|
فحاصل
الكلام في هذا الامر: انه ليس هناك عموم او اطلاق يمكن الاستدلال به في
المشكوك كونه كتابيا على جوازقتله، وعدم اقراره على دينه. نعم، ترتيب جميع
احكام الكتابي على هذا المشكوك ايضا مشكل، لان ادلتها انما تثبتهالمن كان
كتابيا، ولازمه احراز هذا الموضوع، فما لم يحرز كونه كتابيا لا يمكن ترتيب تلك
الاحكام عليه. اللهم الا انيقال: ان حكم الجزية يشمل هذا الفرد المشكوك كونه
كتابيا بمفهوم الاولوية، وقد سبق منا توضيح ذلك.
هذا كله في الاصول اللفظية، واما الاصل العملي، فربما يبدو
ان المورد مجرى استصحاب عدم كون الصابئة ممن
اوتيالكتاب، ويمكن تقريره على وجهين:
الاول: ان يكون المراد بالعدم المستصحب هو العدم المفروض
فيما قبل وجود الصابئة، فيكون هذا الاستصحاب منجزئيات
استصحاب عدم الخصوصية المفروض في ظرف عدم
موضوعها، المعروف لدى الاصوليين باستصحابالعدم الازلي،
ففي ما نحن فيه يصدق ان هؤلا قبل وجودهم لم يكونوا ممن
اوتي الكتاب، فيستصحب هذا العدم.وهذا النوع من
الاستصحاب قد استقر على امكانه وصحته راي اكثر متاخري
الاصوليين، بذريعة تمامية اركانالاستصحاب فيه، ولذا نراهم
يتمسكون به في باب الشك في تذكية الحيوان المشكوك
ذكاته، والشك في قرشية الامراةالمشكوك كونها قرشية،
وغيرهما من الامثلة الكثيرة.
الا اننا مع الاعتراف بما يدعى من انطباق قاعدة الاستصحاب
عليه شكليا وعدم قبول ما يورد عليه من هذه الجهة لمنتمكن
من الاعتراف به بحسب شمول ادلة الاستصحاب عليه لفظا او
اطلاقا، وهكذا بحسب انطباق الاستصحاب عليهكقاعدة
عقلائية متداولة في عرف العقلا، ونرى ان حكم العقلا بعدم
وجود الخصوصية المشكوك فيها في موضوع مافي صورة سبق
السلب بانتفا الموضوع انما هو من باب ان الحكم بوجود كل
خصوصية ذاتية كانت او عرضية في ايموضوع من
الموضوعات انما يحتاج الى وجود دليل لذلك، فحكمهم بعدم
الخصوصية من باب عدم الدليل عليها، لامن باب الاستصحاب.
والتفصيل في ذلك موكول الى محاله ولا يسعه المجال في ما
نحن فيه.
الثاني: ان يكون المراد بالعدم المستصحب عدم نزول الكتاب
على الجماعة المعتنقة لهذه النحلة في اول الامر، وهذاخارج
عن استصحاب العدم الازلي، اذ العدم المستصحب انما فرض
في ظرف وجود موضوعه، لا في ظرف عدمه،فكل جماعة
يفرض اعتناقها اولا لنحلة ما اذا شك في نزول الكتاب
السماوي عليها، يمكن استصحاب عدم نزولهعليهم فيما قبل
ذلك، والنتيجة هي ان الجماعة المعتنقة اولا لتلك النحلة
والمسماة اولا بذاك الاسم ليست ممن اوتيالكتاب. وهذا كاف
في تنقيح هذا الموضوع بالنسبة الى من يتبعهم في الازمنة
اللاحقة، اذ المفروض عدم نزول الكتابعليهم بعد تلك
الازمنة.
والاستصحاب على هذا التقرير ايضا تام الاركان، ولا يرد عليه
ما يمكن ان يورد على استصحاب العدم الازلي، الا انالاعتماد
على مثله في الامور الخطيرة التي ترتبط بالنفوس والاموال
والاعراض لا سيما في المسائل العامة الراجعة الىالجماعات
المتعاقبة والاقوام المتتابعة مما لا يمكن المساعدة عليه،
وذلك لوضوح ان احالة امر دما الالوف من افرادالنوع
البشري الى مجرد عدم العلم بكونهم محقوني الدم بعيد عن
مذاق الشرع، ولا يعهد عن التعاليم الالهيةوبالخصوص عن
الشريعة الاسلامية- التي تعد كرامة الانسان وحرمة دمه من
اعظم الامور، ولا تسمح بهدر الدماوهتكها بغير حق -ان
تحكم بحل دم انسان واحد فضلا عن الجموع الكثيرة بمجرد
الشك في حرمة دمائهم، واعتماداعلى امثال هذا الاستصحاب.
وتوهم ان الاحتياط في امر الدما مختص بدما المسلمين
مردود، بان المناط في هذا الاحتياط انما هو احتمال حقنالدم
في مورده، ومعلوم ان منشا هذا الاحتمال لا ينحصر في
الاسلام، بل يشمل الكتابي المعاهد وامثاله ايضا، فكلماوجد
هذا الاحتمال من اي طريق كان ومن اي منشا، يكون المورد
مورد الاحتياط، والواضح وجود هذا الاحتمال فيامثال ما نحن
فيه.
فالحاصل ان جريان استصحاب عدم الكتابية في ما نحن فيه لا
يستقيم بوجه. فالظاهر ان المورد مجرى اصالة الاحتياطمن
جهة لزوم ذلك في باب النفوس والاموال والاعراض، واللّه
العاصم.
هذا كله في الامور الراجعة الى كبريات المسالة.
واما المحور الثاني اعني النقاط الصغروية التي لابد من البحث
عنها:
فالنقطة الاولى منها انه: هل هناك ما يمكن الاستشهاد به
على ان الصابئة اهل كتاب؟
والجواب على ذلك انه ربما يمكن الاستدلال على انهم اهل
كتاب، بوجوه:
منها: ما يستفاد من الايات الكريمة القرآنية التي ذكر فيها اسم
الصابئين، وهي ثلاث آيات، الاية الاولى قوله تعالى فيسورة
المائدة: (ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من
آمن باللّه واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوفعليهم ولا هم
يحزنون) جالمائدة/ 69».
وقريب منها الاية الثانية، وهي قوله تعالى في سورة البقرة: (ان
الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمنباللّه
واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف
عليهم ولا هم يحزنون) جالبقرة/62».
ويستفاد من الايتين اولا: ان عقائدهم مشتملة على الايمان
باللّه واليوم الاخر، والا لم يكن وجه لذكر ذلك عنهم.
وثانيا: ان من آمن منهم باللّه واليوم الاخر وقرن ذلك بالعمل
الصالح فهو من اهل النجاة، وهذا لا يكون الا في صورةصحة
هذا الدين وكونه نازلا من قبل اللّه تعالى.
وثالثا: ان الاديان الثلاثة مستقلة بعضها عن بعض، على ما هو
الظاهر المتبادر من تعدادها مردفا ومقترنا بعضها مع بعض.وما
ربما احتمل في بعض الكلمات من ان ذكر الصابئين من باب
ذكر الخاص بعد العام، يبعده، بل ينفيه ذكرهم بعداليهود في
آية وبعد النصارى في الاية الاخرى.
