اول المنهاج

 
نحن.. والغرب.. وشعار حقوق الانسان

 بقلم رئيس تحرير

 
لا تلقى قضية معاصرة، من قضايا الاجتماع والسياسة، من اهتمام الهيئات الدولية ووسائل الاعلام ورجال الفكروالسياسة في هذه الاونة، ما تلقاه قية مبادئ حقوق الانسان التي يحتفل العالم، هذا العام 1998 م، بمرور نصف قرن على‏صدور اول اعلان عالمي بها، من لدن منظمة الامم المتحدة في العاشر من كانون الاول عام 1948 م.

وقد تتابع، عقب صدور هذا الاعلان، صدور العديد من العهود والاتفاقات الاقليمية والدولية لاقرار المزيد من الحقوق‏وتفصيل ما اجمله الاعلان الاول منها، كما الف العديد من المنظمات والجمعيات الدولية والمحلية للدفاع عن حقوق‏الانسان ومراقبة احترامها والتقيد بها.

وبقدر ما يعكس هذا كله ازدياد الوعي بهذه القضية، ويدل على وجود من يتبناها ويدافع عنها فانه يعكس كذلك تعاظم‏الانتهاكات لحقوق الانسان وحرماته على كلا المستويين: الفردي والجماعي، وبلوغها - كما وكيفا - درجة لم تشهدهاالبشرية من قبل.

كما يعكس، ايضا، في جزء كبير منه، سعي قوى الاستكبار الغربي المسيطرة على الساحة الدولية الى ادخال ورقة حقوق‏الانسان حلبة المزايدة السياسية، وتوظيفها في صراعها المتحدم مع القوى والشعوب الرافضة لهيمنتها السياسية‏والثقافية.

ومما يمكن ان يستشهد به، في هذا المجال، التقارير السنوية التي تصدرها وزارات الخارجية في بعض الدول الغربية،وفي مقدماتها امريكا وبريطانيا عن اوضاع حقوق الانسان في دول العالم المختلفة، لا سيما منها الدول المعادية لها،منتقدة ما يجري فيها من انتهاكات لحقوق الانسان، وكذلك ما تمارسه امريكا وحلفاؤها من ضغوط سياسية واقتصادية‏على تلك الدول باسم الشرعة الدلية لحقوق الانسان، في الوقت الذي ترتكب هي فيه ابشع الانتهاكات لهذه الحقوق‏خارج ارضها، وتمارس افظع الظلم، واخس اساليب الابتزاز السياسي والاقتصادي في حق الشعوب المستضعفة، او مايسعى بالعالم الثالث.

ويكفي، في هذا الصدد، ان نلاحظ سلوك امريكا على المسرح الدولي منذ بروزها قوة عظمى بعد الحرب العالمية‏الثانية وحتى الان، اذ ما تكاد تفرغ من تدخل عسكري تصارد فيه سيادة هذه الدولة او تلك من دول العالم وتقتل شعبهاوتدمر ثرواتها حتى تتورط في تدخل عسكري آخر، فمن كوريا الى ويتنام وكمبوديا في جنوب شرق آسيا. . الى تشيلى‏ونيكاراغوا وغرينادا وپنما في امريكا اللاتينة.. الى الصومال في افريقيا.. الى العراق والكويت في العالم الاسلامي. هذاعلى صعيد التدخل العسكري المباشر السافر.

اما على صعيد التدخل غير المباشر، المتمثل بتقديم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي للكيانات الغاصبة‏والدول المعتدية وانظمة الحكم المستبدة، وعلى صعيد اثارة الفتن والحروب الاهلية والاقليمية، وعلى صعيد ممارسة‏الضغوط السياسة والاقتصادية ضد الدول والشعوب المعارضة لسياساتها وتوجهاتها والتي تبلغ احيانا درجة المقاطعة‏والحصار وتجر بعض الدول الى حافة الانهيار والافلاس فلامثلة على ذلك كثيرة لا تقع تحت حصر ولا يعلم بها الا اللّه،ولا تزال وقائع بعضها جارية وآثارها ماثلة وصور بعضها الاخر حية في الذاكرة.

فهذا التعاط‏ي النفاقي مع قضية حقوق الانسان الذي يظهر الايمان بهذا القضية ويبطن الكفر من جانب امريكا وحلفائهايكشف، بلاريب عن توظيف هذه الدول لورقة حقوق الانسان في لعبتها السياسية، واتخاذها منها مجرد غطاء لسياسة‏الهيمنة على العالم التي تمارسها الان وتخلع عليها اسم النظام العالمي الجديد.

غير ان هذه الاشكالية من اشكاليات الشرعة الدلية لحقوق الانسان لا ينبغي ان تصدنا عن النظر الى جوهر المبادئ التي‏احتوتها ، والذي هو في جملته - اذا جردناه من بعض البنود والتفاصيل الثانوية التي تشكل خصوصية ثقافية غربية -جوهر صحيح يتفق مع رؤية الاسالم للانسان ويلتقي مع احكامه وتعاليمه المنسجمة مع كل مبدا صحيح تدركه عقول‏البشر وتتمخض عنه تجربتهم الاجتماعية، ومع سلوك قويم يمارسونه انطلاقا من فطرتهم التي جمعية تشكلت للدفاع‏عن حقوق المظلومين، وفي قول رسول اللّه (ص) في ذلك الحلف: ((ما احب ان يكون لي به حمر النعم، ولو دعيت به‏في الاسلام لاجبت)) خير دليل على ذلك.

ومن الانصاف للحقيقة والتاريخ ان نقرر ان الاسلام قد سبق كل الشرائع الوضعية في مجال حقوق الانسان وقرر هذه‏الحقوق وفصلها على نحو اتم واشمل وادق واعمق مما فعلت تلك الشرائع. ولهذا فان من واجب علماء المسلمين‏ومفكريهم ان يتصدوا لبلورة هذه الحقوق، ويظهروا مكنون الاسلام ومذخورة منها.. ليس فقط من اجل ان يدفعوا عنه‏تهمة النتقاصة بعض حقوق الانسان وسلبه لبعض حرياته التي يروجها المرعوبون من انتشاره وتوهج نوره يوما بعد يوم،وانما ايضا من اجل ان يتيحوا للبشرية كافة ان تفيد منشريعته السمحاء وتتدارك بها اوجه الخلل والنقص في ما تشرعه‏لنفسها وفقا لادراكها المحدود وتصوراتها النسبية الضيقة.

ومجلة المنهاج يسعدها، وهي تدلف بصدور هذا العدد الى عاملها الثالث، ان تكرس ندواتها، في هذا العام، لمناقشة‏قضية حقوق الانسان من بعض جوانها الهامة، بادئة في ندوة هذا العدد طرحها من الزاوية العامة وآملة طرحها في‏الندوات اللاحقة من بعض الزوايا الخاصة، اسهاما منخا في بلورة رؤية مكتملة الى هذه القضية.

خالد العطية دراسات الصابئة: حكمهم الشرعي وحقيقتهم الدينية الامام السيد علي الخامنئي قائد الجمهورية الاسلامية في ايران لقد اءولى النظام الاسلامي، بما له من شمولية ومبادى انسانية، الاقليات الدينية والطوائف غير المسلمة عناية فائقة،وبنى الكيان الاجتماعي على اءساس التعايش السلمي وضمان حقوق الجميع.

