الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ان من المؤاخذات التي كانت ترد على بعض الفقهاء، وخصوصا الفقهاء الذين لم يختلطوا كثيرا مع الحوزات العربية، هي ان بعض استظهاراتهم غير صحيحة مثلا، او غير دقيقة، او انهم لاينتبهون الى بعض النكات الادبية العربية، انني لمست في هذه المدة (مدة الحضور والمشاركة في مجلس البحث العلمي الذي كان يحضره السيد القائد ونخبة من العلماء الكبار) ان السيدالقائد المعظم يستظهر من الايات والروايات بصورة ملفتة جدا، يلمح القضايا الادبية ويدرسها بصورة دقيقة ويكون منها دلالة، وهذه ايضا خصوصية جيدة جدا من خصوصياته.

وعليه لا شك ولا شبهة في هذا المجال (الاجتهاد المطلق للسيد المعظم) فما اثاروه وقالوه واشاعوه في الاونة الاخيرة لا اساس له ابدا.

هذا كله يرتبط بالصغرى.

ولاية الفقيه وادلتها اما بالنسبة الى ما هو المهم في الكبرى من ولاية الفقيه وكذلك كبرى المرجعية، فاني اعتقد شخصيا ان المرجعية في شكلها المعاصر (المقتصر على التصدي للافتاء واخذ الحقوق الشرعية وصرفها والتصدي للامور الحسبية) هي في الحقيقة جانب من ولاية الفقيه. حيث ان المرجعية في صورتها التقليدية وقبل انتصار الثورة، وفي ظل الحكومات كانت ميسرة وممكنة ولا مانع من قبلهم لممارستها، فكان الفقهاء يزاولونها في الاطار المستطاع والمسموح به. اما الجانب الاخر من ولاية الفقيه، وهو الحاكمية والحكومة، فلم يكونوا بمبسوطي اليد، ولم يكن ذلك ممكنا ولا متيسرا فلم يطبقوها حتى قيض اللّه سبحانه الامام الخميني المقدس ووفقه واستطاع ان ينجز هذا الامر العظيم.

يجب ان يعرف المراجع والفقهاء والفضلاء والحوزة والامة وجميع الناس ان هذا الانجاز (اقامة حكومة في كافة جوانبها على اساس الاسلام) لعظيم جدا وان هذه في الحقيقة هي المرجعية الكلية التي هي حاكمية الاسلام وحاكمية الفقه، ويجب ان يدركوا عظمة هذا الامر وقدره وشانه، وهو ما سعى الفقهاء للوصول اليه، ولكنهم لم يبلغوا الا جانبا منه وهو المرجعية في الحقوق الشرعية وامور الايتام والاموال المجهولة المالك وامثالها وليس هذا (ولاية الفقيه) بشيء جديد، انها الشكل الصحيح والكامل للمرجعية من اقامة الدين في المجتمع.

ليس الامر كما يتصور بعض الفقهاء بان اللّه، سبحانه، لا يرضى ان لا يكون هناك ولي في القضايا البسيطة مثل اموال الايتام والقاصرين ومجهول المالك والحقوق الشرعية، فسيتظهر بان الولي هو الفقيه، اما الحكومة، والحاكمية والاحكام الاخرى الاجتماعية الاسلامية العظيمة عندما تقع في يدي الفقيه فيقال باننا لا نستظهر رضى الشارع بالولاية فيها! ان هذا ذوق فقهي معوج. كيف يجوز القول بعدم رضا الشارع يقينا في ترك الاموال البسيطة لليتيم من دون ولي، او انه لا يرضى ان يكون المال المجهول صاحبه من دون ولي، او ان الحقوق الشرعية قدتركت حتما وعلى سبيل الجزم في يد الفقيه الجامع للشرائط وانه الولي عليه والحاكم فيه، ولكن اذا وقعت الحكومة في يد الفقيه وتمكن من تطبيق نظام الاسلام فنقول بان اللّه سبحانه يرضى ان يخرج من يد الفقيه الجامع ويقع في يد الكفار وياتي غير الفقيه لاقامة النظام، هذا امر غير قابل للقبول وهذا ما صرح به صاحب الجواهر في كتابه قائلا: من انكر ولاية الفقيه فهو لم يذق طعم الفقه الصحيح.

وعليه تكون ولاية الفقيه من الاصول الواضحة جدا في الفقه وان الشبهات في الكتب الفقهية حولها ناتجة في اكثرها عن عدم وقوعها (الحكومة والدولة) في يد الفقيه وعدم وقوعها محل الابتلاء بل كانوا يتصورون ان هذا امر غير ممكن وانه غير متيسر حسب منظورهم، ولهذا اعترضوا واستدلوا حسب استيعابهم للموضوع، فضيقوا دائرة ولاية الفقيه، والا فان مبناها واضح جدا، حيث نستفيدها من الادلة اللفظية في الفقه مثل المكاتبة التي ذكرناها والاحاديث الاخرى ومن الكلمات التي عبر بها في الاحاديث، ومن مقتضى حكم العقل ومن روح الفقه والذوق الفقهي فان هذه كلها ادلة على ولاية الفقيه.

اننا، في كثير من المسائل الفقهية، نضطر الى اثبات الحكم الشرعي من خلال الروح الفقهية العامة ومن خلال الذوق الفقهي الذي يقول به صاحب الجواهر، حيث يفتي ويثبت الحكم من خلاله، ومسالة ولاية الفقيه من تلك الاحكام.

كما اننا اشرنا، في مسالة القضاء التي تحدثنا عنها، الى ان الفقهاء الذين يتوقفون، في سند المقبولة والمكاتبة او في دلالتهما، يلتجئون الى دليل الحسبة والقدر المتيقن قائلين: اننا جازمون ومتاكدون بان الشارع المقدس لا يرضى ان لا يكون في المجتمع الشيعي قاض شيعي، فيكتشفون بانه مشروع ومنصوب ويكون هذا الجعل والنصب للقدر المتيقن، وهو الفقيه الجامع للشرائط.

فاذا لم نحتمل بان الشارع قد ترك مسالة المخاصمة في الدين والميراث من دون ولي، فكيف يمكن ان نقول بان الشارع المقدس قد ترك اقامة الحكومة الاسلامية اذا كانت ممكنة ومتيسرة من دون ولي او يكون وليها اشخاصا آخرين غير مجتهدين؟ فهذه الابحاث، بعد مرور ثمانية عشر عاما على اساس ولاية الفقيه لهذا النظام، باتت واضحة خاصة بعد الايضاحات المتكررة وعرض الادلة والدراسات التي تحدث عنها الامام في النجف الاشرف حول ولاية الفقيه، ثم استمرت وتبلورت ودونت في الكتب العلمية الفقهية.

ثم ان ولاية الفقيه جزء من ولاية الائمة الاطهار(ع) وامتداد لولايتهم ومجعولة من قبلهم ولا يجوز لاحد ان يشك في ذلك.