ومما ذكرنا يعرف وجه المناقشة في ما ذكره بعض اعاظم
اساتذتنا- اعلى اللّه مقامه- في تفسيره، فانه بعد نقل
كلامطويل عن البيروني في تاريخ الصابئة وبعض ما ينسب
اليهم من العقائد، قال: وما نسبه الى بعض من تفسير
الصابئةبالمذهب الممتزج من المجوسية واليهودية مع اشيا
من الحرانية هو الاوفق بما في الاية، فان ظاهر السياق ان
التعدادلاهل الملة، انتهى. فظهور الاية بان الصابئين اهل
ملة -وهذا ما اعترف بهرحمهاللّه- يعارض ما توهمه من
انمذهبهم مزيج من المذاهب الثلاثة، اذ ظاهر الاية كونهم
اهل ملة غير الملل الاخرى المذكورة فيها، لا انها ملتقط
بشريمن سائر الاديان، مضافا الى ان ما نسبه البيروني اليهم لا
يعترف به المنتمون الى هذا المذهب ظاهرا.
ثم ان ما ذكرناه من ايمانهم باللّه واليوم الاخر وان دينهم
صحيح ونازل من اللّه تعالى عبارة اخرى عن كونهم من
((اهلالكتاب)) بنا على ان هذا العنوان اعم من ان يكون
الكتاب نازلا على نبي هذه الجماعة ابتدا وبخصوصه، وان
يكوننازلا على نبي آخر يتبعه، ويروج دينه النبي الذي ينتمون
اليه. واما بنا على ان عنوان اهل الكتاب خاص بامة نبي
نزلعليه كتاب بالخصوص ولا يشمل امة من كان بدوره تابعا
لنبي آخر، فالايتان بما ذكر من مفادهما ليس فيهما
دلالةواضحة على كون الصابئة من اهل الكتاب، وانما تدلان
على كونهم ذوي شريعة الهية، ولو مع عدم صدق عنوان
اهلالكتاب عليهم. ولعل من استفاد من الايتين ان الصابئين
من اهل الكتاب -كبعض اعلام هذا العصررحمهاللّه في
جهادمنهاجه- لم يفهم من عنوان اهل الكتاب الا الاعم، وهو
الاظهر.
واما الاية الثالثة، فهي قوله تعالى في سورة الحج: (ان الذين
آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس
والذيناشركوا ان اللّه يفصل بينهم يوم القيامة ان اللّه على كل
شيء شهيد) جالحج/17».
والظاهر من التصنيف الثلاثي فيها ان كل صنف يلي موصولا
على حدة، ذو طبيعة وحكم مباين للصنفين الاخرين،فالصنف
الاول هم المؤمنون، والمراد بهم من آمن بهذا الدين الحنيف،
في قبال من رفضه جهلا او عنادا او لم يطلع عليهاصلا.
الصنف الثاني: اهل الاديان النازلة من السما، وان شئت قلت:
اهل الكتاب، وهم: اليهود والصابئون والنصارىوالمجوس،
والاقتصار على الاديان الاربعة لعله من جهة وجود هذه الاربعة
في رقعة البلاد القريبة الى مهبط الوحيومولد الاسلام في اول
ظهور الدعوة الاسلامية. والصنف الثالث: هم المشركون،
والمراد بهم في التعبيرات القرآنية غالباعباد الاصنام والاوثان،
وان كانت عقيدة الشرك غير منحصرة في هؤلا، فاكثر الاديان
الالهية صارت بعد عهودها الاولىمشوبة بالشرك تدريجيا، واما
في هذه الاية الشريفة، فمقتضى المقابلة بين الذين اشركوا
وغيرهم من الاصناف كونالتعبير صريحا او ظاهرا كمال
الظهور في عبدة الاصنام والاوثان.
والحاصل ان هذه الاية لها ظهور تام في ان الصابئين في عداد
اليهود والنصارى والمجوس من جهة كونهم اهل دينوكتاب
سماوي، وان كلا من الفرق الاربعة مستقل في نفسه، بمعنى
عدم كونه داخلا وجزءا من فرقة اخرى.
والمتحصل مما ذكرنا: ان الاستدلال بالايات الثلاثة على ان
الصابئة في عداد اهل الكتاب مما لا باس به، بل لا غبارعليه.
الوجه الثاني مما يمكن الاستدلال به لذلك: المضامين
المنقولة عن كتبهم التي يعتبرونها سماوية، وينسبونها الى
انبيااللّه المعروفين لدينا، كما نقل عن ما يسمى ((كنزا ربا))
ومعناه -على ما يقال- الكنز الكبير، فانها مشتملة على عقائد
لاتعهد الا من الاديان الحقيقية الالهية، كعقيدة التوحيد
والمعاد وتسمية الحق المتعال بالاسما الحسنى والصفات
العليا،ونسبة كل شيء اليه والى ارادته، وما الى ذلك، وهم
يدعون ان الكتاب المشتمل على ذلك هو كتاب يحيى -على
نبيناوعليه السلام- الذي يعتبرونه آخر انبيا اللّه تعالى، او
كتاب شيث وصحف آدم، او كتاب ادريس -على نبينا
و(ص)-بحسب اختلاف ما ينقل عنهم. فبنا على ما رجحناه
سابقا من تصديق اصحاب الملل والنحل في ما يبدونه
منعقائدهم، وكون ذلك حجة على غيرهم بحسب البنا
العقلائي غير المردوع عنه شرعا، لا يبقى مجال لانكار صحة
هذاالدين في اصله، وانه منسوب الى احد انبيا اللّه(ص).
ثم انه لما كان اصل نزول كتاب على يحيى وآدم(ع) مسلما
نطق به القرآن الكريم- كما سنذكره- فنسبة كتاب
الصابئينالى احدهما اما ان تكون صادقة او خاطئة، فعلى
الاول يكون هؤلا اهل كتاب بلا ريب، وعلى الثاني يكون ممن
بيدهمشبهة كتاب كالمجوس -على ما بيناه في معنى هذا
العنوان- فكونهم ممن يقر على دينهم كاليهود والنصارى
والمجوسامر لا محيص من الالتزام به.