تدور هذه الدراسة القيمة حول تحديد نظرة الشريعة الاسلامية تجاه فرقة الصابئة، وهل اءنهم من اءهل الكتاب اءو لا.. وقدعقد سماحة السيد (دام ظله) البحث في محورين: اءولهما: البحث الكبروي في تحقيق المراد باءهل الكتاب وما هوالموقف فقهيا عند الشك.. ثانيهما: البحث الصغروي في الاستدلال على كون فرقة الصابئة من اءهل الكتاب..

بسم اللّه الرحمن الرحيم والحمد للّه رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ان القول بجريان اءحكام اءهل الذمة اءو عدم جريانها على الصابئة يحتاج الى زيادة فحص في اءدلة الحكم، واءيضا الى‏بحث وتتبع جادين في معرفة الموضوع، اذ ان عمدة الاشكال في حكمهم ناشى‏ء من عدم المعرفة بحالهم وحقيقة‏دينهم واعتقادهم، ولابد اءولا من نقل ما قيل فيهم: قال الشيخ المفيد: ((وقد اختلف فقهاء العامة في الصابئين، ومن ضارعهم في الكفر، سوى من ذكرناه من الاصناف‏الثلاثة، فقال مالك‏بن اءنس والاوزاعي: كل دين بعد دين الاسلام سوى اليهودية والنصرانية فهو مجوسية وحكم اءهله‏حكم المجوس)).

ثم استمر في نقل الاقوال في تسويتهم مع المجوس. ثم قال‏رحمه‏اللّه: ((فاءما نحن فلا نتجاوز بايجاب‏الجزية الى غير من عددناه، لسنة رسول اللّه(ص) فيهم والتوقيف الوارد عنه في اءحكامهم)). ثم قال‏رحمه‏اللّه، في مقام‏استبعاد ما ذكره القوم من تسوية الصابئة للمجوس: ((فلو خلينا والقياس لكانت المانوية والمزدكية والديصانية عندي‏بالمجوسية اءولى من الصابئين، لانهم يذهبون في اصولهم مذاهب تقارب المجوسية وتكاد تختلط بهما)).

ثم ذكر بعض النحل المهجورة، وبين قربها من النصرانية اءو من مشركي العرب، ثم قال‏رحمه‏اللّه: ((فاءما الصابئون‏فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه، لان جمهورهم يوحد الصانع في الازل، ومنهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع‏منها العالم، فكانت عندهم الاصل. ويعتقدون في الفلك وما فيه الحياة والنطق واءنه المدبر لما في هذا العالم، والدال‏عليه، وعظموا الكواكب وعبدوها من دون اللّه عز وجل، وسماها بعضهم ملائكة، وجعلها بعضهم آلهة، وبنوا لها بيوتاللعبادات، وهؤلاء بالقياس الى مشركي العرب وعباد الاوثان اءقرب من المجوس، لانهم وجهوا عبادتهم الى غير اللّهسبحانه في التحقيق وعلى القصد والضمير، وسموا من عداه من خلقه باءسمائه جل عما يقول المبطلون...)) الى آخركلامه الشريف الذي سلك فيه مسلك الفقيه المتكلم، وعمد الى ابطال حجة فتوى الخصم بكون الصابئة من اءهل‏الذمة، من طريق الخدشة في مشابهة المقيس والمقيس عليه. وهو في غاية الجودة والاتقان اذا فرض اءن مانسبه‏رحمه‏اللّه الى الصابئة من العقائد هي العقائد المقبولة لديهم، وهي التي تشكل اءصول دينهم ونحلتهم، وسوف‏تعرف الكلام في ذلك.

وقال الشيخ‏رحمه‏اللّه في الخلاف: ((الصابئة لا تؤخذ منهم الجزية ولا يقرون على دينهم، وبه قال اءبو سعيدالاصطخري، وقال باقي الفقهاء: انه يؤخذ منهم الجزية، دليلنا اجماع الفرقة واءخباهم، واءيضا قوله تعالى: (فاقتلواالمشركين حيث وجدتموهم) جالتوبة/5» وقال: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) جمحمد/4» ولم ياءمر باءخذالجزية منهم، واءيضا قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون‏دين الحق من الذين اءوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) جالتوبة/29» فالشرط في اءخذ الجزية اءن‏يكونوا من اءهل الكتاب، وهؤلاء ليسوا من اءهل الكتاب)). انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.

فاستناده الى الايتين بضميمة اءنه لم ياءمر باءخذ الجزية منهم، بمنزلة تاءسيس اءصل عام في معاملة الكفار، وحاصله: اءن‏مقتضى الايتين قتال الكفار الا من اءمر باءخذ الجزية منهم، وهؤلاء لم يرد الامر بالجزية في حقهم.

اءما استناد ذلك الى آية الجزية فهو متوقف على اءمرين: الاول: دلالتها على عدم الجزية بالنسبة لغير من اوتي الكتاب ولو بضميمة رواية عبد الكريم الهاشمي.

الثاني: اثبات كون الصابئة من غير ((الذين اءوتوا الكتاب)) اءو قل: عدم احراز كونهم من الذين اوتوا الكتاب، وسوف نذكرفي ذلك ما هو المؤدي اليه نظرنا ان شاء اللّه تعالى.

وقال الطبرسي‏رحمه‏اللّه في تفسير قوله تعالى: (ان الذين آمنوا... والصابئين) جالبقرة/62» بعد نقل كلمات الفقهاء واءهل‏اللغة في معنى الصابئة وما هم عليه من الاعتقاد: ((والفقهاء باءجمعهم يجيزون اءخذ الجزية منهم، وعندنا لا يجوز ذلك،لانهم ليسوا باءهل كتاب))، انتهى. واستدلاله يشبه ما مر من الخلاف.

وفي تفسير علي بن ابراهيم في بيان قوله تعالى: (ان الذين آمنوا والذين هادوا...) جالبقرة/62» قال (يعني علي‏بن‏ابراهيم): ((الصابئون قوم لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون، وهم يعبدون الكواكب والنجوم)).

وفي الجواهر، بعدما نقل عن ابن الجنيد تصريحه باءخذ الجزية منهم، قال: ((ولا باءس به ان كانوا من احدى الفرق‏الثلاث))- ثم اءخذ في ذكر اءقوال من صرحوا بكون الصابئة داخلة في احدى تلك الفرق، مع ما فيها من التضارب- ثم‏قال: ((وحينئذ يتجه قبول الجزية منهم...)). ثم ذكر بعده ذلك اءقوال من ينسبهم الى عبادة النجوم واءمثالها، واءضاف:((وعليه يتجه عدم قبولها منهم..)) الى آخر كلامه.

ولكن الظاهر، من كلام ابن الجنيدرحمه‏اللّه المذكور في مختلف العلامة‏رحمه‏اللّه، اءنه حكم بدخول الصابئة في من‏يؤخذ منهم الجزية بوصفهم فرقة مستقلة عن الفرق الثلاث المذكورين قبلها، لا كجزء منها، كما اءن هذا ينبغي اءن يكون‏هو المراد في كلام من يعتقد باءخذ الجزية من الصابئة، والا فاءخذ الجزية من جميع الديانات الثلاث مما لا يختلف فيه‏اثنان.

