|
اما اذا حملت على المعاني الاخرى، فانه لا يتم الاستدلال
بالاية على ما نحن فيه، كما تقدم. وعليه: يبقى قول
المحققالاردبيلي سليما. وهذا يعني ان الغنا لم يحرم لذاته،
وانما لاسباب خارجة عنه تعرض له فتكسبه الحرمة، اي
انتحريمه عرضي لا ذاتي. ويلتقي هذا مع ما ذهب اليه كل من
الكاشاني والسبزواري والانصاري.
نعم، اذا حملنا روايات المتاجرة بالجواري المغنيات وروايات
ثمن المغنية على تحريم الغنا، لان تحريم ثمن المغنيةانما هو
لان الغنا حرام، تكون هذه الروايات دالة على حرمة الغنا، الا
انها غير صريحة، وليست دلالتها على تحريمالغنا بشكل
مباشر.
اما اذا حملناها على المعنى الاخر، وهو توجيه حكم التحريم
على المغنية للحد من انتشار ظاهرة اشاعة مجالسالطرب من
لهو وغنا، فانها تلتقي وراي العلمين المتعاصرين الكاشاني
والسبزواري.
ومن هنا لابد لنا من ان نقف وقفة متفهمة ومتانية مع الراي
القائل بان حرمة الغنا عرضية وليست ذاتية، لان الرايالاخر
اذا لم يستند الى غير الروايات من ادلة اخرى، فليس في
الروايات المعتبرة ما يدل بصراحة على حرمة الغنا،وهو كما
افاد المحقق الاردبيلي. ثم بعد ذلك نكون مع ما افاده الشيخ
الانصاري لانه الراي الذي لا تزال اصداؤه تنعكسعلى فتاوى
من تاخر عنه.
دليل المتعاصرين:
وبغية ان نتبين راي الكاشاني ومعاصره السبزواري
الخراساني، وبوضوح، نمشي الخطوات التالية: نعرض خلاصة
ماقالاه في المسالة. نعرض ونستنطق الرواية التي يستدل بها
على ان حرمة الغنا عرضية لا ذاتية ونستنطقها. نستخلص
مايستفاد من كلامهما واستنادهما الى الرواية المشار اليها. ثم
نكون مع نقد المحدث البحراني في ((الحدائق)) لرايهما
فيالمسالة. وبعده نكون مع توجيه الامام الخميني في
((المكاسب المحرمة)) لرايهما في المسالة.
قال الفيض الكاشاني في ((مفاتيح الشرائع)) : ((الذي يظهر،
من مجموع الاخبار الواردة في الغنا، ويقتضيه التوفيق
بينها:اختصاص حرمته وحرمة ما يتعلق به من الاجر والتعليم
والاستماع والبيع والشرا، كلها بما كان على النحو
المعهودالمتعارف في زمن بني امية من دخول الرجال
عليهن، واستماعهم لصوتهن، وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن
بالملاهي منالعيدان والقضيب ونحوها. وبالجملة: ما اشتمل
على فعل محرم دون ما سوى ذلك، كما يشعر به قوله(ع):
بالتي يدخلعليها الرجال)) .
وقال في ((الوافي)): ((والذي يظهر من مجموع الاخبار الواردة
فيه (يعني الغنا): اختصاص حرمة الغنا وما يتعلق به منالاجر
والتعليم والاستماع والبيع والشرى، كلها بما كان على النحو
المعهود المتعارف في زمن بني امية وبني العباس مندخول
الرجال عليهن، وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن بالملاهي من
العيدان والقضيب وغيرها، دون ما سوى ذلك، كمايشعر به
قوله(ع): (بالتي يدخل عليها الرجال).
وقال الشيخ الطوسي، في (الاستبصار)، بعد نقل ما اوردناه في
اول الباب: ((الوجه في هذه الاخبار الرخصة في ما لميتكلم
بالاباطيل، ولا يلعب بالملاهي والعيدان واشباهها، ولا
بالقضيب وغيره، بل يكون ممن يزف العروس ويتكلمعندها
بانشاد الشعر والقول البعيد عن الفحش والاباطيل.
واما ما عدا هؤلا ممن يتغنين بسائر انواع الملاهي، فلا يجوز
على حال، سوا كان في العرائس او غيرها)).
ويستفاد من كلامه: ان تحريم الغنا انما هو لاشتماله على
افعال محرمة، فان لم يتضمن شيئا من ذلك جاز. وحينئذ
فلاوجه لتخصيص الجواز بزف العرائس، ولا سيما وقد ورد
الرخصة به في غيره. الا ان يقال: ان بعض الافعال لا يليق
بذويالمروءات، وان كان مباحا.
فالميزان فيه: ((من اصغى الى ناطق فقد عبده))، وقول ابي
جعفر، صلوات اللّه عليه: ((اذا ميز اللّه بين الحق والباطل
فاينيكون الغنا)).
وعلى هذا فلا باس بسماع التغني بالاشعار المتضمنة ذكر
الجنة والنار، والتشويق الى دار القرار، ووصف نعم اللّه
الملكالجبار، وذكر العبادات والترغيب في الخيرات، والزهد
في الفانيات، ونحو ذلك، كما اشير اليه في حديث
((الفقيه))بقوله(ع): ((فذكرتك الجنة))، وذلك لان هذه كلها
ذكر اللّه تعالى، وربما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم
تلينجلودهم وقلوبهم الى ذكر اللّه.
وقال في ((المحجة البيضا)): ((وقد ذكرنا في كتاب آداب
تلاوة القرآن من ربع العبادات اخبارا اخر في هذا
الباب.ويستفاد من مجموعها: اختصاص حرمة الغنا وما يتعلق
به من الاستماع والاجر والتعليم وغيرها بما كان على
النحوالمتعارف في زمن بني امية وبني العباس من دخول
الرجال عليهن، وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن بالملاهي
والعيدانوالقضيب. واما ما سوى ذلك فاما مندوب اليه
كالترجيع بالقرآن، وما يكون منه وسيلة الى ذكر اللّه والدار
الاخرة، وامامباح او مكروه كما ذكرهما ابو حامد (الغزالي). ولا
يبعد ان يختلف الحكم في بعض افراد بالاضافة الى تفاوت
درجاتالناس، فانه لا يليق بذوي المروءات ما يليق بمن
دونهم)).
وقال المولى السبزواري في ((كفاية الاحكام)): ((لا خلاف
عندنا في تحريم الغنا في الجملة، والاخبار الدالة
عليهمتظافرة، وصرح المحقق وجماعة ممن تاخر عنه بتحريم
الغنا، ولو كان في القرآن، ولكن غير واحد من الاخبار يدلعلى
جوازه، بل استحبابه في القرآن بنا على دلالة الروايات على
حسن الصوت والتحزين والترجيع في القرآن، بلاستحبابه.
