الصفحة السابقة

الصفحة التالية

واذا كانت التكاليف منوطة بمبدا الجزا، لانطوائها على عنصر الارغام المعنوي او الالزام التكليفي، فان العمل‏الاخلاقي على النقيض من ذلك، لتنائيه عن عوامل القسر، اذ ينهض المسلم بادائه عن طواعية هادفة ورغبة شريفة((يتجاوز حدود التشريع الملزم الى ما هو اعلى من هذا التشريع في مواقف تجعله يمارس حياته بروحية الانسان‏المعط‏ي، لا بروحية المكلف الخاضع)).

3- كلية المباحات وبين دائرتي الالزام العلوي تعبدا والتطوع الذاتي تزلفا، ترتسم دائرة الحياد، ولكنه حياد حذر لتوقيه المحارم، او قل‏دائرة البراة، ولا ضير ان نحن عطفنا عليها بالفطرة ما دامت تفيض بالمباحات، وتطفح بالتخييرات، وان تعرت عن‏الممدوحات واستعصمت عن المذمومات.

وغير خاف ان المباح، وهو احدى الكليات الخمس في اصطلاح الفقها، خصيصة نوعية من خصائص التشريع‏الاسلامي السمح.

وحسبنا منه هذه الالماعة.

ومفهوم التطوع خلقيا هو، في التحليل الاخير، بذل روحي عال وعطا نفسي ثر او قل: هو جود تلقائي في الطبع غيرضنين، وتحل بغيرية زاخرة بمعاني الايثار والتضحية والنبل والخيرية الجمة، سيما اذا كان الحافز فيه يومى‏ء من وراآفاق الدنيا.

4- وشيجة الاخرويات وتلك قيم انسانية ولا مرا، تنبع من هذا النبع الغزير، من ملكوت الذات لا من خارجها، وترتقي رقيها العفوي بنبض من‏وحي باطني ورسول من الداخل، لا باملا فوقي او تكليف من عل، وان كان هذا على صعيد الدعوة يزكيه ويعمل على‏انمائه وروحنته ويشده الى الثواب الاخروي.

لهذا بعينه فان للاخلاق على التكليف الشرعي درجة. بيد ان ذلك لا يعني اخلا ساحة الاخلاق من دلالة التكليف‏اصلا، كيف وللضمير سلطانه، وللعقل وزنه، وللعادة اثرها، وللعقيدة تاثيرها، في صياغة الفعل الخلقي وتكوين القيمة‏الاخلاقية والحث الالزامي بها الزاما معنويا يستقي من نمير القرآن الكريم؟ التكليف الاخلاقي اذا استقر ان السلوك الاخلاقي نابع في نطاق ادراك العقل ووعيه من الذات لا من خارجها، فهل التكليف الاخلاقي‏خارج عن الالزام الشرعي يا ترى؟ لانه في هذه الحالة، اي اذا صح الانفصام وعدم التلازم بين صنفي التكليف، يثور تساؤل مشروع عن كيفية تفسير الويل‏الوارد مثلا في جانب المكذبين او المطففين او الهمزة واللمزة؟ ووعيدهم؟ وهل النهي هذا، عن خسائس الكذب والتطفيف والهمز واللمز وغيرها، نهي مولوي ام ارشادي؟.

ذلك ان في العزم الخلوص منهجيا من هذا التحليل الى ان الوازعية نابعة فعلا من ذات المسلم بوحي من ضميره لان((اشارة ضميري -كما يقول د. دراز- لن يكون لها في نظري قيمة القاعدة الاخلاقية الا اذا اعتقدت انها تعبر عن الحقيقة‏الاخلاقية في ذاتها، لا عن حقيقة نسبية بالنظر الى مشاعري)).

هذا الضمير الذي صقله الشرع، وعلقه التعبد، وثقفه الورع، وعمره حب اللّه وهزه رضوانه، وحفزه وعده الاعلى، لابسلطة الزام شرعي او بتكليف ديني مباشر. بل بوازع نلمس فيه، فضلا عن هاتيك المحرضات الدينية والارشاد النبوي‏المتعدد وصور الترغيب والترهيب وسائر الاساليب الاخرى، ممارسة انسانية حرة منبعثة من الاعماق الغائرة في‏الذات.

فما الذي يجعل هذه الوازعية تصدر تحديدا من عين الذات تبرعا لا من التكليف المنزل حكما؟ ذاتية القيم لا جرم ان ذلك ناشى‏ء عن الهام فطري وتربية، وعن فعل مناخ روحي وصوغ تعاليم موصولة بقيم تجعل الالزام الخلقي‏قانونا ايجابيا، لا يقوم في الاسلام على اساس شكلي للحكم الذي يقرره، وانما ينبني على معيار موضوعي يحيل على‏جوهر الواجب نفسه، بحيث يرشد الى كيفية العمل، بل الى قيمته الذاتية.

ينبه الى ذلك قوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون) جيونس/14».

فالغاية من الاستخلاف هي اذا تحقيق القيم الذاتية لا مجرد القيام بالاعمال الصورية، على شاكلة الفلسفة الكانطية.

وعليه فذاتية القيمة هي الباعث على التكليف الاخلاقي باعتبارها مصدر الواجب الذي يمارس سلطانه على الضمير،ويخلع قانونيته الاخلاقية عليه، ((واذا ففي فكرة القيمة يكمن المنبع الحق للالزام، فهي عقل العقل وهي المرجع الاخيرللحاسة الخلقية)).

مفهوم القيم لغة القيمة، بالكسر، واحدة القيم. وقومت السلعة ثمنتها.

وكذا في الصحاح، واصله الواو لانه يقوم مقام الشي‏ء. وقوله تعالى: (وذلك دين القيمة) انما انثه لانه اراد الملة‏الحنيفية.

وقال الزجاج: اي ذلك دين الملة المستقيمة.

والقيمة نعت الموصوف محذوف. او يقال: دين الامة القيمة بالحق اي القائمة بالحق.

عن ابن عباس(رض)، في قوله تعالى: (ولم يجعل له عوجا قيما)، قال: انزل الكتاب عدلا قيما ولم يجعل له عوجامتلبسا.

واخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله قيما قال: مستقيما.

وفي مفردات الراغب تقويم السلعة بيان قيمتها. وتقويم الشي‏ء تثقيفه. دينا قيما: اي ثابتا مقوما لامور معاشهم ومعادهم. (وذلك دين القيمة):اسم للامة القائمة بالقسط.

الحي القيوم: اي القائم الحافظ لكل شي‏ء والمعط‏ي له ما به قوامه. وبنا قيوم فيعول.

وفي فروق بين التقويم والتقييم والقيم، وردت التصويبات التالية في معجم الاخطا الشائعة: ويخطئون من يقول: قيمواالدار، اي: جعلوا لها قيمة معلومة.