واما نزول الكتاب على يحيى(ع)، فهو وان كان الظاهر من قوله
تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة...) جمريمر12» لكن لونوقش
في دلالته -بان المراد بالكتاب فيه هو التوراة بدلالة لام العهد،
فلا يدل على كون يحيى صاحب كتاب آخر حتىيحتمل كونه
هو الذي بيد الصابئة، وليس هذا الذي يدعونه كتاب يحيى هو
التوراة حتى يحكم بكونهم من اهل التوراة،فلا شيء هناك
يصحح لهم عنوان ((اهل الكتاب)) او اهل شبهة كتاب -لقلنا
في الجواب اولا: يكفي في اثبات الكتابليحيى(ع) آيات سورة
الانعام، حيث يقول تعالى بعد ذكر عدة من الانبيا، منهم: زكريا
ويحيى وعيسى والياسواسماعيل واليسع ويونس ولوط
وغيرهم وذكر اجتبائهم وهدايتهم من عند اللّه تعالى: (اولئك
الذين آتيناهم الكتابوالحكم والنبوة) جالانعام/89» والظاهر
من الاية بلا ريب ان كلا من هؤلا المذكورين اوتي كتابا
مستقلا غير ما اوتيالاخرون بقرينة الحكم والنبوة، وبعيد غاية
البعد ان يحمل الكتاب في الاية على كتاب خاص او كتابين،
وهما: التوراةوالانجيل، كما ان من البعيد جدا ان يكون المراد
بايتا الكتاب لنبي من الانبيا الزامه بالعمل بكتاب نزل على
نبي آخرقبله، والشاهد على ذلك انه لا يقال ان عيسى(ع)
اوتي التوراة مع انه كان مصدقا للتوراة وعلمه اللّه اياه وامره
بالعمل بمافيه، ولكنه اوتي الانجيل، قال اللّه تعالى: (وقفينا
على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة
وآتيناهالانجيل فيه هدى ونور) جالمائدة/46».
ثم بعدما ثبت دلالة آية سورة الانعام على ان يحيى(ع) اوتي
كتابا مستقلا عن التوراة، فاللام في آية سورة مريم -اعنيقوله
تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) - يمكن ان يكون للعهد الى
هذا الكتاب، بل هو اقرب احتمالا من كونه اشارةالى التوراة كما
يظهر وجهه من بعض ما ذكرناه آنفا، بل يمكن ان يقال: ان من
البعيد عن الحكمة والبلاغة ان يؤمر نبي منالانبيا - وقد
اوتي الكتاب من اللّه تعالى- بان ياخذ كتاب نبي آخر سبق
عليه مئات من السنين، وان ياخذه بقوة،خصوصا مع العلم
بان ذاك الكتاب مع ما جا به من الشريعة سوف ينسخ عما
قريب بكتاب نبي آخر من انبيا اوليالعزم وهو عيسى(ع).
وثانيا: سلمنا ذلك، ولكن لم يدل دليل قطعي على ان التوراة
الموجود هو جميع التوراة المنزل على موسى(ع)، فليكنهذا
الذي بيد الصابئة جزءا من التوراة الواقعي التام، كما ان الذي
بيد اليهود جزء آخر منه، وعليه فليكن هؤلا اهلكتاب هو
التوراة لكن من طريق يحيى(ع)، بل لو ادعى انه الجزء الاصح
منه بالقياس الى الذي كان بيد اليهود المعاصرينليحيى
المحرفين المنحرفين، لم يكن بعيدا عن الاعتبار كثيرا.
ثم ان ما ذكرنا من احتمال انتساب كتاب الصابئين الى يحيى
يتاتى تماما بالنسبة لاحتمال انتسابه الى آدم(ع)، وعلىفرض
التحريف والغلط يكون من مصاديق عنوان شبهة الكتاب، كما
سبق.
فنتيجة البحث في النقطة الاولى: ان الاقوى والاظهر بحسب
الادلة ان الصابئين يعدون من اهل الكتاب.
النقطة الثانية: هل الصابئة يعدون من شعب بعض الاديان
الثلاثة: اليهود والنصارى والمجوس، او انهم نحلة اخرى
غيرهؤلا؟
والجواب على ذلك: قد علم من بعض ما ذكرنا في توضيح
النقطة الاولى، فلا دليل على ما قيل -وقد مضى في ما
نقلناهمن كلمات بعض الفقها -من انهم شعبة من اليهود او
انهم مجوسيون وامثال ذلك مما نقله في الجواهر عن غير
واحدمن الفقها كالشافعي، وابن حنبل، والسدي، ومالك،
وغيرهم، بل لعل مقتضى ما ذكرنا الجزم بخلافه.
ولا يخفى انه لا يترتب على تنقيح هذا الامر كثير فائدة واثر
فقهي، فلا نطيل الكلام فيه، ولا نضيف على ما سبق الا ذكران
اليهود والمجوس لا يعدون هؤلا منهم، كما ان هؤلا لا يعدون
انفسهم من اليهود او المجوس، بل نقل عنهم انهم
لايعتقدون بنبوة موسى(ع) وغيره من انبيا بني اسرائيل غير
يحيى(ع).
النقطة الثالثة: ربما يتبادر الى بعض الاذهان ان العقائد
المنسوبة الى الصابئة تمنع من انعقاد الظن بكونها الهية، فلا
باسبان يجاب على هذا السؤال: هل ان ما يشكل العقائد
الاصلية او المجموعة العقائدية لهم يشتمل على مثل ذلك؟
والحق الذي ينبغي الاعتراف به هو اننا لا نعرف من المعارف
والاحكام الدينية لهذه النحلة التاريخية -والتي
اصبحالمنتمون اليها موجودين بين ايدينا وفي عقر بلادنا-
شيئا كثيرا تسكن النفس بملاحظته الى معرفة اصحابها،
والباحثفي هذا الموضوع يجد في حقل البحث الموضوعي فيه
فراغا كبيرا لم يسد -مع الاسف- مع ما بايدينا من
الاشاراتالخاطفة الموجودة في كتب الملل والنحل، ولهذا
فالقول الحاسم في باب عقائدهم واحكامهم وتقاليدهم الدينية
مما لايسهل في هذا المقام، الا ان الذي يبدونه من ذلك في
بعض منشوراتهم والتي يقال عنها: انها ماخوذة من كتابهم
الدينيالمسمى ((كنزا ربا)) يرسم لنا صورة اجمالية عن اس
عقائدهم، فلنذكر من ذلك ما يفيدنا في البحث الفقهي:
فمن جملة عقائدهم التي يدعونها ويصرون عليها التوحيد، فقد
عقد في الكتيبة الصغيرة التي نشروها باسم((درفش))
فصل مخصوص بالتوحيد باسم ((بوثة التوحيد)) (والظاهر ان
بوثة في كتابهم تعادل القسم والفصل،كالسورة او الاية)، ومما
جا فيها ما ترجمته بالعربية هكذا: ((الهي منك كل شيء، يا
عظيم يا سبحان، يا حكيم يا عظيم،يا اللّه المتعال الكريم، علا
قدرتك على كل شيء، يا من ليس له شبيه ولا نظير، يا راحم
المؤمنين، يا منجي المؤمنين، ياعزيز يا حكيم، يا من ليس له
شريك في قدرته، اسبح اسمك..)).
ومن جملتها الاعتقاد بالنبوة، والكتب المقدسة، والملائكة
والجنة، والنار، والدعا، وامثال ذلك، ومن جملتها في
بابالاخلاق والعبادات ما لا يبعد كثيرا عما يعهد عن الاديان
الالهية. هذا في جانب.