الانتخاب من المسائل المستحدثة ولو قررنا ان صلاحيات الولي الفقيه مستمدة من الشعب ومتحصلة من الانتخاب لكان هذا موقفا مواجها لما استفدناه من المنهج الفقهي والاستدلال الفقهي في مسالة ولاية الفقيه، لاننااستفدنا من القرآن الكريم والروايات الكثيرة ان الولاية والحاكمية للّه سبحانه والنبي(ص) والائمة الاطهار(ع) ومن بعدهم لمن يجعلونها له وينصبونه لها، ولم تترك الى الناس، والروايات الصادرة من الائمة(ع) في ذلك واضحة جدا. ففي مكاتبة ابن اسحاق، عندما تتحدث عن القاضي، لا يقول الامام اذهبوا واختاروا قاضيا لانفسكم بل يقول اني جعلته قاضيا وعليكم الطاعة والراد عليهم كالراد علينا. ويقول في الحديث الاخر: ارجعوا الى رواة احاديثنا، ولم يقل: اذهبوا واختاروا لانفسكم.

ولابد، ان نعلم بان الشورى والانتخاب، والاختيار على اساس الانتخاب، من البدع التي جاءتنا من الغرب ومن ثقافة المخالفين للشيعة في الولاية، ولاية المولى امير المؤمنين(ع)، ولم يكن له عين ولا اثر في الاسلام. وافضل دليل على ما نقول وندعي هو انه لو كان الانتخاب والشورى معتبرين ومقبولين في الاسلام لصدرت قطعا عن رسول اللّه(ص) والائمة الاطهار روايات كثيرة حول ذلك، ولذكروا شرائط المنتخبين وشرائط المنتخبين كما هو المعهود منهم(ع) من التصدي لبيان القضايا البسيطة للمسلمين وذكر روايات كثيرة فيها، فكيف يعقل ان يختارواالصمت تجاه قضية مهمة تعد منطلقا اسلاميا ومبنى قرآنيا؟ فلا رواية في ذلك ولا خطوة عملية من الائمة الاطهار ولا اشارة الى ان هناك شيئا مقررا في الاسلام تحت عنوان انتخاب الناس وان شروط المنتخبين كذا او شروط المنتخبين كذا.

وهذا دليل قطعي على عدم انتماء فكرة الانتخاب والاختيار الى الاسلام. هل من المعقول ان يكون الانتخاب في الاسلام معترفا به وتكون نصوص الايات والروايات على خلاف ذلك كماهو في الحقيقة والواقع؟ اننا عندما نبحث عن الايات المرتبطة بالولاية، لشاهدنا قوله سبحانه: (ان الحكم الا للّه) و-(ما كان لهم الخيرة) و (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم).

ولم تقل الايات اذهبوا وانتخبوا اولي الامر. وعندما نرجع الى الروايات نرى قوله(ع) «انهم حجتي عليكم وانا حجة اللّه عليكم» ولم يقل انصرفوا وانتخبوا. ونجد «الراد عليهم كالرادعلينا».

لقد كان تعيين الولاة في حياة الامام امير المؤمنين(ع) هو برنامجه العملي مثل تعيينه الوالي على قارة افريقيا التي كانت مصر آنذاك مركزا لها، ولم يقل(ع) لاهل مصر انتخبوا من تعجبون به حتى اجعله واليا عليكم.

عندما نرجع الى النصوص الفقهية نعرف بان الانتخاب من المسائل التي تبعث على الانحراف والتي دخلت من الغرب الى ثقافتنا المعاصرة.

كما ان الشورى التي اقترحت لدى اهل السنة، في بداية الاسلام، تختلف عن الانتخاب المطروح هذا اليوم وتباينه، ان الشورى التي تحدثوا عنها هي شورى اهل الحل والعقد حيث كان هؤلاء اشخاصا معدودين ومقبولين لدى اهل السنة واجتمعوا في المدينة (المنورة) وتشاوروا فيما بينهم ولم يعترف (اهل السنة) بغيرهم، ثم بايعوا الخلفاء الذي عينوا من قبل اهل الحل والعقد، ولم ينل احد الخلافة على اساس الانتخاب في تاريخ الاسلام، ويضاف الى ذلك كله انه هدفهم من الشورى كان مسالة سياسية خاصة. وعليه ليست الشورى من الانتخاب بشيء.

فالانتخاب من المسائل المستحدثة قطعا، وليس له جذور واساس في الاسلام.

واذا اردنا ان نرجع هذا المنطلق المتقدم: «ولاية الفقيه» المطروحة في الفقه والتي تعد جزءا من ولاية المعصوم، وجعلا وتعيينا للولي الفقيه ان نرجعه الى الانتخاب: من يعجبه ينتخبه الناس، ومن لا يعجبه لا ينتخبه فهو قضاء على ولاية الفقيه، وتحريف في الحقيقة والواقع لها.

هذا الموضوع: «الانتخاب يباين ولاية الفقيه» هو بحث من ابحاث ولاية الفقيه. ينبغي للعلماء والفضلاء في الحوزة ان يدرسوا هذه الامور ويراجعوها ويدققوا فيها، ولا يقعوا تحت تاثيرالاحاديث التي تطرح هنا وهناك ولا يرتابوا في هذا المنطلق العظيم جدا والمهم جدا الذي يتميز به الاسلام امام الثقافة المادية والثقافة الغربية، ينبغي لهؤلاء الاعزاء ان لا يخلطوا هذه المفاهيم بعضها ببعضها الاخر نتيجة التاثر بافكار مثيري الشغب والفتنة او التاثر -والعياذ باللّه- بغايات خاصة غالبا توجب التقهقر والتوقف والسقوط.

ومن القضايا المرتبطة بالولاية والتي لابد من الاشارة اليها، «الاعلمية» المستهدفة كثيرا في تلك المغالطات مؤكدين انها شرط في المرجعية والتقليد، وتجاوز بعضهم حيث اعتبر انها شرط في القيادة.

انني اتحدث في امرين من الامور التي ترتبط بالاعلمية:

الامر الاول: مفهوم الاعلمية لابد من تحديد مفهوم الاعلمية. اننا كنا ولا نزال نستخدم هذا المصطلح في معنى ليس بمعناه الدقيق. انها استعملت ولا تزال في معنى رائج ودارج ولكنه ليس بمعبر عن حقيقتها وواقعها.مضافا الى انها لم ترد في آية قرآنية ولا رواية، وليست مصطلحا فقهيا لدى الفقهاء حتى يكون لها تعريف محدد عندهم، خصوصا في الكتب الفقهية القديمة، وانما هي نتاج التحقيقات الاصولية، والتعمق والتوسع الحاصلين في علمي الاصول والفقه فظهرت الاعلمية وطرحت في بحث الاجتهاد والتقليد.

وعمدة دليل وجوب تقليد الاعلم الذي يفتون به او يفتون بالاحتياط -كما هو الغالب- ليست دليلا لفظيا، بل هو بناء العقلاء. ويكون هذا البناء في خصوص مورد العلم بالتعارض بين الفتاوى،واذا لم يحصل العلم بالتعارض، لما وجد بناء للعقلاء على ترجيح الاعلم، بل يرجعون الى اي واحد منهم، ولكن اذا حصل علم بالمخالفة بين خبيرين او بين اهل الخبرة، او بين العلماء، تم ترجيح الاعلم على غير الاعلم.