والصواب: قوموها تقويما، لان الفعل واوي.

اما كلمة ((قيمة)) فياؤها منقلبة عن واو، وفي الاعلال ان كل واو تقلب يا اذا كانت ساكنة وكسر ما قبلها.

وقد جا في المعجم الوسيط: قيم الشي‏ء تقييما: قدر قيمته (مجمع القاهرة، ط‏2).

ويقولون: عقد اللؤلؤ هذا قيم. والصواب: نفيس، او ذو قيمة عالية. لان القيم في اللغة هو المستقيم ومنه قوله تعالى:(فيها كتب قيمة) جالبينة/3». اي مستقيمة تبين الحق من الباطل.

وفي الحديث: ذلك الدين القيم، اي: المستقيم الذي‏ليس فيه زيغ ولا ميل عن الحق، وهو من المجاز.

والقيم هو: السيد وسائس الامر.

قيم القوم: هو الذي يقومهم، ويسوس امرهم.

امر قيم: مستقيم (التاج).

خلق قيم: حسن (التاج).

وجا في تعقيبه على ذلك قوله: ((ولم يرد في امهات المعاجم العربية ان كلمة ((قيم)) تعني ((النفيس)). وان اقره مجمع‏اللغة العربية بالقاهرة في معجمه الوسيط على انه بمعنى ذي القيمة. والاصح ان توصف هذه القيمة: فيقال عن الشي‏ءالثمين: ذو قيمة عالية او غالي القيمة)).

وفي المصحف المفسر: دينا قيما: (قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين) جالانعام/161».

قيما: فيعل من قام كسيد من ساد. وهو ابلغ من المستقيم، باعتبار الوزن المستقيم ابلغ منه باعتبارالصيغة.

وفي معجم المصطلحات: القيمة: ا- خاصة تجعل الاشيا مرغوبا فيها.

ب- ما يعلق عليه الانسان او مجموعة من الناس اهمية كبرى من حيث قابليته ليكون مبدا من مبادى السلوك الاخلاقي‏او الايمان الديني او الفلسفي. ويكون هذا بطبيعة الحال شيئا مجردا نسبيا في راي بعضهم، مثال ذلك: الحرية بوصفهاقيمة من قيم الديمقراطية.

ج- اساس ما يسمى بالحكم التقويمي، اي ذلك الحكم الذي يمنح المدح او الذم لصفات يراها المصدر للحكم في‏المفاضلة بين شيئين او اكثر. ويلاحظ ان هذه الصفات تكون بما يميز شيئا من غيره لا لما فيه من تركيب مادي او مظهر.وانما لما في النفس من ميل او عدم ميل اليه.

هذا التعريف على عموميته يجعل النفس بما لها من استمالات مقياسا للقيم. ومتى كان الهوى هو المقياس فيها عرضهامن دون شك الى التقلبات والاستهواات. وكيف وقد لاح لنا مما تقدم ومما تفيده المعاجم والادوات اللغوية من مسح‏لفظ‏ي وعرض اشتقاقي، اشتراك في معاني الثبات والاستقرار والدوام، لكون القيمة تقديرا مقوما وقويما مثلا للخلال‏الخلقية وعاملا في قرارها واستقامتها؟ ثم اذا كانت النفس بميولها حكما في التقويم، اي في اعطا القيمة، فان ذلك يجعلها نسبية اعتبارية، بل وذاتية، مايقوض وحدة الاجماع حولها. اذ الاهوا متعددة والميول اضراب وفنون. واذا كانت القيمة تبعا لها، تستمد ((مقوماتها))منها، تعددت الانظار اليها واختلفت الاعتبارات لدى الاوزاع.

ولذا فان ((ما يؤدي الى تضامن اعضا مجموعة معينة هي القيم المشتركة التي يتوزعونها)).

وفي المعجم الفلسفي القيمة: ا- قيمة الشي‏ء في اللغة قدره. وقيمة المتاع ثمنه. يقال: قيمة المرء ما يحسنه. وما لفلان قيمة، اي: ماله ثبات ودوام على‏الامر..

ب- وقيمة الشي‏ء، من الناحية الذاتية، هي الصفة التي تجعل ذلك الشي‏ء مطلوبا ومرغوبا فيه عند شخص واحد، اوعند طائفة معينة من الاشخاص، مثال ذلك قولنا: ان للنسب عند الاشراف قيمة عالية.

ج- ويطلق لفظ القيمة، من الناحية الموضوعية، على ما يتميز به الشي‏ء من صفات تجعله مستحقا للتقدير كثيرا اوقليلا.

فان كان مستحقا للتقدير بذاته، كالحق والخير والجمال، كانت قيمته مطلقة. وان كان مستحقا للتقدير من اجل غرض‏معين، كالوثائق التاريخية والوسائل التعليمية، كانت قيمته اضافية.

د- ويطلق لفظ القيمة في علم الاخلاق على ما يدل على لفظ الخير، بحيث تكون قيمة الفعل تابعة لما يتضمنه من‏خيرية.

فكلما كانت المطابقة بين الفعل والصورة الغائية للخير اكمل، كانت قيمة الفعل اكبر. وتسمى الصور الغائية‏المرتسمة على صفحات الذهن بالقيم المثالية: حپ ژزس‏حدچج ) (ژحدچ وهي الاصل الذي تبنى عليه احكام القيم، اي الاحكام الانشائية التي تامر بالفعل او بالترك.

يستفاد من هذا التعريف جملة معطيات لا يستهان بها: اولا: معنى الثبات والدوام، وهو من الاهمية بحيث يشير الى مدى صلاحية القيم وفعاليتها، ويكشف عن دورهاالاساسي في بنا الوحدة المعنوية والخلقية للمجموعة البشرية، وتكوين مواد الحكم التقييمي للضمير.

ثانيا: عز الطلب والحاح الرغبة في الشي‏ء يضفي عليه او يخوله قيمة ما. وهو اعتبار انساني مشروع. وان كانت زاوية‏النظر اليها على هذا النحو بعدسة اقتصادية او تجارية. بيد ان تعلق القيم بعوامل عاطفية او نفسية كالرغبات والميول قديجعلها نسبية كما قدمنا في نقد التعريف السابق. فضلا عن حصرها في طائفة دون اخرى لاختلاف النوازع‏والاتجاهات.

فهي اذا عوامل ذاتية محدودة بل موقوتة، وربما كانت مقصورة على جيل دون آخر. ولا جرم ان هذه العوارض لا تخدم‏بحال خلود القيم ولا هي تحقق لها عالميتها.

ثالثا: لا ادل على موضوعية تحديد مدرك القيم من تقدير رتبة الاستحقاق في خلع هذا الاعتبار عليها، من انطوائها على‏ذاتية التقدير فيها كنها جوهريا لا من خارجها او من متعلقاتها، ما يحمل على اطلاقها.

فالقيمة المطلقة لا تشوبها اذا علائق ذاتية ولا يحدها ظرف زمني او حيز مكاني او اعتبار جنسي او غيره. كلا! بل ينبع‏تقييمها او تقديرها حقا من ذاتيتها كمونا. وخلاف ذلك يصنفها ضمن القيم بالاضافة.

رابعا: والذي هو ذو بال معيار الخيرية في علم الاخلاق، اذ بقدر ما تتحقق في الفعل تكسبه قيمة، تتفاوت بحسب نسبة‏التطابق مع الهدف الاسمى المختط، او الغائية المنشودة في الذهن، مبتنى الاحكام التقييمية او التقويمية على حدسوا.

تعريف ماكسيم غلانسدورف: وهو تعريف نظري للقيمة، نذكر عناصره في ما ياتي: ا- التصورات مهد القيم ((ان مفهوم القيمة، اذ يتعلق بالتصور الذهني لموضوع ما، فان النشاط التصوري شرط في وجود القيم)). ((كل ما يتعلق‏بالقيمة لا ينجم الا عن طريق التصورات والتخييلات، والتجربة تناقض هذا الحكم. اذ لا يكفي ان نتصور موضوعا ما كي‏نعطيه قيمة)).

ب- مكونات القيم ((ونحن لا نعط‏ي الاشيا قيمة لاننا نتصورها ولكن لانها تؤثر فينا. وهذا يعني ان القيمة ليست فكرية محضة. بل للقيمة‏ايضا شروط عاطفية)).

واذ يضيف ان ((القيمة هي اكثر من فكرة واكثر من عاطفة.

هي تركيب في الحياة النفسية قادر على جمع اعلى الافكارالى اعمق العواطف)) ويخلص الى التعريف التالي: ج- تعريف القيمة ((القيمة هي الواقع الكلي للروح الانسانية، يتقاسمها العقل والعاطفة. وهي تثبت ان الانسان ليس ملاكا ولا حيوانا.

وانه‏يتسامى بقدر ما يبتعد عن الحيوان. ولكنه لا يستطيع ان يوقف نهائيا السلسلة التي تربطه دون ان يسقط في الخير والشر،في الجمال والرداة، في النافع والضار)).

د- تقييم القيم: ((القيمة ايجابية دائما. ولا تكون سلبية ابدا. وهذا لا يمنع انها تزيد او تنقص، ولكن بحسب قوة مثيرات الاتجاه التي‏تمارسها العوامل لا بحسب سلبيتها او ايجابيتها... ذلك ان قوة القيم تتعلق اقل بطبيعتها من قوة المثير الذي‏يحركها)).

بعد هذا، يابى النقد الموضوعي التسليم بان القيم تنشا في احضان التصورات بحيث تظل حبيسة ذهنيات معينة قصراعلى جنس او اجناس من التفكير. اي ليست تملك في ذاتها قيمة متولدة عنها الا ما نتج بحسب تقديرات المتصورين‏لها. فهم الذين يقيمونها -اذ يضعونها- فكريا وعاطفيا.

ولما كان الناس يذهبون في الافكار طرائق قددا ويهيمون في العواطف هيمانا بددا، لزم ان يكونوا ولا مناص في‏مواقفهم منها مذاهب وشيعا.

ولا يشفع لهذا الغموض في التركيبة النفسية التي لم يحددها التعريف، ائتلاف اعلى الافكار واعمق العواطف في بناالقيمة، لهيمنة النسبية عليها من جانب، وتعلقها بعوارض غير ثابتة وشديدة القابلية للتغير والتاثر، كالافكار والعواطف‏وما اليها من جانب آخر، حتى ولو كانت في احسن الاحوال الوصفية ((واقعا كليا للروح الانسانية))! لكون الواقع مختلفامن بيئة الى اخرى ومن عصر الى عصر.

وعلى صعيد آخر، لما كان ((اللجوء الى القيم يشكل غالبا انقاذا بالنسبة الى علما الاجتماع الذين يسعون الى تفسيرثبات بعض التصرفات وتماسكها او خصوصيتها)) .

يجدر استعراض منتخبات من تعريفاتهم على محك النظر الناقد: تعريفات القيم الاجتماعية 1- جورج لندبرغ: ((ان شيئا ما يصبح هو في ذاته قيمة حينما يسلك الناس ازاه سلوكا يستهدف تحقيقه او تملكه)).

فضلا عن عدم الدقة، يبرز مفهوم نفعي وموقف استحواذي للقيمة هنا.

2- روبرت بارك و ا. و. برجس: ((ان اي شي‏ء يحظ‏ى بالتقدير والرغبة هو قيمة)).

الملاحظ ان الرغبات عنصر قوي في تكوين القيمة او في اكساب ((الشي‏ء)) قيمة او تحويله اليها.

3- ريتشارد لابيير: ((القيم هي تعبير عن الدوافع، فالموضوع او الصفة او الحالة التي تشبع دافعا هي قيمة)).

لا تنفك القيم لصيقة بالدوافع رهنا بها، وهل هي الا الرغبات؟ بتعبير آخر كما ورد في التعريف السابق. علما بان القيم‏اسبق ((انطولوجيا)) من حيث الاصل في وجودها.

4- كلود كلاكهون: ((القيمة هي تصور، ظاهر او مضمر، يميز الفرد او الجماعة لما هو مرغوب يؤثر في الاختيار بين الوسائل والغايات‏المتاحة للسلوك)).

اثر القيمة على السلوك واضح هنا. لكن من خلال تصور هو الذي يملي ويميز ويختار بدافع الرغبة الموجه الحقيقي‏للسلوك المعين.

5- بيري: ((القيمة هي اي شي‏ء يعبر عن مصلحة او اهتمام لدى الانسان)).

النظرة الشيئية والمصلحية للقيم صريحة هنا. فضلا عما يحدق بها من تعميم وغموض باديين.

6- مظفر شريف: ((القيم هي الروابط الوجدانية والشخصية التي تربط بين الشخص وبين موضوعات الاهتمام)).

كذلك هذا التعريف يكرر ما سبق مع تغيير طفيف في اشكال التعبير لا في مبناها. اذ استبدلت مثلا العواطف بالروابط‏الوجدانية والتمييز الفردي او الجماعي ((بالشخصية)) والمرغوب بموضوعات الاهتمام. فهي بالتالي تعريفات مترادفة،على غموض وقصور وليست جامعة ولا مانعة.

7- ميلتون روكتشي: ((القيمة هي معتقد يحظ‏ى بالدوام، يعبر عن تفضيل شخصي او اجتماعي لغاية من غايات الوجود بدلا من نمط سلوكي‏او غاية اخرى مختلفة)).

استطاع هذا التعريف الذي يختلف عن سابقيه ان يتخلص من تحديد القيمة بمحددات مادية او غريزية او نفسية اوشيئية.

اذ ربطها بامور معنوية مثل غايات الوجود انطلاقا من اعتقاد دائم. الا ان الالتباس واقع على الابدال من النمط‏السلوكي او من غاية اخرى. والحقيقة ان السلوك هو الذي يجسدها او الموقف او الاتجاه.

واذا يستخلص د. جلبي الخصائص العامة للقيم مما سرد لعلما الاجتماع كما يلي: ((ا- القيم هي متعقدات مصدرها الثقافة والتفاعل الاجتماعي بين الافراد وبين خبرات حياتية معينة.

ب- القيم تفصح عن نفسها في انماط التفاعل والاختيار بين البدائل المتاحة.

ج- القيم موجهات للسلوك في ضوئها يتم الاختيار والتفضيل بين البدائل الوسيلية او الغائية.

د- القيم تتسم بالاستمرار النسبي وتخضع للتغير)).

يقدم بدوره تعريفا هو في الحقيقة مركب خلاصي من جملة المسرودات الانفة، يجمع فيه المتناقضات وما كان موضوع‏نقدنا على اطالة فيه وغموض، فيقول: التعريف الاجرائي ((القيم الاجتماعية هي مجموعة من المعتقدات التي تتسم بقدر من الاستمرار النسبي، والتي تمثل موجهات للاشخاص‏نحو غايات او وسائل لتحقيقها. او انماط سلوكية يختارها ويفضلها هؤلا الاشخاص بديلا لغيرها، وتنشا هذه‏الموجهات عن تفاعل بين الشخصية والواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وتفصح القيم عن نفسها في المواقف‏والاتجاهات والسلوك اللفظ‏ي والسلوك الفعلي والعواطف التي يكونها الافراد نحو موضوعات معينة)).

الفريد نورث وايط هيد يقدم هذا التعريف في كتابه ((واجب الدين)) فيقول: ((القيم تصورات تتعلق بالحق والخير والجمال والعدل. وفي كل مجتمع تنتظم هذه القيم في نسق منسجم ينمو وفقالجدليته الخاصة. وعالم القيم هو انعكاس لحاجات المجموعة، ولكن القيم نفسها وكذلك الاحكام والمعتقدات‏والاتجاهات وانماط السلوك والاساطير والرموز ذات الصلة، تشكل بدورها حاجات للافراد والمجموعات المندرجة‏في المجتمع.

ويكون نسق القيم وظيفيا بحيث يساهم في وجود الهياكل واستمرارها على النقيض من ضمير الافراد الذي يشعر بان‏هذه الهياكل في خدمة القيم.

واذا كان المجتمع يتبنى نسق القيم بحذافيره، فان المجموعات المكونة له والافراد طبقا لادوارهم، سوف يؤكدون على‏مظاهر محددة ومتخصصة فيها، ومن ثم يبرزون بعدها وينتجون صورة خاصة عن الثقافة ككل)).

في هذا التعريف ذهول عن الحقيقة، اذ تخيم عليه نظرة قشرية ملؤها الغموض والتسيب، وهي الى التقميش‏والسطحية، بل والى الايديولوجية والذاتية اقرب منها الى منفذ الجوهر ومولج اللب. والا فمجال التصورات عريض‏نسبي متقلب، على صعيد الفرد وفي مستوى المجموعة وحسب الاحقاب. ثم انه لا يشير بوضوح الى ماهية جدلية‏النما الخاصة فيها. ويعتبر عالم القيم محكوما بحاجات المجموعة. فهي التي تبنيه باملا من نوازعها، بل قل بامر من‏مصالحها، وهذا هو الذي تخفيه.

والتعميم على سائر الاعتقادات والاحكام والاخلاقيات واضح في توظيفها الى جانب الاساطير ونحوها لاشباع هذه‏الحاجات فيها. فهذه الدوافع الذاتية كيلا نقول البيولوجية او الايديولوجية، هي التي تصنع لمثل هذه القيم هياكل‏تستديمها.

وان كان التناقض باديا على اشده بين وجود هذه القيم في واقع محافظ وتصورها في ضمير حارس، ويطرح‏تبعا لهذه العويصة اشكالية او ثنائية متباينة كالقياس الاقرن في علم المنطق، مفضية الى مازق في جدلية قيم الهياكل‏وهياكل القيم؟ .

ان تصورات القيم، على نحو الم‏آخذ المتقدمة التي تنفي عنها طابع الشمول وسمة العالمية وتحسبها محلية مؤقتة‏تضوي بمفهوم الخلود والثبات، غير انسانية اذ لا تصلح للبرية كلها، وانما هي بفصيح انتسابها ((مجموعية)) تخدم‏حاجات المجموعة كفافا. وهذا لا يحقق فيها الصفة الاجتماعية بالوفرة المطلوبة والبعد الكامل، لهي ترادف الزعم،ولعله يصح -على سبيل صيانة الاحتمال- في نطاق مجتمعات التلفيق او مجموعاته المنسلة لواذا عن عالم القيم‏الاصيلة المدعومة بالوحي، بان ((القيم التصورية بما فيها الدينية من اختلاق الامة باعتبار الافكار الدينية محددة اساسابالوضعية الاجتماعية... ولذلك فان تصورات الحياة الاجتماعية والطبيعة تبدو كمدونات ارتسمت عليها رموز الافكارالمتولدة عن التجربة الدينية.

ويضاهيه زعم آخر: بان الانسان هو صانع القيم ومنه تستمد، وهو الموجود الذي يجعل للوجود قيمة، ذريعة لاعلائه‏فوقها. اذ لا يمكن ان يقيم بما انتج؟!! )) وهل هذا الا صدى للوضعية التي نادى بها ((اوجست كونت)) الفرنسي جالتي‏ج عدت الانسان كائنا يستطيع ان يشكل‏قيمة بنفسه ويحولها الى دين وضعي يضبط حركته الاجتماعية ولا حاجة بعد الى الاديان والقيم القديمة في‏زعمه)).

كما كان يضارعه من قبل ادعا رد منشا القيم الى عقدة اوديب في الفلسفة الفرويدية التي كانت ((تفسر كل ظاهرة نفسية‏في معادلة الغرائز الجنسية التي يتعين دائما البحث عن حلولها في ابعد اغوار اللاوعي، وتتحدى الاخلاق بسلسلة من‏العقد التي لا تتوانى في اضفا المشروعية عليها والتحليل بازاحة الحرمة عنها و((اللامساسية)) وذلك عن طريق اشاعة‏النزعة التشكيكية، بحيث يعتور كل القيم والمثل اكبر قدر ممكن من النسبية الى جانب تحييد التربية ومحاولة الغاالتدين الفطري والاستعاض عنها بالطوطمية)).

ولئن كان الاستناد الى القيم امرا ثابتا منهجيا عند علما الاجتماع الكلاسيكيين في تحليل بعض الظواهر الخلقية‏ودراسة وفهم الثوابت والمتغيرات من خلال شبكة العلاقات الانسانية، لا باعتبار هذه القيم ((توجه بطريقة غامضة نشاط‏الافراد عبر تقديم مجموعة من المراجع المثالية لهم، وفي الوقت نفسه جملة من رموز تحقيق الذات)). فلا غرو ان‏كان الفلاسفة من حيث المبدا وفي اجوا بعض ما انتقدنا وغيره ((ينكرون كل القيم المطلقة ويقولون: ان القيم قد تمت‏في اختيارات فردية وجدت لكي تؤكد القيم المطلقة نفسها. والوجوديون يرفضون كل القواعد والقضايا المجردة حول‏الواجب والخير. وكل انسان يصنع قيمه ما دام هو الذي يصنع اختياره)) .

وخير ما حصلت الاحاطة به، تعريف اصحاب النزعة الصورية من الاخلاقيين للقيم بانها: ((صفات عينية قائمة في طبائع‏الافعال الانسانية واعتبروها غايات في ذاتها مستقلة عن مصالح الانسان)).

واوعب منه دقة ومضمونا، ما يراه المثاليون العقليون من ان ((القيم صفات عينية تقوم في طبائع الافعال ومن ثم كانت‏ثابتة موضوعية مطلقة)).

والفرق لائح عند الفحص، بين صفات عينية تشير مباشرة الى خصائص القيم تكوينا، وبين تصورات ذاتية تعرب في‏غموض عن تخييلات ذهنية ومن مواقع مختلفة لمتصوريها اختلاقا.

وغير خاف ما في عبارة ((طبائع الافعال)) من توفيق‏ودقة من المؤكد انهما كانا يخطئان التعريف ولا يحالفانه لو انه با في تعليق الصفات التكوينية للقيم على النفس‏لاستبهامها وظلمة اغوارها.

والوضوح كما هو معلوم في حل من الاشكال والتعقيد والتفسير الغيبي.

والملحظ الوجيه الاخر الذي لم يعزب عن واضعي هذا التعريف العلمي هو كون القيم ثابتة لا تتغير ولا هي واقعة تحت‏تاثير البيئة والاهوا والمذاهب او التيارات الاعتقادية والتقلبات او التطورات الاجتماعية المختلفة، اولا.

وموضوعية، لا تخضع الى الذاتية ولا تتلون بدواعي النفس او دوافع الاشخاص كما سيتضح بمزيد تحليل، ثانيا.

ومطلقة لا تعتريها النسبية ولا تفريها المصالح، متحررة من قيود النقصان: قهر المكان وجبر الزمان ومحدودية الانسان،ثالثا.

لذلك فان ((القيم الدينية ليست قيما مطلقة فحسب، بل هي ايضا قيم انسانية تهدف الى السمو بمكانة الناس افراداوجماعات)).

القيم العليا ان الذي يستوقف الانتباه هو هذا الاعتبار الموفق للقيم، على انها غايات في ذاتها دون اعتلاقها بشوائب تكدر حقيقتهاالمطلقة او تذوي خصائصها الانسانية.

وعليه فان هذه الغائية وهي ابرز سمة في الممايزة بين القيم الانسانية العليا واشكال القيم البشرية الاخرى، ((تفسرالمدلول الموضوعي للاصول الكلية من حيث كونه (قيمة) في ذاته، ولذلك سميت (قيما))) اي لقيامها بذاتها على‏استقلال عن العوارض والاغراض واستعلا بالحق عن الزيف. ذلك ان المسلم ((في وجه القيم الزائفة مستعل، لانه‏يملك القيم الحقيقية المستمدة من اللّه ومنهج اللّه، فلا تزلزله قيم زائفة من صنع البشر)).

هذه الاستقلالية هي التي تحقق للقيم معناها الانساني الاوسع الذي يجعلها جديرة بالتحليق في افق رحب، لا تحده‏فردية ضيقة، ولا نفعية قريبة، ولا نسبية متقلبة، ولا مذهبية محصورة، بل تتركز في مقومات معنوية، يبعد ان تنتعش في‏غير فضاات الايمان او بمناى عن الاستظلال بما ينزل من الوحي الالهي تعاليم قاضية بامهات الفضائل وعوائد الصالح‏العام بالخير العميم المشترك. بل الحافز المدرار لمثل هذه القيم العليا هو ارتباطها الدائم ولا مرا بالغائية الاسمى‏مبدا ونهاية: الا وهي مرضاة اللّه تعالى، ذروة القيم وقمة القمم.

وبيان ذلك ميسر بالمثال الاتي: وهو ان الاسلام لا يجد غضاضة في امتداح الفضيلة انى كان منبتها، وفي اي دين كان مبعثها، وفي اي شعب واي فردكان منتعشها، حرصا منه على القيمة الذاتية المغياة بها. ولا ضير ان يمدح التوراة: (انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور) جالمائدة/44».

وكذلك الانجيل: (وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور) جالمائدة/46».

او يتناول تقريظه تواضع النصارى: (ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون) جالمائدة/82».

او متاب بعض يهود المدينة بانهم: (يحبون ان يتطهروا) جالتوبة/108».

او منقبة ملكة سبا -عابدة الشمس- لشوراها وعدم استبدادها في الحكم: (ما كنت قاطعة امرا حتى تشهدون) جالنمل/32».

او بطولة ذي القرنين وشجاعته: (قال ما مكني فيه ربي خير فاعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما) جالكهف/95».

كل ذلك بعيدا عن التعصب والتحيز والعنصرية والحيف.

افلا تكون بعد ذلك مثل هذه القيم مستجمعة بالكلية يا ترى لعناصر الموضوعية فيها كملا حين لا يعتد في الاحالة‏عليها نظريا وعمليا بغير الجوهر فيها؟ ان الادراك العميق لهذه السمات الفارقة يجعلنا نلغي على صعيد آخر يخدم تسلسل التحليل في نسيج القيم الاسلامية‏الذي نحن بصدده ان ((الواجب)) يقوم على فكرة ((القيمة)) المستمدة من ((مثل اعلى)) وان ((العقل)) و ((الوحي)) مظهران‏لتلك الحقيقة الاساسية التي تعد المصدر الحقيقي ((للالزام الاخلاقي)).

سلم القيم في القرآن الكريم لما كانت قوة الالزام بتحقيق هذه القيم على اختلاف مدارجها في تنظيم النشاط الانساني تتفاوت في مجال التطبيق‏صرامة ومرونة، بين ارادة الهية ملزمة بسلطة التشريع قناعة غير اكراه على اقتدار، وهي تمارس حريتها في التوجه من‏المثالي الى الواقعي، لم يعتمد سلم القيم القرآنية في الاتكا على طرفي القيمة ونقيض القيمة وحسب، اي انه لم يحصرمجال التقييم فقط بين دعامتي الامر والنهي او سندي المفروض والمحرم.

وانما تلاين، فاتاح للمباح مساحة واسعة للبراة ينتفي فيها الالزام مطلقا رحمة بالمكلفين فتغدو اللاقيمة وسطابينهما.

ثم انه يميز في ((المفروض)) اولا الواجب الرئيسي، ثم يجي‏ء دور التكاليف الاخرى، ثم الاعمال التي يتصاعد ثوابها.

كما انه يرتب في ((المحرم)) درجة الكبائر، ثم تاتي السيئات الاخرى من الفواحش واللمم. وكذلك يميز بين درجتين في‏المباحات: المسموح به، والمتغاضى عنه(() ).

وعلى هذا بالوسع خط السلم القيمي وفقا للتركيب البياني التالي: سلم القيم القرآنية ان ابرز ما تتجلى فائدة عملية لجدول قيم كالذي بينا، بعد اقراره مبدئيا، في اعتماده مرجعا مقوما، وتبنيه دليلاقائما في استصدار الاحكام تلافيا للايقاع او الوقوع في الزلل وتفاديا للرمي بالخطل، اذ ((الحكم الخلقي هو تقدير القيمة‏الخلقية للفعل الانساني على قدر ما يحمله في طياته او يتضمنه من مقومات الخير او الشر، او على قدر ما فيه من خيرية‏او شرية)).

ويلزم عن هذا عقلا وشرعا وحدة القيم الخلقية في المجتمع اي الاشتراك في تقدير الفضيلة والرذيلة والتوافق المبدئي‏في تقويم الاعمال من الوجهة الاخلاقية(() ). الامر الذي يستتبع بالضرورة تحديد المعايير وتوحيد المقاييس.

القيم والتطور لكن قبل البدار اليه، يستثبتنا نظر فصل في قضية عنون لها بهذه الصيغة المركبة: ((القيم والتطور)) او ((الثبات والتطور))على معنى يراد له التقابل والتناقض. كذلك يستوقفنا تتبع لابعادها ومراميها تتبعا مليا.

وجدير بالتنويه في هذا السياق استهلالا بلا مواربة، نص القرآن الكريم في جلا وصراحة على سنة التطور، وحثه الاكيدعلى البحث في النشاة الاولى والتنقيب دون اي حظر بما تتيحه الادوات العلمية المتطورة والمناهج ((الكوسمولوجية))الحديثة، بل وعلوم الفضا وغيرها، لا لبث الوعي الكوني في نفس المؤمن وحسب، بل ايضا خدمة للمعتقد الحق‏وتعزيزا للايمان بالمنشى‏ء القادر سبحانه. ويتضح هذا المحثوث عليه في الاية الكريمة وامثالها: (قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدا الخلق) جالعنكبوت/20».

فضلا عن كون التطور حقيقة علمية لا مشاحة في ذلك، بدليل منصوص الاية الكريمة الاخرى: (وقد خلقكم اطوارا) جنوح/14».

وفرق بين الاستفادة سننيا من التطور اي باعتباره سنة الهية، في مجالات التسخير والنفع العام، وبين استخدامه‏ايديولوجيا تحت طلا العلم وفي شكل نظريات مادية وافدة، وان توشحت بادي الراي باطلاقات اسمية براقة‏كالمذهب الانساني او التيار العقلاني او الفلسفة الوضعية او النظرية الداروينية، بغرض بلبلة الثوابت‏واحلال النسبية محل المطلق حيثما وجد: فكل شي‏ء خاضع للتبديل والتغيير ولا قرار لثابت اطلاقا...! ولئن كانت هذه الغارة العريضة تندرج ضمن تاريخ الفكر الغربي في نطاق خطة مناهضة لضروب الواقع السليط الذي‏كانت تفرضه الكنيسة ورجال الدين المسيحي في تعسف واستبداد، فمجاراتهم فيما حدا بهم الى انكار ثبات الصفات‏الخلقية والانسانية القيمية واعتبار الانسان حيوانا اجتماعيا متطورا، لا ضوابط لتغييره الا في اطار تكوينه‏الحيواني مهاترة وتهافت وتحميق. وكان لسان الحال يعرب بهذه الحسرات: (ربنا هؤلا الذين اغوينا اغويناهم كما غوينا) جالقصص/63».

ذلك ان الادانة لا غبار عليها في عدة نصوص للتبديل السلبي اي ابتغا البدائل البشرية عن الاحكام الالهية والوحي‏ومبادى‏ء الدين وقيمه ومقررات الشريعة. من ذلك قوله تعالى في ذم المبدلين: لكلام اللّه: (يريدون ان يبدلوا كلام اللّه) جالفتح/15».

لسنة اللّه: (ولن تجد لسنة اللّه تبديلا) جالاحزاب/62».

(ولن تجد لسنة اللّه تحويلا) جفاطر/43».

للدين وقيمه: (اني اخاف ان يبدل دينكم) جغافر/26».

للوحي: (ائت بقرآن غير هذا او بدله) جيونس/15».

التبديل صنيع الظالمين: (فبدل الذين ظلموا) جالبقرة/59».

(الم تر الى الذين بدلوا نعمة اللّه كفرا) جابراهيم/28».

الاستبدال الخائب: (قل اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير) جالبقرة/61».

(بئس للظالمين بدلا) جالكهف/50».

(ولا تبدلوا الخبيث بالطيب) جالنسا/2».

وفي المقابل يجى‏ء مدح الثابتين اللامبدلين في مثل قوله تعالى: (وما بدلوا تبديلا) جالاحزاب/23».

(قل ما يكون لي ان ابدله من تلقا نفسي) جيونس/15».

والملاحظ ان التبديل ليس مقصورا على التحريف او التصحيف والتزييف لان اول ما يتبادر من المعنى هو ارادة البدل‏اي التغيير. لذلك فما التحريف بشتى صنوفه الا صورة من البدائل او شكل من اشكالها ووسيلة من وسائلها.

ولعل‏اشنعه واخطره عبر التاريخ البشري ما لابس الاديان وخامر الشرائع باستثنا الاسلام للتكفل الرباني بخاتمة‏الرسالات.

تطابق السنن الاسلام سنة الهية في الناس. وسنن اللّه ثابتة لا تتغير سوا منها ما تعلق بالطبيعة ام بالمادة ام بالفلك ام بالكون والحياة؟ام ما تعلق بالانسان؟ لان الذي قنن لتلك في سيرورتها هو الذي قنن لهذا في صيرورته ونهج حياته.

ولما كانت قيمنا الاسلامية نابعة من نصوص الوحي السماوي لا من ايحاات البيئة او المجتمع او نتاج فكر الاناسي.وبما انه مقرر علميا وعلى وجه اليقين ان (لا تبديل لكلمات اللّه) جيونس/64» تعين بذلك لزوما وبالتبعية انها ثابتة.

حقيقة الثبات فما معنى هذا الثبات؟ وهل يتعارض مع التطور؟ كيف والتطور نفسه سنة اخرى؟ وما عهدنا سنن اللّه متعارضة قط ولامتناقضة، بل متكاملة ومتساوقة: (فارجع البصر هل ترى من فطور) جالنمل/3».

(ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كبيرا) جالنسا/82».

اذا ليس لنا ان نسترسل في ترادف من مثل الجمود القاتل او انعدام الحركة او استبعاد الحيوية. او عدم مسايرة‏لمتطلبات العصر؟ فكل ذلك لا يعرف الثبات المقصود.

ودعوة الداعي الى الانفتاح دون تحفظ شطط، وان اتكا على ((معامل ارتباط التغير)) فيما احرزه الغرب الصناعي من‏تحولات عميقة وانجازات حضارية. وليته حث على التفتح، فيوائم بين ما تمليه الارومة وما تقتضيه المرونة حين يقول‏بحماس المغلوب وهو يتطلع الى الغالب: ((لقد اخفقنا في ان ناخذ عن الغرب الدرس الاكبر من تجربته الحضارية. وهو ان افكار التغير (حخ‏ذچخح (ش‏ژخدخچ‏چژرچحآ السبيل لتحولاته الاقتصادية والاجتماعية العميقة، حتى تاصلت هذه‏المفاهيم في الوجدان العام. وصار من المسلم به عند الناس انهم يعيشون في ثورة اجتماعية وصناعية دائمة، وان كل‏شي‏ء مفتوح للتغير.

ويضرب التشطيط اطنابه على نزعة الايغال في ازدراد ما يسميه بالدرس الاكبر دون روية ولا روح نقدية، بل في تقبل تام‏ونهم.. هكذا ينبغي ان يكون التقليد بحذافيره، ولعله يصفه بالحضاري، دون فرز، ثورة عارمة على الثوابت والقيم التي‏تكون قد اودت بنا الى التغابن الحضاري!! في حين انها من عجب بعينها، ولكن في ضمائر غير المتنكرين لها وفي قلوب غير المرتابين فيها، هي ذاتها التي‏صممت وشيدت صرح الحضارة الاسلامية الزاهرة على مدى الفية ذهبية يعز على الغرب نفسه الا يقر لها بالتتلمذ منذعصوره المظلمة الى امد قريب..

وجلي بعد هذا ان الغرب احفظ للدرس واكثر انتقائية، واحرص براغماتيا من صاحبنا المتهور المنطيق، حيث جزاهدية الفتوحات الاسلامية المبدئية: فاخذ قيم العلم، واعرض عن قيم الايمان... تصلبا على صليبيته. اذ لا يعتم ان‏يستانف بلهف المقنع اكثر منه بمنهج المحلل قائلا: ((لقد كانت تربيتنا العربية خلال الثمانين سنة الاخيرة على العكس من ذلك ما تني تغرس في ناشئتنا مفاهيم الثبات‏ورفض الجديد واعتبار الجمود خيارا مفضلا باعتباره الحصانة المؤكدة لقيمنا وتقاليدنا وعاداتنا دونما استعدادللاعتراف بان ليس من طبيعة القيم والتقاليد والعادات الا تتغير هي الاخرى. وان لكل عصر -او يجب ان يكون لكل‏عصر- قيمه وتقاليده وعاداته المنبثقة من احتياجاته الاجتماعية الجديدة، ومن مشروطات المحافظة على الذات في‏مجتمع متغير ابدا))(() ).

ولا ندري كيف تتسنى صيانة الذات مع الاغارة على القيم وتنازع الاجيال!!؟ ولا يفوتنا تسريبه للقيم ضمن المتغيرات‏بحشرها حذا ((التقاليد)) و ((العادات)) التي -وهذا هو الطبع فيها- تتقبل بصعوبة تغييرا وئيدا يقدر وتيرته اولوالاختصاص من الاجتماعيين والاخلاقيين والسياسيين وخبرا الاديان والتاريخ. وما من احد يتعجل في الزعم بطبيعة‏التغيير فيها دونه.

انما الذي نعنيه من الثبات هو في الواقع ذلك الصمود الواعي الرشيد امام التيارات الجارفة وهو الصلابة المصممة‏بعينها تجاه التحديات الجائرة، وهو الاصالة الرسالية العتيدة في مواجهة خضم موجات الذوبان والانحلال والمسخ‏ودعوات الاستلاب والتبعية ووجوه الانسلاخ الخلقي والعقيدي.

وليس شي‏ء ينعى عليه القرآن الكريم لتفاهته مثل ما يصفه بالزوال والانقراض لتوه: (فاما الزبد فيذهب جفا واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) جالرعد/17».

او لهشاشته وانهياره: (ام من اسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم) جالتوبة/109».

او حين ينعته بالذرو المتبدد اباديد: (هشيما تذروه الرياح) جالكهف/45».

او لاندباغه بالسطحية والجث او لكونه طيع الاستئصال لا يقر: (كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار) جابراهيم/26».

او كمن طوحتهم الطوائح يتململون هنا وهناك لا يستمسكون بشي‏ء: (مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلا ولا الى هؤلا) جالنسا/143».

فكل هذه المنعيات لا تعري عن المقصد الصحيح من الثبات الا ان تجلي الجانب السلبي فيه او المفهوم ((الستاتيكي))الراكد المهزوز.

اما الثبات بالمفهوم الايجابي ((الديناميكي)) فهو هذا الذي يمكث في الارض اشارة الى خلوده واستقراره وهو هذا الذي‏لا يتبدد بل يتابد لثبوته وثباته. وهو الذي لا يجتث ولا يستاصل لقيامه في قرار مكين يصونه من التطويح والتذبذب.

والحاصل مما خلا استقرا ان الثبات ليست ساحته مملقة من معاني الاصلح الانفع والادوم والامكن والاجدر بالبقاوالخلود.

هذه الذخيرة من المقومات التي يزخر بها مفهوم الثبات هي باعثة الادعية والرجا ومطمح المؤمنين دنيا وآخرة: (يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة) جابراهيم/27».

بل ومرتجاهم كذلك في القبور لفرط ما قد يحيق بهم من الاهوال وايضا في ساحات الوغى باعتباره بشير النصر: (وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام) جالانفال/11».

ومدعاة الاطمئنان والارتياح: (كذلك لنثبت به فؤادك) جهود/120».

المراجع 1- القرآن الكريم.

2- الشيخ محمد الخضري بك: تاريخ التشريع الاسلامي، ط‏7 المكتبة التجارية الكبرى. القاهرة 1960.

3- د. عمر الشيباني: فلسفة التربية الاسلامية. منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والاعلان. طرابلس ج.ع.ل. 1975.

4- محمد مهدي شمس الدين: بين الجاهلية والاسلام. دار الكتاب اللبناني. بيروت 1975.

5- الطاهر احمد الزاوي: مختار القاموس. الدار العربية للكتاب.

ج.ع.ل. 1392-1393 و.ر.

6- اسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح. تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق احمد عبد الغفور عطار. 6 اجزا. ط 4. دارالعلم للملايين. بيروت 1407ه - 1987م.

7- محمد علي الصابوني: مختصر القرطبي. دار الكتاب العربي، بيروت 1407ه - 1987م.

8- جلال الدين السيوط‏ي: الدر المنشور في التفسير بالماثور.

مؤسسة الرسالة. بيروت. د.ت.

9- الراغب الاصفهاني: معجم مفردات الفاظ القرآن. تحقيق نديم مرعشلي. دار الفكر، بيروت - لبنان 22 شوال 1392ه -نوفمبر 1972م.

10- محمد العدناني: معجم الاخطا الشائعة، ط‏2 مكتبة لبنان، بيروت، 1985م.

11- فريد وجدي: المصحف المفسر، دار الشروق، بيروت، د.ت.

12- مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب، ط‏2 مكتبة لبنان، بيروت 1984م.

13- ر. بودون وف. بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع.

ترجمة سليم حداد. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع، بيروت، 1406ه - 1986م.

14- جميل صليبا: المعجم الفلسفي. دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1971م.

de la valeur et. Coll. de sociologie et de philosophie Alfred. trad. ULB. Bruxelles. 1966. ses applications . Mensching.16 - North whith head: Devoir de la religion Deveaux. Paris. Aubier 1939. Sociologie. Payot.17 - G Maxime Glansdroff: Les d terminants de la theorie. Pr.

15 - generale sociale

18- د. رجب ابو دبوس: اخلاق الاجتماع، المنشاة العامة للنشر والتوزيع والاعلان. طرابلس، 1392 و.ر.ر1983م.19- د.

محسن عبد الحميد: المذهبية الاسلامية والتغيير الحضاري، ط‏2 كتاب الامة. اصدار رئاسة المحاكم.1951 ژخزچت الشرعية والشؤون الدينية، قطر، جمادى الاخرة 1404ه.

20- محمد البشير الهاشمي مغلي: مناهج البحث في الاسلاميات لدى المستشرقين وعلما الغرب، رسالة ماجستير، قيدالنشر، قسنطينة 1410ه/1990م.

21- مابوت: مقدمة في الاخلاق، ترجمة د. ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية، بيروت 1405هر1985م.

22- د. توفيق الطويل: فلسفة الاخلاق: نشاتها وتطورها، ط‏9 دار النهضة العربية. القاهرة، 1991م.

23- د. فتحي الدريني: خصائص التشريع الاسلامي. مؤسسة الرسالة، بيروت، 1402هر1982م.

24- محمد قطب: منهج التربية الاسلامية، ط‏2 دار القلم، القاهرة د.ت.

25- عبد الحفيظ عبد ربه: الثورة الاجتماعية في الاسلام، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1972م.

26- د. محمد دراز: دستور الاخلاق في القرآن. تعريب وتحقيق وتعليق د. عبد الصبور شاهين. مؤسسة الرسالة، بيروت،1393هر1973م.

27- محمد المبارك: المجتمع الاسلامي المعاصر، دار الفكر، بيروت، 1973م.

28- سلسلة كتب المستقبل العربي، عدد خاص ب ((الدين في المجتمع العربي)) نشر مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1990م.

29- د. علي عبد الرزاق جلبي: دراسات في المجتمع والثقافة والشخصية. دار النهضة العربية، بيروت 1404ه.

الانطلوجيا المشائية في افق انفتاحها (مقاربةلنظرية الوجودعند صدر المتالهين الشيرازي) الاستاذ ادريس هاني نظرية الوجود عند الشيرازي - اطارها التاريخي اذا جاز الحديث عن تيار وجودي بامتياز داخل حقل الثقافة الاسلامية، فليس هناك من هو اجدر بهذا الوصف من‏الفيلسوف صدر الدين الشيرازي، المعروف ب ((الملا صدرا)) و ((صدر المتالهين))، اذ انه جعل اشكالية ((الوجود)) مدارفلسفته وانشغالاته المعمقة، انطلاقا من ان الوجود هو اشرف الاشيا عنده. وحتى نكون موضوعيين يجب ان نضع‏فلسفة ((ملا صدرا))، بخصوص اشكالية الوجود في اطارها التاريخي، من حيث انها مثلت ثمرة عمل لجيل كامل من‏الفلاسفة. غير ان هذه المسيرة من النظر في اشكالية الوجود لم تجد مخرجا لها الا مع مجي‏ء ((ملا صدرا)).

ونستطيع‏التحدث عن مذهبية امامية متجانسة -باستثنا السهروردي- في مجال البحث الوجودي، تلك التي دشنها الخواجة‏نصير الدين الطوسي، وبلغت قمة نضجها مع ((ملا صدرا)). واصبحت، بعد ذلك، تمثل وجهة النظر الفلسفية الامامية.

وتجدر الاشارة، هنا، الى ان الفلسفة الوجودية، اوضحت، بمزيد من التوسع، اشكالية الوجود، وبخاصة في تالقهاالمعاصر، مع فلاسفة موهوبين، امثال هيدغر وروائعه في الزمانية والموجود، او سارتر الذي اقام فتوحاته الوجودية‏على ظواهرية هوسرل والدازاين تپ‏ب‏ثآا الفيلسوفان، وهما ابرز الوجوديين، على نظرائهماالسابقين، وحتى المعاصرين لهما. غير انهما لم يقدما تفسيرا جديدا، ولم يفتحا فتحا غير مسبوق، في مضمار النظر الى‏الوجود، بل ربما حصل لهما نوع من الالتباس والغموض، في استيعاب عدد من القضايا التي برع فيها هؤلا الحكما،بكثير من الدقة والعمق. ان ثمة حلقة اساسية في المباحث الوجودية، كان لها الفضل الكبير في هذه الوثبة المعرفية‏الكبرى، وهي الفلسفة الوجودية الامامية. وبالذات نظرية الوجود عند صدر المتالهين الشيرازي.

وعودا الى بدء نقول: ان نظرية ملا صدرا حول الوجود يجب وضعها في سياق كامل من النظر، تمهيدا لمعرفة بحثه‏الجديد الذي جا به بعد ذلك.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية