دعبل متطرفا او مغاليا في
فكره، بل
استمدت الصورة الشعرية لديه عناصرها من الواقع ومن
التاريخ
الاسلامي، مؤيداصوره بنصوص من القرآن الكريم
والحديث».
يقول دعبل معبرا عن حبه للنبي محمد(ص)، وحبه لعلي(ع)،
ولفاطمة والحسن والحسين(ع):
بابي وامي سبعة احببتهم
للّه لا لعطية اعطاها
بابي النبي محمد ووصيه
والطيبان وبنته وابناها
(بحر الكامل)
ويقول ايضا:
اعد للّه يوم يلقاه
دعبل ان لا اله الا هو
يقوله صادقا عساه بها
يرحمه في القيامة اللّه
اللّه مولاه والنبي ومن
بعدهما فالوصي مولاه
(بحر المنسرح)
ويلاحظ هنا ان كلمة (الوصي) ترددت في المقطوعتين
اعلاه،
فقد عبر عن محمد(ص) ب(النبي)، فيما جاءت الاشارة الى
امير المؤمنين علي(ع) بعبارة (الوصي)، وليس دعبل ممن
يطلق الالفاظ اعتباطا، بل هو يعي جيدا ما لها من
مدلول
عقيدي واضح.
ويعثر قارى ء ديوان دعبل على جملة قضايا عقيدية
ياتي عليها
دعبل بشكل عابر، فقضية تتصل بعلم الكلام عند
المسلمين
كقضية التحسين والتقبيح العقليين من القضايا
الاجتهادية
بين علماءالمسلمين. يعالجها دعبل شعرا، ويختزل
الدليل على
ما يعتقده كمسلم شيعي، فيقول:
هي النفس ما حسنته فمحسن
لديها وما قبحته فمقبح
(بحر الطويل)
وفي هذا البيت يختزل دعبل الخزاعي عقيدة الشيعة
الامامية
بالقول بالحسن والقبح العقليين، فالناس وحتى من
ليس لهم
دين منهم، يحكمون على ان من الافعال ما هو حسن ومنها
ما
هو
قبيح، دون توقف حكمهم ذما او مدحا على معرفة ان
الشرائع
امرت بما مدحوه من الافعال او نهت عما ذموه منها.
ويغلب على الظن، ان الشاعر قال ذلك البيت من الشعر
ايام
خلافة الواثق باللّه هارون بن محمد المعتصم، اذ عرف
عن
الاخير انشغاله بالاختلافات الكلامية.
واذا كان الشاعر يتحدث بلغة المنطق والعقل، وهو
يتناول بعض
قضايا العقيدة، ففي رثائه لاهل البيت(ع) تطغى على
شعره
«رقة الاسلوب، وحدة العاطفة، وتدفق الاحساس حتى
صاررثاؤه في آل البيت دموعا غزيرة نابعة من عاطفة
حزينة
غطت بكائياته في آل البيت بثوب استوحاه من م آسي آل
البيت
وحوادثهم التي قاسوا منها ما قاسوه». وتروي جل
مصادرالدراسة عن دعبل قصة زيارته للامام علي بن
موسى
الرضا في (مرو) مع صديقه الحميم ابراهيم بن العباس
الصولي في شهر المحرم، وكان ائمة اهل البيت يولون
مسالة
احياءماساة الامام الحسين في كربلاء بالتاكيد على
محبيهم
ومواليهم من الشعراء والادباء للمشاركة في تخليد
ذكرى هذه
الثورة -الماساة، فلما راى الامام الرضا دعبل
الخزاعي مقبلا
قال له:
مرحبا بمادحنا ومحبنا، ومرحبا بناصرنا بيده
ولسانه. ثم
قال(ع):
يا دعبل، احب ان تنشدني شعرا، فان هذه الايام ايام
حزن كانت
علينا اهل البيت وايام سرور على اعدائنا بني امية.
ثم نهض الامام الرضا(ع) وضرب سترا بيننا وبين حرمه،
واجلس اهل بيته من وراء الستر وقال لدعبل: ارث
الحسين.
فانت ناصرنا وما دحنا ما دمت حيا. قال دعبل:
فاستعبرت وسالت عبرتي وقلت:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لال رسول اللّه بالخيف من منى
وبالركن والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار لعبد اللّه والفضل تلوه
نجي رسول اللّه في الخلوات
منازل كانت للصلاة وللتقى
وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الامين يزورها
من اللّه بالتسليم والرحمات
منازل وحي اللّه معدن علمه
سبيل رشاد واضح الطرقات
ديار عفاها جور كل منابذ
ولم تعف بالايام والسنوات
قفا نسال الدار التي خف اهلها
متى عهدها بالصوم والصلوات
واين الالى شطت بهم غربة النوى
افانين في الاطراف منقبضات
هم اهل ميراث النبي اذا اعتزوا
وهم خير قادات وخير حماة
مطاعيم في الاعسار في كل مشهد
لقد شرفوا بالفضل والبركات
ائمة عدل يقتدى بفعالهم
وتؤمن منهم زلة العثرات
وما الناس الا غاضب ومكذب
ومضطغن ذو احنة وترات
اذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر
ويوم حنين اسبلوا العبرات
وكيف يحبون النبي واهله
وقد تركوا احشاءهم وغرات
لقد لاينوه في المقال واضرموا
قلوبا على الاحقاد منطويات
قبور بكوفات واخرى بطيبة
واخرى بفخ نالها صلواتي
وآخر من بعد النبي مبارك
زكي اوى بغداد في الحفرات
واستمر دعبل بالانشاد اذ تخلل الابيات تعليقات
الامام الرضا
وتصديقه لدعبل وبكائه، والى ان قال دعبل:
خروج امام لا محالة خارج
يقوم على اسم اللّه والبركات
يميز فينا كل حق وباطل
ويجزي على النعماء والنقمات
فبكى الامام الرضا في البيتين الاخيرين بكاء شديدا
ثم رفع
راسه، وقال لدعبل:
يا خزاعي: نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين،
فهل
تدري من هذا الامام، ومتى يقوم بها؟
اجاب دعبل: يا مولاي اني سمعت بخروج امام منكم يطهر
الارض من الفساد، ويملاها عدلا.
قال الامام(ع): يا دعبل: الامام بعدي محمد ابني، ومن
بعد
محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن
ابنه
الحجة القائم المنتظر في غيبته. المطاع في ظهوره،
لو لم يبق
من
الدنيا الا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يخرج
ليملاها
عدلا كما ملئت جورا. واما متى؟ فاخبار عن الوقت، وقد
قال
رسول اللّه حين سئل: متى يخرج القائم من ذريتك؟
فقال:
«مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها الا هو. ثقلت في
السماوات
والارض لا تاتيكم الا بغتة».
ولما وصل دعبل الى:
لقد خفت في الدنيا وايام سعيها
واني لارجو الامن بعد وفاتي
قال الامام(ع):
آمنك اللّه يوم الفزع الاكبر.