فعمدة دليل الاعلمية هو بناء العقلاء، حيث استند اليه بعض الفقهاء المتاخرين وافتى على نحو الاحتياط الوجوبي بتقليد الاعلم.

ولكن، مع ذلك، لابد من تبيين معنى الاعلمية. انني اذكر موضوعين على صلة وارتباط بها هما:

الاول: ان الاعلمية المعتمدة في الترجيح، لدى العقلاء، المنوطة بالكمية هي الاعلمية الواضحة بان يكون التفاوت بين الاعلم وغيره بينا وفاحشا ومعتدا به، اما اذا كان العالمان من مدرسة واحدة وتلقيا مباني واحدة وتتلمذا عند استاذ واحد، ولكن قرا احدهما كتابين اكثر او اقل من الاخر، او بذل احدهما جهدا اكثر بمقدار ساعتين او اقل، رغم اشتراكهما في منهج البحث والاستدلال والتعمق والمدرسة العلمية والعصر العلمي، فمثل هذا التفاوت البسيط لا يبعث على الترجيح في التقليد حتى لدى العقلاء.

نعم اذا كانا من مدرستين بينهما فارق كبير، او لكل منهما مشرب فقهي بينهما بون شاسع، كما لو كان احدهما من طلاب مدرسة صاحب الجواهر والاخر من طلاب الشيخ النائيني الذي استفاد من بركات الشيخ الاعظم الانصاري وتحقيقاته ومن بعده من المحققين الاخرين امثال صاحب الكفاية والميرزا الشيرازي، لقلنا ان الفاصل كبير بين ما كان وما يكون ولامكن القول بان مثل هذا الفاصل يوجب الترجيح والاعلمية لدى العقلاء في التقليد.

اما اذا كان العلماء من مدرسة واحدة ومن عصر واحد ومستوعبين للمباني الاصولية والقواعد الفقهية والادلة الفقهية حسب دقتها وعمقها وسعتها حتى انهم كانوا تلامذة لدى استاذ واحد.وخلاصة الكلام انهم ان كانوا ابناء مدرسة واحدة وكانوا من اهل الفضل والعلم والاجتهاد فليس من المعلوم ان العقلاء يعباون بالفوارق البسيطة ويتمسكون بالاعلمية.

الثاني: لا يكون تعريف الاعلمية بما يقال من بذل جهد اكبر في ابحاث علم الاصول او القواعد الفقهية او الفلسفية او علم الرجال او ما اشبه ذلك فيكون لاحدهم ابتكارات علمية وما شابه ذلك. ان هذه العلوم تشكل جانبا من الاعلمية، ومن الممكن ان يكون لها دور فيها، فيما اذا كان لها تاثير وانعكاس على البحث الفقهي والاجتهاد مع العلم بان مثل هذه الابحاث عادة ليست بكثيرة.

لابد من ان نعرف العوامل ذات التاثير في الاستنباط الفقهي حيث يكون لها جميعها دور في الاعلمية، اريد ان اقول انه بالنسبة الى الفقيه والمجتهد المطلق الخبير بالفقه، في زماننا هذا بل في الازمنة السابقة، مضافا الى دور ما نسرده من العلوم في الاجتهاد مثل علم الرجال وعلم الاصول وعلم الحديث والابحاث الفقهية والاصولية الدقيقة من مسائل الترتب والتزاحم ومقدمة الواجب والمشتق وامثال ذلك مما ليس لاكثره تاثير في الفقه، مضافا الى ما له تاثير في الفقه مما تقدم، توجد علوم ومعارف اخرى الى جانب هذه لها دور في الاعلمية، وهي عندي ذات تاثير كبير في اعلمية المجتهد في اجتهاده الفقهي في المسائل التي يريد ان يستنبطها. وهذه الامور هي:

1- فهم روح الاسلام، وهو في اعتقادي امر مهم، ويحصل الانسان عليه اثر الاحاطة الدقيقة بالايات القرآنية والضروريات الدينية والمسلمات الاسلامية والاوليات الفقهية، والالمام الكامل بما نفذه النبي الاكرم(ص) والائمة الاطهار(ع)، وخصوصا معرفة واسعة بحياة النبي والامام علي بن ابي طالب حيث كانا مبسوطي اليد ومسؤولين عن الحكومة حتى نعرف كيفية تطبيق الاحكام الاسلامية وتنفيذها، ولابد من معرفة دقيقة بسيرة النبي واهل بيته والائمة الاطهار لتحديد الامور التي كانوا يولونها اهتمامهم والامور التي لا يولونها الاهتمام، فمن مجموع هذه المواقف يستطيع الانسان ان يدرك القضايا المهمة في الاسلام والاولويات فيه.

وفي اعتقادي ان هذا الامر كان مما امتاز به الامام الخميني، حيث كان له في هذه القضية ادراك جيد ودقيق، وبسببه انطلق (رضوان اللّه تعالى عليه) من بحث بسيط جدا في المكاسب وهو ان ولاية الفقيه على اموال الايتام والقاصرين والمحجور عليهم، مثل ولاية الاب والجد، انطلق (رحمه اللّه) الى الحكومة الاسلامية. ولولا ذلك الفهم لواقع الاسلام وحقيقته، وان النبي والائمة الاطهار المعصومين انما بعثوا لاجل اقامة الحكومة، وجاهدوا واستشهدوا لاجل تشييدها ولولا فهم روح الاسلام ولولا استيعاب الدقائق والرقائق الاخرى من الايات والروايات وحياة النبي والائمة الاطهار وحركة النبي واهل بيته لما انطلق من تلك المسالة البسيطة الى استنباط تلك المسالة المهمة واستخراجها.

ان اعلمية الامام تاثرت بمجموع ما تقدم، انها لم تات بسند جديد للمكاتبة، ولم تات لها بدلالة اخرى ولكن عندما درس تلك المكاتبة على ضوء تلك النظرات الثاقبة وتلك الاستنتاجات وتلك الادراكات، تغير التفسير لها والاستظهار منها واوجب فهما جديدا.

لابد من ان يكون الاستظهار من الروايات من خلال القرائن اللبية واللفظية والتاريخية وعصر الصدور والمعصوم الذي تحدث والظروف التي كانت سائدة، فاذا كان الاستظهار كذلك كان سليما وصحيحا، والا كان استظهارا خاطئا، استظهارا ميتا، استظهارا لا روح فيه، استظهارا بعيدا عن واقع الحكم الشرعي الالهي، رغم كون علم اصول فقه هذا المستظهر المجتهد جيدا،فاي اعلمية هذه عندما يكون الاستنباط والاستظهار كذلك؟ وعليه تكون هذه القضية (معرفة روح الاسلام من خلال معرفة الظروف والقرائن) ذات تاثير في الاعلمية.

2- فهم الثقافة والامور الفكرية والحقوقية المعاصرة الى حد ما.