والذي يتحصل من الاقوال: اءولا: اءنه ليس في المساءلة اجماع من اءصحابنا، وذلك لمخالفة ابن الجنيدرحمه‏اللّه الذي هو من الذين لابد اءن يعتنى‏بقولهم في تحقق الاجماع وعدمه، ولان فتوى العلماء بعدم اءخذ الجزية من الصابئة انما تنشاء مما وصلوا اليه في‏تشخيص الموضوع، اءعني كون هؤلاء من غير اءهل الكتاب، كما عرفت ذلك في كلام المفيد والقمي والطبرسي وغيرهم‏الى صاحب الجواهررحمه‏اللّه، واءين هذا من الاجماع الحجة الذي يحكي عن حكم اللّه تعالى في موضوع محددمعلوم؟! وثانيا: ان الموضوع، في هذه المساءلة، مما لم ينقح من قبل فقهائنا، لا بالفحص الخارجي بالتتبع في اءحوال منتحلي هذه‏النحلة، واستماع عقائدهم منهم اءو فهمها من كتبهم واءسفارهم، ولا بمقارنة ما قيل عنهم بتاريخهم اءو بعضها ببعض حتى‏يحصل من ذلك ما يمكن الركون اليه في معرفة هذه الفرقة التي ذكر اسمها في القرآن الكريم ثلاث مرات.

نعم ربما يوجد، في بعض كتب الملل والنحل، ما يلقي الضوء على شطر من عقائدهم ونبذة من تاريخهم، وان كان هذاغير كاف في احراز الموضوع في مساءلة عصمة الكافر واءخذ الجزية منه وعدمها، ولعل هذا الاعراض اءو قلة الاهتمام في‏احراز الموضوع جاء نتيجة لعدم الابتلاء كثيرا بحكمه، لا سيما لامثال فقهائنا الكرام الذين كانوا بمعزل عن الحكم وادارة‏شؤون المجتمع، وغير مبتلين بمساءلة اءخذ الجزية من الكافر اءو محاربته، لا في العمل ولا حتى في الافتاء وبيان الحكم.

ثم بعدما ثبت اءنه ليس هناك اجماع يمكن الركون اليه، فتنقيح المساءلة يتوقف تارة على الفحص عن الادلة اللفظية من‏العمومات والاطلاقات التي ربما يتحصل منها قاعدة كلية شاملة لمثل المقام، اءو ما يمكن الاستدلال به اءحيانا في‏خصوص هذا المورد، اءو ما هو مقتضى الاصول العملية على فرض خلو المساءلة من الدليل الاجتهادي.

واخرى على زيادة تتبع وتنقيب لمعرفة الموضوع والقاء الضوء على الزوايا المعتمة منه.

فهناك محوران للبحث، فالمحور الاول منهما يتضمن اءربعة اءمور كبروية كما يلي: 1- هل المراد بالكتاب في باب الجزية كتاب خاص اءو يعم جميع الكتب المشرعة دون غيرها؟ اءو يشمل مطلق الكتاب‏السماوي، سواء المشرعة منها وغيرها؟ 2- لو شك في كون الصابئة اءهل كتاب، فهل يجري في حقهم حكم من له شبهة كتاب اءم لا؟ وبعبارة اءخرى: هل وجودشبهة الكتاب يوجب دخولهم في من يقر على دينه، واندراجهم تحت عنوان اءهل الذمة؟ 3- لو شك في عقائدهم من جهة التوحيد والشرك واءمثالهما، فهل يجوز التمسك بدعواهم في ذلك، فيكون ما يقولونه‏عن اءنفسهم وعقائدهم حجة على غيرهم؟ 4- لو بقي الشك في اءمرهم قائما، فما هو مقتضى القاعدة في ذلك؟ وهل هناك اءصل لفظ‏ي اءو عملي يعمل‏بمقتضاه؟ والمحور الثاني يتضمن عدة نقاط صغروية، تلقي الضوء على جوانب من الموضوع، وهي: 1- هل هناك ما يمكن الاستدلال به على اءن الصابئة اءهل كتاب؟ 2- هل يعدون من شعب الاديان الثلاثة (اليهود والنصارى والمجوس)؟ 3- هل العقائد المنسوبة اليهم تمنع من انعقاد الظن بكونها الهية؟ 4- هل يشتمل اسمهم على شي‏ء ينافي كونهم ذوي دين سماوي؟ فنقول: اءما الامر الاول من المحور الاول: فقد اشتهر اءن عنوان ((الكتاب))، في الايات القرآنية المبينة لحكم اءهل الكتاب ومنها آية الجزية، يراد به التوراة‏والانجيل، قال في الجواهر: ((ان المنساق من الكتاب في القرآن العظيم هو التوراة والانجيل))، ونقل عن منتهى العلامة‏دعوى الاجماع على اءن اللام في الكتاب في آية الجزية للعهد اليهما.

الا اءننا اءثبتنا خلاف ذلك تفصيلا في ما سبق، وقلنا ما حاصله ان عنوان ((اءهل الكتاب)) في القرآن الكريم وان كان لا يبعداءن يراد به اليهود والنصارى- على ما ربما يشهد به التتبع والتاءمل- الا اءن عنوان ((الكتاب)) في الايات الشريفة القرآنية اذااستعمل مجردا عن ذاك التعبير التركيبي (:اءهل الكتاب) خاليا عن قرينة معينة، لا يراد به التوراة والانجيل اءو كتاب‏خاص آخر من كتب الانبياء السالفة، بل يراد به مطلق ما نزل من السماء وحيا على نبي من اءنبياء اللّه(ص)، من غيراختصاص اءو اشارة الى كتاب خاص، وهذا اءيضا مما يشهد به التتبع والتاءمل في تفاصيل الايات.. بناء عليه، فالكتاب في‏آية الجزية هو الاعم من التوراة والانجيل، ولا شاهد على تقييده بهما، بل يشهد على كونه اءعم منهما اءنه يشمل كتاب‏المجوس باجماع الامة وبمعونة الروايات الحاكية عن اءن للمجوس كتابا، وهكذا يتضح اءيضا اءنه لا شاهد على تقييده‏بالكتب المشرعة، اءي التي جاءت بدين جديد، اذ الظاهر اءن كتاب المجوس ليس من الكتب المشرعة، ونبيهم ليس من‏اولي العزم، فاطلاق الكتاب في الاية الشريفة يشمل غيره.

ولزيادة الايضاح في ذلك نقول: ان الظاهر من معنى الكتاب في الكلام عن الانبياء والاديان الالهية، هو الحد الفاصل‏والمائز الفكري والاعتقادي والعملي بين الايمان والكفر، فالكتاب هو الوحي الالهي الذي يخرج الافراد والجماعات‏من ربقة الاديان البشرية والمجعولة كعبادة الاصنام والالهة المزعومة، ويسوقهم الى دين اللّه تعالى وعبادته، فهوالصحيفة الالهية المشتملة على معرفة اللّه تعالى ومعرفة الحقائق التي تتصدى لتشريحها وتحقيقها الرسالات السماوية،والتي تقابل الالحاد والشرك والوثنية، وهذا معنى عام يشمل اءنواع الكتب السماوية، قال اللّه تعالى: (ومنهم اءميون لايعلمون الكتاب) جالبقرة/78» وقال تعالى اءيضا: (وقل للذين اءوتوا الكتاب والاميين اءاءسلمتم) جل عمران/20» فجعل‏اءهل الكتاب والعلماء به في مقابلة الاميين، ويريد بهم عباد الاصنام.

وقال تعالى: (ما يود الذين كفروا من اءهل الكتاب ولا المشركين) جالبقرة/105» فجعل الكتاب في مقابلة الشرك. وقال تعالى: (كان الناس اءمة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين واءنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيمااختلفوا فيه) جالبقرة/213» فجعل الكتاب مائزا للنبوة وحاكما لاهل الدين في ما اختلفوا فيه.

ومن الواضح اءن هذه صفات لعامة كتب اللّه تعالى.

فهذه الايات وغيرها تدل على اءن الكتاب، في مصطلح القرآن الكريم، هو ما ينزل من اللّه تعالى على اءنبيائه لهداية‏الناس، والحكم فيهم، واخراجهم من ظلمات الكفر والشرك والالحاد، فلم لا يكون الكتاب في آية الجزية بالمعنى‏نفسه؟! واءي شاهد على استعماله في الاخص منه؟ هذا، وتشهد اءيضا لعموم معنى الكتاب في باب الجزية رواية الواسط‏ي عن بعض اءصحابنا، قال: سئل اءبو عبداللّه(ع) عن‏المجوس اءكان لهم نبي؟ فقال: نعم، اءما بلغك كتاب رسول اللّه(ص) الى اءهل مكة: اءسلموا والا نابذتكم بحرب، فكتبواالى النبي(ص): اءن خذ منا الجزية ودعنا على عبادة الاوثان، فكتب اليهم النبي(ص): اني لست آخذ الجزية الا من اءهل‏الكتاب، فكتبوا اليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمت اءنك لا تاءخذ الجزية الا من اءهل الكتاب، ثم اءخذت الجزية من‏مجوس هجر، فكتب اليهم رسول اللّه(ص): ان المجوس كان لهم نبي فقتلوه، وكتاب اءحرقوه، اءتاهم نبيهم بكتابهم في‏اثني عشر اءلف جلد ثور...

واطلاق الكتاب فيها على كتاب المجوس -بل اطلاق اءهل الكتاب عليهم- لا يدع المجال لاحتمال اختصاصهمابالتوراة والانجيل واءهلهما في مصطلح اءهل الشرع.

وقريب منها مرسلة الصدوق عن النبي(ص) ورواية الاصبغ‏بن نباتة عن اءمير المؤمنين(ع) .

وضعف اسناد هذه الروايات لا يضر، بعد ما هو المعلوم من تلقي الاصحاب لمضامينها بالقبول والعمل بها في خصوص‏المجوس.

مضافا الى اءن هناك روايات معتبرة وقع فيها التصريح باءن المجوس اءهل كتاب، منها معتبرة سماعة: عن اءبي‏عبداللّه(ع) قال: بعث النبي(ص) خالدبن الوليد الى البحرين.. (الى اءن قال:) فكتب اليه رسول اللّه(ص): اءن ديتهم مثل‏دية اليهود والنصارى، وقال: انهم اءهل الكتاب. ومنها موثقة زرارة: ساءلته عن المجوس ما حدهم؟ فقال: ((هم من اءهل‏الكتاب، ومجراهم مجرى اليهود والنصارى في الحدود والديات))، واضمار الرواية غير مضر بعد كون المضمر مثل‏زرارة.

فبملاحظة هذه الروايات يظهر ضعف ما يتوهم ويدعى من اءن اطلاق الكتاب بلا قرينة ينصرف الى الكتابين، اذ مع‏التعبير عن المجوس باءهل الكتاب لا مجال لمثل هذه الدعوى.

ثم ان هناك روايات اءخرى في المجوس اءيضا، ورد فيها: سنوا بهم (اءي بالمجوس) سنة اءهل الكتاب.. والمراد باءهل‏الكتاب فيها: اليهود والنصارى. وهذا يشعر باءن اطلاق اءهل الكتاب على اليهود والنصارى كان دائرا في عرف‏المحادثات، والظاهر اءن ذلك كان من جهة غلبة وجود الفرقتين -دون غيرهما- في الجزيرة العربية. واءين هذا من‏اختصاص عنوان اءهل الكتابين دون غيرهما؟! فضلا عن اختصاص عنوان الكتاب بالتوراة والانجيل.

والمتحصل من ذلك كله اءن ((الكتاب)) في مصطلح القرآن وفي لسان الاحاديث وهكذا في عرف المتشرعة في صدرالاسلام، حتى زمن الائمة(ص)، كان يستعمل في مطلق الكتاب السماوي، ولا شاهد على اختصاصه في آية الجزية‏بكتاب خاص -التوراة والانجيل اءو غيرهما- فيستنتج من ذلك اءن الكتاب الذي يحكم بالجزية في حق متبعيه هو مطلق‏الكتاب السماوي.

ويدل على ذلك اءيضا رواية الواسط‏ي المتقدمة، حيث علل فيها رسول اللّه(ص) حكمه بالجزية على المجوس باءنهم كان‏لهم رسول وكتاب، ومقتضاه عموم هذا الحكم بالنسبة لكل فرقة لهم كتاب، والمعلوم اءن كتاب المجوس مغاير للتوراة‏والانجيل، ولم يعلم اءنه كان كتابا مشرعا حاويا لدين جديد، وبناء عليه فالحكم شامل لكل كتاب من اءي نبي من‏الانبياء.

هذا، وربما يستفاد من الكلام الذي نقلناه عن المفيد(ع) اءن هناك دليلا من السنة على اختصاص الجزية بالطوائف‏الثلاث (اليهود، والنصارى، والمجوس)، واذا صح ذلك فاطلاق ما عرفت في الاية الكريمة (آية الجزية) ورواية‏الواسط‏ي يقيد بهذا الدليل، ويكون هذا شاهدا على ارادة خصوص الكتب الثلاثة من الكتاب في الاية، قال في ط‏ي‏كلامه المنقول سابقا: ((واءما نحن فلا نتجاوز بايجاب الجزية الى غير من عددناه، لسنة رسول اللّه(ص) فيهم والتوقيف‏الوارد في اءحكامهم)).. الى آخر كلامه الشريف.

الا اءنه لم يتضح لنا المراد من السنة في كلامه، فان اءراد السنة القولية، فليس في ما باءيدينا من الروايات ما يدل على‏اختصاص الجزية باليهود والنصارى والمجوس، ولم نعثر على من ادعى وجود رواية بهذا المضمون، حتى من قريبي‏العهد بزمان المفيد كاءصحاب المجاميع الحديثية وغيرهم، بل هناك بعض ما ربما يستفاد منه تعميم الجزية لجميع‏الكفار، كما ستسمعه ان شاء اللّه.

وان اءراد السنة الفعلية بمعنى عدم وضع الجزية على الصابئة في زمان حياة النبي(ص) فهي: اءولا: غير ثابتة، اذ ان عدم النقل اءعم من عدم الوقوع.

وثانيا: لو سلم فربما يكون ناشئا من عدم وجود الصابئة في عداد القانطين في رقعة الفتوح الاسلامية آنذاك، فهؤلاء كانواساكنين في الميسان والحرنان، وكلا المكانين قد فتحا بعد وفاته(ص)، وربما يكون ناشئا عن اءسباب اخرى.

والحاصل‏اءن السنة الفعلية في عدم اءخذ الجزية من الصابئة لا تكفي لاثبات اءن الحكم فيهم عدم الجزية، نعم لو كان هناك ما يدل‏على محاربتهم لكان دالا على المطلوب بوجه، واءنى يثبت ذلك؟! وحاصل الكلام في النقطة الاولى هو اءن الكتاب في باب الجزية لا ينحصر في الكتابين كما لا ينحصر في الكتب‏المشرعة، بل لو فرض ثبوت تبعية قوم لكتاب يحيى اءو داود اءو ادريس مثلا، فهؤلاء من الذين اوتوا الكتاب، فيحقن‏دماؤهم، ويقرون على دينهم، ويؤخذ منهم الجزية.

الامر الثاني: اذا لم يحرز صغرويا اءن الصابئة اءهل كتاب من الكتب السماوية، فهل وجود الشبهة في اءمرهم وعدم الجزم‏بخروجهم من دائرة اءتباع الانبياء يكفي في جريان حكم اءهل الكتاب فيهم، من اقرارهم على دينهم واجراء عقد الذمة‏معهم وغير ذلك؟ اءم لا، بل لابد من احراز كونهم من متبعي الانبياء والكتب السماوية؟ واجمال القول في ذلك: ان اءحد العناوين التي تكرر ذكرها في هذا الباب من الكتب الفقهية عنوان ((من له شبهة كتاب))،والظاهر اءن هذا التعبير ليس له اءصل حديثي، اذ لم نجد في روايات هذه الابواب ما يمكن استقاء هذا التعبير منه، وانمانشاء ذكره من عصر شيخ الطائفة‏رحمه‏اللّه، وهو اءول من وجدنا هذا العنوان في كلماته، قال في المبسوط: ((الكفار على‏ثلاثة اءضرب: اءهل كتاب وهم اليهود والنصارى... ومن له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم اءهل الكتاب))...

الى‏آخره.

واءخذه منه تلميذه ومعاصره القاضي ابن البراج، ثم تبعهما في ذلك ابن ادريس، والمحقق، والعلامة‏رحمه‏اللّه، ولم‏نجد في كلمات قدماء اءصحابنا الى زمان المحقق الحلي‏رحمه‏اللّه من استعمله غير من ذكرنا. وهؤلاء استعملوه تعبيراعن المجوس وجعلوه مقابلا لعنوان اءهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى.

والظاهر من مساق كلماتهم اءن في ذكر هذا التعبير نوع اشارة الى مناط الحكم في اءمر المجوس، فكاءن جريان ما يجري‏على المجوس من الاحكام انما نشاء من وجود الشبهة في اءمرهم اءو في كتابهم، والا لم يكن وجه للعدول عن تسمية‏المجوس باسمهم الى التعبير عنهم بعنوان كلي، فالروايات الواردة في المجوس انما تتصدى لحكم المجوس بعنوان‏المجوس فقط، فلم يكن الباحث في بيان حكمهم كمجوسيين بحاجة الى ذكر عنوان كلي كهذا، وعلى هذا فيكون ذكرهذا العنوان، اءعني وجود الشبهة في اءمر كتابهم، بحكم الاشارة الى اءن هذا هو المناط في حكمهم. وعلى هذا فالحكم لاينحصر فيهم، بل يجري في كل نحلة تشترك معهم في هذا المناط، اءعني وجود الشبهة.

ومما يقوي هذا الاحتمال في كلامهم ما ذكره العلامة‏رحمه‏اللّه في المنتهى، فانه قال في مقام الرد على اءبي حنيفة الذي‏قاس مشركي العرب باءهل الكتاب والمجوس ما لفظه: ((والجواب بالفرق بين المقيس والمقيس عليه، فان اءهل الكتاب‏لهم كتاب يتدينون به، والمجوس لهم شبهة كتاب -ثم نقل رواية الواسط‏ي- ثم قال: والشبهة تقوم مقام الحقيقة في مابني على الاحتياط، فحرمت دماؤهم للشبهة، بخلاف من لا كتاب له ولا شبهة كتاب))، انتهى. فاستدلاله لحكم المجوس‏بوجود الشبهة في اءمرهم كالصريح في اءن عنوان ((من لهم شبهة الكتاب)) لا يراد به الاشارة الى المجوس فحسب، بل هوحامل لاستدلال عام يشمل المجوس وغيرهم من الفرق التي يكون فيها مثل ما كان في المجوس من الشبهة.

ويؤيد ذلك كلامه الاخر في المنتهى، فانه قال في مقام تقسيم الكفار الى الذمي والحربي: ((فالذمي يشمل من له كتاب‏كاليهود والنصارى ومن له شبهة كتاب كالمجوس))، انتهى. فقوله: ((كالمجوس)) فيه اشعار الى اءن المجوس اءحد المصاديق‏لهذا العنوان الكلي، لا المصداق المنحصر له.

وحاصل ما ذكرناه الى هنا هو اءن المناط في الحاق المجوس باليهود والنصارى في اءحكامهم هو وجود الشبهة في اءمرهم‏وعدم احراز كونهم غير منتمين الى نبي من الانبياء وكتاب من الكتب السماوية.

ثم ان اناطة حرمة الدماء والنفوس بالشبهة اءمر موافق لما علمناه من الشرع، من الاحتياط في اءمر الدماء والاموال‏والفروج، مضافا الى اءن من الممكن القول باءن هدر الدماء وحل النفوس انما يختص بالمحاربين للدولة الاسلامية دون‏غيرهم من الكفار، واءن حكم القتل والقتال بالنسبة الى الكفار ليس اءمرا شاملا لكل كافر الا ما خرج، بل يختص بطوائف‏منهم -على ما احتملناه ونفينا عنه البعد في بعض المباحث السابقة- وعلى فرض قصور الدليل على ذلك فلا اءقل من‏الاحتياط الذي اءشرنا اليه في الطوائف التي قامت الشبهة في اءمرهم، وقد سمعت فيما نقلناه عن العلامة (رحمه‏اللّه) اءن:((الشبهة تقوم مقام الحقيقة في ما بني على الاحتياط، فحرمت دماؤهم (اءي المجوس) للشبهة)). فهذا المقدار مما لايحتاج الى زيادة تكلف في الاستدلال، الا اءن معاملة اءهل الكتاب لا تنحصر في حرمة نفوسهم واءموالهم، بل تشمل عقدالذمة معهم، والذي يشمل كثيرا من الفروع والاحكام، ومن المعلوم اءن ما اءنيط به حرمة الدماء والاموال من وجودالشبهة ولزوم الاحتياط لا يكفي لاثبات تلك الاحكام.

الا اءن يدعى الاولوية في ذلك، باءن يقال: الجزية وسائر ما يكلف الذمي به تكون بمنزلة العوض الذي يؤديه في مقابل‏حقن دمه وحرمة نفسه وماله، فاذا كلفنا الكتابي بذلك فالمشتبه بالكتابي اءولى منه به.

فالحاصل: اءن القول بجريان اءحكام اءهل الكتاب في من يحتمل كونه كتابيا مما لا يبعد عن القواعد الفقهية المتسالم‏عليها، فهذا هو الوجه في ذكر عنوان ((من له شبهة كتاب)) في كلمات بعض القدماء، وجعله قسيما لاهل الكتاب‏موضوعا، ومشتركا له حكما.

ولكن هذا كله بناء على اءن المراد من الشبهة في العنوان المذكور الشبهة والشك في كونهم اءهل كتاب، فالشبهة هنا بناءعلى هذا المعنى من قبيل شبهة الامان، حيث قلنا هناك: ان من احتمل في حقه الامان فهو محقون، كما اءن من توهم‏الامان بالنسبة الى نفسه -كمن سمع صوتا من مسلم فتوهمه اءمانا له- اءيضا محقون، مع اءن في المثال الاول يحتمل عدم‏الامان في الواقع، وفي المثال الثاني عدم الامان معلوم واقعا، الا اءن الشارع حكم بترتيب آثار الامان في المثالين احتياطافي اءمر الدماء والنفوس، فهنا اءيضا يحكم في حق مشتبه الكتابية باءحكام اءهل الكتاب احتياطا للدماء والنفوس.

واءما بناء على اءن يكون المراد من ((شبهة الكتاب)) ما احتملناه سابقا -في البحث عن حكم المجوس- من اءن المرادبالشبهة المشتبه فيه، والمعنى: اءن ما بيد القوم من الكتاب الذي يزعمونه كتابا سماويا ليس هو الكتاب السماوي الذي‏نزل على نبيهم، بمعنى اءن الامر اشتبه عليهم في ذلك، كما هو الحال في المجوس بحسب ما ورد فيهم من الروايات،حيث ورد اءنه كان لهم نبي، وقد انزل عليه كتاب، ولكن احرق الكتاب ولم يبق منه شي‏ء، فما هو الان باءيديهم ليس هوالكتاب الحقيقي النازل من السماء، بل شي‏ء مشتبه به، فعلى هذا المعنى يختلف الامر مع ما ذكرناه على المعنى‏السابق، اذ الحكم بالنسبة لمن حاله هكذا كالمجوس ليس حكما احتياطيا، لانهم اءهل الكتاب واقعا، وليس من جهة‏اشتباههم باءهل الكتاب، فالحكم فيهم بعينه هو الحكم في اليهود والنصارى. الا اءن صحة استعمال هذا التعبير في حق‏كل طائفة ونحلة يتوقف على اثبات كونها اءهل كتاب واقعا بدليل معتبر، كما هو الحال في حق المجوس، ولا يكفي فيه‏الحدس الظني من طريق مقارنة ما باءيديهم من الكتاب بما تحتويه الكتب السماوية عادة، اءو من اءي طريق ظني آخر.

فحينئذ لو فرض ثبوت مثل هذا الدليل في باب الصابئة فهو، والا فاجراء عنوان ((من له شبهة الكتاب)) في حقهم‏مشكل.

وسوف ياءتي ان شاء اللّه في بيان النقاط التالية ما يوضح الامر اءكثر.

الامر الثالث: هل يجوز التمسك بدعواهم في عقائدهم اذا ادعوا التوحيد والاعتقاد بنبي من الانبياء وكتاب من الكتب‏السماوية واءمثال ذلك؟ ربما يتبادر ذلك الى الذهن من وجوه: اءولا: اءفتى الفقهاء رحمهم اللّه بحجية قول الكافر اذا ادعى اءنه كتابي بمعنى اءهل الكتاب المعروفين اءعني اليهودوالنصارى.

قال في المبسوط: ((اذا اءحاط المسلمون بقوم من المشركين، فذكروا اءنهم اءهل كتاب، وبذلوا الجزية فانه تقبل‏منهم))... الى آخر كلامه. والظاهر اءنه اءراد من اءهل الكتاب اليهود والنصارى المعروفين بهذا العنوان، فاذا كان قول‏الكافر حجة في ذلك، فلم لا يكون حجة اذا ادعى اءنه موحد واءنه من متبعي اءحد اءنبياء اللّه تعالى؟! ثانيا: ان الاية الشريفة: (ولا تقولوا لمن اءلقى اليكم السلام لست مؤمنا...) جالنساء/94» تجعل قول من كان يعرف بالكفرحجة في دعواه الاسلام، فلم لا يكون حجة من باب تنقيح المناط في دعواه التوحيد والايمان بنبي من الانبياء؟! اذالمناط هو عدم التعرض لمن يظهر اءنه ممن لا يجوز التعرض لهم، سواء من جهة الاسلام اءو من جهة الاندراج في‏الطوائف الذين لا يتعرض لهم من الكفار، وليس خصوصية لدعوى الاسلام، ولذا لو ادعى اءنه من اءهل الذمة يسمع منه‏اءيضا.

وثالثا: ان قبول قول اءهل الملل في عقائدهم اءمر عقلائي لا يتخلف عنه العقلاء عادة، وذلك من جهة الظن النوعي‏بكونهم صادقين في دعواهم هذه، والسر في ذلك اءن من يعتقد بشي‏ء انما يعتقد به من جهة اءنه يراه حقا وصدقا، بل‏يراه الشي‏ء الوحيد الذي ينبغي اءن يعتقد به، ولذا تراه صادعا بعقيدته اذا لم توجد الدواعي الموجبة لاخفاء عقيدته‏كالخوف والتقية، فلا يعقل اءن يقول اءهل ملة -باءجمعهم وفي مر الازمان- عن ملتهم ونحلتهم التي يتبعونها غير مايعلمون منها، فقولهم حجة على غيرهم في ما يقولون عن نحلتهم بحسب هذا البناء العقلائي الذي لم يردع عنه الشارع‏المقدس.

هذا، ويمكن الخدشة في الوجوه المذكورة بما يوهن الاستدلال بها.

اءما الوجه الاول، فيمكن التفريق فيه بين المقيس والمقيس عليه، باءن دعوى الكافر في ما ذكره الشيخ‏رحمه‏اللّه انما هواخبار عن اءمر قائم بنفسه، اءي ايمانه وعقيدته، ولا يعرف ذلك الا من قبله، وفي مثله لا مناص عن قبول قول المدعي،وبذلك اءفتى الفقهاء في اءمثاله، ولذا ترى اءنه اذا اءمكن الوصول الى الواقع بواسطة البينة -المتشكلة ممن اءسلم منهم‏وصار معدلا- وتبين كذب الدعوى، بطل العهد والذمة.