وواصل دعبل القاء ابيات هذه القصيدة، حتى اذا وصل
الى:
وقبر ببغداد لنفس زكية
تضمنها الرحمن في الغرفات
قال الامام الرضا(ع): افلا الحق بهذا الموضع بيتين
بهما تمام
قصيدتك؟ قال دعبل: بلى يا ابن رسول اللّه!
فقال الامام علي بن موسى الرضا(ع):
وقبر بطوس، يا لها من مصيبة
تردد بين الصدر والحجبات
الى اللّه حتى يبعث اللّه قائما
يفرج منها الهم والكربات
(بحر الطويل)
دعبل: هذا القبر الذي بطوس قبر من؟
الامام: قبري.
تتفجر غنائية ملحوظة في ابيات دعبل هذه، بحيث لا
يكاد
يرددها اي متذوق فني حتى يسحر من غنائيتها الحزينة،
لذلك
لا نعجب حينما نجد الامام الرضا(ع) عندما يستمع الى
قوله:
ارى فيئهم في غيرهم متقسما
وايديهم من فيئهم صفرات
اذا به يعلق قائلا: (صدقت)، فهذه الكلمة تعبير عن
انفعاله(ع)
حيال البيت. ويعلق على البيت الاتي:
اذا وتروا مدوا الى واتريهم
اكفا عن الاوتار منقبضات
يعلق الامام(ع) قائلا: (اجل واللّه منقبضات) وهو يقلب
كفيه..
«حيث ان عملية تقليب الاكف تعد انفعالا كبيرا حيال
البيت،
وما يتضمن من دلالة مصوغة بلغة فنية غنائية
بالغة الامتاع».
هجاء الخلفاء
تبرز ظاهرة الهجاء في شعر دعبل الخزاعي بشكل يجعلها
تطغى على بقية اغراضه من خلال ابيات شعره. واذا كان
الحطيئة قد هجا حتى نفسه حين نظر في البئر فقال:
ارى لي وجها شوه اللّه خلقه
فقبح من وجه وقبح حامله
اذا كان الحطيئة يفعل ذلك، فان دعبل الخزاعي لم يهج
سوى
خلفاء عصره وحواشيهم. ولم يكن هجاؤه للخلفاء
والحاكمين
عهدئذ الا بدافع العقيدة والمبدا وموالاة اهل
البيت(ع).
يقول الشيخ الاميني: «وما ينقم من دعبل الخزاعي من
التوغل
في الهجاء في غير واحد من المعاجم، فان نوع ذلك
الهجو
والسباب المقذع فيمن حسبهم اعداء للعترة الطاهرة
وغاصبي
مناصبهم،فكان يتقرب به الى اللّه وهو من المقربات
اليه
سبحانه زلفى، وان الولاية لا تكون خالصة الا
بالبراءة ممن
يضادها ويعاندها، كما تبرا اللّه رسوله من
المشركين، وما جعل
اللّه لرجل من قلبين في جوفه، غير ان اكثر ارباب
المعاجم من
الفئة المتحيزة الى اعداء هذا الشاعر، حسبوا ذلك
منه ذنبا لا
يغفر كما هي عادتهم في جل رجالات الشيعة» من الذين
يكتبون تراجمهم في موسوعات الادب، والفقه،
والبلدان،
وغيرها.
«وعندما يتجه دعبل الى هجاء السلاطين انما يكون
بذلك قد
مارس عملية دفاع مشروعة عن الحق».
هجاؤه لهارون الرشيد
تعود علاقة الشاعر دعبل الخزاعي بهارون الرشيد الى
بيت شعر
قاله دعبل، وعرف به، وهو قوله:
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب براسه فبكى
(بحر الكامل)
فغنى بهذا البيت بعض المغنين، وشاع، فغني بين يدي
هارون
الرشيد، فطرب وسال عن قائل الشعر، فقيل له غلام من
خزاعة
يقال له: دعبل بن علي، فارسل الرشيد خادمه الى خزاعة
وارسل له بعض المال قائلا له: «اذهب به الى خزاعة
فاسال عن
دعبل، فاذا دللت عليه، فاعطه هذا، وقل له: ليحضر ان
شاء، وان
لم يحب ذلك فدعه. فصار «او فسار» الغلام الى
دعبل واعطاه
الجائزة واشار عليه بالمصير اليه، فصار معه اليه».
في قراءة متانية لرواية ابي الفرج هذه، يجد الباحث
ضرورة
البحث عن السبب الذي يدفع بهارون الرشيد لتقريب
شاعر
تمتد جذوره لاسرة موالية لشرعية الخلافة المتمثلة
بعلي بن
ابي طالب واولاده المعصومين، ولقد حفلت الكتب
التي تؤرخ
لصفين ببطولات اجداد دعبل واعمامه واخوته فيها،
حتى لقد
قال معاوية -كما قلنا سابقا-: «ان نساء خزاعة لو قدرت
على
ان تقاتلني فضلا عن رجالها فعلت«. ودعبل لم يخرج عن
خط الولاء هذا؟
يبدو ان الرشيد كان قد وضع خطة في اجتذاب شعراء
عصره،
واجراء الصلات لهم والهبات عليهم، ليكونوا بمناى
عن خصوم
الخلافة، فلا يتخذوا وسائل اعلام لخط
اولئك الخصوم.
ولكن، هل استطاع الرشيد تحقيق ذلك فيما فعله مع
دعبل؟
وهل نسي الخزاعي آل البيت في ظل رغبة «الخليفة»،
ونسي
حق آل البيت في الخلافة؟ ام هل نسي المصائب التي جرت
عليهم من قبل الامويين ومن بعدهم العباسيين؟
يذكر ابو الفرج الاصفهاني رواية عبداللّه بن طاهر
التي يقول
فيها: «وما بلغ الشاعر «دعبل » ان الرشيد مات حتى
كافاه على
فعله باقبح مكافاة، وقال فيه من قصيدة مدح بها اهل
البيت-(ع)وهجا فيها الرشيد:
«يا امة السوء ما جازيت احمد في حسن البلاء على
التنزيل
والسور»وليس حي من الاحياء نعلمه
من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
الا وهم شركاء في دمائهم
كما تشارك ايسار على جزر
قتل واسر وتحريق ومنهبة
فعل الغزاة بارض الروم والخزر
ارى امية معذورين ان قتلوا
و لا ارى لبني العباس من عذر
ابناء حرب ومروان واسرتهم
بنو معيط ولاة الحقد والوغر
قوم قتلتم على الاسلام اولهم
حتى اذا استمكنوا جازوا على الكفر
اربع بطوس على القبر الزكي بها
ان كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس: خير الناس كلهم
وقبر شرهم، هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا
على الزكي بقرب الرجس من ضررهيهات كل امرى ء رهن
بما
كسبت له يداه فخذ ما شئت او فذر
ولم يذكر صاحب الاغاني البيت الاول، وانما وجدناه
في ديوان
دعبل الذي جمعه وحققه الدكتور محمد يوسف نجم، كما
ويوجد في الديوان هذان البيتان ضمن ابيات هذه
القصيدة:
ابناء حرب ومروان واسرتهم بنو معيط ولاة الحقد
والوغر
قوم قتلتم على الاسلام اولهم
حتى اذا استمكنوا جازوا على الكفر
فالشاعر يهجو العباسيين موضحا مظالم الحكام في آل
بيت
النبي محمد (ص)، فاذا كانت الثورات الاسلامية
الشيعية قد
استطاعت تقويض اركان الحكم الاموي، فان العباسيين
قد
صادروا تلك الثورات والانتفاضات، ومن ثم انحراف
العباسيين
عما طرحوه من رد الاعتبار لاهل البيت (ع)، وبالتالى
ليتحول
العباسيون الى ملوك زمنيين لايختلفون عن الاموين
كثيرا
في عدائهم لال البيت ولمواليهم ومحبيهم، حتى لقد
قابل
العباسيون الانتفاضات الشيعية بوحشية بالغة لا تقل
قساوة عن
الوحشية الاموية.
ولكن، لماذا يعذر الشاعر دعبل الخزاعي الامويين
على قتل آل
البيت حين يقول: -
ارى امية معذورين ان قتلوا
ولا ارى لبني العباس من عذر
ان دعبل يعذر الامويين على افعالهم لانهم اعداء
الهاشميين
في الجاهلية والاسلام. اما العباسيون فانهم بنو
عمهم، فليس
لهم عذر فيما فعلوا، ويخص الشاعر دعبل في قصيدته
الرائية
هارون الرشيد بالهجاء، فلقد وصف هارون بالرجس،
ورواح يقابل
بينهما، ويتساءل: كيف يجتمع الضدان في مكان واحد:
قبران في طوس خير الناس كلهم
وقبر شرهم هذا من العبر
اشارة من الشاعر الى قبر الامام علي بن موسى الرضا
(ع)، وقبر
هارون ارشيد في مدينة (طوس) بايران.
ان تلك الابيات الشعرية «تتضمن مقارنة بين قبرين
متجاورين (الامام الرضا (ع) والرشيد) وقد صاغها وفق
صور
(تضمينية) و(استدلالية). اما الصورة التضمينية
فتتمثل في
قوله: (كل امرئ رهن بما كسبت يداه)، واما الصورة
الاستدلالية
فتتمثل في قوله: (ما ينفع الرجس من قرب الزكي) و(لا
على
الزكي بقرب الرجس من ضرر). ان نجاح هذه الصور يتجسد
في
ركونها الى الاستدلال القائم على ان تجاور قبرين،
يفترقان في
هويتهما ايجابيا وسلبا لا يعني تماثلهما من جانب،
كما لا ضرر
على ذلك من جانب آخر، وهو استدلال فني ممتع كل
الامتناع. وعلى الرغم من ان جل مصادر الدراسة عن
دعبل
الخزاعي قد ذكرت هذه الابيات كما اوردناها هنا، الا
ان
بعض الباحثين يعمد لتغيير كلمة (الزكي)، فيذكرها
(الركي)
مرة،
ويجعلها في صدر البيت ما قبل الاخير من المقطوعة.
فيما
يجعل كلمة (الركز) بدل (الزكي) في عجز البيت ولا ادري
كيف يستقيم الوزن الشعري لديه مع هذا التغيير، قبل
ان تستقيم لديه الامانة العلمية، والحقيقة
التاريخية!!
هجاوة للمامون
ثمة هدنة - اذا صح هذا التعبير - بين المامون وبين
دعبل
الخزاعي، ولعل من احد اسباب تلك الهدنة موضوع ولاية
العهد
التي قبلها الامام الرضا (ع)، وكتبت صيغتها
النهائية في (8
رمضان 201 ه/816م). وسبب آخر من اسباب تلك الهدنة ما
تظاهر به المامون من حب آل البيت (ع) والعطف على
اشياعهم ومحبيهم. وحين بدا واضحا لذوي البصائر
النافذة ان
ما فعله المامون لم يكن الا سياسة مرحلية لدعم
جبهته في
صراعه المحموم على الحكم سياسيا وعسكريا مع اخيه
الامين.
وما ان قتل الامين في بغداد والمامون لم يزل في (طوس)
التي اتخذها عاصمة لدولته، راح يتردد في ارجاء قصر
المامون
ترشيح المغني المعروف ابراهيم بن المهدي - وهم عم
المامون - لخلافة المسلمين بعد المامون.
واذا كان دعب لا يرى شرعية الخلافة في المامون او
الامين،
ويحصر شرعيتها في اصحابها الحقيقين اهل بيت النبي
محمد
(ص)، فكيف بمغن خليع؟ فراح يصور هذا المرشح
للخلافة والمقلب بابن شكلة بما عرف به دعبل من نقد
سياسى
لاذع، مصورا وكان قدر المسلمين ان تحكمهم سلالة من
(الفنانين)، يقول دعبل: -
علم وتحكيم وشيب مفارق
طمسن ريعان الشباب الرائق
وامارة في دولة ميمونة
كانت على اللذات اشغب عائق
فالان لا اغدو ولست برائح
في كبر معشوق وذلة عاشق
انى يكون وليس ذاك بكائن
يرث الخلافة فاسق عن فاسق
نعر ابن شكله بالعراق واهله
فهفا اليه كل اطلس مائق
ان كان ابراهيم مضطلعا بها
فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل
ولتصلحن من بعده للمارقي
(بحر الكامل)
يقول ابو الفرج الاصفهاني بعد ان ذكر بعض هذه
الابيات:
«فلما قراها المامون ضحك، وقال: قد صفحت عن كل ما
هجانا بهة اذ قرن ابراهيم بمخارق في الخلافة
وولاة عهده».
وليس ببعيد عن اجواء هذه الابيات نقرا لدعبل في
هجائه
لابراهيم - عم المامون - نقدا جمع فيه دعبل بين
السخرية
والدعابة، وذلك لما بلغه ان جند ابراهيم قد اجتمعوا
حوله
يطالبونه بالمعاش، فماطلهم مدة، وبعد ياسهم
احاطوا بقصرة
في بغداد واعلمهم الخليفة (المغني) ان لا مال لديه..
فانبرى
احد الظرفاء من بين الجند، وطلب من ابراهيم ان يغني
لاهل
الرصافة -حي من احياء بغداد - ثلاثة اصوات، اي ثلاثة
الحان،
ولاهل الكرخ - حي من احياء بغداد ايضا - ثلاثة اصوات
بدل
المعاش. فاخذ دعبل هذا المعنى، ونظمه شعرا، وقال
متهكما: -
يا معشر الاجناد لا تقنطوا
وارضوا بما كان ولا تسخطوا
فسوف تعطون حنينية
يلتذها الامرد والاشمط
والمعبديات لقوادكم
لا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قواده
خليفة مصحفة البربط
(بحر السريع)
فدعبل يهجو ابراهيم بن المهدي بانه مغن لا يهب الا
الغناء،
فاستخف الشاعر به، كما استخف بخلافته حيث هبطت وهوت
فتولاها مغن متهتك.