والظاهر ان شيئا منها لا يوجد من دون الغنا على ما استفيد
من كلام اهل اللغة وغيره، وفصلناه في بعضرسائلنا. وحينئذ
نقول: يمكن الجمع بين هذه الاخبار، والاخبار الكثيرة الدالة
على حرمة الغنا بوجهين:
احدهما: تخصيص تلك الاخبار بما عدا القرآن، وحمل ما يدل
على ذم التغني بالقرآن على قراة تكون على سبيلاللهو، كما
يصنعه الفساق في غنائهم.
وثانيهما: ان يقال: المذكور في تلك الاخبار الغنا الخاص
وارادته، والمفرد المعرف باللام لا يدل على العموم لغة،
وانمايستنبط من حيث لا قرينة على ارادة بعض الافراد من غير
تعيين ينافي غرض الافادة بسياق البيان والحكمة، فلابد
منحمله على الاستغراق والعموم، وهاهنا ليس كذلك لان
الشائع في ذلك الزمان الغنا على سبيل اللهو من
الجواريالمغنيات وغيرهن في مجالس الفجور والخمور
وغيرها، فحمل المفرد على تلك الافراد الشائعة في ذلك
الزمان غيربعيد، وفي عدة من تلك الاخبار اشعار بكونه لهوا
باطلا، وصدق ذلك في القرآن والدعوات والاذكار
المقروءةبالاصوات الطيبة المذكرة للاخرة والمهيجة للاشواق
الى عالم القدس، محل تامل. فاذا ان ثبت اجماع في غير
الغناعلى سبيل اللهو كان متبعا، والا بقي حكمه على اصل
الاباحة، وطريق الاحتياط واضح)) .
والرواية التي استدل بها الفيض الكاشاني هي: ((الكليني عن
عدة من اصحابنا، عن الحسين، عن النضربن سويد، عنيحيى
الحلبي، عن ايوببن الحر، عن ابي بصير: قال ابو عبداللّه(ع):
اجر المغنية التي تزف العرائس ليس به باس،وليست بالتي
يدخل عليها الرجال)) . وهي من حيث السند معتبرة.
وكلام ابي حامد الغزالي الذي اشار اليه الكاشاني ضمن كلامه
في ((المحجة)) هو ما ذكره في ((كتاب آداب
السماعوالوجد))، وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتابه
((احيا علوم الدين)) تحت عنوان ((بيان الدليل على
اباحةالسماع)). قال، بعد ان ذكر جملة من الاحاديث التي افاد
منها اباحة الغنا: ((فهذه الاحاديث كلها في الصحيحين،
وهينص صريح في ان الغنا واللعب ليس بحرام)).
ثم قال، بعد كلام طويل: ((فان قلت: فهل له (يعني الغنا) حالة
يحرم فيها؟، فاقول: انه يحرم بخمسة عوارض:1- عارضفي
المسمع.2- وعارض في آلة الاسماع. 3-وعارض في نظم
الصوت.4- وعارض في نفس المستمع او في
مواظبته.5-وعارض في كون الشخص من عوام الخلق. لان
اركان السماع هي: المسمع والمستمع وآلة السماع.
العارض الاول: ان يكون المسمع امراة لا يحل النظر اليها،
وتخشى الفتنة من سماعها. وفي معناها الصبي الامرد
الذيتخشى فتنته، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة، وليس
ذلك لاجل الغنا.
العارض الثاني: في الالة، بان تكون من شعار اهل الشر او
المخنثين، وهي المزامير والاوتار وطبل الكوبة، فهذه
ثلاثةانواع ممنوعة. وما عدا ذلك يبقى على اصل الاباحة
كالدف -وان كان فيه الجلاجل- وكالطبل والشاهين
والضرببالقضيب وسائر الالات.
العارض الثالث: في نظم الصوت، وهو الشعر، فان كان فيه شيء
من الخنا والفحش والهجو، او ما هو كذب على اللّهتعالى وعلى
رسوله(ص) او على الصحابة (رض)... فسماع ذلك حرام،
بالحان وغير الحان. والمستمع شريك للقائل.وكذلك ما فيه
وصف بامراة بعينها، فانه لا يجوز وصف المراة بين الرجال.
العارض الرابع في المستمع، وهو ان تكون الشهوة غالبة عليه،
وكان في غرة الشباب، وكانت هذه الصفة اغلب عليه منغيرها،
فالسماع حرام عليه، سوا غلب على قلبه حب شخص معين او
لم يغلب...
العارض الخامس: ان يكون الشخص من عوام الخلق، ولم يغلب
عليه حب اللّه تعالى، فيكون السماع له محبوبا، ولوغلبت عليه
شهوة فيكون في حقه محظورا.
ولكنه ابيح في حقه كسائر انواع اللذات المباحة، الا انه اذا
اتخذه ديدنه وهجيراه وقصر عليه اكثر اوقاته، فهذا هوالسفيه
الذي ترد شهادته، فان المواظبة على اللهو جناية.
وكما ان الصغيرة بالاصرار والمداومة تصير كبيرة، فكذلك
بعض المباحات بالمداومة تصير صغيرة)) .
هذه خلاصة ما قاله الغزالي في المسالة، ومفاده: ان الغنا لم
يحرم لذاته، وانما يحرم لعارض يعرض له. وحصر عوارضهفي
الخمسة المذكورة.
واما العوارض المحرمة التي تعرض للغنا في راي
المتعاصرين: صاحب المفاتيح وصاحب الكفاية، فلم
يحصراهابعدد معين، وانما اعطيا لذلك مبدا عاما، يتلخص في
ان كل فعل محرم يصاحب الغنا، فانه يكسبه الحرمة، ومثلوا
لهبالتالي:
1- دخول الرجال على النسا.2- استماع الرجال لاصوات
النسا.3- تكلم المغنيات بالاباطيل.4- عزف المغنية
وفرقتهابلات اللهو المحرمة كالعود والناي ونحوها.
وهذا التشابه في الجوانب الفنية الذي نلمسه بين راي الغزالي
وراي الكاشاني، يرجع الى تعرف الكاشاني على رايالغزالي
تعرفا كاملا من خلال تاليفه كتاب ((المحجة البيضا في احيا
الاحيا)) الذي كتبه لاجل تهذيب كتاب ((احياعلوم الدين))
للغزالي، وفيه اشار الى راي الغزالي بما قد يوهم انه اخذ رايه
في المسالة من الغزالي، وقد مر بنا نصالمحجة سالفا.
بسبب هذا قامت في ذهن غير واحد من علمائنا ممن تاخر عنه
شبهة تاثر الكاشاني بالغزالي: منهم: المحدث البحراني،قال في
((الحدائق)): ((لا خلاف في تحريمه (يعني الغنا)، في ما
اعلم. ولا فرق في ظاهر كلام الاصحاب، بل صريحجملة منهم
في كون ذلك في قرآن او دعا او شعر او غيرها، الى ان
انتهت النوبة الى المحدث الكاشاني، فنسج في هذاالمقام على
منوال الغزالي ونحوه من علما العامة، فخص الحرام منه بما
اشتمل على محرم من خارج، مثل اللعببلات اللهو كالعيدان،
ودخول الرجال، والكلام بالباطل، والا فهو في نفسه غير محرم.