وهذا بخلاف ما نحن فيه، اذ الدعوى هاهنا ليس اءمرا راجعا الى اعتقاد الشخص باءمر معلوم حتى يكون اءمرا لا يعرف الامن قبله، بل راجع الى اءمر اءعم من ذلك، اءعني اشتمال الدين الذي يعتنقه على عقيدة التوحيد وكذا وكذا...

وبعبارة اءخرى: هناك فرق بين اءن يدعي اءحد اءنه من اليهود مثلا، واءن يدعي اءن دين اليهود يشتمل على كذا وكذا من‏العقائد والاحكام، ففي الاول يجري كلام الشيخ‏رحمه‏اللّه، واءما في الثاني فلا، لان هذا ليس مما يكون قائما بالمدعي‏نفسه، وليس مما لا يمكن معرفته الا من قبله، حتى يلزم قبول قوله فيه، بل هو اءمر خارجي يمكن اءن يعرفه كل من بحث‏وفحص عنه، فلا يلزم قبول قول المدعي فيه.

واءما الوجه الثاني، ففيه: اءولا: اءن الاية الشريفة لم تاءمر بقبول دعوى المدعي، بل اءمرت بالتبين، والتثبت، وعدم التسرع الى قتل من يدعي‏الاسلام اءو السلم بداعي ابتغاء عرض الحياة الدنيا، بل يمكن استئناس عدم قبول قول المدعي من ايجاب التبين في‏الاية، اذ لو كان قبول قوله جائزا لما بقي وجه للتبين.

وثانيا: اءن ما ذكر من المناط غير مقطوع به، اذ كم فرق بين دعوى من يدعي الاسلام ودعوى من يظهر الكفر به، والاية‏الشريفة بصدد بيان حكم الاول، ولا يبعد وجود خصوصية في مدعي الاسلام دون غيره، واءن يكون المناط هو لزوم‏الاحتياط في دماء من يحتمل فيه الايمان به، وعدم السماح لتطرق الدواعي النفسية والشخصية في هذا الامر الخطير.

واءما الوجه الثالث، فيمكن اءن يقال فيه: باءن الاية الشريفة الامرة بالتبين -(فتبينوا ولا تقولوا لمن اءلقى اليكم السلام..)جالنساء/ 94»- ردع من ناحية الشارع عن قبول قول المدعي في اءمر الدين، فلو سلم ما ذكرتم من بناء العقلاء فهو مردوع‏عنه من قبل الشارع المقدس.

هذا، ولكن يمكن دفع شبهة الردع عن هذا الوجه باءن الامر بالتبين لو سلم كونه ردعا عن قبول قول مدعي الايمان دائما،فلا يكون ردعا عن قبول ما يقوله اءهل الملل والاديان عن مضمون نحلتهم وما تتضمنه من العقائد والاحكام، فالاية‏اءجنبية عما نحن فيه بالمرة.

فالوجه الثالث مما ذكرناه في مقام اثبات جواز التمسك بدعوى الكافر في معتقداته متين وسالم عن الايراد، ويمكن‏توضيحه باءن يقال: ان المناط في اعتبار كثير من القواعد العقلائية المقبولة شرعا -كقاعدة الصحة في باب العقودوالايقاعات، وقاعدة جواز اقرار العقلاء على اءنفسهم، وقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، واءمثالها من القواعد الكثيرة‏المعمول بها في الفقه- هو بناء عرفي عقلائي علم من الشارع المقدس امضاؤه له واعتباره لديه، لا بمعنى الامضاءوجعل الاعتبار في كل واحدة من هذه القواعد على حدة حتى يناط الاعتبار الشرعي في كل منها بامضاء الشارع له‏بالخصوص، ويكون مقتضى القاعدة عند الشك في امضاء الشارع لواحدة منها عدم الاعتبار، بل بمعنى تصديق الشارع‏لما يشترك فيه الكل، من الاعتماد على ما يتعامل به الناس في الامور الراجعة اليهم، وعدم الاعتناء باحتمال وقوعها غيرصحيحة وغير منطبقة على ما هو الحق الحقيق، والبناء على صحة ما ياءتون به لمصالحهم اءو ما يبدونه من الاعمال‏لجلب النفع اليهم، اءو دفع الشر عن اءنفسهم، فحاصل هذا البناء العقلائي الذي لم يردع عنه الشارع المقدس هو الاعتمادعلى اءعمالهم واءقوالهم المعتادة لهم في امورهم وشؤونهم، والبناء على صحتها، والا لم يبق لتعامل الناس بعضهم مع‏بعض اءساس يعتمد ويتكاء عليه، ومن ذلك ما يبدون ويظهرون من عقائدهم واءديانهم، فاذا اءراد اءحد التوصل الى مايحتويه الدين البرهمي اءو البوذي فلا طريق له الى ذلك غير الرجوع الى اءقوال اءهل ذاك الدين وما كتبوه عنه في كتبهم‏وآثارهم، فهم حجة على غيرهم في ذلك لدى العقلاء، طبعا في ما لم يرد في ذلك ما يعارض دعواهم من الصادق‏المصدق.

وعلى هذا، فالتمسك بدعوى الصابئة في بيان عقائدهم وما ينتحلونه من المعارف والاحكام اءمر عقلائي موافق لبناءالعقلاء في اءمثال ذلك. فلو فرض اءنهم يدعون الايمان باللّه واليوم الاخر والاتباع لنبي من اءنبياء اللّه المعروفين لدينا،والعمل بكتاب من الكتب السماوية التي يفرض نزولها من عند اللّه، فمقتضى القاعدة العقلائية التي لم يردع عنها الشارع‏هو الاخذ بكلامهم والتبني لدعواهم بغير تطرق وسوسة وريب في ذلك.

وسوف ياءتي في بعض الامور اللاحقة دعواهم لعقيدة التوحيد والايمان باللّه والملائكة واليوم الاخر والتبعية لبعض‏اءنبياء اللّه تعالى.

الامر الرابع: لو بقي الشك في كونهم ممن اءوتي الكتاب، فما هو مقتضى القاعدة في ذلك؟ وهل هناك اءصل لفظ‏ي اءوعملي يعمل بمقتضاه؟ ظاهر كلام الشيخ‏رحمه‏اللّه في الخلاف اءن الاصل بالنسبة الى كل ملة لم يحرز كونهم كتابيين هو عدم قبول الجزية منهم‏وعدم اقرارهم على دينهم. قال في مقام الاستدلال على جريان هذا الحكم بالنسبة للصابئة: دليلنا اجماع الفرقة‏واءخبارهم، واءيضا قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) جالتوبة/ 5» وقال: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب‏الرقاب) جمحمد/40» ولم ياءمر باءخذ الجزية منهم، واءيضا قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الاخر ولايحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اءوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)جالتوبة/29». فشرط في اءخذ الجزية اءن يكونوا من اءهل الكتاب، وهؤلاء ليسوا باءهل الكتاب.. انتهى(() ). وحاصل كلامه‏رحمه‏اللّه اءن هناك اءصلا لفظيا، وهو عموم هذا الحكم في الايات المذكورة بالنسبة الى ما سوى اءهل‏الكتاب من الكفار، فمتى لم يثبت الخروج عن هذا العموم بدليل خاص، فمقتضى القاعدة عموم حكم العام له. ولايخفى على المتاءمل اءن قوله: ((وهؤلاء ليسوا من اءهل الكتاب)) انما هو نفي احراز كونهم من اءهل الكتاب، لا نفي كونهم‏كذلك واقعا، اذ لا سبيل لاحد الى الكشف القطعي باءنهم ليسوا بكتابيين الا من طريق اخبار الصادق المصدق،والمفروض عدم ورود دليل في باب الصابئة على اءنهم غير كتابيين، فالمراد: اءنهم غير محرز كونهم كتابيين. وقد صرح‏بذلك صاحب الجواهررحمه‏اللّه، انتهى. فموضوع الحكم في كلامه‏رحمه‏اللّه هو من شك في كتابيته.