ففي اعتقادي ان هذا الموضوع ايضا له تاثير كبير في الاعلمية والاستنباط الافضل في المسائل المستحدثة، او المسائل القديمة التي تطرح على المجتمع في صور جديدة، ويبتلى بها المجتمع في شكل جديد، مثل مسائل البنك، ومسائل الاقتصاد الاسلامي، ومسائل القضاء في الاسلام والكثير الكثير من المسائل الاخرى المهمة التي يواجهها الانسان في المجتمع الذي يريد ان يطبق فيه فقه الاسلام، وهذه المسائل الفقهية وان لم تبلغ من حيث الكمية قدر المسائل الفرعية في الطهارة والصلاة وامثالهما، ولكن عدم الالمام بالمسائل اليومية، وآراء الخبراء في الموضوع قد يلقي بظلاله على المفهوم في بعض الاحيان. ان عدم الالمام بهذه الامور قد يوجب الوهن الكبير في الاستنباط واستظهار الفقيه في مثل تلك المسائل.

ولا اريد ان اخوض في استعراض الامثلة الكثيرة على ذلك، ولكن اقول ان بعض علماء الحوزة المشهورين بالعمق والتدقيق استظهروا احكاما كثيرة في تلك المجالات، تخالف الواقع،وعندما تتبين تلك المعلومات اللازمة، ويحاط بتلك المسالة يظهر مدى ضعف ذلك الاستنباط.

وهذا الامر في اعتقادي ايضا مهم جدا.

3- الوقوف على المعارف الصادرة عن اهل البيت المعصومين الاطهار(ع) في المسائل الكلامية والمسائل الاخلاقية والمعارف الاخرى الموجودة في الروايات والمنتشرة في الكتب غيرالفقهية، حيث يكون الوقوف على هذه المعارف مهما جدا.

اعتقد بان الذي ارتبط قليلا بالاحاديث المضيئة لاهل البيت(ع) واقتصر على روايات كتاب «وسائل الشيعة»، قد لا يكون استنباطه سليما ومماثلا لمن راجع مضافا الى روايات كتاب وسائل الشيعة، جميع الاحاديث المروية عن اهل البيت الموجودة في كتب الاخلاق وكتب علم الكلام وكتب العقائد وكتاب اصول الكافي وكتاب اكمال الدين واتمام النعمة وكتاب الخصال و... الخ، وحاز على معارف جمة وواسعة.

فالوقوف على ما اسميه بالثقافة العامة للمعارف الاسلامية، خصوصا ما صدر منها عن اهل البيت المعصومين الاطهار مؤثر جدا في الاستظهار وفي الاستفادة، وفي معرفة الادلة، وفي فهم الظاهر، والذي ينقصه هذا الجانب لا يستطيع ان يدرك جيدا ويكون استظهاره من الناحية الفقهية ناقصا.

فليس الامر كما يتصور البعض بان شخصا اذا درس في الحوزة اعواما، واصبح عالما، واتقن علم الاصول، وتعمق في بحث الاصل المثبت وبحث مقدمة الواجب وبحث الضد وبعض الابحاث الفلسفة، صار بامكانه ان يدعي الاعلمية قائلا:

ان غيري لا يملك هذا التعمق في علم الاصول، ان فهم مثل هذا الانسان عن الاعلمية يكون ناقصا جدا.

ان هذه الابحاث الدقيقة العقلية الاصولية ذات اثر بسيط في الاعلمية وفي الاستنباط وفي صحة الاستظهار، بالمقارنة مع تلك الثقافة العامة للمعارف الاسلامية الماثورة عن المعصومين حيث يكون الاجتهاد على ضوء هذه المعارف الاسلامية اقرب الى كلام المعصومين من جهة واقرب الى مصادر التشريع من القرآن والسنة واقرب الى الاحاديث وسيرة النبي وسيرة الائمة وعملهم وسلوكهم وتقريرهم من جهة اخرى.

ان تلك الثقافة الاسلامية العامة اقرب الى كلام المعصومين والى معين التشريع، من تلك الابحاث العقلية الاصولية، من بحث الترتب والمشتق وامثالهما.

اني ارى ان من احاط بالمعارف الاسلامية واجاد استيعابها وكان فاقدا لتلك الدقائق العقلية الاصولية، يكون اعلم من الذي يتقن الابحاث العقلية، ولكنه فاقد لتلك الثقافة العامة من المعارف الاسلامية لان تاثير هذه في الفقه اكبر.

فالاطر التي وضعناها للاعلمية والمقاييس التي ننطلق منها لمعرفة الاعلمية ناقصة جدا.

فليس من الصواب ان يتصور من اتعب نفسه في الابحاث الفنية الاصولية اكثر، ثم الف كتابا واصدر رسالة عملية مثلا، انه الاعلم ويتحدى الجميع ويستهتر بالاخرين، ان هذا التصور خاط ىءمن الناحية العلمية وقبيح من الناحية الاخلاقية.

فلابد من تعريف الاعلمية وتعيين حدودها: ان جميع العوامل المؤثرة في الاستنباط السليم والقوي والشفاف والاقرب الى واقع الفقه، والراي المبارك للمعصومين(ع)، هي حدود الاعلمية ومقاييسها والمقصود منها (بالمعنى الذي اوضحناه)، لان هذه الامور تؤثر كثيرا في تقريب الذهن الى فهم اهداف الائمة الاطهار والى فهم الاحاديث ويكون دورها في اصابة الواقع الشرعي اكثر من تلك الابحاث العقلية الاصولية او الفلسفية ومن تلك القواعد الاخرى البعيد بعضها عن مقاصدهم(ع)، اذ من الممكن ان هذه الابحاث الفنية المعقدة تؤدي في كثير من الاحيان الى انحراف الذهن واعوجاجه والتوائه في الاستظهار من الرواية وفهمها.

ان لما قلناه نماذج كثيرة في الفقه. لقد كان بعض الفقهاء ينتقد زملاء له بانهم متاثرون بالافكار الفلسفية ولا يفهمون الروايات ويكون استظهارهم عن الروايات مغلوطا. والذي يتمعن في الفقه يعي هذا الموضوع جيدا.

لقد كانت مدرسة المحقق الوحيد البهبهاني تعترض وتناقش المحقق الاردبيلي بانه بدا حياته العلمية بدراسة الفلسفة ثم عرج على دراسة الفقه، فتكون مناقشاته -المحقق الاردبيلي-للاحاديث الفقهية منبعثة من الخلفية الفلسفية، فتصدى المقدس الوحيد البهبهاني لمعالجة تلك المناقشات، وبذل جهدا كبيرا للاجابة على الاعتراضات التي اوردها المحقق الاردبيلي في القضايا الفقهية، وتكون اجابات الوحيد البهبهاني اولا حسب المنهج العلمي العقلي، وثانيا على ضوء ما استفاده من الروايات واستظهره من بطن الفقه لان المنهج الوحيد الذي كان يعتمدعليه هو الركون الى الروايات والاستظهار منها، كما هو ديدن الفقهاء ايضا. ولابد من الاشارة الى هذا الامر في تاريخ الفقه.

فما يتخيله بعض الفقهاء، بعد ان يدرس الاصول والفلسفة ويتعمق فيها، بانه اصبح اكثر علما في مقدمات الاجتهاد وانه اكثر شخص بذل جهده فيها فيكون استنباطه افضل، ان هذا التخيل خاط ىء في كثير من الاحيان، اذ قد يصير اجتهاده ابعد عن الواقع نتيجة تاثره الذهني المسبق.

وعليه لابد من ملاحظة كل هذه الامور ثم صياغة تعريف دقيق جدا للاعلمية على ضوئها.

ولابد من التنبيه الى ان القائد (آية اللّه السيد علي الخامنئي) يتمتع بشكل واسع بهذه الخصوصية ويلتزم في الاجتهاد باستنباط الاحكام الفقهية من باطن الفقه، والى انه لا يتاثر بالعوامل الخارجية. وهذه من مميزات السيد القائد المعظم.

ولهذا ترون ان فتاواه غالبا تتطابق مع فتاوى المشهور من العلماء، حيث يتلقى اقوال العلماء الكبار بكل عظمة واحترام وتقدير ثم يدخل في البحث. وهذا الامر من الامور المهمة في الاعلمية وفي الاقتراب من الحقيقة والواقع.

وعليه فما يقال من الكلمات حول السيد القائد المعظم غير صحيح.

وعلى اي حال، هذه الاعلمية التي ثبتت من خلال سيرة العقلاء، وافتى بعضهم بالاحتياط الوجوبي لتقليد الاعلم، هي الاعلمية الحاصلة من خلال مجموع ما ذكرنا، لا المعنى التقليدي الذي انطلق منه بعضهم واثار اللغط والفتنة.

ولو انتبه هؤلاء (مثيرو الشغب والفتنة) الى ما ذكرنا من العوامل والمؤثرات ذات الانعكاس الشديد في الاستنباط والاجتهاد، لما بقي لاحاديثهم محل ولا معنى.

الامر الثاني: المرجعية هل ان المرجعية، فضلا عن القيادة، منوطة بعلمي الاصول والفقه فقط؟ او انها ترتبط بقضايا اخرى؟ ان ارتباط القيادة بامور اخرى -عدا الابحاث العلمية الفنية الفقهية والاصولية- واضح جدا ولكن هل ان الاعلمية في مرجعية التقليد ذات بعد واحد وجهة واحدة، او لابد من توفر شروط اخرى مضافة الى ذلك؟ ان العلماء يقولون بان احراز الاعلمية في البعد الواحد (اصول الفقه والقواعد الفقهية) من باب الاحتياط الوجوبي، ولكن نقول ان احراز الامور الاخرى في المرجعية يكون من باب القطع واليقين ولا مجال للاحتياط فيها ابدا بل لابد من الافتاء بها، هل اننا بحثنا ودرسنا تلك الامور الاخرى الدخيلة في المرجعية على سبيل القطع واليقين؟ ان حقيقة المرجعية هي الولاية، ولا تكون من قبيل المراجعة الى الطبيب كما يقولون في بحث الاجتهاد والتقليد بان «تقليد المرجع» هو رجوع الجاهل الى العالم مثل المراجعة الى الطبيب. ان هذا التعبير ناقص وقاصر جدا عن معنى المرجعية.

المرجعية عبارة عن ان الشخص الواحد، بل المجتمع، يضع اموره الفقهية كافة من حين ولادته الى لحظة وفاته اي كل حياته، بين يدي المرجع من ناحية الحكم والحلال والحرام.

وهذايختلف عما قيل في التقليد من الرجوع الى الطبيب، ولهذا اعتبر الفقهاء شروطا اخرى مثل العدالة والتقوى وطهارة المولد في المرجع رغم انه لا دليل لبعض هذه الشروط ولكن دليله هوان هذا الموضوع (المرجعية) مهم جدا فيحصنونه ما استطاعوا الى ذلك سبيلا.

ان المرجع لا يكون من قبيل الرجوع الى الطبيب، ان الطبيب قد لا يكون مسلما، ولكن نرجع اليه لاننا نريد ان نستفيد من خبرته وطبابته، وان المرجعية والرجوع الى المقلد في الحقيقة امر مهم جدا، انها نوع من الولاية او على الاقل قيادة حقوقية فقهية وتمثل القوة المقننة باسرها، لان الناس ياخذون كل قوانين حياتهم من بدايتها الى نهايتها من المرجع، هذه هي حدودالولاية. فهل ان شرط هذه الولاية الهامة في الحياة والمجتمع ان يكون متعمقا في خصوص اصول الفقه ولا توجد لها شروط اخرى؟ انني هنا اشير الى شرط واحد اضافه المرحوم آية اللّه العظمى الشهيد الصدر، في كتابه الفتاوى الواضحة، عند عرضه لشرائط التقليد من العدالة والذكورة وطهارة المولد والاجتهاد بل الاعلمية على الاحوط وهو الكفاءة واللياقة للمرجعية ولم اجد في الرسائل العملية الاخرى هذا الشرط. وفي الحقيقة يجب على الحوزات العلمية ان تقف عند هذا الشرط وتدرسه في العمق. واعتقد اننا نستطيع، في كل بحث علمي دقيق للمرجعية، في هذا اليوم، ان نثبت انها لابد من ان تكون في ايدي اشخاص ينبغي ان يكونوا -مضافا الى احرازهم للنواحي العلمية- ذوي كمالات اخرى تبعث على لياقتهم للمرجعية زائدا على احرازهم للتقوى والعدالة العالية لانه قد ورد في الاحاديث وكلمات العلماء بان العدالة المعتبرة في المرجعية هي ذروتها، لان المقام والمنصب شامخ جدا. وزائدا على ذلك لابد من كمالات اخرى تجعله لائقا لقيادة المجتمع، ولان يصير قائدا له، لان الذين يقلدونه شاء ام ابى يتابعونه في نظراتهم واسماعهم ويلاحقونه بقلوبهم ماذا يقول مرجعهم ومقلدهم؟ وماذا يفتي؟ حتى يقلدوه ويتابعوه في حياتهم الخاصة والعامة. ولاجل هذا لابد من ان تتوفر في مرجع التقليد شرائط خاصة اخرى جامعها اللياقة والكفاءة في قيادة مقلديه اذا كانوا مجموعة صغيرة فكيف اذا كانت قيادته على مستوى قيادة الدولة وحاكميتها حتى يسوق مقلديه في الجهة التي يريد.

فمسالة المرجعية مسالة مهمة جدا يجدر بحثها والوقوف عندها والتامل فيها، خصوصا ان مصطلح المرجعية لم يرد في آية ولا رواية بل هي مما انتهى اليه الفقهاء. ولعل اول من بلورها هوالشهيد الاول وقد اشير اليه في تاريخ الفقه حيث اكتشفها الفقهاء من خلال روح الفقه وجوهره والذوق الفقهي، وقالوا: لا يمكن ان يكون الشيعي من دون مرجع ولابد من تصدي المرجع لامورهم فاحرزوا المرجعية واسسوها واعترفوا بها عبر التاريخ ثم تحولت الى امر مسلم به تحت عنوان المرجعية لدى الشيعة. وعليه فهل المرجعية هي هذا المفهوم -التقليدي- الناقص القاصر من الاعلمية؟ او لابد من التامل الاكثر والتعمق في الاعلمية وتشخيص شرائطها لمعرفة حدود المرجعية؟ ان المرجعية مسالة هامة جدا، انها الولاية، والاصل الاولي، والشك فيها هو عدم الولاية.