وفي جانب آخر، لهم عقائد ربما يستشم منها رائحة الخروج عما
يعهد من التوحيد الخالص، فمن ذلك اعتقادهم بمايسمى
((مندادهيى)) الذي يقولون عنه بانه اول من سبح اللّه تعالى
وحمده، وانه احد الملائكة المقربين، ويقرنون اسمهفي بعض
البوثات باسم الرب تعالى، ومن ذلك ما يرى من التوسل
بالملائكة الذين يسمونهم باسما عندهمويعتبرونهم من
المقربين، ويذكرون اسم آدم ابي البشر ويحيى(ع) في عداد
الملائكة، ويسلمون على الانهار المقدسةوالاماكن المقدسة
وعلى الحياة وسكان عالم الانوار وغير ذلك. ومن ذلك
تسميتهم احيانا اللّه باب الابا، تعالى عمايقولون علوا كبيرا.
والحاصل ان في عقائدهم جملة من العقائد التوحيدية الحقة
المقبولة، وزمرة من الاباطيل المنافية للعقيدة
التوحيديةالخالصة. وقد نقلناها عما نشروه تعبيرا عما لديهم
من العقيدة والشريعة ترجمة عن الاصل الارامي لكتابهم.
ولكن لا يخفى على المتامل في ذلك ان ما بايديهم من
العقائد المردودة ليس باكثر عما هو معروف عن بعض
الاديانالالهية المحرفة المنسوخة، اصحاب الكتب الالهية
النازلة على انبيا اللّه، وهذا من امر ما مر على شرائع اللّه تعالى
فيخلقه، ان تعرضت يد التحريف والجعل الناشئين تارة من
الجهل، واخرى من الاغراض المختلفة، وتطاولت على
اعظمواغلى ما من اللّه به على عباده، اعني الكتب السماوية
والاحكام الالهية، فحرفتها عن مواضعها ومزجتها
بالاباطيلوالخرافات، الا ان ذلك كله لا يوجب خروج الدين
المحرف عن كونه الهيا في الاصل، وخروج اهله عن كونهم
اهلالكتاب، واللّه العاصم.
النقطة الرابعة: ذكر بعض من تعرض للتعريف اللغوي او
التاريخي للصابئين ان اسمهم هذا مشتق من ((صبا))
بمعنىخرج، ويقال لهم الصابىء، لخروجهم من دين الى دين.
ويذكرون في وجه ذلك امورا (راجع: التفسير للرازي
وغيره،وغير واحد من كتب اللغة)، فربما يتبادر الى الذهن ان
هذا لا يتلام مع الانتساب الى اصل الهي ونبي وكتاب
سماوي.اقول:
اولا: في مقابل هذا الوجه في تسميتهم وجه آخر ذكره بعض
الفضلا والمحققين في رسالة كتبها في التعريف بالصابئة،وهو
ان هذه الكلمة (الصابىء) من اصل آرامي بمعنى ((المغتسل))
وقد سموا بها لاهتمامهم بالغسل بالما، بحيث انهاحد اركان
احكامهم الشرعية، ولذا يسمون في عرف اهل الملل بالصابئة
المغتسلة.
وثانيا: امثال هذه الاعتبارات المبنية على الحدس الظني مما
لا وزن لها في استنباط الحكم الشرعي، حتى ولو لم يذكرفي
وجه تسميتهم ما ذكرناه عن ذاك البعض، فان هذه الوجوه
الظنية لا تغني من الحق شيئا. والتفصيل في تحقيق الحالفي
اصل الكلمة ووجه التسمية بها خارج عما نستهدفه، فهو
موكول الى محالها، واللّه العالم.
الغنا
الغنا: دراسة فقهية لظاهرة الغنا: الحقيقة والحكم
د. عبد الهادي الفضلي
الغنا في دراسات الفقها
يعد الغنا من الموضوعات التي عني الفقها المسلمون بدراسته
دراسات مستقلة، وغير مستقلة، ضمنوها مؤلفاتهمالفقهية
العامة تحت عنوان ((المكاسب المحرمة)) التي اعتادوا ان
يضعوها مدخلا لكتاب ((التجارة))، على اساس ان الغنامن
الافعال المحرمة، والتكسب بالمحرم محرم، فبحثوا -منطلقين
من هذا- حكم الغنا بوصفه فعلا من افعال المكلف،وحكم
استماعه وتعلمه وتعليمه وحضور مجالسه، وتكسب المغنين
والمغنيات به، وشرا القيان والجواري المغنياتوبيعهن، وصنع
آلات الطرب التي تستعمل معه وبيعها وشرائها واستعمالها..
والخ.
ومما الف فيه مستقلا:
1- رسالة في الغنا: موضوعا وحكما، الميرزا ابو القاسم
الجيلاني القمي (ت 1231ه)، طبعت في آخر كتاب ((الغنائم))
سنة1327ه.
2- رسالة في الغنا وعظم اثمه، المولى اسماعيل بن محمد
حسين المازندراني الاصفهاني الجاجوئي (ت 1173ه).
3- رسالة في الغنا، المولى محمد باقر السبزواري (ت 1090ه).
4- رسالة في الغنا، السيد محمود الخونساري.
5- رسالة في الغنا، محمد رسول الكاشاني.
6- رسالة في الغنا، آقا رضا الاصفهاني (ت 1361ه).
7- رسالة في الغنا، الميرزا عبد الرزاق بن علي رضا القزويني
الاصفهاني الشهير بالواعظ الحائري.
8- رسالة في الغنا، الاقا محمد علي الكرمانشاهي (ت 1269ه).
9- رسالة في الغنا، المولى نظر علي الطالقاني الطهراني (ت
1306ه)، طبعت مع كتابه ((مناط الاحكام)).
10- رسالة في الغنا، وتحليله، المحقق الفيض الكاشاني (ت
1091ه).
11- رسالة في الغنا، الشيخ محمد هادي الطهراني (ت
1321ه). اولها: ((بسم اللّه وله الحمد... الصوت: قال الرئيس:
انهكيفية تحدث من تموج الهوا المنضغط بين قارع
ومقروع...)) اختار فيها قول المحدث الفيض في تجويز الغنا.
12- ايقاظ النائمين وايعاظ الجاهلين، السيد محمد المدعو
بماجد بن ابراهيم الحسيني. اوله: ((الحمد للّه رب
العالمين-الى قوله- هذه رسالة الفتها في تحقيق حال الغنا
اسعافا لمسؤول بعض الاصدقا)) .
13- الغنا، السيد علي الحسيني، طبع بطهران سنة 1412ه.
14- الغنا في الاسلام، الشيخ علي العسيلي العاملي.
وغيرها.
واهم مصدر فقهي امامي عام يرجع اليه في موضوع ((الغنا))
كتاب ((المكاسب)) للشيخ الاعظم الفقيه المجدد
الشيخمرتضى الانصاري (ت 1281ه)، مع شروحه، وهي كثيرة
تعد بالعشرات، ذكر منها شيخنا الطهراني في ((الذريعة))
ثلاثينحاشية، منها:
- حاشية الشيخ الميرزا حبيب اللّه الرشتي (ت 1312ه).
- حاشية الشيخ محمد حسن كبة البغدادي (ت 1336ه).
- حاشية الاقا رضا الهمداني (ت 1322ه).
- حاشية الميرزا علي الايرواني (ت1354ه).
- حاشية السيد محمد علي الخوانساري (ت 1286ه).
- حاشية الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية (ت
1329ه).
- حاشية السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب
العروة (ت 1337ه).
- حاشية السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت 1390ه)،
وعنوانها ((نهج الفقاهة)).
- حاشية الشيخ الميرزا فتاح الشهيدي (1372ه). وعنوانها
((هداية الطالب الى اسرار المكاسب)).
- محاضرات في الفقه الجعفري للسيد ابي القاسم الخوئي (ت
1413ه) بقلم تلميذه السيد علي الشاهرودي.
- مصباح الفقاهة، للسيد ابي القاسم الخوئي بقلم تلميذه
الشيخ محمد علي التوحيدي.
- حاشية الشيخ محمد الكرمي، وعنوانها ((اتحاف الطالب)).
- المواهب في تحرير احكام المكاسب، للشيخ جعفر السبحاني
بقلم تلميذه الشيخ سيف اللّه اليعقوبيالاصفهاني.
ومن اهم هذه المصادر واوسعها كتاب ((المكاسب المحرمة))
للامام الخميني (ت 1409ه).
اما هذه المحاولة المتواضعة لدراسة الغنا فقهيا -التي بين
يديك قارئي العزيز- فقد كانت في البدء جوابا مختصرالسؤال
كريم، ضمنته الاقوال الفقهية في الغنا، ثم طلب مني مراجعة
الجواب واعادة النظر فيه لنشره وتعميمه، واجبتالطلب،
فكانت هذه الدراسة التي ارجو ان تكون بمستوى المطلوب،
وان يفيد منها القرا الاعزا في فهم الفكرة نظريا،تاركا امر
التطبيق لهم لانه تكليف شرعي شخصي يعمل فيه المجتهد
وفق اجتهاده والمقلد حسب تقليده، وما تنكبالصراط من
سلك سبيل الاحتياط.
راجيا التوفيق في ما عرضت وقدمت، انه تعالى ولي التوفيق،
وهو الغاية.
تاريخ الغنا
تمتد معرفة الانسان للغنا الى عهود ما قبل التاريخ، حيث
استخدمه الانسان، ومنذ البدء، وسيلة من وسائل التعبير
عمايعتمل في دخيلة نفسه من فرح وترح، وسرور وحزن، وعما
يريد ان يعرب عنه من حب وكره ورضى وسخط.
وكان، في بداياته الاولى، كلاما منظوما يحدو به الراكب على
راحلته، ويشدو به الراجل حالة قطعه المسافات
الطويلة،ويتلهى به الفلاح عندما يحرث او يبذر، وعندما يسقي
او يحصد، ويترنم به الراعي وهو يسوق غنمه الى
المرعى،ويتناجى به العاشقون تحت نور القمر، ويحيي به
الساهرون ليل السمر، ويهزج به الاقربا والاصدقا في افراح
الزفاف،وينشد في استقبال العظما، ويردد في محافل تكريمهم
حين يدعو الواجب الاجتماعي لذلك.
وفي هذه البدايات البدائية لم يفرق الانسان في تعامله معه بين
ان يكون في حياة لاهية او جادة، وبين ضيق العيشوبلهنيته.
وعندما قامت الدول، ومصرت الحواضر، واغرق الملوك والامرا
في دنيا الترف بزهوها ولهوها، اعدت له الدورالخاصة التي
عرفت ب((بيوت الغنا ژحژسرب خذخخذخث وعقدت له مجالس
اللهو في ابها القصور وصالات المسارحوساحات الملاعب، بما
حول الحياة معه الى دنيا لاهية نات بالانسان عن مواقف الجد،
وسرقت منه وقته الثمين عن انيصرفه في المفيد النافع.
وعندها صار الغنا وسيلة كسب، حتى عاد معه بيع القيان
وشراؤهن تجارة رابحة، واصبح المغنون من اكثر الناسدخولا
مالية.
وتمثلت ظواهره، مع ما آل اليه من تطور، بالمظاهر التالية:
- غنا للتسلية لا يراد منه الا الترويح عن النفس.
- غنا للتلهية وكسب المال.
- بيوت غنا اعدت للهو من جانب، والكسب من جانب آخر.
- مجالس غنا تعقد لاجل اللهو واللعب.
ولنكن على تذكر من هذه المظاهر لاننا سنعود اليها عند
عرضنا لادلة الغنا في الفقه.
وقد سجل المؤرخون الحوادث الكثيرة عن عالم اللهو، ودنيا
الغنا، وبخاصة في عهدي الدولتين الاموية والعباسية. ايفي
عصر تناقل الاحاديث الشرعية التي رويت في شؤون الغنا، من
حيث النظرية والتطبيق.
وهذا، بطبيعته، يساعد على الكشف عن مفهوم الغنا وما يراد به
نظريا، وعن مصاديقه وما صدر منها تطبيقياوعمليا.
ومن هذا ما جا في كتاب ((تاريخ الاسلام)) للدكتور حسن
ابراهيم حسن، تحت عنوان ((مجالس الغنا والطرب)) ((لم
يكنالغنا والموسيقى شيئا مستحدثا عند العرب قبل ظهور
الاسلام، فقد كان لتردد اشرافهم على بلاد كسرى وقيصر
اثربعيد في حياتهم الاجتماعية، فنعموا بسماع الموسيقى
والغنا، وكان لطبيعة بلادهم اثر واضح في تقدم فن الغنا،
فقدكان حداة الابل يغنون الرجز ليخففوا عن انفسهم مشقة
الطريق ووعورة السبيل.
فلما ظهر الاسلام لم يغفل العرب اثر الصوت الجميل في تلاوة
القرآن، وفي اذان الصلاة، فقد اثر عن الرسول(ص) انهطلب
الى بلال ان يؤذن الصلاة لانه كان ندي الصوت.
واستمرت الحال على ذلك في عهد الخلفا الراشدين الذين
انصرفوا الى الجهاد في سبيل اعلا كلمة الاسلام حتىتحولت
الخلافة الى الامويين، وانتشر شعرا الغزل في الحجاز من
امثال: عمر بن ابي ربيعة، وقيس بن ذريح، وكثير
عزة،وجميل بثينة، ومال الناس الى اشعارهم، وتغنوا بها.
وقد اخذ الامويون كما اخذ العباسيون من بعدهم، نظام
مجالسهم عن الفرس .
وقد وصف الجاحظ في كتابه ((التاج في اخلاق الملوك))، في
باب المنادمة، هذه المجالس في عهد اردشير بن بابك،فقال:
((انه كان اول من رتب الندما، واخذ بزمام سياستهم،
فجعلهم ثلاث طبقات:
فكانت الاساورة (الفرسان) وابنا الملوك في الطبقة الاولى،
وكان مجلس هذه الطبقة من الملك على عشرة اذرع
منالستارة.
ثم الطبقة الثانية، كان مجلسها من هذه الطبقة على عشرة
اذرع، وهي بطانة الملك وندماؤه ومحدثوه من اهل
الشرفوالعلم.
ثم الطبقة الثالثة، كان مجلسهم على عشرة اذرع من الثانية،
وهم المضحكون واهل الهزل والبطالة.
غير انه لم يكن في هذه الطبقة الثالثة خسيس الاصل، ولا
وضيعه، ولا ناقص الجوارح، ولا فاحش الطول، او القصر،
ولامؤوف (مصاب بفة)، ولا مرمي بابنة(عيب) ولا مجهول
الابوين، ولا ابن صناعة دنيئة كابن حائك او حجام، ولو
كانيعلم الغيب مثلا.
وكان الذي يقابل الطبقة الاولى، من الاساورة وابنا الملوك،
اهل الحذاقة بالموسيقات والاغاني، فكانوا بازا هؤلانصب خط
الاستوا.
ويقابل الطبقة الثالثة من اصحاب الفكاهات والمضحكين
واصحاب الونج (نوع من آلات العزف، معرب كلمة
((ونه))الفارسية) والمعازف (آلات الطرب) والطنابير (جمع
طنبور، وهو العود).
وكان لا يزمر الحاذق من الزامرين الا على الحاذق من المغنين،
وان امره بذلك راجعه واحتج عليه .
وكان الخلفا الاول يستمعون في اوقات فراغهم لقصائد
الشعرا، ولم يلبث الغنا ان حل محل الشعر، فكان
معاويةومروان وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان
بن محمد لا يظهرون للندما، بل كان بينهم حجاب، حتى
لايطلع الندما على ما يفعله الخليفة اذا طرب، فقد تاخذ نشوة
الطرب بلبه، فيقوم بحركات لا يطلع عليها الا خواصجواريه،
فاذا ارتفع من خلف الستارة صوت او حركة غريبة صاح صاحب
الستارة: ((حسبك يا جارية، كفي، انتهي،اقصري))، موهما
الندما ان الفاعل لتلك الحركات هو بعض الجواري.
وكان بعض خلفا بني امية يظهرون للندما والمغنين، ولا
يحفلون باتيان حركات تثيرها نشوة الطرب في نفوسهم.
وكان يزيد بن عبد الملك يبالغ في المجون بحضرة الندما،
كما سوى بين الطبقة العليا والسفلى، واذن للندما فيالكلام
والضحك والهزل في مجلسه، فلم يتورعوا في الرد عليه وحذا
حذوه في ذلك الوليد بن يزيد.
وفي عهد هذا الخليفة كلف الناس بالموسيقى والغنا، وكانوا
يسرفون في ذلك كل الاسراف، وينفقون ببذخ علىالمغنين
المشهورين والموسيقيين الذين كان الخليفة يدعوهم الى
دمشق من اقاصي البلاد)) .
ويقول د. حسن ابراهيم حسن، في كتابه المذكور آنفا: ((وكان
العباسيون ينفقون عن سعة في سبيل رفاهيتهم
ويعيشونعيشة قوامها البذخ والاسراف وحب الظهور وحفلت
قصور الخلفا والوزرا وكبار رجال الدولة بالمغنين
والموسيقيينكما كانت مجالس الخلفا من آيات الروعة
والجمال)).
ويضيف: ((وكان ابو العباس السفاح يظهر للندما في مجلسه،
ثم احتجب عنهم، كما كان يظهر سروره وابتهاجه
لندمائهومغنيه، ويمنحهم العطايا والصلات، ويقول: (العجب
ممن يفرح انسانا فيتعجل السرور، ويجعل ثواب من سره
تسويفاوعدة).
فكان، في كل يوم وليلة، يقعد فيه لشغله، لا ينصرف احد ممن
حضره الا مسرورا)).
وكان الهادي يحب الغنا ويطرب له، وقد قرب اليه من
المغنين:
- ابن جامع، الذي حذق فن الغنا.
- ابراهيم الموصلي، الذي ضرب في الغنا بسهم وافر.
- والزبير بن دحمان.
- والغنوي)) .
وذكر الطبري: ان الهادي كان ((يشتهي من الغنا الوسط الذي
يقل ترجيعه ولا يبلغ ان يستخف به جدا)). وكان، اذا
اعجبهالغنا وطرب، قال لمغنيه: ((احسنت، احسنت)) ،
ويكثر له العطا حتى يبلغ احيانا الف الف درهم. وقد فاق
هارونالرشيد الخلفا العباسيين في ولوعه بالغنا والموسيقى
واجزاله العطا للمغنين والموسيقيين.
وقد جعل للمغنين مراتب وطبقات على نحو ما وضعهم
اردشير بن بابك، وانوشروان، فكان ابراهيم
الموصلي،واسماعيل ابو القاسم بن جامع، وزلزل منصور
الضارب في الطبقة الاولى، وكان زلزل يضرب، ويغني هذان
عليه.
وكان منصور زلزل من احسن واحذق من برا اللّه بالجس،
فكان اذا جس العود، فلو سمعه الاحنف ومن تحالم في
دهرهكله لم يملك نفسه حتى يطرب. وكان يضرب المثل
بزلزل في حسن الضرب بالعود. واشتهر في ايام المهدي
والهاديوالرشيد. وقد انشا في بغداد بركة وقفها على
المسلمين فاشتهرت باسمه، واكثر الشعرا من ذكرها. واذا
اجاد احدالمغنين او الموسيقيين امر الخليفة بترقيته الى
الرتبة التي تعلو رتبته)) .
وذكر الجاحظ: ((ان برصوما الزامر اعجب الرشيد مرة، وكان
في الطبقة الثانية، فطرب الرشيد يوما لزمره، فقال له
صاحبالستارة: يا اسحاق ازمر على غنا ابن جامع، قال: لا
افعل، قال: يقول لك امير المؤمنين ولا تفعل؟، قال ان كنت
ازمرعلى الطبقة العالية رفعت اليها، فاما ان اكون في الطبقة
الثانية وازمر على الاولى، فلا افعل، فقال الرشيد
لصاحبالستارة: ارفعه الى الطبقة الاولى، فاذا قمت فارفع
البساط الذي في مجلسهم اليه، فرفع اسحاق الى الطبقة
العالية، فاخذالبساط، وكان يساوي الفي دينار، فلما حمله الى
منزله، استبشرت به امه واخوته، وكانت امه نبطية لكنا،
فخرجبرصوما عن منزله لبعض حوائجه، وجا نسا جيرانه
يهنئن امه بما خص به دون اصحابه، ويدعون لها، فاخذت
سكينا،وجعلت تقطع لكل من دخل عليها قطعة من البساط،
حتى اتت على اكثره، فجا برصوما فاذا البساط قد
تقسمبالسكاكين، فقال: ويلك ما صنعت؟؟، قالت: لم ادر،
ظننت انه كذا يقسم، فحدث الرشيد بذلك فضحك، ووهب
لهآخر)) .
ومن اشهر المغنين الذين حظوا برضا بعض الخلفا العباسيين:
ابراهيم الموصلي وابنه اسحاق. وكانا من رجال الادب، الا ان
الغنا قد غلب عليهما بما وضعاه من الالحان.