اءقول: للخدشة في ما يستفاد من كلام الشيخ‏رحمه‏اللّه -والذي تبعه فيه صاحب الجواهررحمه‏اللّه- مجال: اءما اءولا: فلان العمومات المشار اليها في كلام صاحب الجواهر -ومنها الايتان المذكورتان في كلام الشيخ‏رحمه‏اللّه- قدسبق الحديث عنها بالتفصيل (في الابحاث السابقة)، وقلنا: انها اءو اءكثرها ناظرة الى حكم مشركي الحجاز من عبدة‏الاوثان الذين كان رسول اللّه(ص) والمسلمون يومئذ مبتلين بهم كونهم اءعداء محاربين، وليس فيها تعرض لحكم مطلق‏الكافر بالمعنى العام، اءي الذي لم يتدين بما جاء به نبي الاسلام(ص)، وليست بصدد الامر بقتلهم على العموم، ولا اءقل‏من الشك في ذلك وكون هذا المقدار هو القدر المتيقن من مدلول الايات.

وثانيا: اءن ما اءفاده الشيخ وصاحب الجواهر-رحمهما اللّه كونه اءصلا متبعا في باب المعاملة مع الكفار -اءعني الحكم‏بعدم الجزية في من يشك في كونه ممن اوتي الكتاب- من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية لمخصصه،بمعنى اءن من يشك في كونه داخلا في عنوان ((من اءوتي الكتاب)) -وهو عنوان المخصص لعمومات عدم اقرار الكافرعلى دينه- يشك في كونه داخلا في المراد الجدي من عنوان العام بعد ورود الدليل المخصص، اءعني الكافر غيرالكتابي، وهذا يقتضي عدم جواز الاستدلال بالعام لحكم هذا الفرد المشكوك.

نعم، لو فرض اءن عنوان ((من اوتي الكتاب)) -وهو عنوان دليل المخصص- مشتبه مفهوما، باءن دار اءمره بين صاحب‏الكتاب المشرع مثلا اءو الاعم منه ومن غير المشرع، فاجمال المخصص بهذا النحو لا يوجب عدم جواز التمسك بعموم‏دليل الكفار، لان الدليل العام يشمل صاحب الكتاب غير المشرع، ولا نعلم بشمول الدليل الخاص له، فالامر في شمول‏الدليلين لهذا الفرد المشكوك دائر بين الحجة واللاحجة. ولعل هذا هو الوجه في استدلال صاحب الجواهررحمه‏اللّهبعموم آيات القتال في بيان حكم الصابئة.

ثم ان ما ذكرنا من الفرق بين الصورتين -اءعني ما كانت الشبهة فيه من قبيل الاشتباه في المفهوم، وما كان المفهوم فيه اءمراجليا، غير مشتبه، ولكن الشبهة اءتت من ناحية الاشتباه في المصداق- فتفصيله مذكور في الاصول.

ومجمل القول فيه: اءنه في صورة الاشتباه المفهومي، والذي يكون اءمر المخصص دائرا مفهوما بين الاقل والاكثر، كما لودار الامر في معنى الفاسق الذي ورد في الدليل المخصص موضوعا لعدم الاكرام، كقول القائل: لا تكرم العالم الفاسق،دار اءمره بين مرتكب الكبيرة فقط ومرتكب الاعم من الكبيرة والصغيرة من الذنب، فدلالة هذا الدليل المخصص على‏حكم الاقل، وهو خصوص مرتكب الكبيرة معلومة، ولكن دلالته على حكم مرتكب كل ذنب ولو صغيرة غير معلومة،فاذا كان هناك عالم مرتكب لصغيرة، فدلالة المخصص عليه وشموله له غير معلومة، في حين اءن دلالة العام عليه وهواكرام كل عالم معلومة، فتعارض العام والخاص بالنسبة لهذا المورد -اءعني العالم مرتكب الصغيرة- تعارض بين الحجة‏واللاحجة، فلا مناص من التمسك فيه بالعام، وفي ما نحن فيه اذا فرض اءن الدليل المخصص -اءعني آية الجزية- مجمل‏من حيث المفهوم، فيحتمل فيه ارادة خصوص اءهل الكتب الثلاثة اءو الكتب المشرعة، كما يحتمل شموله لهم ولغيرهم،فدلالة هذا الدليل على حكم غير اءهل الكتب الثلاثة غير معلوم، في حين اءن دلالة العام -اءي عمومات الكفار- عليهم‏ثابتة بلا ريب، فيحكم عليهم بمقتضاه.

واءما اذا كان عنوان الدليل المخصص اءمرا واضحا، وانما وقع الاشتباه من ناحية الشبهة المصداقية، فالامر يختلف تماما،فاذا فرض اءن مفهوم الفاسق -في المثال الذي سبق ذكره- غير مشتبه، ولكن شك في فسق زيد بالخصوص، فحينئذ لماكان المراد الجدي من قول القائل: اءكرم كل عالم هو اكرام كل عالم غير فاسق، وذلك بقرينة المخصص المنفصل الذي‏يقول: لا تكرم اءي عالم فاسق، فشمول العام للفرد المشكوك كونه فاسقا اءو غير فاسق بعينه كشمول الدليل المخصص له‏في اءن كلا منهما لا يشمل سوى ما احرز كونه مصداقا له، وبعبارة اءدق: اءن كلا منهما لا يكون حجة الا في ما اءحرز كونه‏مصداقا له، فكما لا يشمل الدليل المخصص هذا الفرد المشتبه كونه فاسقا، كذلك لا يشمله الدليل العام.

فبناء على كون الشبهة في باب عنوان ((من اوتي الكتاب)) وشموله للصابئة من باب الشبهة المصداقية، تكون النتيجة اءن‏عمومات قتال الكفار لا تشمل الصابئين، فلا وجه لاستدلال الشيخ وصاحب الجواهر رحمهما اللّه بتلك العمومات‏لاجل اثبات خروجهم عن اءحكام اءهل الذمة، وقد علمنا فيما قبل اءن الشبهة في هذا المورد ليست شبهة مفهومية في‏راءي صاحب الجواهررحمه‏اللّه على ما يبدو من التاءمل في كلامه، وهو صحيح وواضح بناء على ما ذكرناه سابقا من اءن‏الكتاب في آية الجزية يشمل الكتب السماوية جميعا من غير اختصاص ببعضها.

وعليه، فلو بقي هناك شبهة في اءمرالصابئة فهي انما تكون من باب الشبهة المصداقية، وفيها لا يجوز التمسك بالعام كما مر.