وما ذكره، وان اوهمه بعض الاخبار، الا ان الحق ليس ما ذهب
اليه، واعتمد في هذا الباب عليه، وان كان قد تبعه فيذلك
صاحب الكفاية، وهو -كما ستعرف- في الضعف والوهن الى
اظهر غاية)) .
ومن المفيد، تعليقا على ما ذكره صاحب الحدائق، ان ننقل هنا
ما نقله الغزالي من آرا فقها اهل السنة في حكمالغنا.
قال في كتابه: ((احيا علوم الدين، كتاب آداب السماع والوجد،
الباب في ذكر اختلاف العلما في اباحة السماع وكشفالحق
فيه، بيان اقاويل العلما والمتصوفة في تحليله وتحريمه)):
((فاما نقل المذاهب: فقد حكى القاضي ابو الطيبالطبري عن
الشافعي، ومالك، وابي حنيفة، وسفيان، وجماعة من العلما الفاظا يستدل بها على انهم راوا تحريمه.
وقال الشافعي (ره) في كتاب آداب القضا: ان الغنا لهو مكروه
يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.وقال
القاضي ابو الطيب: استماعه من المراة التي ليست بمحرم له،
لا يجوز عند اصحاب الشافعي (ره) بحال، سواكانت مكشوفة
او من ورا حجاب، وسوا كانت حرة او مملوكة. وقال: قال
الشافعي (رض): صاحب الجارية اذا جمعالناس لسماعها فهو
سفيه ترد شهادته. وقال: وحكي عن الشافعي: انه كان يكره
الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضعتهالزنادقة ليشتغلوا به عن
القرآن. واما مالك(ره) فقد نهى عن الغنا، وقال: اذا اشترى
جارية فوجدها مغنية كان له ردها.وهو مذهب سائر اهل
المدينة الا ابن سعد وحده. واما ابو حنيفة (رض) فانه كان
يكره ذلك، ويجعل سماع الغنا منالذنوب. وكذلك سائر اهل
الكوفة: سفيان الثوري وحماد وابراهيم والشعبي وغيرهم. فهذا
كله نقله القاضي ابو الطيبالطبري)).
ومنهم: الشيخ النجفي، قال في ((الجواهر)): ((بلا خلاف اجده
فيه (يعني تحريم الغنا)، بل الاجماع بقسميه عليه،والسنة
المتواترة،... بل يمكن دعوى كونه ضروريا في المذهب. فمن
الغريب ما وقع لبعض متاخري المتاخرين تبعاللمحكي عن
الغزالي من عدم الحرمة في ما لم يقترن بمحرم خارجي
كالضرب بالعود والكلام بالباطل ونحو ذلك)).
ومما لا ريب فيه ان الاجماع الذي اشار اليه الشيخ النجفي في
((الجواهر)) مدركي لا مجال للاستدلال به. اما السنة
فقدعرفت المحاور والحوار فيها.
ويبدو ان الهجوم على راي الكاشاني استمر يتوارثه الخلف عن
السلف، الا ما صدر عن الامام الخميني (قده) منالانصاف له
بتوجيه كلام المتعاصرين توجيها علميا سليما مستفادا من
حاق عباراتهما، قال في ((المكاسب المحرمة)):((ربما نسب
الى المحدث الكاشاني وصاحب الكفاية الفاضل الخراساني انكار
حرمة الغنا واختصاص الحرمة بلواحقهومقارناته من دخول
الرجال على النسا واللعب بالملاهي ونحوهما. ثم طعنوا
عليهما بما لا ينبغي.
وهو خلاف ظاهر كلام الاول في ((الوافي)) ومحكي
((المفاتيح))، والمحكي عن الثاني.
بل الظاهر منهما: ان الغنا على قسمين: حق وباطل. فالحق:
هو التغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة والنار والتشويقالى
دار القرار. والباطل: ما هو متعارف في مجالس اهل اللهو
كمجالس بني امية وبني العباس)) .
وبعد هذا، بقي لنا ان نقول:
1 - ان اختيار الراي العلمي وتبنيه من قبل عالم آخر ظاهرة
علمية شائعة شيوعا علميا لا مجال لانكاره، ولا طريقللمؤاخذة
عليه.
2 - كون الراي لغير ابنا المذهب ليس سببا مسوغا للرفض،
ونحن نرى وبالوجدان ان مسائل الاتفاق بين علماالمذاهب
الاسلامية اكثر بكثير من مسائل الخلاف، فهل يسوغ لنا هذا
ان نرفض مسائل الاتفاق والوفاق؟!.
3 - ان اختيار الراي ياتي على نحوين:
الاول: -اقتناع العالم الاخر بصحة دليل صاحب الراي وسلامته،
وهذا شيء مسلم به ولا غبار عليه.
الثاني: -وجدان العالم الاخر في ادلة مذهبه الخاصة ما يسند
هذا الراي الذي اختاره.
وهذا هو ما فعله الكاشاني، حيث وجد صحيحة ابي بصير
المتقدمة وامثالها مما يدعم رايه ويصوبه، وقد اعترف لهبهذا
صاحب الحدائق بقوله: ((وما ذكره وان اوهمه بعض الاخبار))،
وهذا البعض من الاخبار)) الذي اشار اليه لا يمنع، منناحية
الاجتهاد، ان يكون موهما في راي فقيه، وغير موهم بل مقرر
في راي فقيه آخر.
قلت هذا لاوضح -من ناحية منهجية- المفارقة التي وقع فيها
منتقدو الكاشاني بتوهم انه تبع الغزالي تقليدا، فليس هو-وكما
راينا- بالفقيه المقلد، وانما هو مجتهد منفتح، يختار ويعتمد
الدليل في اطار مذهبه.
ومع هذا لم نعدم في المسيرة الفقهية من اختار راي الفيض
الكاشاني، فقد قال برايه مختارا له الشيخ محمد
هاديالطهراني (ت 1321ه)، وله رسالة في ذلك، كما تقدم.
راي الانصاري:
وخلاصته كما قررها في ((المكاسب)) بقوله: ((المحصل من
الادلة المتقدمة حرمة الصوت المرجع فيه على سبيل
اللهو.فان اللهو: كما يكون بلة من غير صوت كضرب الاوتار
ونحوه، وبالصوت في الالة كالمزمار والقصب ونحوهما.
فقديكون بالصوت المجرد (اي بغير آلة).
فكل صوت (سوا كان مجردا او من الالة) يكون لهوا بكيفية،
ومعدودا من الحان اهل الفسوق والمعاصي فهو حرام،وان
فرض انه ليس بغنا.
وكل ما لا يعد لهوا فليس بحرام، وان فرض صدق الغنا عليه
فرضا غير محقق، لعدم الدليل على حرمة الغنا، الا منحيث
كونه باطلا ولهوا ولغوا وزورا. ثم ان المرجع في اللهو الى
العرف. والحاكم بتحققه هو الوجدان، حيث يجدالصوت
المذكور مناسبا لبعض الات اللهو والرقص، ولحضور ما تستلذ
القوى الشهوية من كون المغني جارية او امرد اونحو ذلك))
.
ونخلص من كلامه هذا الى النتائج التالية:
1- انه (قده) يريد باللهو: اللحن والادا، العنصرين الاخيرين في
معادلة الغنا التي هي: الكلام+اللحن+الادا.
2- ان اللحن والادا اللذين هما اللهو يتحققان في الخارج على
نحوين: ا- العزف على الالة الموسيقية.
ويتحقق هذا اللون من العزف بطريقتين، هما: الضرب على
الالة التي لا تحدث صوتا كضرب الاوتار. الزمر في الالة
التيتحدث صوتا كالمزمار والقصب (الناي).
ب- من دون الالة، وهو صوت الانسان غير المصحوب بالعزف
الموسيقي. فاللهو (اللحن والادا): فقد يكون عزفا -معالالة -
بالضرب عليها او الزمر فيها. وقد يكون توقيعا في صوت
الانسان مجردا عن استعمال الالة الموسيقية.
3 - ان اللهو (اللحن والادا) على نوعين، هما:
ا- ان يكون هو بنفسه لهوا، وان لم يقصد المؤدي له التلهي به.
ويعني بذلك: الحان اهل الفن وطرق ادائهم.
ب- ان يقصد المؤدي له التلهي به، ولكنه بنفسه ليس لهوا،
اي ليس من الحان اهل الفن وطرق ادائهم.
4 - ان كل صوت كان من الحان اهل الفن وطرق ادائهم فهو
حرام،...وما ليس كذلك فليس بحرام. فالمعيار، في تقييمالغنا،
هو اللهو الذي يعني اللحن والادا المتعارف عليهما عند اهل
الفن.
5 - المرجع في تحديد ان هذا لهو او ليس بلهو هو العرف.
وقد راينا صدى راي الانصاري هذا منعكسا على اكثر من جا
بعده من الفقها امثال: السيد الاصفهاني في
((الوسيلة)).والشيخ آل كاشف الغطا في ((الوجيزة)). والسيد
الحكيم في ((المنهاج)). والامام الخميني في ((التحرير)).
والسيد الخوئيفي ((المنهاج)). والسيد السبزواري في
((المنهاج)). والشيخ زين الدين في ((الكلمة)). والسيد
السيستاني في ((المنهاج)).وغيرهم.
ويعود هذا الارجاع من الفقها الى العرف الخاص (عرف اهل
الفن: المغنين والموسيقيين) الى ان الغنا فن خاص
لهمختصون به باعتباره علما نظريا، وباعتباره عملا تطبيقيا،
فحيث لا يوجد له تحديد في النصوص الشرعية يرجع
فيتحديده الى عرفه الخاص ويطبق عليه حكمه، ذلك ان
العرف العام احيل اليه امر التحديد يرجع الى اهل
العرفالخاص في امثال موضوعنا.
هذا بالنسبة الى راي الشيخ الاعظم ومن تبناه من الفقها.
ونتيجة النتائج: عندنا ثلاثة اقوال في تحريم الغنا هي:
1- المحرم من الغنا هو ما كان وفق الحان اهل الفن.
2- المحرم من الغنا هو ما كان وفق الحان اهل الفن، ولكن
بشرط ان يكون مطربا.
3- المحرم من الغنا هو الذي يقال في محافل اللهو.
والقول الاول هو الاشهر من حيث الفتوى والاحوط من حيث
العمل. ويليه الثاني من حيث الشهرة، فالثالث، وهو-اعني
الثالث- القدر المتيقن في البين.
كل هذا من حيث النظرية...واللّه تعالى هو العالم. اما من حيث
التطبيق والعمل فالمجتهد يعمل وفق اجتهاده...
والمقلدحسب تقليده.
مستثنيات الغنا
عرفنا، فيما سلف، ان حكم الغنا هو الحرمة. وهنا نتسال: هل
لهذا الحكم استثناات يكون الغنا فيها غير حرام؟.
في المسالة قولان:
الاول: هو القول بعدم وجود اي استثنا لحكم الغنا، اي ان
الغنا مطلقا حرام.
ذهب الى هذا جماعة من فقهائنا، قال الشهيد الثاني في
((المسالك)): ((وذهب جماعة من الاصحاب، منهم العلامة
في((التذكرة)) الى تحريم الغنا مطلقا، استنادا الى اخبار
مطلقة)).
ثم علق عليه بقوله: ((ووجوب الجمع بينها (يعني الاخبار
المطلقة) وبين ما دل على الجواز هنا (اي في المستثنيات)
منالاخبار الصحيحة متعين، حذرا من اطراح المقيد)).
الثاني: القول بالاستثنا، استنادا الى الاخبار الصحيحة التي
اشار اليها الشهيد الثاني في ((المسالك)) في
المنقولةالمتقدمة. ويتنوع الاستثنا المذكور الى نوعين، هما:
1 - الاستثنا من الغنا الذي هو (كلام+لحن+ادا)، ويتمثل هذا
في الاغاني التي تقال في مناسبات معينة، هي: الغنالسوق
الابل، المعروف بالحدا. الغنا في زفاف العرائس.
2- الاستثنا من لحن الغنا، ويتمثل هذا في المواد التالية: قراة
القرآن الكريم. قراة المراثي الحسينية.
وسنتناولها تعريفا وحكما وفق تسلسلها المذكور.
الحدا:
قال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)): ((الحا والدال
والحرف المعتل اصل واحد، هو السوق، يقال: حدا بابله،
زجربها، وغنى لها)). وقال الخليل في (العين): ((حدا يحدو
حدوا، واعرفه حدا -ممدود- اذا رجز الحادي خلف
الابل)).وعرفه الجوهري في ((الصحاح)) بقوله: ((الحدو: سوق
الابل والغنا لها)).
ونفيد من هذه التعاريف اللغوية الفوائد التالية:
1 - يقال: ((حدو)) -بفتح الحا المهملة وسكون الدال المهملة،
وواو من آخره-، و(حدا) -بضم الحا من اوله والالفالممدودة
من آخره-.
2 - ان معنى الحدا في لغتنا هو ((السوق)) مصدر ساق يسوق،
وله سمي الحدا حدا، لانه يساعد على سوق الابل.
3- ان الحدا من حيث النظم هو من وزن الرجز.
4- ان الهدف من التغني بالحدا هو سوق الابل.
هذا في اللغة.
وفقهيا:
عرفه الشهيد الثاني في ((المسالك)) بانه ((سوق الابل بالغنا
لها)).
وعرفه الكاشاني في ((الوافي)) بانه ((سوق الابل بالترنم)).
واختلفت كلمة الفقه في ان الحدا قسم من الغنا، او انه ليس
قسما منه، وانما هو مادة مستقلة بذاتها.