وقد ابدع ابراهيم الموصلي في تنسيق الالحان حتى توهم ان
الارواح هي التي تعلمه الاصوات. ولم يكن ابراهيمالموصلي
وحده متاثرا بهذا الشعور، بل ورثه عنه ابنه اسحاق .
وقد نبغ ابراهيم الموصلي في فن الغنا، واليه يرجع الفضل في
تعليم الغنا في عصره، فقد روى صاحب الاغاني عناسحاق بن
ابراهيم، قال: لم يكن الناس يعلمون الجارية الحسنا الغنا،
وانما كانوا يعلمونها الصفر والعود. واول من علمالجواري
المثمنات ابي، فانه بلغ بالقيان كل مبلغ، ورفع من اقدارهن.
وفيه يقول ابو عيينة بن محمد بن ابي عيينة المهلبي: ((وقد
كان هوى جارية يقال لها امان، فاغلى بها مولاها
السوم(القيمة)، وجعل يرددها الى ابراهيم وابنه اسحاق فتاخذ
عنهما، فكلما زادت في الغنا زاد في سومه)).
((ولم تقتصر مجالس المنادمة والطرب على الخلفا وحدهم،
بل جاراهم في ذلك الامرا والوزرا وسائر رجالاتالدولة.
فقد وصف ابن طباطبا مجلس جعفر بن يحيى البرمكي حين
كان يجلس للشراب، ومعه ندماؤه الذين يانس اليهم،وكانوا
يلبسون الثياب المصبغة، فقال: ((واذا جلسوا في مجلس
الشراب واللهو لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر...ثمجلسوا
يشربون، ودارت الكاسات وخفقت العيدان)) .
((وكان الامين يجتمع مع ندمائه في مكان واحد، وكان كثير
الهبات والعطايا حتى فاق الخلفا العباسيين قاطبة في
جودهوعطاياه لندمائه ومغنيه.
ويقول اسحاق بن ابراهيم الموصلي: لو كان بينه وبين ندمائه
حجب خرقها كلها والقاها عن وجهه حتى يقعد حيثقعدوا.
وكان من اعطى الخلق لذهب وفضة، وانهبهم للاموال اذا
طرب لها، وقد رايته وقد امر لبعض اهل بيته بوقر زورق
ذهبا،فانصرف به، وامر لي ذات ليلة باربعين الف دينار،
فحملت امامي.
ولقد غناه ابراهيم بن المهدي غنا لم ارتضه، فقام عن مجلسه،
فاكب عليه فقبل راسه، فقال ابراهيم: ما وطئت رجلاهمن
بساطه فامر له بمئتي الف دينار.
ولقد رايته يوما وعلى راسه بعض غلمانه، فنظر اليه فقال:
ثيابك هذه تحتاج الى ان تغسل، انطلق، فخذ ثلاثين
بدرة،فاغسل بها ثيابك)).
((وكان الخليفة الواثق يتقن الغنا اتقانا لم يسبق اليه خليفة ولا
ابن خليفة، وقد وضع بعض الاصوات والانغامالجديدة)).
يقول السيوطي: ((وكان (الواثق) اعلم الخلفا بالغنا، وله
اصوات والحان عملها نحو مئة صوت. وكان حاذقا
بضربالعود، وراوية للاشعار والاخبار)) .
ونتيجة ما اعطى الملوك والامرا في العهدين الاموي
والعباسي من اهتمام بشؤون الغنا، وبسبب التقارب
بينالحضارة العربية والحضارات الاخرى من يونانية وفارسية
وهندية التي دخلت العالم العربي خلال العهدين
المذكورين،كان ان صار للغنا علمه الخاص به ((علم الغنا))
او ((فن الغنا))، واعتد مهارة فنية من المهارات التي يتعلمها
الراغبفيها.
فالفت بسبب هذا، المؤلفات التي تناولت الغنا من جوانب
متعددة: تاريخا وفنا وعطا، وترجمت للمغنين
والمغنياتالعرب.
وقد ذكر ابن النديم في (الفهرست) شيئا من هذا.
ومنه:
كتاب القيان لاسحاق بن ابراهيم الموصلي. كتاب قيان الحجاز،
له ايضا. اخبار معبد وابن سريح واغانيهما، له ايضا.كتاب
القيان، ليونس الكاتب. كتاب النغم، له ايضا.
وفي ترجمة حسن بن موسى النصبي، قال ابن النديم:
((النصبي، واسمه حسن بن موسى صاحب كتاب الاغاني
علىحروف المعجم، الفه للمتوكل. وذكر في هذا الكتاب اشيا
من الاغاني لم يذكرها اسحاق (بن ابراهيم الموصلي) ولاعمرو
بن بانه. وذكر من اسما المغنين والمغنيات في الجاهلية
والاسلام كل طريف وغريب.
وله: كتاب الاغاني على الحروف (وهو المشار اليه في اعلاه).
كتاب مجردات المغنين. رسالة في الفرق بين ابراهيم
بنالمهدي (العباسي)، واسحاق (بن ابراهيم) الموصلي في
الغنا، لعلي بن هارون. ويضاف اليها كتاب ((الاغاني))
لابيالفرج الاصبهاني الذي ضم المئة صوت المختارة، والذي
يعد موسوعة تراثية مهمة في الاغاني والشعر واخبار
المغنينوالشعرا.
ورحم اللّه الشاعر الجواهري حيث يقول:
بغداد كان المجد عندك قينة
تلهو وعودا يستحث الضاربا
وزقاق خمر تستجد مساحبا
وهشيم ريحان يذرى جانبا
هذه لمحة تاريخية موجزة عن الغنا عند العرب، ودنياه اللاهية
الملهية، سوف نفيد منها عند دراستنا للنصوصالشرعية
والفتاوى الفقهية. ولاجل هذا عرضت لها واستعرضتها.
حقيقة الغنا
لم تعرف النصوص الشرعية مفهوم الغنا بما يكشف عن
حقيقته، ويحدد ماهيته. ويرجع هذا -في ما اقدر- الى
انظاهرة الغنا من الظواهر الاجتماعية التي تختلف باختلاف
المجتمعات، وتتطور سعة وضيقا بتغير ظروفها،
زمانيةومكانية.
وهكذا ظاهرة -حيث تخضع للعرف الاجتماعي وتتاثر به في
تقلباتها وتغيراتها- يؤثر تحديدها على الغاية من ربطهابحكم
ثابت يجب ان يراعى فيه جميع مصاديقها، ولا يقتصر فيه على
بعضها، وهي تلك المصاديق التي كانت عندالعرب ايام صدور
النصوص الشرعية.
فالغنا، عندما يحكم عليه بانه حرام، لا يلاحظ به جنسية
معينة او قومية محددة او لغة بعينها، او حضارة لذاتها،
فلايختص بالغنا العربي، او الذي كان في عصر صدر الاسلام،
وانما يراد به هذه الظاهرة اينما كانت في اي زمان، وفي
ايمكان، وباية لغة من لغات البشر.
ولكن الفقها المسلمين حاولوا ان يتوصلوا الى الكشف عن
ماهيته، وتحديد حقيقته من خلال النصوص الشرعية اوالفهم
العرفي العربي كشانهم مع المفاهيم الاخرى. ومنه ينطلقون
عن طريق معرفتهم للقدر الجامع (القاسم المشترك)الى
معنى عام شامل.
ولكن النصوص الشرعية -كما المحت- لم تعرف الغنا بما
يكشف عن حقيقته.
فاذا، ليس امامهم -اذا لم يرجعوا امر تحديده الى العرف
الاجتماعي- الا التعريفات اللغوية المذكورة في كتب
اللغةالعربية من معجمات ودراسات ومحاضرات وما اليها، وما
قد يستطيعون استخلاصه من مجموعة النصوص
الشرعية.وهذا هو الذي قاموا به، وليس امام الخلف الا ان
يسيروا بسيرة السلف.
ومن هنا لابد من البدء باستعراض التعريفات اللغوية، ثم التثنية
بالتعريفات الفقهية.
التعريفات اللغوية
ساحاول -هنا- ان اسلسل هذه التعريفات التي وقفت عليها
في ما لدي من مصادر، وهي قليلة، تسلسلا تاريخيا، ثماصنفها
وفق معطياتها من حيث المعنى.
1- تعريف ابي علي القالي (ت356ه) في معجمه: ((البارع في
اللغة)): الغنا ممدود: الترنم.. وانشد:
فغنها وهي لك الفدا
ان غنا الابل الحدا
2- تعريف ابن القوطية (ت 367ه) في كتابه: ((المقصور
والممدود)): ((الغنا: ما طرب له)). ذكره الخزاعي في كتابه:
((تخريجالدلالات السمعية)).
3- تعريف ابي سليمان الخطابي (ت 388ه): ((كل من رفع
صوته بشيء ووالى به مرة بعد اخرى فهو الغنا عند العرب.
واكثره في ما شاق من صوت او شجا من نغمة ولحن، فلذلك
قيل: غنت الحمامة وتغنى الطائر، قال المجنون:
الا قاتل اللّه الحمامة غدوة
على الغصن ماذا هيجت حين غنت))
ذكره الخزاعي ايضا في كتابه: ((تخريج الدلالات السمعية)).
4- تعريف الجوهري (ت 393ه) في: ((الصحاح)): ((الغنا
-بالكسر- من السماع)).
5- تعريف ابن فارس (ت 395ه) في: ((معجم مقاييس اللغة)):
((الغنا: الصوت)).
6- تعريف ابن الاثير (ت 606ه) في: ((النهاية)): ((وكل من
رفع صوته ووالاه، فصوته عند العرب غنا. قال ابن
الاعرابي:كانت العرب تتغنى بالركباني (غنا تتميز بمد الصوت)
اذا ركبت، واذا جلست بالافنية، وعلى اكثر احوالها. فلما
نزلالقرآن احب النبي(ص) ان تكون هجيراهم (الهجيرا:
زقزقة الغنا ورنته) بالقرآن مكان التغني بالركباني.
وفي حديث عائشة: ((وعندي جاريتان تغنيان بغنا بعاث))، اي
تنشدان الاشعار التي قيلت يوم بعاث، وهو حرب كانتبين
الانصار، ولم ترد الغنا المعروف بين اهل اللهو واللعب. وقد
رخص عمر في غنا الاعراب، وهو صوت كالحدا)).
7- تعريف ابن منظور (ت 711ه) في: ((لسان العرب)):
((والغنا -بالكسر- من السماع)).
8- تعريف الفيومي (ت 770ه) في: ((المصباح المنير)):
((والغنا -مثال كتاب-: الصوت. وقياسه الضم لانه صوت.
وغنى-بالتشديد- اذا ترنم بالغنا)).
9- تعريف الفيروز آبادي (ت 817ه) في: ((القاموس المحيط)):
((والغنا -ككسا- من الصوت ما طرب به)).
10- تعريف ابي البقا (ت 1044ه) في: ((الكليات)): الغنا
-بالضم والمد- التغني. ولا يتحقق ذلك الا بكون الالحان
منالشعر، وانضمام التصفيق الى الالحان، ومناسبة التصفيق
لها. فهو من انواع اللعب)).
11- تعريف الطريحي (ت 1085ه) في: ((مجمع البحرين)):
((الغنا: من الصوت ما طرب به)).
12- تعريف الزبيدي (ت 1205ه) في: ((تاج العروس)): ((والغنا
-ككسا- من الصوت ما طرب به.
قال حميد بن ثور:
عجبت لها انى يكون غناؤها
(فصيحا ولم تغفر بمنطقها فما)))
13- تعريف بعضهم: ((الغنا: مد الصوت)). ذكره الشيخ
الانصاري في: ((المكاسب)).
14- تعريف البستاني (1301ه) في: ((محيط المحيط)):
((الغنا: من الصوت ما طرب به)).
15- تعريف مجمع اللغة العربية بالقاهرة في: ((المعجم
الوسيط)): ((الغنا: التطريب والترنم بالكلام الموزون وغيره،
يكونمصحوبا بالموسيقى وغير مصحوب)).
16- تعريف الدكتور الجر في: ((معجم لاروس)): ((الغنا: من
الصوت ما طرب به)).
17- تعريف الكرمي في معجمه: ((الهادي الى لغة العرب)):
((الغنا: هو اخراج الصوت بانغام والحان مضبوطة بقصد
البسطوالارتياح. وهو مثل الطرب الا ان الطرب يكون فيه غنا
وآلات، او يكون فيه آلات فقط)).
18- تعريف الموسوعة العربية الميسرة: ((غنا: صناعة في ادا
الالحان المقرونة بالاقاويل الدالة على المعاني)).
19- تعريف موسوعة المورد للبعلبكي: ((الغنا: الشدو بكلمات
منظومة تؤدى وفقا للحن معين، وبمصاحبة الموسيقىفي
الاعم الاغلب)).
20- تعريف الموسوعة الموسيقية، لمحمد بو ذينة: ((غنا:
صناعة في ادا الالحان المقرونة بالاقاويل الدالة علىالمعاني.
وهيئة هذه الصناعة: اما ان تكون هي هيئة صياغة اللحن،
فتسمى هيئة الصيغة. او تكون هي هيئة ادا اللحن،فتسمى
هيئة الادا. وبديهي ان هيئة الصيغة اقدم من هيئة الادا، وان
هذه غاية قصوى لتلك.
وتختلف صناعة الغنا عند الامم باختلاف عنصرين:
اولهما: عنصر اللغة واسلوبها اللفظي ومدى صلاحيتها
للتلحين الموزون بالايقاع، او التلحين المطلق المسرود.
والثاني: عنصر النسبة في ترتيب جماعة النغم الاساسية عامة،
وترتيب جماعات النغم المستعملة في مقاماتالالحان.
وصناعة الغنا في اللغة العربية واللغات الشرقية اكثر تمسكا
في التلحين بدقائق الاصوات، واكثر ميلا الى
الاجناسالموزونة بالايقاع، وهذا يرجع الى اسباب في عناصر
هذه الصناعة)).
|