ولم يسكت دعبل صفح المامون عنه، لان دعبل يعلم ان
باطن
المامون لم يكن كظاهره، فلم يستكن اليه دعبل كما
يستكن
للرشيد من قبل. فاشتعل الغضب في اعماقه، والتهب
وكتب
في نقده قائلا: -
ويسومني المامون خطة عاجز
او ما راى بالامس راس محمد
يوفي على روس الخلائق مثل ما
توفي الجبال على رؤوس القردد
ويحل في اكناف كل ممنع
حتى يذلل شاهقا لم يصعد
لا تحسبن جهلي كحلم ابي فما
حلم المشائخ مثل جهل الامرد
ويشتد غضب دعبل فيقول للمامون مهددا: -
انى من القوم الذين سيوفهم
قتلت اخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله
واستنقذوك من الحضيض الاوهد
ثم يحذر المامون من ان يتمادى في غية: -
ان الترات مسهد طلابها
فاكفف لعابك عن لعاب الاسود
كم من كريم قبله وخليفة
اضحى لنا دمه لذيذ المقصد
مثل ابن عفان ومثل وليدهم
او مثل مروان ومثل محمد
(بحر الكامل)
يعلق الشيخ عويضة على هذه الابيات قائلا: «ولم نر
شاعرا غير
دعبل يخاطب الخليفة بمثل هذا التحدي».
هجاؤه للمعتصم
ما ان تولى المعتصم العباسي محمد بن هارون ثامن
الخلفاء
العباسيين الحكم سنة (218 ه/833م)، حتى وجد دعبل نفسه
في صميم المعارضين لخلافته وحكمه، ولا سيما مع
تصاعد
كره المعتصم لشيعة آل البيت(ع) ومحبيهم، ولم يكن
دعبل
ليسكت عن كل هذا الحيف الذي الحقه المعتصم
بالمسلمين
الشيعة. ويؤكد هذا ما يذكره ابو الفرج الاصفهاني،
اذ يقول:
«كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه، وبلغ دعبلا
انه يريد
اغتياله وقتله، فهرب منه الى الجبل وقال يهجوه:
بكى لشتات الدين مكتئب صب
وفاض بفرط الدمع من عينه غرب
وقام امام لم يكن ذا هداية
فليس له دين وليس له لب
وما كانت الانباء تاتي بمثله
يملك يوما او تدين له العرب
ولكن كما قال الذين تتابعوا
من السلف الماضين اذ عظم الخطب
ملوك بني العباس في الكتب سبعة
ولم تاتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك اهل الكهف في الكهف سبعة
خيار اذا عدوا وثامنهم كلب
واني لاعلي كلبهم عنك رفعة
لانك ذو ذنب وليس له ذنب
وحين يضمن دعبل شعره نصا قرآنيا، «فان الاهمية لهذا
التضمين ليس هو نقل اثر من القرآن بنصه، بل (تحريره)
وفقا
للهدف الذي ينشده الشاعر. فملوك بني العباس لا يفرق
احدهم عن الاخر من حيث الهوية السياسية، ولكن
الشاعر
عرض لثامنهم وهو (المعتصم) اتساقا مع اصحاب الكهف
الذين
كان ثامنهم (كلبهم).. دون ان يلتزم بحرفية النقل.
نظرا لان
اصحاب الكهف لم يتحدد عددهم اولا. كما انهم جميعا
(ايجابيون) بعكس السلاطين الذين ذكرهم. فضلا عن ان
(الكلب) لم يحمل سمة سلبية بل -كما تقول بعض النصوص
المفسرة- تبعهم لهدف خاص».
لقد ضاع ملك الناس اذ ساس ملكهم وصيف واشناس وقد
عظم
الكربوفضل ابن مروان سيثلم ثلمة
يظل لها الاسلام ليس له شعب(بحر الطويل)ويضيف
الدكتور محمد يوسف نجم في تحقيقه لديوان دعبل الى
القصيدة الابيات الثلاثة التالية:
كانك اذ ملكتنا لشقائنا
عجوز عليها التاج والعقد والاتب
واني لارجو ان ترى من مغيبها
مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه سماحة
فانت له ام وانت له اب
(بحر الطويل)
وبسبب هذه القصيدة اهدر المعتصم دم دعبل، اي حكم
عليه
بالاعدام -كما نعبر اليوم- بان اعط ى الحق لكل من
يشاء قتله،
فهرب دعبل الى مصر، ومنها الى بني الاغلب في
المغرب،وظل
مختفيا هناك اكثر سني حكم المعتصم، ولما مات
المعتصم
سنة (227 ه/842م) تنفس دعبل الصعداء. وسمع دعبل ان
وزير المعتصم محمد بن عبد الملك الزيات يرثي
المعتصم،قائلا:
قد قلت اذ غيبوه وانصرفوا
في خير قبر لخير مدفون
لن يجبر اللّه امة فقدت
مثلك الا بمثل هارون
(بحر المنسرح)
فقال دعبل يعارضه بالوزن والقافية:
قد قلت اذ غيبوه وانصرفوا
في شر قبر لشر مدفون
اذهب الى النار والعذاب فما
خلتك الا من الشياطين
ما زلت حتى عقدت بيعة من
اضر بالمسلمين والدين
(البحر المنسرح)
هجاؤه للواثق والمتوكل:
الواثق باللّه هارون بن محمد المعتصم هو تاسع
الخلفاء
العباسيين، حكم لخمس سنين، تمتد من (227 ه/842م) حتى
(232 ه/847م). وما ان سمع دعبل بنعي المعتصم، وقيام
الواثق حتى قال دعبل لمحمد بن قاسم بن مهرويه وكان معه بالصيمرة: امعك شيء تكتب فيه؟ فقال محمد: نعم.
واخرج
قرطاسا، فاملى دعبل عليه بديها:
الحمد للّه لا صبر ولا جلد
ولا عزاء اذا اهل البلا رمدوا
خليفة مات لم يحزن له احد
وآخر قام لم يفرح به احد
فمر هذا ومر الشؤم يتبعه
وقام هذا فقام الظلم والنكد
(البحر البسيط)
ويعد هذا اللون من الهجاء «قمة الشعر الساخر الذي
عرفته
عصور الادب، ويعد وثيقة لمهزلة حكم السلاطين الذين
يموتون فلم يحزن عليهم احد، وينصبون فلم يفرح بهم
احد،
حيث تظل امثلة هذا الشعر الساخر تعبيرا واحدا من
اشكال
التعبير عن الحقائق الاجتماعية التي تتحدث عن
اصوات الراي
العام وتصوراتهم للسلاطين، بعكس شعراء المديح
الزائف
الذين خلعوا على السلاطين صفات الزهد والتقوى
ونحوهما،
مما يثير سخرية القارى من امثلة المديح الذي لا
يعنى بقيمة
الكلمة مما يفقدها كل دلالاتها الانسانية».
وحين يذكر بعض المؤرخين هذه الابيات، يذكر ان دعبل
قد
ارسل بها كبطاقة تهنئة للواثق بمناسبة تسلمه منصبه
الجديد
على طريقة دعبل الخاصة في السخرية، وسلمها للحاجب
وقال
له:اقرى امير المؤمنين السلام، وقل له: هذه ابيات
امتدحك بها
دعبل، فلما قراها الواثق امر بالقبض عليه بكل وسيلة
فلم يقدر
لاختفاء دعبل عن الواثق وعيونه.
ولم يسكت عن الواثق على الرغم من اختفائه وتواريه،
فحين
بلغه ان الواثق قتل احمد بن نصر بن مالك الخزاعي
وصلبه قال
دعبل:
بني مالك صونوا الجفون عن الكرى
ولا ترقدوا بعد ابن نصر بن مالك
فقد حملته للقبور مطية
انافت بهاديه على شخص بابك
وسلوا من الاجفان كل مهند
بصير بضرب للطلى متدارك
يقوم بها للهاشميات ماتم
له ضجة يبكي بها كل ضاحك
تذكرهم قتلى ببدر تنوشهم
سباع وطير من سباع بوارك
كما فتكت اسيافهم بمحمد
وهدت مباني عرشه المتماسك
فطل دم المخلوع وانتهكت له
ذخائر من منقوشة وسبائك
فان غص هارون بجرعة عمه
فايسر مفقود واهون هالك
(بحر الطويل)
وعلى الرغم مما حفل به ديوان دعبل الخزاعي من نقد
سياسي
لاذع، فلم يصل الينا من نقد في الخليفة العباسي
العاشر
المتوكل على اللّه جعفر بن محمد المعصتم، الذي
امتدت
خلافته من سنة (232 ه/847م) حتى وفاته سنة (247 ه/861م)
سوى بيت واحد من الشعر يهجو دعبل به المتوكل ويقول
فيه:
ولست بقائل قذعا ولكن
لامر ما تعبدك العبيد
(بحر الوافر)
يعلق صاحب الاغاني فيقول: «يرميه في هذا البيت
بالابنة».
ومع الرغم محاولة بعض مؤرخي الادب العربي وبتحريض
من
«السلطان» طمس معالم شخصية هذا الشاعر وآثاره
وشعره،
فلقد حفظ لنا المنصفون من المؤرخين والباحثين
شذرات من كلمات نظمها دعبل الخزاعي شعرا، فبقيت
خالدة
حتى يومنا هذا، تشير الى الحق والخير والفضيلة.
منتدى المنهاج
الاسلام والتحديات الثقافية المعاصرة
المعولة في
بعدها الثقافي
المنتدون السيد محمد حسن الامين
د. رفيق العجم
د. طلال عتريسي
عقدت مجلة المنهاج ندوتها المعتادة، يوم الثلاثاء
الواقع فيه
16/12/1997، في قاعة المحاضرات في مركز الغدير للدراسات
الاسلامية، وبحث المنتدون، قضية «العولمة في بعدها
الثقافي»، في اطار موضوع عام هو «الاسلام
والتحديات
الثقافية المعاصرة» تزمع المجلة ان تخصص له عدة
ندوات.
شارك، في الندوة، العلامة السيد محمد حسن الامين،
الدكتور
رفيق عجم، والدكتور طلال عترسي، وقدمها وادارها
الدكتور
عبد المجيد زراقط.
بدا الدكتور زراقط الكلام، فقال بعد ان رحب
بالمشاركين
والحضور: تواجه الاسلام، في هذه المرحلة من
التاريخ، تحديات
كثيرة يعمل على تجاوزها والافادة منها، وابرزها
على
المستوى الثقافي تحد ذو اهمية كبرى يعرف الان باسم
«العولمة»، او «العالمية» في تسمية سابقة. كونت هذا
التحدي واطلقته مجموعة تطورات منها: حلول النظام
العالمي الجديد محل الحرب الباردة، ما سهل انتقال
الانتاج
الثقافي وانتشاره عالميا، وما دفع الى سعي راس هذا
النظام الى
الهيمنة على العالم، على مختلف المستويات، وبخاصة
على
المستوى الثقافي وهو موضوع ندوتنا. يساعد على ذلك
تطور
وسائل البث والانتشار كالقنوات الفضائية
والمعلوماتية
(الحاسوب) والتواصل (الانترنت) والطباعة والترجمة
والنشر
وتعلم اللغات الاجنبية، وبخاصة اللغة الانكليزية
التي صارت لغة
عالمية. هذه التطورات جعلت العالم ساحة ثقافية
واحدة، او
بتعبير متداول «قرية كونية» يسهل فيها انتشار
الانتاج
الثقافي وتداوله.
مصطلح «العولمة»، او «العالمية»، جديد، ولكل جديد
بهجته المغرية بمعرفته وامتلاكه. وقد تم تداوله،
بداية، في
مجالات المال والاقتصاد، ويتم الان تداوله في
مختلف
مجالات الحياة ومنها المجال الثقافي.
تدرك هيئة التحرير، في مجلة «المنهاج»، اهمية
معرفة
التحديات التي تواجه الثقافة الاسلامية، ومنها
ظاهرة العولمة،
فتسعى الى امتلاكها من طريق البحث والحوار،
وندوتنا هذه
هي سعي في هذا المجال.
نحاول، في هذه الندوة، ان نحدد مفهوم «العولمة»
بعامة،
و-«العولمة الثقافية» بخاصة، وان نعرف ما اذا كان
هذا
المفهوم قديما ام جديدا، وان نجيب عن اسئلة يثيرها
مثل: ما
الجديد فيه؟ ماهي امكانات الافادة منه باعتبار
الاسلام دينا
عالميا. قدم للعالم حضارة اسلامية اغتنت بخصائص
الشعوب
التي انتظمت في سياق رسالة يمثلها قول اللّه تعالى:
(بسم اللّه
الرحمن الرحيم، وماارسلناك الا رحمة للعالمين)
وقوله:
(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)؟ ثم ما هي
الاخطار التي
حملها؟ وكيف تتم مواجهتها؟
هذه الاسئلة واسئلة اخرى يجيب عنها السادة
المنتدون، وهم:
سماحة العلامة، المفكر، الاديب، الشاعر، الفقيه
السيد محمد
حسن الامين، والدكتور رفيق عجم، استاذ الفلسفة في
الجامعة اللبنانية وصاحب العديد من المؤلفات
والبحوث،
والدكتور طلال عتريسي، استاذ في الجامعة اللبنانية
ومدير
عام مركز البحوث الاستراتيجية والبحوث والتوثيق،
وصاحب
العديد من المؤلفات والبحوث. نبدا بكلمة سماحة
العلامة السيد
محمد حسن الامين فليتفضل:
مواجهة تحديات الذات
السيد محمد حسن الامين: بداية، اتقدم من الاخوة في
مركز
الغدير للدراسات الاسلامية بالشكر لاقامة هذه
الندوة، وبهذا
العنوان بالذات: «العولمة وتحدياتها او العولمة في
بعدها
الثقافي».مصطلح العولمة الذي شاءت هذه الندوة ان
يكون
موضوعا لها، هو من المصطلحات الشائعة الاستعمال
كثيرا في
السنوات الاخيرة. لكننا لو حاولنا ان نتعدى هذه
الصيغة اللغوية
للمفهوم،وعدنا الى كلمة اخرى هي كلمة «العالمية»
لاكتشفنا ان موضوع العولمة ليس موضوعا جديدا. ولكن
مما لا
شك فيه ان ثمة طفرة معينة نستطيع ان نحددها بمرحلة
اواخر الثمانينات وبداية التسعينات، زمنيا،
انتقلت فيها فكرة
«العالمية» التي كانت شائعة الاستعمال الى مصطلح «العولمة» بوصفه تعبيرا عن تكثيف جديد لهذا
المفهوم
ساعدت على انتشاره، او على الاقل ساعدت على
التنبيه الى
اهميته، متغيرات عالمية ابرزها سقوط الاتحاد
السوفياتي من
جهة وحرب الخليج من جهة ثانية، وبدا ان العالمية لم
تعد
كافية للتعبير عنه، فالعولمة تحول العالم، على
الصعيدالاقتصادي، الى سوق واحدة. ونلاحظ ان
المصطلح
مشتق، في الاساس، من اعتبارات اقتصادية.
اما بالنسبة للعولمة والاسلام فيجب ان نلاحظ انه لا
ينبغي ان
تكون «العولمة» مجالا من مجالات التحدي، فعقيدتنا،
نحن
المسلمين، تقوم على عالمية الاسلام. فنحن عالميون
قبل ان
ينشامفهوم «العولمة»، ويفترض ان يكون فتح الافاق
والحدود
فرصة للاسلام الذي يهدف الى ان يكون دين البشرية
جمعاء.
ولكن الاسلام ليس دينا عقيدة فحسب، فهو، ايضا،
مجتمع:
تجربة بشرية حاضرة وتاريخ بشري، اضافة الى كونه
واقعا تنتمي
اليه شعوب كثيرة لكل منها انجازاته الحضارية.
المواجهة ليست، اذا، مع العولمة نفسها بقدر ما هي
مواجهة مع
الذات تقتضي توفير الشروط التي تسمح لنا بمواجهة
واقع قائم،
فنحن ندرك سلفا اننا سنواجه مجموعة من التحديات
على غير
صعيد، ومن وجهة نظرنا، اننا لا نستطيع مواجهة هذه
التحديات، على المستويين: القريب والبعيد، الا اذا
واجهنا، قبل
ذلك، الذات ورؤيتنا من منظور الاسلام نفسه، ما يشكل
وسيلتناالثقافية، او العقائدية لمواجهة
«العولمة».
العولمة تحثنا على مواجهة ازمة ثقافتنا الاسلامية.
وباختصار
اقول: ان ابرز مظاهر هذه الازمة، هو نقص الحرية في
هذه
الثقافة، وهذا النقص له مصدران اولهما، يتعلق
بالانظمة
الاستبدادية غير الديمقراطية التي لا تتيح
الحريات الضرورية
اللازمة للتجدد الثقافي والفاعلية الثقافية،
وثانيهما ذهنية
التحريم الدينية وعدم تحديد المسموح والممنوع.
واكاد اقول:
ان هذه الذهنية الغريبة عن طبيعة الاسلام وطبيعة
العقيدة
الاسلامية تشكل عنصرا استلاب ربما يكون اكثر خطورة
مما
تمارسه الانظمة السياسية التي تحاصر الحرية،
بوصفها رديفا
اساسيا لاي تطلع نحوثقافة فاعلة ومتطورة. واكاد
اقول: ان
الحرية والثقافة هما رديفان لا يفترقان.
لماذا يجب ان نواجه ازمتنا الثقافية؟ ولماذا يجب ان
تكون هذه
المواجهة مؤهلا لنا لمواجهة تحديات العولمة؟
ما اظنه اننا لا يمكن ان نكون جزءا فاعلا من هذا
العالم ما لم
نحاول ان نستخرج اهم ما تختزنه ذاتنا الثقافية
واصفاه، وهذا
امر لا يمكن ان نجترحه من دون ان نخوض معركة حرية
حقيقية مع السلطة الحاكمة وانظمتها التي تعمل على
ان لا
يكون للثقافة سلطة على الاطلاق وعلى ان يكون للسلطة
ثقافة سائدة. السلطة تريد دائما ان تكون ثقافتها هي
السائدة
والمهيمنة.
وانني ازعم، وعلى مستوى ذهنية التحريم، ان الاسلام
هو تارة
عقيدة ونصوص هي الملزمة بالنسبة للمسلم، وهو تارة
اخرى
مجموعة تفسيرات لهذه النصوص. المستوى الاول هو
عقيدة ثابتة، اما المستوى الثاني فهو اجتهاد بشري.
ما ازعمه هو
ان هذا الاجتهاد البشري استطاع ان يتخذ لنفسه، في
كثير من
الاحيان، القداسة نفسها التي يملكها النص الديني.
بهذا
المعنى، فان الفكر الاسلامي ما لم يعمل على اختراق
هذا
الحاجز الذي يقوم بين واقعنا المعاصر وبين النص
الاول، على
ان يكون هذا الاختراق حيويا يستطيع ان يستنبط من
النص
الاول اجتهادا له ملامحنا وتطلعاتنا، فانه ليس
بالامكان القول
انه لدينا، نحن المسلمين الان، ثقافة اسلامية
معاصرة بالمعنى
الحقيقي للكلمة.
واذا اردنا ان نخوض تحديات العولمة، بما فيها
التحدي الثقافي،
فابسط الشروط التي تطلب من المتحدي ان يمتلك ثقافة
ذات
طابع اصيل وان يكون هو مسهما في انتاجها، وليست
ثقافة موروثة عن الاجداد مهما كانت هذه الثقافة
الموروثة،
هامة ورفيعة ونبيلة لاننا مدعوون لان ننتج ثقافة
خاصة تعتبر
الاسلام مصدرها، ولا تكتفي بذلك، بل لابد من ان
تعتبر ان
مصدرهاالاخر هو العصر وتحدياته. بهذا المعنى، فان
تحديات
«العولمة»، في جوهرها، هي تحديات الذات قبل ان تكون
تحديات العالم الاخر. هل نجرؤ على مواجهة تحديات
الذات؟
هذا هوالسؤال الذي تطرحه العولمة. وعلينا ان نعمل
على
الاجابة عنه، وبذلك نبدا المضي في الطريق الموصل
الى
النجاح في مواجهة تحديات العصر الحديث، فنكون فيه
حاضرين فاعلين.
ثم تحدث د. رفيق العجم:
الاجتماع العالمي والمجتمعات العربية
والاسلامية بين العولمة
والخصوصية درجت، في الاونة الاخيرة، عملية
استعمال
لكلمتي العولمة والخصوصية. وفي لقائنا هذا لابد من
ان
نصطلح على هذه الالفاظ، في دلالتها اللغوية، وفي
دلالتها على
جملة من المفاهيم والابعاد النظرية من جهة
والمحسوسة
المدركة من الوقائع من جهة اخرى. ولعل هذا الاصطلاح
يمهد
لمزيد من القاءالضوء على واقع الاجتماع العالمي
الراهن ومن
ضمنه حال المجتمعات العربية والاسلامية.
ان وزن «فوعل»، في العربية، من خصوصيته الدلالة على التعمل في الشيء. اي التكلف
في فعل، ويدل ايضا على الشيء
يقوم بوظيفة آلية وان لم يكن آليا. وهذا الامر ينطبق
على
وضع العلم الذي تعمل بالتفنين (التكنولوجيا) واصبح
هو بعينه
يقوم آليا في فرض نفسه على الانتظام والاجتماع
العالميين، ما
املى عالما مادته العلم يتعمل تلقائيا وآليا مظهرا
انساقه
ونظامه وعملياته وسلوكاته.
ومن خلال هذا البعد يصح ايراد لفظة عولمة (بزيادة
التاء على
وزن فوعل: عولم)، مع اخذ مدلولها في الاكثر، على
انها عملية
يقوم بها المهيمين الاول في العالم، وهذا ليس دقيقا
او
متطابقا،اذ لابد من التفريق بين الاستعمار
والهيمنة التي
سادت في القرنين الاخيرين وبين العولمة الحالية.
كما ان لوزن فعول (خصوص، خصوصية) في العربية، خصوصية
الدلالة على المتكثر تكثرا غير منفصل، او الموحد من
الاشياء
الكثيرة، فاصبحت الكثرة من الخواص والخاصيات
غيرمنفصلة
تدل على ما يميز ويخص ويفصل المجتمعات او الاشياء.
فاستخدمت كلمة خصوصية، اي النسبة الى الخصوص،
دلالة
على الميزات الثقافية وربما الحضارية التي تميز
مجتمعا ماعن
سواه. ولهذا الاعتبار اوردنا خصوصية المجتمعات
العربية
والاسلامية. فالمجتمعات العربية لها خصوصية
والمجتمعات
الاسلامية لها خصوصية. ولعل ذلك يتمثل في مجموعة
الوقائع والظواهر التالية:
مجموعة القيم والمعتقدات والنظر الى الكون والحياة
والاجتماع.
اللغة وما تمليه من بنيان يعبر عن ذهنية وعن موروث
قابع
فينا.
جملة من العادات والتقاليد.
مجموعة من السلوكات والتوجهات ومعطيات من الحوافز
والدوافع.
اشكال خاصة من الاجتماع تتمظهر في الاسرة وجماعة
المحلة
والاجتماع السياسي. تلحقها اشكال الحياة وازياؤها.
انماط للتربية داخل الاسرة وضمن فهم عملية التعليم.
ولا عجب ان لحظنا ان العولمة دخلت المجتمعات
العربية
والاسلامية والمجتمعات العالمية كافة من غير
استثناء، ولا
سيما بعد انهيار الانظمة الشيوعية وانفراط عقد
تمايزها. فما
هي مظاهرالعولمة الرئيسية كما تبدو لنا؟
تتمثل العولمة في الظواهر التالية:
1- توزع الناتج العملي والاقتصادي على اساس وحدة
كوكب
الارض، وتقسيم العمل ضمن افق عالمي بعيدا عن الحصر
في
الافق القومي او القاري.
2- نمو حركة المواصلات نموا كميا كبيرا ونوعيا
مذهلا، ما قصر
المسافات وسهل حركة البشر ضمنها. وجعل التنقل
التجاري
والصناعي والثقافي سهلا وفي وجيز من الزمن، يماثل
التنقل في البلد الواحد او الدولة الواحدة.
ولحقت ذلك سهولة قوية في نقل الاموال والارصدة،
وتسريع
الاتصالات بين الافراد والقرارات البشرية
المتعلقة بادارة
الانتاج.
3- هيمنة اللغة الانكليزية بوصفها لغة تخاطب وتبادل
ونتاج
كشفي على التعاملات الثقافية والاقتصادية، نظرا
لسلطة
الناطقين بها على اكثرية الانتاج والتكنولوجيا،
ولما يسرته
المجتمعات الناطقة بها من مؤسسات كشفية وعلمية،
غزرت
عبرها معاني العلوم والكشوف باللغة الانكليزية.
4- البحوث العلمية التي ادت الى وضع في تكنولوجيا
الاتصالات يختلف تماما عما سبقه، ويسمح بتلقي
المعلومات
ونقلها الى الاخر بيسر وسرعة واختصار للمسافات
والازمان:الحاسوب، الانترنيت، الفاكس التلفزيون
والمحطات
الفضائية وما شابه.
5- نظام سياسي يعتمد الديمقراطية والحرية في الشقين:
السياسة والاجتماع. ففي السياسة حدثت حركة تمثيل
ناجحة
افرزت باستمرار ممثلين للناس يماثلون اختياراتهم
الحقيقية
الى حد ما، ويقاربون سير الافراد في الترقي
واعتماد الافضل
والاصلح. وفي الشق الاجتماعي حدث توافق دائم بين
مكتشفات العلم المستخدمة في ترقي الانسان وسيطرته
على
الطبيعة وسعادته في الدنيا وبين تحفيز الاكتشاف
وايجاد
المؤسسات الراعية له واختيار الاكفا والاستفادة من
طاقات كل
الشعب.
6- مهدت الميزة السابقة، عبر العقود الخمسة
الاخيرة، لتمايز
اوروبا واميركا ومن ثم لتفوقهما التدريجي، الذي
حسم كليا
لصالح الدولة الاولى الراعية في العالم وهي
الولايات المتحدة
مع خاصياتها في نمط الحياة السياسية والاجتماعية،
وسعة
امكانياتها التي تشبه امكانيات القارة في الطاقة
البشرية
والطبيعية، وساعد على ذلك انفراط عقد المجموعة
الشيوعية
وانهيارها.
7- ادت رعائية الولايات المتحدة الى فرض تدريجي
لانماطها
وانساقها في عملية العولمة. فنقلت، او اوجبت، روحية
البراغماتية، بوصفها نظرة الى المعاش والى القيم.
وفرضت
نسقايحتذى للاجتماع البشري سمته طريقة في انتظام
المجموعات الانسانية والعرقية واللغوية والشعوب
في نظام
جامع، به ما يجمع وفيه ما يسمح بالتمايز لبعض
الخصوصيات:
المكسيسكي،العربي، المسلم، البورتوريكي، الصيني،
الهندي
الخ... يعيش في بعض خصائصه ويلتقي بجوامع مع الاخر في
امريكيته، النظام العام، اللغة، الضرائب الحقوق
والواجبات،
الهوية والدفاع الخ...
8- املت السمة السابقة وفرضت نسقا مشوها خارج
المجتمع
الاميركي لا يماثل الوضع الداخلي. فاضحت
البراغماتية،
بوصفها سمة عملية اجرائية تعتمد النتيجة: العملية
او
النظرية،المتاقلمة والناجحة والفاعلة، اضحت سمة
تعتمد
النفعية العملانية والغلبة الوحشية في سوق طبعه
نفوذ راس
المال وغلبة الاقوى وفرض النظام العالمي لمن يملك
التكنولوجيا ولصالحه.وتوزيع العمل والانتاج
والمعرفة بما
يضمن سيطرة الراس او المركز الاول على الاطراف.
وقد ادى كل هذا الى توقف السير نحو الحرية السياسية
في
مجتمعات الاطراف، والى عدم اعتماد الاكفا والاصلح
في
اختيار النخب ونمو المؤسسات نموا طبيعيا وتلقائيا،
واكتساب
العلم اكتسابا تدريجيا آليا وانتقاله وتواصله
تواصلا طبيعيا على
المستوى الانساني. فظهر الاحتكار والجذب الى
المركز والمنع
المعرفي والاحباط والقسرية في الادخال الى النسق
الفارض المحتذى باشكاله الحضارية: معاش، تفنين،
فن ازياء،
لغة، تواصل، معارف، علوم سوق الخ..
ما يمكن قوله، استنادا الى الوصف السابق، ان هذه
الظواهر
حدثت في «بنينة» الوضع العالمي الجديد فسمي ذلك
عولمة. حيث كان الفعل شبه تلقائي، ساعدت عليه
عمليات
نحو العلم وتفنيناته، وآزرته القوى التي امتلكت
هذا العلم
وتفنيناته داخل شعوب معينة وتبعا لمسلك في انظمها
شقته
فنجح واقعيا. وورثته عن تراكمات دور استعماري ودورة
في
حضارات العالم محددة المعالم والاوضاع والظروف.
كل هذا يغاير عملية الاستعمار التي تركزت على اساس
تمايز
الخصوصيات القومية، ومحاولة الحاق وتذويب ارادية
لخواص
المستعمر امام المستعمر بفرض الانظمة والامن
والسياسة واللغة والقيم فرضا قسريا، كان من
الطبيعي ان يجد
ردة فعله بحركات التحرير والحركات الوطنية
والقومية وعدم
الانحياز وغيرها.. بينما يختلف الوضع الحالي اذ
اخذت
المجتمعات كلهاتتشكل على المستوى الكوكبي -كوكب
الارض- في بنيان له السمات التي تقدمت. وبعمل تلقائي
الى
حد ما فرضته التكنولوجيا والقوى العارفة والمالكة
لها.
ومن ثم اذا انتقلنا الى السمات الرئيسية لما اصطلح
عليه
بالخصوصية العربية والاسلامية مقابلة ومقارنة
لوجدنا الاتي:
1- في توزع الناتج العملي والاقتصادي عالميا تشارك
فعليا
دولة عربية واحدة تقريبا وبعض الدول الاسلامية
التي لا
تتجاوز الخمس في عملية التصنيع والتجارة على اساس
عالمي،وكاطراف نسبتها ضعيفة جدا امام الشرق الاقصى
واوروبا والهند، وما زالت بقية الدول تعتمد المادة
الخادم
والانتاج الحرفي الضيق والمحلي.
2- تفتقد الدول العربية والاسلامية لشبكة مواصلات
عصرية
فيما بينها واحيانا ضمن القطر الواحد، ومحدودية في
حركة
تنقل الاموال نظرا لطبيعة الانظمة المالية
والسياسية
باعتمادهاالسوق المغلق والموجه والرقابة على
الطريقة
الشيوعية. وكل ذلك يجعل هذه المجتمعات هامشية في
مسار
الحركة الاقتصادية العالمية.
3- الضعف العلمي الشديد للغات الخاصة بالشعوب
الاسلامية:
العربية الفارسية، التركية، اللغات الهندية الخ..
والمقصود بذلك
عدم مشاركة هذه اللغات بالعملية العلمية
والتكنولوجية.فقدان
الترجمة السليمة البناءة، عدم البحث العلمي
والاختراع بهذه
اللغات.
4- مشاركة ضعيفة وخجولة في نظام الاتصالات الجديد،
واقتصار ذلك على نخب وفئات محدودة. وتوسع في
المشاركة
الاستهلاكية للتلفزيون الذي قلما يحدث نقلة
معرفية، اذ ان
برامج المحطات العالمية التي تبث العلم نسبتها
ضعيفة وان
بثته فيبث باللغات الاجنبية التي لا تفهمها العامة
وانصاف
الخاصة.
5- انظمة سياسية مختلفة عن تطبيقات الديمقراطية
والحرية
كليا. وغربة تامة عن عمليات الاكتشاف والابداع، وان
حدثا فان
نظام القيم والتحفيز المعتمد لا يقوم على اساس
الاكفاوالاصلح، بل على اساس الانتماء السياسي
والعشائري
والفئوي. وكل هذا بعيد عن سر لعبة النجاح التي حصلت
في
الغرب وادت الى مزيد من الكشف العلمي المذهل، والى
وضع
من الاستقرار المجتمعي.
6- افرزت رعائية الدولة الاولى عالميا، وتبعا
لسيرورة تاريخية
معينة في الشعوب العربية والاسلامية، وضعا له
توجهات عدة،
تتمثل في ما ياتي: ا- في احتضان دولة غاصبة افرزت
حروباوصراعا واحباطا اثر في العملية الانتاجية
والاجتماعية
والمعرفية للشعوب العربية والاسلامية ولا يزال. ب-
في رقابة
مباشرة وتحديد لكل تطور تلقائي في اكتساب العلم
والتكنولوجيا. ج-في ديمومة قوى حاسمة مما ابعد
الفرز
والتجدد وتحقق الديمقراطية ومنع دفع القوى الافعل
وقوى
التغيير والاصلاح نحو قيادة المجتمعات.
ان كل ما تقدم وسبق لا يعدو كونه مشاهدة عامة
والتقاط بعض
الرسوم والسمات العامة ووصفها.
ويبقى السؤال المهم: كيف واجهت الشعوب العربية
والاسلامية
في العقدين الاخيرين، او كيف تفاعلت مع ما يحدث
تباعا من
بنينة لهذه العولمة وما يلحقها من سياسات وفعل
وردفعل؟
|