ومرد هذا الاختلاف الى ما ذكر في تاريخ نشاة الحدا، فقد جا
في ((مروج الذهب)): ((وكان الحدا في العرب قبل الغنا.وقد
كان مضر بن نزار بن معد سقط عن بعير في بعض اسفاره
فانكسرت يده، فجعل يقول: (يا يداه، يا يداه)، وكان مناحسن
الناس صوتا، فاستوسقت الابل، وطاب لها السير، فاتخذه العرب
حدا برجز الشعر، وجعلوا كلامه اول الحدا.
فمن قول الحادي:
فيا هاديا، يا هاديا
ويا يداه، يا يداه فكان الحدا اول السماع والترجيع في العرب،
ثم اشتق الغنا من الحدا)) . فقوله: ((ثم اشتق الغنامن
الحدا)) يحتمل احد امرين:
1- ان الغنا غير الحدا.2- ان الحدا من الغنا: الا انه يمثل
المرحلة الاولى للغنا، اي المرحلة البدائية، ثم تطور الى
ماعرف بالغنا في مرحلة بعد ذلك، وبقيت تلك المرحلة الاولى
قائمة تمارس مع الغنا جنبا الى جنب.
فعلى الاحتمال الاول: يكون الحدا خارجا موضوعا، فلا يشمله
حكم الغنا حتى نحاول ان نلتمس له دليلا لاستثنائهمن
حكمه. وفي الحالة هذه اذا لم يوجد دليل شرعي يمنع من
ممارسته يبقى على الاصل، وهو الاباحة والجواز.
يقول السيد الحسيني في ((الغنا)): ((ومنهم (يعني الفقها)
من قال بانه (يعني الحدا) غير الغنا وقسيم له، ومباين
لهبشهادة العرف، كالسيد العاملي في (مفتاح الكرامة) وكاشف
الغطا في شرحه على القواعد، ومال اليه صاحبالجواهر)) .
وعلى الاحتمال الثاني: لابد من التماس الدليل الشرعي
لاخراجه من حكم الغنا ليكون مباحا تجوز ممارسته
وفعله.واستدلوا لاستثنائه من حكم الغنا بالرواية، ومنها:
الحديث النبوي المرسل الذي ينص على ان النبي(ص) قال
لعبد اللّه بن رواحة: ((حرك بالنوق))، فاندفع يرتجز، وكانعبد
اللّه جيد الحدا، وكان مع الرجال، وكان انجشة مع النسا، فلما
سمعه تبعه، فقال(ص) لانجشة: ((رويدك، رفقابالقوارير))
.
ما رواه الصدوق في ((الفقيه))، باسناده عن السكوني، عن
جعفر بن محمد، عن آبائه: قال: ((قال رسول اللّه(ص):
زادالمسافر الحدا والشعر ما كان منه ليس فيه خنا)) ،
وهي معتبرة.
كما يمكن الاستدلال بسيرة المسلمين حيث شيوع الحدا عند
العرب في عهد الرسالة، ثم في عهود ائمة اهل
البيتوالصحابة، ولم ينكر ذلك.
الغنا في الاعراس:
ويراد به ما يقال في حفلات الاعراس. واختلف في ذلك: هل
هذا مقصور على الزفاف، اي حال المسير بالعروس الىبيت
العريس؟. او انه يشمل حتى الاجتماع قبل الزفاف؟ .
احتاط السيد الكلبايكاني في تعليقته على وسيلة الاصفهاني
ان يكون ذلك في حال الزفاف، قال -معلقا على قولالسيد
الاصفهاني: (نعم، قد يستثنى غنا المغنيات في الاعراس)-:
((مشكل والاحوط تركه، كما ان الاحوط -علىفرض الارتكاب-
الاقتصار بالمغنية المملوكة دون الحرة والرجل او الغلام،
بشرط ان لا يستعمل معها آلات اللهو، ولايكون المستمع
رجلا، ولا يدخل عليهن الرجال، ويكون النكاح شرعيا دائما،
وكان في حال الزفاف، وهو حال دخولالمراة في بيت
زوجها)).
ولكن الظاهر من سيرة المسلمين التي لم ينكر عليها شموله
للاثنين: حال الزفاف وقبله. ومر بنا ان جماعة من فقهائناقالوا
بحرمة الغنا مطلقا، وعلى رايهم لا استثنا هنا. ولكن المشهور
شهرة واسعة استثنا الغنا في حفلات الاعراس،بشرط ان لا
يصاحبه شيء من المحرمات.
وقد ذكر الفقها القائلون بجواز الغنا في الاعراس الشروط
التالية:
1- ان يكون المغني امراة
واحتاط بعضهم كالسيد الكلبايكاني في تعليقته على وسيلة
الاصفهاني ان تكون المراة مملوكة.
2- ان لا تشتمل كلمات الاغنية على شيء من الباطل كالغزل
المكشوف او التشبيب بامراة معروفة، او الكذب، او
التعبيرالمنطوي على خلاعة او فحش في الفاظه او معانيه
والخ.
وعبروا عن هذا بقولهم: ((ان لا تتكلم المغنية بالباطل)).
3- ان لا يستعمل مع الغنا آلات الطرب كالطبل والناي
والعود، والخ.
واختلف في استعمال ((الدف)) الذي ليس فيه صنج او
جلاجل، فجوزه بعضهم كالمحقق الكركي، قال في
((جامعالمقاصد)): ((وانما يحرم من الملاهي (يعني آلات
الطرب): ما لا يجوز مثله في العرس، فالدف الذي لا صنج فيه
ولاجلاجل له، يجوز لعبها به -على الظاهر- لاستثنائه)) ،
والشهيد الاول، قال في ((الدروس)): ((اذا لم تتكلم بباطل،
ولمتعمل بالملاهي ولو بدف فيه صنج لابدونه))، اي لا من
دون الصنج.
ولكن الاكثر على حرمة استعمال آلات الطرب مطلقا، اي
حتى لو كانت الالة دفا لا صنج فيه ولا جلاجل له.
ففي((المسالك)): ((واستثني منه (اي من حكم الغنا): الحدا
وفعل المراة له في الاعراس اذا لم يتكلم بالباطل، ولم
يعملبالملاهي فاطلق ولم يقيد.
وفي حاشية شيخ الشريعة الاصفهاني على ((التبصرة)) لم
يذكر هذا الشرط، قال: ((والجواز (يعني جواز الغنا) في
العرسمشروط: بعدم التكلم بالباطل. وعدم دخول الرجال على
النسا. وعدم سماع الاجانب لصوتهن)).
4- ان لا يدخل عليهن الرجال.
5- ان لا يسمع صوتهن الرجال الاجانب (اي غير المحارم).
هذا الشرط يؤخذ على نحو الاطلاق (اي سوا كان مثار فتنة ام
لم يكن) عند الاقدمين، لان صوت المراة عندهمعورة.
ففي ((المسالك)): ((ولم يسمع صوتها (يعني المغنية في
العرس) الاجانب من الرجال)) فاطلق ولم يقيد. اما
المتاخرونالذين لم يقولوا بان صوت المراة عورة، فقيدوا هذا
الشرط بان لا يكون السماع موجبا لاثارة الشهوة الجنسية.
ففي((منهاج الصالحين)) للسيد الحكيم: ((وسماع اصواتهن
(يعني النسا في محفل العرس من قبل الرجال) على نحو
يوجبتهيج الشهوة)).
6- ان يكون النكاح شرعيا دائما.
ذكر هذا الشرط -في ما لدي من مراجع السيد الكلبايكاني- كما
مر، ويعني به ان جواز الغنا واباحته مقصور علىالزواج الدائم،
فلا يجوز ولا يباح في الزواج المؤقت.
7- ان لا يصحب الغنا رقص او حركات خليعة.
ذكر هذا الشرط استاذنا الشيخ زين الدين في رسالته العملية
((كلمة التقوى))، قال: ((ويستثنى من ذلك: حدا الحادي
فلاتحريم فيه. وغنا النسا في محافل العرس بشرط ان يصحبه
شيء من المحرمات الاخرى كالضرب بالطبل والصنج اوعلى
المعازف، وكالرقص والحركات الخليعة، والتكلم في الغنا
بالكلام الباطل، ودخول الرجال على النسا،
وسماعهملاصواتهن على نحو يثير الشهوة وينشر الفساد، فاذا
صحبه شيء من ذلك كان حراما)).
هذه هي الشروط التي ذكرت، وهي تدخل تحت عنوان: ان لا
يصحب الغنا فعل محرم، فيحرم لاجله. اي ان الغنا-هنا-
مباح وجائز، ولكن اذا صحبه محرم شرعي فانه يحرم.
قراة القرآن:
جا في كتاب ((احيا علوم الدين)) تحت عنوان: ((ظاهر آداب
التلاوة)):
((العاشر: تحسين القراة وترتيلها بترديد الصوت من غير
تمطيط مفرط يغير النظم، فذلك سنة. قال(ص): ((زينوا
القرآنباصواتكم)). وقال(ع): ((ما اذن لشيء اذنه لحسن
الصوت بالقرآن)). وقال(ص): ((ليس منا من لم يتغن
بالقرآن)). فقيل: ارادبه الاستغنا. وقيل: اراد به الترنم، وترديد
الالحان به، وهو اقرب عند اهل اللغة . وقد فهم من هذه
الاحاديثالمذكورة وامثالها استحباب تلحين قراة القرآن
الكريم)).
واكثر من هذا، وهو قد يفهم من قوله(ص): ((ليس منا من لم
يتغن بالقرآن)) الندب الى قراة القرآن بالحان الغنا.
وقد كان هذا الفهم مثارا للسؤال التالي: هل يجوز قراة القرآن
بالحان الغنا؟
في رواياتنا ما هو صريح بالمنع من ذلك، مثل ما روي عن ابي
عبد اللّه(ع): انه قال: ((قال رسول اللّه(ص): اقراوا
القرآنبالحان العرب واصواتها، واياكم ولحون اهل الفسق
واهل الكبائر، فانه سيجيء من بعدي اقوام يرجعون القرآن
ترجيعالغنا والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مغلوبة،
وقلوب من يعجبه شانهم)) (() ).
وفي رواياتنا -ايضا-: ما يستفاد منه ان يقرا القرآن بترجيع
خاص به يميزه عن ترجيع الغنا، كما في الرواية عن
ابيجعفر(ع)، قال: ((رجع بالقرآن صوتك فان اللّه يحب
الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا)) .
ففي ((المسالك)): ((ولا فرق في ذلك (يعني التحريم) بين
كونه (يعني الغنا) في شعر وقرآن وغيرهما)).
وفي ((وسيلة النجاة)) للاصفهاني: ((ولا فرق بين استعماله
(يعني الغنا) في كلام حق من قراة او دعا او مرثية،
وغيرهمن شعر ونثر. بل يتضاعف عقابه لو استعمله في ما يطاع
به اللّه تعالى كقراة القرآن ونحوها)).
المراثي الحسينية:
ويراد بها شعر الرثا الذي قيل في ذكرى وقعة كربلا، سوا كان
فصيحا ام عاميا.
وفي قراته بالحان الغنا قولان:
- ففي ((جامع المقاصد)) للكركي: ((واستثنى بعضهم مراثي
الحسين(ع) كذلك)). وهو الراي الاقل شهرة في الفتوى.
- وفي ((وسيلة النجاة)) للسيد الاصفهاني: ((ولا فرق بين
استعماله في كلام حق من قراة او دعا او مرثية)).
وفي ((منهاج الصالحين)) لاستاذنا السيد الحكيم: ((ولا فرق
في حرمته بين وقوعه في قراة ودعا ورثا وغيرها)).
وفي ((تحرير الوسيلة)) للامام الخميني: ((ولا فرق بين
استعماله في كلام حق من قراة القرآن والدعا والمرثية)).
وفي ((منهاج الصالحين)) لاستاذنا السيد الخوئي: ((ولا فرق
في حرمته بين وقوعه في قراة ودعا ورثا وغيرها)).
وفي ((منهاج الصالحين))و((جامع الاحكام الشرعية)) للسيد
السبزواري: ((ولا فرق في حرمته بين وقوعه في قراة او
دعااو رثا او غيرها)).
وفي ((كلمة التقوى)) لاستاذنا الشيخ زين الدين: ((ولا فرق
في حرمته بين ان يقع في اغاني عامية او شعر عربي او
غيرعربي، او في قراة قرآن او تلاوة دعا او خطبة او في
مراثي اهل البيت(ع) او غير ذلك)). وهو الراي الاكثر شهرة
فيالفتوى.
ويتجلى هذا واضحا في ما يعرف ب((الابوذية))، وهو نوع من
الشعر العامي ينتشر في العراق وسواحل الخليج الاخضرالعربية
والايرانية.
يقول الاستاذ تامر العامري في كتابه: ((المغنون الريفيون
واطوار الابوذية العراقية))، معرفا لهذا اللون من الشعر:
((الابوذية:ضرب من ضروب الشعر الشعبي، مؤلف من بيتين
باربعة اشطر، ثلاثة منها في جناس واحد، يتحد في اللفظ،
ويختلففي المعنى، وينتهي الشطر الرابع منه بحرفي: اليا
والها)). ثم يقول: ((اما في حالة الغنا فله اطوار عديدة،
والبيتالواحد من الابوذية يستطيع المطرب ان يؤديه على
اي طور يشا، وللاطوار انغامها ايضا)). ((والابوذية هو من بحر
الوافر،كما ورد في عروض الشعر للخليل بن احمد الفراهيدي:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن)) .
وهذا نموذج من شعر الابوذية للشاعر عبد الامير الطويرجاوي:
كلبي ما اندرس بهواك عامر
وانه بشوكك صرت مجنون عامر
فعسى البيني وبينك يظل عامر
وكل الناس خل تخرب عليه
ولشاعر آخر:
اتلوب الروح يحبابي وراكم
وعجاج الظعن عن عيني وراكم
يذكرني الحلم بيكم وراكم
يريت الحلم واليقظة سويه
وجا في كتاب (الابوذية) للرحب، عن نشاة الابوذية: ((الابوذية
فن حديث نسبيا، ويرى عبد الامير الطويرجاويالمتوفى في
28/7/1970 (ره) وهو من ابرز من اشتهر بنظمها وغنائها: ان
الابوذية لا ترتقي الى اكثر من (150) عاما. ويتفق
عليالخاقاني(ره) في كتابه ((فنون الشعر الشعبي)) مع بقية
الباحثين على ان ((حسين العبادي)) هو اول من اشتهر بها))
.
وفي كتاب ((المغنون الريفيون واطوار الابوذية العراقية))،
تحت عنوان ((اول من نظم الابوذية المنبرية)): ((الشعرا
عبدالامير الفتلاوي وعبود غفلة وحسين الكربلائي اول من
نظموا الابوذية المنبرية او ما يسمى بالحسيني وبطريقة
النعي،واسبغوا على هذا النمط الروح الصوفية في المجالس
الدينية .
وقد دفعهم الشغف الى مجاراة الشاعر حسين العبادي من
خلال اعجابهم ببلاغة الابوذيات وقوة صياغتها والتيوردتهم
محفوظة على لسان الرواة الذين تناقلوها عن آبائهم
واجدادهم)).
وطريقة النعي التي اشار اليها هي طور من اطوار الابوذية
يعرف ب((طور النواعي))، جمع نعي باللهجة العامية، نسبة
الىالناعية وهي المراة التي تندب الميت بالبكا عليه وتعديد
محاسنه.
ومما نظم من الابوذية في الرثا الحسيني:
قول الملا عطية الجمري البحراني تحت عنوان: ((على لسان
زينب)):
الزم نوب زفراتي وهدها
اونينك نحل اعظامي وهدها
عكب صدر النبي اوسادك وهدها
اسم اللّه عليك من نوم الوطيه
وفي ((ديوان عاشورا))، لمحمد رضا فتح اللّه، في ركب السبايا:
لفانه العسر غاب الكون يسره
خذونه اويه الحرم للكوفه يسره
سنان على اليمين او شمر يسره
وخوتي اعلى الترب ظلوا رميه
ومن المعروف ان خطبا المنبر الحسيني عندما يقراون
الابوذية الرثائية يقراونها بطور النعي للابوذية الغنائية.
وتعقيبا عليه اقول: اننا اذا رحنا نستقصي النصوص الشرعية لا
نجد نصا في حرمة هذا، الا اذا اخذناه بالمقايسة علىقراة
القرآن الكريم، او تعليلا بان هذه الاطوار الغنائية لا تتناسب
وتعظيم الشعائر الدينية...واللّه تعالى هو العالم.
اساله -عز وجل- ان يوفقنا لما فيه الخير والهدى، انه ولي
التوفيق وهو الغاية.
والحمد للّه رب العالمين.
الشيخ النجفي ومنهجه الفقهي من خلال
كتابه ((جواهرالكلام))
الاستاذ محمدالحسيني
اطلالة على الشخصية
يمثل الالمام بشخصية الشيخ محمد حسن النجفي مدخلا
مناسبا لدراسة كتابه ((جواهر الكلام)) ومنهجه الفقهي
منخلال الكتاب نفسه. كما يمكن ان تقدم هذه الاطلالة على
شخصية الشيخ النجفي، صورة واضحة للعصر العلمييومذاك
والحياة العلمية السائدة في تلك المرحلة.
عاش الشيخ النجفي في القرن الثالث عشر الهجري، وربما
كانت ولادته في العام (1202ه)، كما في بعضالمصادر.
وتوفي في العام (1266ه).
والظاهر انه من مواليد مدينة النجف الاشرف في العراق، وفيها
ترعرع ونشا واقام، بل وتوفي ودفن ايضا. والمدينة كماهو
معروف مركز اشعاع علمي على مدى عدة قرون، وبما يقرب
من الف عام منذ هجرة الشيخ الطوسي اليها. وعلاوةعلى هذا
المناخ العلمي العام، فقد كانت اسرة الشيخ نفسه اسرة علمية
معروفة، ولابنائها بالمعرفة والعلم شغفواهتمام.
لكن، مع ذلك، لم يكن لهذه الاسرة من الاشتهار قبل الشيخ
النجفي كما هو اشتهارهم بعده، الى درجة اصبحت
تعرفبكتابه ((جواهر الكلام))، فلقبوا بل ((الجواهري))، وهي
نسبة تعبر عن قوة الشخصية وعمق تاثيرها على نطاق
الاسرةنفسها وعلى النطاق الاجتماعي العام.
وقد تكون شهرة الشيخ هي التي اكسبت ابنا الاسرة العزيمة
على مواصلة المشوار العلمي، وهيات لهم المناخالمعرفي،
فصار فيهم العشرات من الفقها والادبا والشعرا...
ولا يتاح للباحث العثور على تاريخ واضح للاسرة، بشكل
تفصيلي، قبل الشيخ النجفي، وان كان ثمة عدد من
الفقهاممن اشير لهم في نسب الشيخ، ولكن هذا التاريخ لا
يكفي لالقا الضوء على تاريخ الاسرة، ومنه البلدة التي هاجر
منهاالى مدينة النجف الاشرف، والتي ربما يدعي بعض
الباحثين انها من بلاد ايران، وكما قد يشير اليه تلقيبه
بالاصفهاني فيبعض المصادر.
وقد نفى الشيخ محمد رضا المظفر ان تكون اسرة الجواهري
من اصول ايرانية، وسرد قصة تسجيل الاسرة بالتبعيةالايرانية
وحصولها على الجنسية الايرانية، وذلك ردا على التجاوزات
العثمانية على المواطنين يومذاك وتجنيدهماجباريا في
صفوف الجيش العثماني، وكان ذلك تحديدا في عصر الشيخ
علي الجواهري المتوفى عام (1318ه) .
ومهما يكن من امر، فلا يضر ان تكون هذه الاسرة ايرانية او
عراقية، ويكفيها ان تكون مسلمة في انتمائها وانتسابها،ويبقى
من حق العراقي والايراني ان يعتز كل منهما ولغيرهما ايضا
باحد ابرز رجالاتها ((الشيخ محمد حسن النجفي))، اذليس
للفكر حدود، وليس له حواجز وسدود.
حياته العلمية
بدا الشيخ دراساته كما يبدا غيره من طلاب العلوم الدينية
دراساتهم، في المقدمات ثم السطوح، ثم الدراسات
المعمقةالاختصاصية التي عرفت ب((البحث الخارجي)). وفي
قائمة اساتذته تبرز اسما علما النجف الاشرف
اللامعةيومذاك، وفي مقدمتهم شيخ النجف ومرجعها يومذاك
الشيخ جعفر صاحب ((كشف الغطا))، والسيد محمد
جوادالعاملي صاحب ((مفتاح الكرامة))، والشيخان موسى
ومحمد نجلا الشيخ جعفر كاشف الغطا.
وتتلمذه على هذا الرعيل العلمي المتميز، مع قدراته الذاتية،
اهله لان يحتل موقعا علميا استثنائيا على مدى الزمن، ولايزال
اسم الشيخ النجفي وآراؤه الفقهية تتردد في الاوساط العلمية
على تنوعها واختلاف انتمااتها.
وقد شغل الشيخ النجفي الموقع الاول في مدرسة النجف
الاشرف، ان لم يكن في العالم الاسلامي الشيعي كله، بعدغياب
استاذه الشيخ جعفر كاشف الغطا ونجله الشيخ موسى، وقد
شغل هذا المنصب في الوقت الذي كانت فيه عدةاسما بارزة
ولامعة تتزاحم عليه بقدراتها العلمية الخلاقة، وهي كلها اسما
تنتمي الى مدرسة الشيخ جعفر آل كاشفالغطا.
وان كانت مدرسة ((كربلا)) قد احتفظت ببريقها ونشاطها
العلمي المتميز بعد عهد الوحيد البهبهاني، وذلك بفضل
جهودالشيخ المازندراني المعروف بشريف العلما، المتوفى
(1245ه)، فانها اخذت تتراجع لحساب النجف الاشرف،
وكانذلك في عهد الشيخ صاحب الجواهر تحديدا، الذي اتسع
مجلس بحثه، وبدات انظار العلما تتجه اليه، ويختلف
اليهطلاب العلوم، الى درجة قيل ان مجلس بحثه كان يضم
اكثر من ستين فقيها.
ويكفي ان نشير الى اشهر تلامذته، من امثال: الميرزا حبيب
اللّه الرشتي والشيخ حسين الترك والشيخ حسن اسد
اللّهوالشيخ محمد حسن آل ياسين والشيخ راضي النجفي
والشيخ عبد اللّه نعمة العاملي والشيخ عبد الحسين
الطهرانيشيخ العراقين والشيخ جعفر التستري والشيخ جعفر
الاعسم، وغيرهم كثر من اعلام النجف الاشرف يومذاك.
والظاهر ان عددا منهم انتشر في ارجا البلاد الاسلامية لغرض
التعليم الديني وتمثيل المرجعية الدينية في هذهالارجا،
لكننا لا نعلم بالضبط ما اذا كان ذلك في عهد الشيخ صاحب
الجواهر ام بعده، ولكن الباحث يعثر علىاشارات تدل على
اهتمام الشيخ النجفي بتوسيع عمل المرجعية في هذا الاطار،
ومنه انتدابه الشيخ محمد حسن آلياسين، احد ابرز الفقها
من تلامذته، لتمثيله في الكاظمية من بغداد.
اما آثاره العلمية فيكفيه كتابه ((جواهر الكلام)) الذي سيكون
الموضوع الرئيس في دراستنا هذه.
وله في الفقه رسائل فقهية اخرى، منها: رسالة في الخمس
واخرى في الزكاة والمواريث وفي الحج سماها
((هدايةالناسكين)) ورسالة اخرى في ((الدما الثلاثة)).
وله في الفقه، ايضا، رسالة ((نجاة العباد))، وهي عبارة عن
الفتاوى المجردة عن الدليل والمدرك الشرعي، وغالبا ما
يكتبهاالفقيه (المرجع) لمقلديه ومريديه للرجوع اليها لمعرفة
فتاويه في المسائل محل الابتلا على اختلافها وتنوعها، وهو
مايعرف ب((الرسالة العملية)).
وقد ذكر آغا بزرك الطهراني ان الشيخ صاحب الجواهر استل
كتابه ((نجاة العباد)) من كتابه الكبير ((جواهرالكلام))
10. وان معظم الرسائل التي ذكرت باسما خاصة هي
رسائل مستلة من كتابه ((نجاة العباد في يومالمعاد)).
وتميزت رسالته العملية: ((نجاة العباد)) بغموض عباراتها
وانغلاقها على فهم العوام، كما اشار اليه بعض الباحثين، بل
انهمذكروا انه كان متعمدا لهذا الغموض، وذلك لغرض تاكيد
الحضور العلمائي في الاوساط الشعبية ورجوع الناس
اليهموتفاعلهم في الحياة.
وليس في الامر من غرابة فان الاسلوب الفقهي، السائد
يومذاك، كان يقضي بتعقيد العبارة وعدم بسطها، والا كان
ذلكدليلا على ضعف القدرات العلمية وعدم الدقة وغياب
المهارة الفنية ايضا. واستطرادا، نشير الى ان هذه الظاهرة بدا
تتنحسر من الحياة العلمية على الاقل في حقل ((الرسالة
العملية))، وقد تكون ((الفتاوى الواضحة)) للشهيد الصدر اول
لبنةفي هذا الاتجاه، اضافة الى شيوع المسائل الشرعية التي
يجيب عنها الفقها، والتي غالبا ما تجمع تحت عناوين
مختلفة،وتطبع لتكون في متناول غير المختصين في الحقل
الفقهي من المقلدين لتذليل الصعوبات في اخذ الفتاوى
الفقهيةوالتعرف عليها.
وعودا على بدء، كانت الرسالة العملية التي كتبها صاحب
الجواهر (نجاة العباد) موضع اعتماد الفقها للتذييل
عليهاوالتعليق، واخذت تحتل مركزا متميزا في الاوساط
العلمية، فاذا فكر احد الفقها (المراجع) بتعريف مقلديه
بفتاويهالفقهية عمد الى التعليق عليها ووضع الهوامش شرحا
لمتنها الفقهي، وذلك لبيان وجه الاختلاف في الفتاوى.
وقد علق عليها جمع من اكابر الفقها، وذكر ان اولهم كان
الشيخ مرتضى الانصاري الذي تزعم مدرسة النجف الاشرفبعد
وفاة الشيخ صاحب الجواهر، ثم الميرزا الشيرازي قائد ثورة
التنباك والشيخ راضي والمامقاني والشربياني،والاغارضا
الهمداني، والشيخ محمد طه نجف والسيد اسماعيل الصدر
والسيد كاظم اليزدي وغيرهم، ولم تنسخ الابعد ظهور
((العروة الوثقى)) للسيد كاظم اليزدي، التي اخذت
موقعها في الاوساط العلمية بعد ذلك والى يومناالحاضر.
اما في اصول الفقه فله كتاب مستقل ذكر بعض الباحثين
ان نسخته الوحيدة التي هي بخط يده تلفت بوقوعها فيالبئر
بعد ان القاها ولد له صغير. وقد اشار اليه الشيخ في كتابه
((جواهر الكلام))، واحال عليه في عدة مواضع.
عصره ومرجعيته
عاش الشيخ النجفي في حقبة تميزت ببروز عدد من الجهابذة
والفقها الكبار، سوا كان ذلك في كربلا ابان الصراع
بينالاصوليين والاخباريين ام في النجف الاشرف بعد عصر
الوحيد البهبهاني وانتقال المرجعية والعلم الى النجف
الاشرفعلى حساب كربلا.
|