فلو لم يكن لنا دليل لفظ ي على ولاية الفقيه والتجانا الى القدر المتيقن لقلنا بان القدر المتيقن يلغي كثيرا من هؤلاء -المجتهدين التقليديين- ويشملهم اصالة عدم الحجية واصالة عدم جوازتقليدهم وعدم حجية فتاواهم.

فليس الامر كما نتصور حيث نذهب الى الحوزة ونتعلم قليلا ونتعمق في بعض المسائل، ثم نجعل ما حصلنا عليه في الحوزة هو المبنى والمنطلق لكل شيء ونغض الطرف عن القضاياالمهمة الاخرى كافة والتي لها دور كبير في الاجتهاد والمرجعية ونبدا بهتك الاخرين! في الحقيقة هذا الامر من الابتلاءات الكبيرة على المجتمع والحوزة. ولكن، والحمد للّه، الناس واعون ويقظون، والذين يحملون هموم الثورة والحريصون عليها لا يصابون باذى من جراءتلك الكلمات الحاقدة او اللاواعية كما ان النظام ايضا لا يصاب بسوء وانما تنعكس هذه الاحاديث السيئة على المتكلمين بها انفسهم.

اعتقد ان قداسة ولاية الفقيه واضحة جدا وانطباقها على القائد المعظم ايضا واضح جدا واهتمام الامام الراحل واحاديثه حول ولاية الفقيه واضح ايضا. لقد كان الامام (رضوان اللّه تعالى عليه)عندما يسمع اقل كلمة تصدر من شخص ينال من ولاية الفقيه كان (رحمه اللّه) يربط القائل بانه يتحدث بما يوحى اليه من قبل الاعداء من حيث يشعر القائل او لا يشعر. راجعوا احاديث الامام حول ولاية الفقيه المدونة في كتاب (صحيفة النور). وهذا الامر ايضا واضح جدا للناس كافة وللمسؤولين في الدولة.

وهذه الاحاديث التي قيلت او الرسائل المفتوحة التي طبعت وتوزعت هنا وهناك او غير ذلك، هذه الامور في اعتقادي لا تسيء ابدا لا الى الثورة ولا الى النظام وانما تسيء فقط الى المتحدثين بتلك الكلمات والكاتبين لها. نعم تبعث على صخب وضجيج في الحوزة وفي اذهان طلابنا الاعزاء في الحوزة وفي الجامعات وتصير سببا لاستفادة الاعداء فيفرحون من جراءحدوث الصراع بين العلماء والفضلاء حول الاعلمية والولاية والمرجعية ومن الممكن ان يثير الاعداء الفتن من الداخل لكي يصطادوا في الماء العكر، وخصوصا في هذه الاونة الدقيقة والحساسة، ايام عز الثورة وعظمتها وقدرتها وقبل مؤتمر القمة الاسلامية التي ستنعقد في طهران والتي تعد نصرا باهرا للعهد الجديد للجمهورية الاسلامية المقدسة رغم المحاولات الحثيثة من قبل الاعداء لافشال هذا المؤتمر، حيث سينعقد مع حضور قوي وفعال للدول الاسلامية وخصوصا بعد فشل المؤتمر الذي ارادت اسرائيل ان تعقده في قطر.

فعندما ينتبه الانسان الى هذه الامور لا اعرف كيف يبرر من الناحية الدينية والمذهبية والعقلية هذه الاعمال المشينة والقبيحة، خصوصا في ظل هذه الظروف الراهنة؟ اسال اللّه، سبحانه، ان يهدينا جميعا الى الصراط المستقيم وان يحشر روح امامنا مع ارواح الانبياء والاولياء، وان يرضى عنا القلب الشريف والروح المباركة لهذا الرجل العظيم، وان يجعلناالاوفياء لمدرسته والباقين على نهجه، وان يطيل عمر القائد المعظم ويزيد من عزه وشوكته وان يحشر ارواح الشهداء والعلماء والمراجع مع ارواح الانبياء والاولياء.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

 

في ذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

 الزهراء منطلق الى القدوة المثالية

في ذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء، اقيمت نشاطات ثقافية كثيرة نذكر، في ما ياتي بعضها، فبدعوة من مفوضية الجنوب لجمعية كشافة الرسالة الاسلامية، حاضر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين عنها في بلدة البرج الشمالي، صور.

وقال شمس الدين: «في هذه الظروف علينا ان نعود الى الزهراء، الى الامثولة الاخلاقية، وان نربي اولادنا على اساس الانسجام مع اخلاق فاطمة».

واشار الى الانحلال الخلقي الذي يسيطر على ابنائنا، «حيث الملاهي والبارات مليئة بالشباب والشابات الغضة، وحيث الخطر على العقيدة والاخلاق والعقل. كل هذا نستطيع ان نتجاوزه اذا ما نظرنا الى الحاجة الماسة، الى القدوة. ولنا بالزهراء في الاسلام اسوة حسنة كما بالسيدة مريم في المسيحية».

ودعا الحركة النسائية اللبنانية، عند المسلمين وعند المسيحيين، الى جعل الزهراء ومريم المثل الاعلى، بالتربية والصحة والعمل الكشفي وان لا يتقصر عمل الحركات النسائية على المؤسسات الاجتماعية والثقافية بل تكون مؤسسات اخلاقية مناقبية تتحلى بروح اخلاقية انضباطية».

وحاضر السيد محمد حسين فضل اللّه عن «الزهراء امثولة المراة العالمية» بدعوة من اذاعة «البشائر -صوت الايمان»، في قاعة الجنان، طريق المطار بيروت. وحضرت شخصيات دينية وسياسية وثقافية.

استهل السيد فضل اللّه محاضرته بسؤال: «لماذا هي، والمناسبة ان قائد الامة الامام الخميني قال للناس: ليكن يوم ولادتها يوم المراة في العالم؟ لماذا هي، وهي التي لم تتعد فترة الشباب،بل كانت كل حياتها طفولة مليئة بالمعاناة وبكل الروحانية التي قد لا نجدها في اي طفولة اخرى، وشباب كان قصيرا قصيرا، لم تكن حياتها طويلة ولكنها كانت عريضة، وقيمة الحياة للانسان ليس الامتداد الذي تتلاحق فيه ساعات الزمن، ولكنه العمق الذي يعطي للزمن القيمة والفكرة والحركة والانفتاح بالمستوى الذي تشعر معه ان ساعة من الزمن تعادل سنين؟ كم من ساعة من ساعات الذين اكتشفوا وانتجوا وتركوا علمهم للحياة، استطاعت بعطائها في العمق ان تساوي الف سنة؟».

وقال: «ان التاريخ كان تاريخ الرجل، ولا يزال، الرجل الذي اختصر حياة المراة في دائرة ضيقة، ولم يطلق لها الافق الواسع لتعيش فكرها لينتج فكرا، كما الرجل، ولتعطي لطاقة الحنان والعطف في قلبها شيئا يرفع مستوى الحنان والعاطفة، فلا يقتصر على حنان ام وابن يعيش في احضانها ولكنه ينفتح ليعطي الحب والحنان للانسان كله، ولم يفسح لها من اجل ان تنتج للحياة طاقة من طاقتها. ومن هنا كان دور المراة دورا هامشيا، كانت من شؤون الرجل ولم تكن انسانا، وجاء الاسلام من اجل ان يخاطب المراة والرجل في كل المسؤوليات، وعندما نوع بينهما نوع المسالة في دائرة ما يملكان من عناصر التنوع التي تتكامل انسانيا، لم يكن التنوع تفضيلا في ما يعطيه الفضل الانساني في معناه العقلي والروحي والحركي، ولكنه كان تمايزا من خلال هذه الخصائص التي تمثل التنوع الانساني».

وفي قاعة الجنان لثانوية البتول في بيروت، احتفلت جمعية مؤسسة الشهيد بولادة الزهراء والذكرى الثالثة لانطلاقة برنامج الت آخي مع امهات ايتام الشهداء حضره الشيخ نعيم قاسم وبعض امهات الشهداء وزوجاتهم وعدد من ممثلي المؤسسات الانسانية.

بعد تلاوة من القرآن، كانت كلمة لرئيسة البرنامج خديجة حرز.

والقى الشيخ قاسم كلمة، مما جاء فيها: «عندما نحيي ذكرى سيدة نساء العالمين، لا يجوز ان يكون الاحياء سرورا بالماضي وتطلعا الى شخصية قدمت وانتهت، بل يجب ان يكون احياء لشخصية قدمت ويجب ان نحيا ونقتدي بها عبر احياء العمل واحياء المفاهيم التي طرحتها. وانتم تعلمون اننا اليوم في تحد كبيرحول الشخصية التي يجب ان تقتدي بها المراة، فهناك طرح يعتبر المراة جسدا وهو الطرح المادي الغربي، اما الطرح المقابل فهو الطرح الاسلامي الذي يبعد عن دائرة الجسد عند المراة في اطار المجتمع ويحصره في اطار الزوجية فقط (...) عندما ندخل الى بيت عائلة شهيد تقف الام لتعلن الفخر والاستعداد لتقديم الاخر. ومن خلال المقارنة بين مجتمعنا والمجتمع الاسرائيلي، نجد في مجتمعنا اذا سقط شهيد يكون الالتفاف على قاعدة العهد والاستمرار لتحقيق الاهداف والتحرير. بينما نجد في المجتمع الاسرائيلي كلما سقط قتيل يعلو الصراخ ويبدا النواح وتجتمع الاسرة وتعترض على ارسال الولد الى الموت وتقوم التظاهرات وتبدا النقاشات السياسية حول جدوى القتال ويعم الاحباط ويعمل اطباء النفس لمعالجة الحالات التي تنشا ويضج المجتمع الاسرائيلي بالرغبة في انهاء هذه الماساة. الموت واحد، عندنا يدفعنا الى الحياة وعندهم يزيدهم موتا.

واقام «حزب اللّه» احتفالا في مسجد الامام الحسن في الرويس، حضره عدد من العلماء والمؤمنين وتخللته تواشيح دينية. وتحدث رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» النائب ابراهيم امين السيدحول صفات السيدة الزهراء، فقال: «انها صفات محض ايمانية واخلاقية ومحض قيم ومبادىء تجسدت في انسان، وليست صفات دنيوية».

 

مؤتمر نصرة القدس:
دعوة لمواجهة التهويد ومقاومة التطبيع

اقر المؤتمر العربي الاسلامي الدولي لنصرة القدس الذي عقد في عمان، في 21/8ر1997 «استراتيجية المواجهة الشعبية للغزو الصهيوني للقدس وفلسطين والاراضي العربية»، و- «ميثاق القدس»، واكد تمسك العرب والمسلمين بحقوقهم التاريخية في المدينة المقدسة، ودعا الى استنهاض القوى لمقاومة العدو الصهيوني ووقف التطبيع معه.

وشدد المؤتمر على ان القدس «مدينة عربية اسلامية يتمسك العرب والمسلمون بعروبتها والسيادة عليها مهما طال الزمن، ويقاومون كل محاولات افراغها من اهلها العرب والمسلمين وتغيير معالمها الدينية والتاريخية ويقاومون كل اعتداءات اليهود على اماكنها المقدسة».

واكد المؤتمر، في ميثاق القدس «الذي يتعهد اعضاؤه بالالتزام به ويدعون العرب والمسلمين الى التمسك بثوابته والعمل بمقتضياته»، ان «المسلمين والمسيحيين في القدس وكافة انحاءفلسطين هم شعب عربي واحد اهدافه واحدة ومصالحه واحدة وفلسطين ارض عربية اسلامية وكل ما طرا عليها من احتلال وتهويد باطل وتجب مقاومته».

ودعا الميثاق الى رفض كافة الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع اسرائيل «باعتبارها معاهدات استسلامية تهدد الحقوق العربية وتضفي الشرعية على العدوان والاحتلال في القدس وفلسطين».

وشدد الميثاق على «التمسك بحق عودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين الذين اخرجوا من ديارهم قسرا بسبب الحرب والمذابح والاحتلال، حقا اصيلا لا يجوز ولا يمكن التنازل عنه ولا يطاله التقادم، فالخطر الصهيوني لا يقتصر على فلسطين وحدها، فارض الجولان السورية محتلة والعدو ما زال يتوسع ويزيد مستوطناته فيها وجنوب لبنان ما يزال محتلا ويتعرض للعدوان كل يوم، كما ان الاردن اصبح من خلال معاهدة وادي عربة وتطبيقاتها مكبلا سياسيا واقتصاديا واعلاميا ونهبا لاخطار التهويد ويخطط له كي يصبح ممرا للتوسع الصهيوني في سائرالبلاد العربية».

واكد المؤتمر، في استراتيجية المواجهة، على ضرورة العمل لتوحيد القوى العربية والاسلامية في مواجهة تهويد القدس، كما طالب بتعبئة الجماهير «من اجل اسقاط المعاهدات والاتفاقات المبرمة مع العدو وضرورة المقاطعة السياسية والاقتصادية للذين يمدون العدو بالمال والسلاح والدعم المادي والمعنوي من جهة وتنمية العلاقات مع الدول التي تؤيد الحق العربي وترفض الاحتلال والاستيطان».

وشدد المؤتمر على حق مقاومة الاحتلال الصهيوني وعلى ان «الجهاد ليس ارهابا بل هو السبيل الى دحر العدوان وانهاء الاحتلال واستعادة حقوقنا المسلوبة كافة».

كما دعا المؤتمر الى «توحيد جهد المشاريع والصناديق المالية التي تعمل من اجل القدس والتنسيق بين انظمتها وصولا الى التكامل في الاداء والتوحيد في صندوق يحمل اسم «صندوق القدس الموحد» ومشاريع اخرى لمساعدة المقدسيين على الصمود في ارضهم.

 

ذكرى رحيل الشاعر العراقي

 السيد الدكتور مصطفى جمال الدين في دمشق

اقيم يوم الثلاثاء الواقع فيه 28/10/1997، في مكتبة الاسد بدمشق، حفل تابيني لمناسبة الذكرى السنوية الاولى لرحيل الشاعر العراقي الكبير الدكتور مصطفى جمال الدين، وبرغم ان الحفل استمر قرابة خمس ساعات الا ان الحضور تابع وقائعه باهتمام، واستمع بحماسة شديدة الى الكلمات والقصائد التي تتابع على القائها السياسيون وعلماء الدين والشعراء، وقداستقبلت هذه الكلمات بالحفاوة التي تتوازى مع مرتبة الفقيد ومناخ المناسبة.

وتكلمت الوزيرة نجاح العطار، فتحدثت عن دور الشاعر الفقيد وصفاته «الذي كان قلعة شعرية، وكان صابرا جلودا فعل الحمداني ابي فراس». وتناولت صعوبة حياته في المنفى الذي هواصعب من السجن. وانتقدت بشدة مؤتمر الدوحة واكدت انه «يكرس تل ابيب ابنا وواشنطن عرابا».

والقى العماد اول مصطفى طلاس كلمة تحدث فيها ايضا عن الشاعر الانسان الذي يرتقي الى سماء المعنى، وقال: «ان ارثك مشاع للناس كافة، وهم احرار يعبون منه ما شاؤوا».

واضاف: اخترت الشام طريقك الى السمو، كاني بك الان بين اقرانك كالجواهري وابي فراس والمعري»، وتناول الذكريات المشتركة مع الشاعر الراحل منذ 1972، حين التقاه في اول مجمع شعري، مشيرا الى ان قصيدته عن الشهيد «هي مدرسة لنا نحن العسكريين».

والقى الشاعر عبداللّه الخاقاني قصيدة، ثم كلمة للعلامة السيد الدكتور محمد بحر العلوم، والقى بعده الشاعر جواد جميل قصيدة من وحي المناسبة.

وتكلم السيد هاني فحص فقال: «لعلنا متفقون على ان البعد الواحد يضارع الموت والفراغ...».

وبعد قصيدة للشاعر فرات الاسدي، القى الشيخ شمس الدين كلمة مما جاء فيها:

«ما احزنني، في هذه الندوة الكريمة، ان ارى نبرة الياس في شعر وفي نثر فنحن نحزن ونتالم ونغضب ولكننا لا نياس ولم نمثل ابدا حالة الياس التي ربما تطغى في بعض الحالات فتعبرعن نفسها. لسنا ضحايا اوهام المرايا ولم نكن ابدا ضحايا اوهام المرايا. نحن كثير ونحن اقوياء ولا نزال نملك من اسباب القوة ما سننتصر به، وهذا ما اريد ان التمسه وانقله من روح العالم والشاعر والمجاهد السيد مصطفى جمال الدين.

والقى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كلمة رثى فيها العلامة الشاعر، وقال: «هانحن، ولم نكد نلملم احزاننا على فقدانه، حتى فجعنا بشاعر العرب الكبير الاخر محمد مهدي الجواهري الذي افتقدناه، والعراق ايضا على مرمى قصيدته، رغم انه لم يكن مسافرا. مضى الشاعران وكانت الغربة عندهما وطنا والوطن غربة...».

وفي الختام، كانت كلمة ذوي الشاعر الراحل، القاها حسن مصطفى جمال الدين.

كتابة التاريخ الاسلامي: في الاشكالية والمنهج

مؤتمر اول للجامعة الاسلامية في لبنان

 «كتابة التاريخ الاسلامي: في الاشكالية والمنهج» مؤتمر اول لمركز الدراسات في الجامعة الاسلامية في لبنان منذ انطلاقتها، افتتح في 14/11/1997، في فندق الكارلتون، بيروت.

القى منسق المؤتمر الدكتور ابراهيم بيضون كلمة، وفيها: «ان مؤتمرا في كتابة التاريخ الاسلامي: اشكالية ومنهجا، انما يشكل مدماكا، وعلى كل مساحة هذا التاريخ، لتاسيس رؤية نقدية، ترى الى الحدث التاريخي من خلال الدلالة، وليس الى الاستغراق في التفاصيل التي تنوء بالصراعات واخبار السلاطين وضجيج المعارك. الدلالة اذن ما يعنينا من قراءة التاريخ،قديما وحديثا دون ان ياخذنا الانبهار بالالوان والمساحيق، او يستفزنا التعتيم والتشويه واندحار القيم».

ثم تحدث رئيس الجامعة الدكتور حسن جلبي وقال: «ما عاد يكفي من التاريخ ان يرضي المشاعر والعواطف ويريحها على اختلافها وتنوعها، وانما عليه فوق هذا ان يريح العقل ويرضيه ويحقق اطمئنانه.

ونحن نعلم كما تعلمون كم هي شاقة وعسيرة هذه المهمة، فالعقل لا يرضى باليسير الهين من البحث والتنقيب، اذ هو حتى يرضى ويقنع بما يقدم اليه في حاجة الى الكثير من الجهدالمضني في الدراسة والتحقيق والكثير من الاناة والصبر والتروي في الاستقراء والوصول الى النتائج والاهداف العلمية».

وقال وزير الثقافة والتعليم العالي فوزي حبيش: «ان كتابة التاريخ، في شكل عام، تخضع في منطلقاتها لمعطيات ذاتية تجعلها عرضة لجدلية الرفض والقبول، والامر يحتم، عبر الزمن وتحولاته، تبدلها واعادة كتابتها، لانتفاء الثوابت، ونماء التبدلات (...»).

وتحدث الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فقال: ان الانسان هو المؤرخ لنفسه وهو المؤرخ للكون. واننا نحن البشر نتاج التاريخ ونحن صانعوه، وهو ليس شيئا منفصلا عن حياتنا وتاريخناومستقبلنا. لذا فان كل التباس فيه وكل التواء يلامس حياتنا ويفسدها من احد الوجوه ويعطل تقدمها، وهذا ما حدث للمسلمين عامة وللعرب خاصة في مسيرتهم الحضارية، منذ بدا التدوين،ومنذ دخلت عوامل السياسة والعصبية والمذهبية في التدوين.

واضاف: «هذا المؤتمر تعبير يكشف به المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى عن جوهر كينونته. والمؤتمر يعبر في مضمونه ومغزاه عن التوجه الذي يتضمنه المجلس والجامعة ومركزالدراسات والرغبة العميقة في تصحيح اوضاعنا ورؤانا ومناهجنا في هذه المسيرة التي نواجه بها مستقبلا لا يعد بالكثير من البهجة وان كان مهيا للكثير من اسباب الانتصارات الصعبة على مانواجهه من تحديات.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية