ان الفلاسفة الامامية، عموما -اضافة الى السهروردي- يغلبون
النزعة المشائية على مجمل افكارهم الفلسفية. ويتضحذلك
من خلال لجوئهم الى التقسيم المعتمد لدى المناطقة وحكما
المشائية للعلوم، في سبيل تحليلهم لمفهومالوجود. هذا
التقسيم الذي يتم بحسب قابلية القضايا للاستدلال. اي العلوم
الضرورية التي تمثلها المعقولات، وهي مااستغنى عن النظر
والدليل، حيث يتحد الموضوع Objet بالمحمولPREDICAT
فتندك بينهما الواسطة. ويقابل ذلكالعلم
النظري الذي يتوقف النظر فيه على البراهين والاقيسة
المنطقية.
هذا بالاضافة الى ان التعريف او الحدDIFINITION
الذي يعني نوعا آخر من القياس المنطقي، يتالف من
مقدمتين:احداهما كبرى، والثانية صغرى. وثمة الى جانبهما
واسطة في الاثبات، او ما يعرف عند جمهور المناطقة ب
((الحجة)). لذالا يقوم للحد او التعريف، اي اعتبار، حينما
يتعلق الامر بالعلوم الضرورية والمعقولات الاولى او القضايا
البديهية.
وفي ضوء هذا التقديم نتسال عن حقيقة التعريف الذي يجدر
تقديمه للوجود؟ ووفق اي قياس نستطيع تحديد
مفهومالوجود؟ هنا، تحديدا، نجد موقفا لدى فلاسفة الامامية،
منذ الطوسي، لحل النزاع في صميم تعريف الوجود.
فقداعتبروه من المفاهيم البديهية، الغنية عن التعريف التام.
اما ما اعطي له من تعريفات من قبل القدما من الفلاسفة،
فانالامامية، راوا فيها، مجرد تعريفات لفظية، ليس اكثر من
ذلك.
وهذا ما يعود بنا الى الطوسي نفسه، حينما عالج هذه الاشكالية
في ضوء ما قدمنا له. فالمتكلمون عرفوا الوجود بثباتالعين، في
حين عرفه الفلاسفة بما يمكن الاخبار عنه. وهذا ينعكس في
مقام تعريفهم للعدم، فيقولون انه منفي العين اوما لا يمكن
الاخبار عنه. ويتضح، من هنا، ان التعريف، لو اريد منه الحد او
التعريف ((اللمي)) او ((الهلي)) -وهما اسمانصناعيان
لسؤالي (ما) و(هل)- غير التعريف باللفظ، لادى الى دور. لان
الثابت العين يتوقف تعريفه (هليا) و(لميا)بالوجود. ويتوقف
تعريفه عليه مثل ما يقع في دائرة التعريف بما يمكن الاخبار
عنه (اي تعريف الفلاسفة) فيكون-اذن- التعريف هنا، من باب
الحد اللفظي لغرض الزيادة في الايضاح. وهذا تحديدا ما ينقلنا
اليه نصير الدين الطوسيبقوله:
((وتحديدهما جاي الوجود والعدمج بالثابت العين والمنفي
العين، او الذي يمكن ان يخبر عنه ونقيضه او بغير
ذلك،يشتمل على دور ظاهر)).
من هنا فان التعريف اللفظي للوجود ليس سوى نوع من تقريب
المفهوم الى الاذهان، وهو في كل الحالات مجردتوتولوجيا
TAUTDOGIE .
وياتي ملا صدرا ليعزو ملاك البداهة في تعريف الوجود الى
كونه اعم الاشيا. والاعم لا يعرف. اذ مقتضى التعريف انيكون
المعرف به اعم من المعرف -بفتح الرا- فالتعريف وحسب
المناطقة دائما، يتم بالحد والرسم. والتعريف بالحديعني
التعريف بجميع ذاتيات المعرف. وهذا يتم بالجنس والفصل.
وفي حالة التعريف بالرسم، لا نخرج عن هذاالاقتضا. لان
التعريف بالرسم التام، وهو رتبة اعلى من الرسم الناقص
-اضعف التعاريف- يشتمل على التعريفبالجنس، بالاضافة الى
الخاصة، ونلاحظ ان التعريفين كليهما لا يستغنيان عن
الجنس والفصل. فالتعريف لا يتم الا بهما،او بالعرض العام
والعرض الخاص، وكلها من سنخ الماهيات. والوجود اذ ذاك،
عام لا شيء اعم منه. فهو غير ذي جنسولا فصل. وليس هناك
من هو اعرف منه؟ فلا يعرف بغيره. على هذا الاساس يقرر ملا
صدرا: ((فمن رام بيان الوجودباشيا اظهر منه، فقد اخطا
خطا فاحشا. ولما لم يكن للوجود حد فلا برهان عليه..)).
وهو ما سيؤكده بعد ذلك، ملاهادي السبزواري في منظومته،
وهو من كبار شراح فلسفة صدر المتالهين، اذ يقول: ((مفهومه
(اي الوجود) من اعرفالاشيا وكنهه في غاية الخفا)).
وعلى هذا المذهب سار اللاحقون، حيث عمومية الوجود
للاشيا، وظهوره، يمنعه من التعريف، بواسطة معرف ادنىمنه
في العمومية والاعرفية. اي ان لا جنسية الوجود ولا فصليته،
دليل على امتناعه عن الحد.
ولعل هناك من المتكلمين، من رام التنكر لهذا التعليل، لبداهة
الوجود، باختلاق ما يشكك في عموميته، كاعتبارهمللشيئية
في العدم للماهيات الممكنة المعدومة. فقد راوا -وخلافا
للفلاسفة- ان للمعدومات ذواتا ثابتة في الاعيان. كمااعتبروا
مفهوم ((الحال)) الذي يقع بين الموجود والمعدوم، ثابتا وقد
سبق ان رد على ذلك الخواجة الطوسي بنوع منالاستخفاف،
قائلا: ((ويساوق جاي الوجودج الشيئية، فلا تتحقق بدونه.
والمنازع مكابر مقتضى عقله)).
وسوف يواجه ملا صدرا، بالدرجة نفسها من الاستخفاف، راي
القائلين بالحال او الواسطة بين الموجود والمعدوم،محتكما
الى منطقهم نفسه -منطق المتكلمين- فلا يعقل في نظره،
ان نشير الى الماهية ما لم توجد. ذلك باعتبار((المعدوم لا
يخبر عنه الا بحسب اللفظ)). ان ملا صدرا يتسال ان كان
غرض هذه ((الطائفة من الناس))، من مفهوم((الحال))،
اصطلاحا ((تواضعوا عليه في التخاطب)) او ذهولا، اصابهم،
فابعدهم عن الامور الذهنية. فلا خلاف معهم انكانوا ارادوا
بذلك ان المعدوم هو ما لم يوجد خارج العقل، ما دام جائزا
كون الشيء ثابتا ((في العقل معدوما فيالخارج)). اما لو ارادوا
امرا آخر، فهو باطل. بل ان ملا صدرا يزيد في مناقشتهم،
مستندا الى طريقتهم، وكاشفا عن تناقضاستدلالاتهم: ((ومما
يوجب افتضاحهم ان يقال لهم: اذا كان الممكن معدوما في
الخارج فوجوده هل هو ثابت او منفي،فانه باعترافهم لا يخرج
الشيء من النفي والاثبات، فان قالوا: وجود المعدوم الممكن
منفي، وكل منفي عندهم ممتنع،فالوجود الممكن يصير
ممتنعا وهو محال. وان قالوا: ان الوجود ثابت له وكل صفة ثابتة
للشيء يجوز ان يوصف بهاالشيء، فالمعدوم يصح ان يوصف
في حالة العدم بالوجود، فيكون موجودا ومعدوما معا وهو
محال. فان منعوا اتصافالشيء بالصفة الثابتة له فالماهية
المعدومة يجب ان لا يصح ان يقال لها انها شيء فان الشيئية
ثابتة لها. وان التزم احدعلى هذا التقدير بانه لا يصح ان
يوصف الشيء بامر ثابت له فليس بشيء وقد قال بانه شيء،
وكذا الامكان)).
ان تصديرا مقتضبا كهذا اساسي لبحث النزاع الدائر بخصوص
اشكالية اخرى، الا وهي اصالة الوجود. وهذا يفرضعلينا
استيعاب مفهوم الماهية، وبحث متعلقاتها الاشكالية، تسهيلا
لفك ذلك النزاع. لقد ظلت الفلسفة وعلم الكلاميركزان مدة
طويلة جدا، على الماهية دون الوجود، معتبرين تاصل الاولى
واعتبارية الثاني. فالماهية عند الاشاعرةوالمتكلمين اصيلة
فيما الوجود اعتباري. بل ان الوجود في حقيقته هو ما هو
موجود بالنسبة الينا. وهو ما ينفيالموضوعية عن العالم. ولا
ننكر ان الفلسفة منذ التوليفة التي اوجدها ابو نصر الفارابي،
بين وجهتي النظر الاشراقيةوالمشائية، كانت بدات تعرف نوعا
من النضج، تطلب ازيد من سبعة قرون، كي يتكامل بناؤه على
قاعدة متينة وصلبة.لعلها هي ما اوجد مقدمات التفكير
الايجابي في ما بعد. فقد حاول هذا الفيلسوف الفارسي، الذي
استطاع انتزاع لقبالمعلم الثاني بجدارة، تغيير النظر
الانطلوجي السائد الى جدلية الوجود رالماهية، معتبرا، وبصورة
تفتقر الى الوضوح-لكنها موجودة- اصالة الوجود واستقلاله.
ويعود سبب هذا الانعطاف في تاريخ النظر الانطلوجي الى ما
حصل منانسداد في آفاق اشكالية علة تشخص الماهية
وجزئيتها.. وكذا مفهوم ((الكلي الطبيعي)). وتيسيرا لضبط
هذه الاشكاليةيتعين علينا الاجابة عن الاسئلة التالية:
1- ما هو مفهوم الماهية، وكيف ظلت اصيلة، وما علاقتها
بالوجود؟
2- ما هي الاعتبارات التي اعطيت للماهية، وكيف حل
الفلاسفة الاماميون، وخصوصا ملا صدرا، اشكالية
تشخصالماهيات؟
ان الماهية -اجمالا- مصدر صناعي، ماخوذ من سؤال: ما هو؟
وهي ما به الشيء هو. وهي بمعنى الكلي الذي يتكونفي الذهن
من خلال عملية تصورية استقرائية للجزئيات العيانية. لذا تعتبر
من المعقولات الثانية التي توجد في الذهن،فيما تتحقق
مصاديقها الجزئية، كموضوعات خارجية. من هنا اعتبرت -لا
اقل عند القائلين باعتبارية الماهية- ذاتصبغة تصورية
انتزاعية، لا تتشخص الا على نحو اعتباري، عرضي، كما سنرى
بعد ذلك. وقد اعتبرها الفلاسفة القدمااصيلة فيما اعتبروا
الوجود عارض اعتباري. واستمر النزاع في حدود الماهية نفسها
واعتباراتها، حول ما اذا كانتالماهية في الخارج هي نفسها من
حيث هي، ام انها اعتبارية في الخارج، ثابتة في الذهن. وحتى
يتمكنوا من تحرير هذاالنزاع، قسموا الماهية الى ثلاثة
اعتبارات، بعضها له وجود في الخارج، وبعضها الاخر لا يبرح
الذهن.
من هنا عمل الفلاسفة على تبيان تعرف الذهن الى الماهية، من
خلال التصنيف السابق لانواع الاعتبارات المجعولةللماهية.
فهناك القسم الاول، ويعني الماهية المتعلقة بالموجود
الخارجي، وهي الماهية المقيدة او المخلوطةبالعوارض
المشخصة. والقسم الثاني يتعلق بالماهية المجردة التي لا
تتجاوز الذهن في تحققها. لقد سموا الاعتبار الاولب: الاعتبار
بشرط، وسموا الثاني: الاعتبار بشرط لا.. وهناك اعتبار ثالث
يسمونه: ((الاعتبار لا بشرط)). وهو الاعتبار الذي لايتحدد
بحيثية ولا يختلط بعوارض. فهو يوجد في كلا الاعتبارين على
وجه القسمة، ويسمى ايضا ((الكلي الطبيعي)).وعلى الرغم من
ان هناك منكرين لوجود الكلي الطبيعي اصلا، الا ان القائلين
به حاولوا تفسيرا قسميا. اذ المقسم يوجدفي اقسامه مثلما
نقسم الذكورة بين الاطفال واليافعين. فالذكورة هنا توجد
بكاملها في كلا القسمين. وبهذا الصدد تردمواقف فلاسفة
الامامية. فالطوسي مثلا يقرر: ((وقد تؤخذ جاي الماهيةج لا
بشرط شيء وهو كلي طبيعي موجود فيالخارج، وهو جزء من
الاشخاص وصادق على المجموع الحاصل منه ومما اضيف
اليه)).
وقد استمر النزاع وسرى الى المفهوم نفسه، اذا عرفنا ان وجود
الكلي الطبيعي في الماهية المخلوطة المتحقق فيالخارج
يلزم عنه وجود الخارجي ايضا، مع ان هناك من لا يعتبر
وجودا حقيقيا للماهية المخلوطة الا على وجه المجاز.ومن ثمة
كانت الماهية بما هي، لا موجودة ولا معدومة، او كما يقول ابن
سينا: ((الماهية من حيث هي ليست الاهي)).
في خضم النزاع الدائر حول ما اذا كان وجود الفرد واسطة
لوجود الكلي الطبيعي، على نحو الواسطة في الثبوت
اوالواسطة في العروض، ظهر بيان الفارابي، الذي حول النظر
-كما سبق القول- من الماهية، كمحط للنظر الانطولوجي،الى
الوجود، معتبرا التشخص من لوازم الوجود العيني. وليس
للماهية تشخص الا من حيث هي متحدة بالوجود العيني.وهي،
اذا، بداية اعتبار اصالة الوجود مقابل اعتبارية الماهية، التي
سوف تتوضح بشكل كبير مع ملا صدرا، حين عبر عنذلك
القلق، بقوله: ((واني قد كنت شديد الذب عنهم في اعتبارية
الوجود وتاصل الماهية، حتى ان هداني ربي وانكشفلي
انكشافا بينا ان الامر بعكس ذلك)).
وقد غدا الوجود، بعد ذلك اصيلا، فيما الماهية معتبرة، ليتحرر
النزاع، بذلك حول تشخص الماهية. هكذا يعبر ملاهادي
السبزواري من بعد الشيرازي، في المنظومة:
ان الوجود عندنا اصيل
دليل من خالفنا عليل
لانه منبع كل شرف
والفرق بين نحوي الكون يفي
وكما ذكرنا سابقا، فان القول باصالة الماهية مما شاع نسبته
الى الاشراقيين، فيما ينسب القول باصالة الوجود الىالمشائية.
غير ان ثمة من نفى ان يكون هناك من تحدث بصريح العبارة
عن اصالة الوجود من قبل.((فالمطهري))، من
المعاصرين، ينفي -في شرح المنظومة السبزوارية- وجود مثل
هذا المفهوم عند ارسطو اوالفارابي او ابي علي ابن سينا
معللا ذلك بان قصارى ما هنالك، عند ابن سينا، كلام كثير
يمكن ان يستفاد منه ما يعززالقولين معا، اي اصالة الوجود
واصالة الماهية. واعتبر تاريخ نشاة مفهوم اصالة الوجود
يتحدد بمجيء ملا صدرا.والمبرر الاخر يظهر من خلال موقف
((ميرداماد)) استاذ ملا صدرا، الذي كان من المنتسبين
للمشائية، ومع ذلك يرىاصالة الماهية. وقد كان تقرير ملا
صدرا السابق حول انقلابه المذهبي من القول باصالة الماهية
الى اصالة الوجود، دليلاصريحا على انها كانت مذهبا للمشائية
ايضا. وهنا تجدر الاشارة الى ان محددات الفلسفة الاشراقية
والمشائية لم تكندقيقة. كما ان حقيقة انتساب عدد من
الفلاسفة المسلمين الى المدرستين لم يكن اكثر من ذلك
دقة. نعم، لقد كان ملاصدرا اكثر التزاما وتكاملا في موقفه من
اصالة الوجود. وربما كان اول من اعاد بنا صرح الانطلوجيا
السينوية علىارضية اكثر وضوحا وانسجاما. وليس يسيرا على
المحقق المحتاط القبول بهذا الراي. خصوصا وان اصالة
الوجود، هيمن القضايا الاساسية المميزة لفلسفة ارسطو
وجوهر الانقلاب المشائي على الافلاطونية. ربما ظلت
المشائية، منذارسطو حتى الفارابي الذي زاد في توليفها، غير
منسجمة في رؤيتها الوجودية قبل ورود ملا صدرا، الذي
استطاع انيخفف من غلوا النزعات الاشراقية في نظرية
الوجود. وكان الاقل تاثرا بايديولوجيا عصره، تلك التي كان
واحدا منابرز ضحاياها.
اننا، حينما نتحدث عن موقف الفلاسفة المسلمين عموما من
الفلسفة اليونانية، نواجه ظاهرتين بارزتين: الاولى تتعلقبذلك
المشوار المعرفي الطويل، الذي استكملوا نقائصه، عبر جملة
من الابتكارات المهمة. والثانية تخص الطريقة التياقتفاها
هؤلا في سبيل انتقا الموروث الاغريقي، على صعيد حل جملة
من الاشكاليات المعرفية والثقافية التي ابتليبها المجتمع
العربي والاسلامي من خلال تفوقه السياسي على القوى
المتاخمة له.
وقد نجد هنا -وخلافا لكثير من القراات- صعوبة في تفسير
هذه التوترات الثقافية التي جات نتيجة لصدمة الفكراليوناني،
من خلال مقترب سياسي محض، كما لو ان انتصار المشائية
الاسلامية لتاصل الوجود واعتبارية الماهية، فيهنوع من
الاسقاط على النظام السياسي الواحدي او الشمولي الذي
عاصروه. خصوصا بعد ان تبين ان هناك من دافع بقوةعن
اصالة الماهية، من دون ان يكون منخرطا في الاتجاه
السياسي العام، وعكس ذلك ايضا.. فالسهروردي الشهيد،وهو
من اكبر المنافحين عن تاصل الماهية، ظل رمزا لتراث
المعارضة، وظل فكره مصدر ازعاج للسلطة
السياسيةوالاجتماعية حينئذ.
نحن نرى، اذا، ان ثمة قلقا معرفيا حقيقيا ظل جاثما ومتحكما
بصيرورة الفكر العربي والاسلامي.. هو ما ينبغي ان نؤطربه
هذه التجربة الرائدة، ونجعله العامل الاكثر اهمية في استيعاب
ذلك الاضطراب. فاذا ما تفادينا بحث الاشكاليةالرئيسية، التي
واكبت ذلك الاشتباه التاريخي لجملة من المصادر الفلسفية
التي نسبت خطا لارسطو، والتي جاتعبر موروث متاخر
يتعلق بالتراث الافلوطيني تحديدا، فاننا نقول، ان المسلمين
كانوا قد بذلوا جهدا تاريخيا كبيرالتجاوز هذه الازمة المصدرية،
ليتمكنوا في نهاية المطاف من القبض على ارسطو (فلاسفة
الاندلس) من جهة، وعلىافلاطون (فلاسفة ايران) من الجهة
الاخرى. ففي خضم الاشتغال الفلسفي المبكر الذي فجره
فيلسوف العرب، الكندي،وبلغ ذروته مع كل من الفارابي
وخلفه ابن سينا، كنا امام تيار فلسفي ملتبس، تتقاطع فيه
مفردات المثل الافلاطونيةبالفلسفة الارسطية. من هنا كان
الفاصل بين المدرستين شفافا الى اقصى الحدود.
ومن الناحية المعرفية الخالصة، نستطيع فهم الاشكالية
الكبرى التي دارت بين انصار تاصل الماهية واتباع ارسطو،
الذيكثيرا ما انبهر به الفلاسفة العرب. وذلك من خلال وضعها
في اطارها الابستمولوجي، حيث واجه كل من افلاطون
وبعدهارسطو، مشكلة مزمنة تتعلق بالعلم وموضوع المعرفة.
فالعلم الذي هو مناط المعرفة يتعلق بالاجناس، اي
الماهياتالكلية، فليس هناك علم الا بالكلي. ((وهذا ما حمل
افلاطون على ان يجعل فوق الموجودات المتغيرة، التي
هيموضوعات للظن، ماهيات المثل الثابتة، وهي موضوعات
للعلم، وهذا مخرج كان مسدودا في وجه ارسطو الذي كانمن
جملة شواغله الرئيسية آنئذ ان يكشف عن العناصر الثابتة
والدائمة المندرجة في قلب التغير ذاته)). فاذا مااستحال
على العلم ادراك الوجود بما هو موجود الوجود في ذاته،
فمعنى ذلك ان العلم الموضوعي يغدو امرا خياليا.ولا شك ان
اشكالية كهذه، كم هي خطيرة، حينما نسلم بموضوعية العالم
وظاهراته. ان موقفا ارسطيا كهذا قد نجد لهامتدادا حيا في
((النومين)) الكانطي، ثاني اكبر انقلاب عقلاني في اوروبا بعد
الديكارتية. اي ذلك الموقف المستقبحلدى جمهور
التجريبيين والماديين المنكرين لمفهوم ((النومين)) الكانطي.
نقول اننا امام اشكالية كهذه، لابد من ان ننكرمفهوم الشيء
في ذاته او ان نصرف العلم الى موضوع آخر غير الوجود.
فنحول النظر الانطلوجي الى جدل معكوسعلى غرار ما فعل
افلاطون الذي حل اشكالية المعرفة بتقرير عالم المثل، وصرف
العلم الى الماهية الثابتة، الاصيلة.
وعلى الرغم من ذلك، فان ارسطو، وهو اول من وضع
الارغانون في محاولة لضبط عملية التفكير، واستقرا قوانين
الفكرالانساني، يحاول عبر آلته المنطقية، انزال الفلسفة الى
العياني، وجعل القياس سبيلا من العام الى الخاص، ومن
الكليالذهني الى الجزئي الواقعي. هكذا كان انتساب ارسطو
لاصالة الوجود واضحا، بل لا نجازف بالقول لو قررنا انه
مؤسسهاالرئيسي. وهي اولى المحاولات الناجحة نسبيا في
وضع خطوات الفكر الانساني على طريق العلم الموضوعي،
علىالرغم من الثغرات المنهجية والعلمية التي انطوت عليها
الفلسفة الارسطية، تلك الثغرات التي لم نكن لنراها
علىحقيقتها الا بفضل الانجازات التي يشهدها صرح العلم
المعاصر، الذي هو مدين لذلك الانقلاب المعرفي
التاريخيالذي احدثته الارسطية، وهي ثورة حقيقية كانت قد
بدات في دنيا البحث الانطلوجي وعلم الطبيعة.
وحتى لا نخوض اكثر في موضوع كهذا بعيدا عن مقصد بحثنا،
نعود لنؤكد على ان القول باصالة الوجود، الذي يساوقالقول
بموضوعية العالم واستقلاله، هو من روائع ما جات به
الارسطية. ولئن استطاع فلاسفة الشيعة النجاح في بلورةهذا
المنحى المعرفي، فذلك راجع الى انهم مثلوا، بجدارة، هذه
المشائية، احس تمثيل، واكملوا بنيانها على اتمالوجوه.
كان ارسطو قد اولى اهمية خاصة للموجود، واسبقية
الطبيعة، حيث نعت الموجودات الجزئية العيانية بالجواهر
الاولى،في حين اطلق على الكليات الذهنية، الجواهر الثانية،
وبذلك حدد اتجاها واقعيا للفلسفة، حيث نكاد نجد نزعة
ماديةقريبة من اتجاه المادية الجدلية التي تجعل من المفاهيم
والتصورات الكلية ومجمل منظومة الافكار مجرد
انعكاسسلبي للواقع العيني. وهي لذلك تمثل البنية الفوقية،
الثانوية. ان النقوض التي وجهها ارسطو لاستاذه افلاطون في
((مابعد الطبيعة)) كانت موجهة ضد مثالية هذا الاخير. كما ان
حجج ارسطو في تلك النقوض لا تجد مسوغاتها الا في
البعدالمادي الذي يعتبر اصالة الوجود احدى اهم ركائزه
الفلسفية. ولم تكن مثالية ارسطو الا استجابة قهرية للمرحلة
العلميةالتي احتضنت انبثاق حركته النقدية، ونتيجة عجز
معرفي ران على مجمل النظر الفلسفي في ذلك العصر. فكما
اناصالة الوجود هي الاساس الذي بنى عليه ارسطو صرح
نظره العلمي، فان الفارابي الذي تقبل الفيض الافلوطيني
مندون ان يلزم نفسه بمجمل الفلسفة الفيضية، كان من
المؤسسين لاصالة الوجود في حقل الفلسفة العربية
والاسلامية-ودائما- على الرغم من ظهور ما يناقضها في
فلسفته التي تبقى قابلة لاكثر من قراة في ضوء مكونات عصره
الثقافية،ونتيجة للاشتباه التاريخي السابق الذكر، حول
المصادر الفكرية للمدرسة المشائية. ومهما بلغ التناقض، في
البنا النظريللفيلسوف الفارابي، فان ارتكازه على اصالة
الوجود لا يحتاج الى تاويل او تعمل مسرف. اذ يكفي الرجوع
الى بعضمواقفه الحاسمة التي اعطى فيها الاولوية للواقع
الموضوعي وحقيقته. وكما سبق القول، فان ما اعترى مذهب
الفارابيالفلسفي من تناقضات بين مفاهيم مثالية افلاطونية
واخرى واقعية ارسطية، راجع الى عدم انسجام هذه الفلسفة
التياعلنت للوهلة الاولى عن استراتيجيا اختراقية، لتوليفة
جامعة لارا الحكيمين مع تغليب واضح للارسطية في
هذاالمقام الاشكالي. فضلا عن ان الفارابي لم يكن مؤهلا
لتجاوز كل العوائق المعرفية التي لم يوفق المعلم الاول في
التغلبعليها. كما يمكن ارجاع جزء من ذلك الالتباس الى
التوليفة الايديولوجية التي فرضها مجمل الوضع السياسي
الذيعاصره الفارابي. مع ذلك نلاحظ ان الفارابي يقرر بصورة
حاسمة هذه الحقيقة، وهي ان العالم الخارجي واقع
موضوعيينعم باستقلاله وحقيقته. . واذا اردنا فعلا القبض على
ما يوليه الفارابي للموضوعات الحسية من اهمية يجب ان
لانحاكمه بلجوئه المكثف الى المثل الافلاطونية التي كانت
بالنسبة اليه الملاذ الذي ياوي اليه لحظة عجزه عن فك
نزاعفلسفي ما، استنادا الى ارسطو. هكذا، نجد ان موقف
الفارابي من الموجود العياني هو تحديدا موقف ارسطو،
خصوصاعندما نتعرف الى موقفه من المعقولات الاولى،
وتفسيره لعملية ادراك البديهيات، التي جعلها تبدا من
الجزئي الخاصالى الكلي العام. وهذه المفردات الوجودية التي
توحي باستناد الفارابي الى اهمية الحسي، نستطيع القبض
عليها فيواحد من اكثر النصوص وضوحا وحسما، حيث يقول:
((من البين الظاهر ان للطفل نفسا عالمة بالقوة، ولها الحواس
آلاتالادراك. وادراك الحواس انما يكون للجزئيات، وعن
الجزئيات تحصل الكليات. والكليات هي التجارب على
الحقيقة.غير ان من التجارب ما يحصل عن قصد. وقد جرت
العادة بين الجمهور، بان يسمي التي تحصل من الكليات عن
قصد،متقدمة التجارب. فاما التي تحصل من الكليات للانسان
لا عن قصد، فاما ان لا يوجد لها اسم عند الجمهور، لانهم
لايعنونه، واما ان يوجد لها اسم عند العلما، فيسمونها اوائل
المعارف ومبادىء البرهان، وما اشبهها من الاسما. وقدبين
ارسطو في كتاب ((البرهان)) ان من فقد حسا ما فقد فقد
علما ما. فالمعارف انما تحصل في النفس بطريق الحس.
ولماكانت المعارف انما حصلت في النفس عن غير قصد اولا
فاولا، فلم يتذكر الانسان، وقد حصل جزء منها. فلذلك
قديتوهم اكثر الناس انها لم تزل في النفس، وانها تعلم طريقا
غير الحس. فاذا حصلت مثل هذه التجارب في النفس
صارتالنفس عاقلة، اذ العقل ليس هو شيئا غير التجارب،
ومهما كانت التجارب اكثر، كانت النفس اتم عقلا..)).
ان مصدر المعرفة اذا، وفي ضوء هذا النص، هو الحس ونلاحظ
ان الفارابي هنا لم يقف سلبيا امام اشكالية انتقال الفكرةالى
الذهن، تلك التي توقف عندها ارسطو حينما عزاها الى
الحدس العقلي الخالص. بل لقد حاول -الفارابي- ان يزيدفي
توضيح النزعة الموضوعية في الفلسفة الارسطية، وذلك من
خلال جعله الحس والتجربة اساسا للمعرفة. وهوالمسار الذي
سوف يشهد تكاملا اكبر داخل البنا الفلسفي السينوي، حيث
نواجه موقفا واضحا، يقر بالاولويةللموجود، واستقلال العالم
الموضوعي عن الوعي. لذا يقرر ان ((لا متقدم بالوجود قبل
الوجود)).
فالماهية تاتي متاخرة عن الوجود، بل هي ذلك الكلي المجرد
الذي يتم عبر عملية انعكاس، تتجه من العياني الىالذهني،
ومن الجزئي الى الكلي. وينقلنا الى هذه الحقيقة نص آخر، ورد
في التعليقات لتلميذه ((بهمنيار)) يقول فيه:((ليس للانسان
ان يدرك معقولية الاشيا من دون وساطة محسوسيتها،
وذلك لنقصان نفسه واحتياجه في ادراك الصورالمعقولة الى
توسط الصور المحسوسة ج...ج ولكل شخص جزئي معقول
مطابق لمحسوسه، والنفس الانسانية تدركذلك المعقول
بتوسط محسوسه ج...ج وحصول المعارف للانسان تكون من
جهة الحواس وادراكه للكليات من جهةاحساسه بالجزئيات
ج...ج والحواس هي الطرق التي تستفيد منها النفس الانسانية
المعارف)).
ويؤكد مرة اخرى ذلك بمزيد من التوضيح: ((والجزء لا يحصل
لنا العلم به الا بعد وجوده، ووجوده يكون جزئيا لامحالة)).
ان هذه التقريرات التي لها نظيراتها في المتن السينوي تبين
-بما فيه الكفاية- موقف ابي علي، ابن سينا، الحاسم منمسالة
موضوعية العالم، واستقلاليته عن الوعي. ما دام ان ((جميع
هذه الموجودات، وجودها خارج عنماهيتها)). ويتجلى
البعد الواقعي بوضوح في تحديده لكيفية انتقال الفكرة من
المحسوس الى الذهن، بواسطةالتعقل، او بتعبيره: ((ان السبب
في ان يكون الشيء معقولا، هو بان يتجرد عن المادة)).
هذا التجرد هو وظيفة عقلية.وهو اجرا معرفي دقيق يعزز
حقيقة العالم الحسي. فالتجريد ذرخژحچزژژچآ
في تكوين الفكر، فلا مجاللاحراز المعرفة من دون وساطة
التجريد.. موقف سينوي، سيتكرر على مدار العصور لدى جميع
التجريبيينوالواقعيين.
ان هذا العرض الموجز لمعالم الفلسفة الارسطية، وامتدادها،
في الفلسفة الاسلامية، عند كل من الفارابي وابن سينا،يفيدنا
في دحض الراي المغالي، الذي يجعل اصالة الوجود من
مبتكرات ملا صدرا، وعدم وجود آثارها عند الفلاسفةالثلاثة.
لقد احدث القول باصالة الوجود طفرة جديدة في التفكير
الفلسفي لمسالة علة تشخص الماهية عند انصار المشائية،
اذما ان شاع القول بخلاف هذه المسالة، مع انبعاث التيار
الارسطي، حتى تشعب النقاش واستفحل النزاع في آثار
اخرىللقول الوجودي، نظير مفهوم المشتق، وجعل العلة،
وكلية الماهية او جزئيتها، وقضايا اخرى..
كان الغرض، اذا، من هذه الملاحظة، هو وضع فكرة ((اصالة
الوجود)) في سياقها التاريخي، الذي افاده ملا صدرا
منالمتون السينوية والفارابية والارسطية ايضا، التي ظلت في
حيرة من امرها امام تقرير هذه الاصالة. الا انه لا ننكر اهمية
ماتوصل اليه فيلسوفنا، وهو ينظم فكرة اصالة الوجود، ويؤسس
لها بوضوح تام. نقول، اذا كان ملا صدرا قد اولى اهميةقصوى
للوجود، فكيف نظر الى علاقة الوجود بالماهية؟ ولمن الاسبقية
والتاسيس؟
علاقة الوجود بالماهية
ان البنا الانطلوجي الذي شيده ملا صدرا، على الرغم من انه
ينتهي الى وصل الموجود العياني بالموجود الماورائي،فانه كان
قد خطا خطوة جبارة على سبيل التفكير الموضوعي للعالم.
فاصالة الوجود كانت قد حلت جملة منالاشكاليات الاخرى،
سوا ما تعلق منها بعالم الموجود المحسوس او بمجال
الالهيات. فالماهية بالنسبة لملا صدرا هيامر انتزاعي لا
حقيقة له الا من حيث هو موجود، وقبل وجوده لا اعتبار له
سوى في الذهن. فعلى الرغم من ان الماهيةقد تسبق الوجود
هنا، الا انه، واقعيا، تكون الاسبقية للوجود، ومنه تنتزع الماهية.
فهذه الاخيرة، في حد ذاتها، معلولةواقعيا للوجود. والمعلول
يتاخر رتبة عن وجود علته. فيغدو الوجود هو الاصل، وهو
الاشرف. غير ان السؤال الذيينتصب هنا هو: اذا كان وجود كل
موجود هو حقيقته، وليس ماهيته، فما هي حقيقة واجب
الوجود؟ لا شك في ان ملاصدرا، وانطلاقا من تقريره لاصالة
الوجود، سيرى ان الماهية امر عارض على الوجود. وهذا
الاخير امر زائد عليها. فكلوجود ذو ماهية، هو ممكن. وكل
ممكن هو زائد الماهية. وهذا ما يعني ان واجب الوجود، هو
الوجود نفسه وماهيتهعين وجوده. فالماهية الزائدة -اذا- هي
من خصائص الوجود الامكاني.
ان اصالة الوجود سوف تمثل بالتالي ارضية جديدة، لاعادة
النظر في عدد من القضايا الفلسفية المتفرعة عن
اشكاليةالوجود، وهي عند ملا صدرا، ستؤول الى حبك نسق
انطلوجي، ينتهي الى تقرير وحدة الوجود في اطار آخر،
يختلفعن مذاهب الحلول والاتحاد، كما يختلف عن مذاهب
الوحدة المادية. وهذه الوحدة النسقية في النظر الى
اشكاليةالوجود، تتوضح اكثر من خلال نظريته في وحدة
الوجود التي حاول ان يحل على اساسها مشكلة التكثر
فيالوجود.
لقد اعتبر ملا صدرا الوجود متاصلا، وهو الحقيقة الوحيدة
للموجود، وبالتالي فهو الاسبق، وعلة لوجود الماهية. وهو،ايضا،
ظاهر. اما من حيث الحقيقة، فهو واحد، وبسيط، لا جنس له
ولا فصل، كما تقدم. وبسيط الحقيقة، كمايقرر ملاصدرا، هو كل
الاشيا. فاذا كان الوجود بسيطا، وهو ما يعني بالاصطلاح
الفلسفي ما ليس قابلا للقسمة، وما تنحل اليهجميع
الموجودات فكيف تنشا الكثرة في العالم؟
ان الفلاسفة السابقين لملا صدرا، اتعبوا انفسهم في حل هذه
المعضلة.. غير ان فيلسوفنا، ينظر اليها بمنظار آخر. فقدفكك
اشكاليتها باسلوب فريد للغاية. انه طبيعي جدا، حينما نقر
بتاصل الوجود، ان نعتبر التكثر نوعا من الاعتبارالمنطبق على
الماهية. فالتكثر هو من شان الماهية. ولفهم ذلك، نقول: ان
الموجودات الخارجية جميعها تخضع لعمليةالايجاد، فهي
معلولة لعلل اقوى منه واشرف. فكل معلول مفتقر الى علته.
وهذه الاخيرة مستقلة عنه. ومنشا علاقتهابمعلولها هو عين
هذه المعلولية. ثم ان هناك علة اعلى تكون موجدة لهذه العلة.
وهكذا يتسلسل الامر. ان كل موجودهو في حاجة الى علة اشد
منه في الوجود واكمل. وما دام ان العالم خلو من وجود غاية
في الكمال، فان علته النهائيةتقع خارج عالم الطبيعة. من هنا،
وتاسيسا على تقسيم الوجود الى واجب وممكن، سيقرر ملا
صدرا، بان حاجة الممكنالى العلة الموجودة، راجع الى ما
اسماه ((الفقر الوجودي)). فالوجود، اذا، حاصل في جميع هذه
الموجودات بصورةتشككية، اي انه يوجد بالتساوي مع فارق
في درجات الشدة والضعف.
فثمة وجود اشد وآخر اضعف. والضعف هو علة حاجة الممكن
الى موجده. وهذه الكثرة الظاهرة، انما هي كثرة حاصلةبقيد
الكثرة الماهوية. انها ليست كثرة وهمية -طبعا- كما هو مذهب
الوحدة المطلقة. بل هي كثرة خاضعة لوحدة مننوع آخر. وهذا
يظهر من خلال نظريته في سريان الوجود والجعل البسيط
للوجود. ان الخاصية الرئيسية لوحدة الوجود،كما عرضها ملا
صدرا، هي في التاكيد على موضوعية الموجود العياني. وكونه
يصفها بالوجود، ليس من باب المجاز. بلهو طالما ظل يؤكد
على ان التشخص من لوازم الوجود الفعلي. من هنا، فان ملا
صدرا سوف لا يقول بوحدة الوجود منحيث هي نفي لحقيقة
الموجود، ما دام هو يؤكد هذه الماهيات المتشخصة بوجوداتها.
ولا يرجع الوحدة الى واجبالوجود الاول من حيث لا وجود الا
وجوده والباقي، اعتبارات وهمية، كما ذهب ابن عربي. وليس
بجعله الوحدة فيالوجود الطبيعي ونفي ما يفارقها كما سيقرر
بعد ذلك سينوزا..
ان ملا صدرا يقر بالوجود الواجب ووجود الممكن، على السوا.
وكونه كذلك، فهو يقر بالكثرة في الموجود الممكن.فكيف يتم
اقرار هذه الوحدة -اذا-! ان فيلسوفنا، يعيد فكرة الايجاد الى ما
اسماه بالجعل البسيط. وهو ما يعني به.((افاضة نفس الشيء
متعلق بذاته مقدس عن شوب التركيب)) واما ((مؤلف،
وهو جعل الشيء شيئا وتصييره اياه،والاثر المترتب عليه هو
مفاد الهلية التركيبية الحملية)). ومعناه ان الجعل
البسيط هو جعل الشيء، واعطاؤه الوجود.بينما يفترض في
الجعل المركب او المؤلف، وجود الموضوع، وينحصر الجعل هنا
في تصييره شيئا. ان العالم في نظرملا صدرا مجعول بالجعل
البسيط. وهذا يتوصل اليه بوساطة تحليل علاقة العلة
بالمعلول. فالعلة في حالة البساطة لايمكن ان تجعل غير
نفسها، والا حصل التركيب، وادى الامر الى دور. فالجاعل
البسيط يجعل الموجود بسيطا، اي انالعلة البسيطة لا توجد
الى ذاتها. كما ان مجعولها هو عين ذاته. فالعلة وحدها
الموجودة، ما دام ان المجعول، لا حقيقةله، غير كونه مضافا
الى علته بنفسه. فالجاعل يوجد وجود المجعول، وليس ماهيته.
وهذا واضح عند ملا صدرا فيضوء تقريره لاصالة الوجود.
والوجود من حيث هو بسيط، هو واحد. وبسيط ايضا في
الموجودات التي تتشخصماهياتها المتكثرة بهذا الوجود.
فالجعل، في نظر ملا صدرا، هو ((جعل وجودي)) وليس
ماهوي. من هنا نفهم ان لا اثنينيةبين العلة والمعلول من
ناحية الجعلية. ما دام المجعول هو الوجود البسيط، الواحد. ان
الكثرة من خصائص الماهية. لكنالوجود وهو حقيقة الموجود،
وحقيقة تشخص الماهية نفسها، يبقى واحدا. والعلاقة بين العلة
الموجدة والمعلولالموجود، هي علاقة كثرة ووحدة في الوقت
نفسه. كثرة باعتبار ماهياتها المتشخصة بالوجود الساري من
واجب الوجودالى الموجودات الممكنة، بنحو يختلف عن
الاتحاد والحلول والاتصال، بل نظير استيلا الروح على البدن
مع تنزههاعنه. وهذا ما يسميه ب ((سريان الوجود)). اذا، لابد
من الاقرار باهمية هذا التحليل الذي انتهى اليه صدر
المتالهين،والذي يعتبر نتيجة للقول باصالة الوجود. ان
الوجودات العيانية، تشترك في هذا الوجود البسيط، وان ظل
يسري فيهابصورة تشككية متفاوتة من حيث الشدة والضعف.
وهذا التشكك، هو ما يميزها عن بعضها فما به الامتياز، اذا،
يعودفي نهاية المطاف الى ما به الاشتراك. لان الشدة والضعف
ليسا حكاية عن تكثر خارج حقيقة هذا الاشتراك. فهما
لايخرجان عن حقيقة الوجود نفسه.
هكذا تتقرر نظرية ملا صدرا في وحدة الوجود، والتي تعرف ب
((الوحدة في عين الكثرة)). وبهذا يكون قد تفادى كلا
مننظرية المحقق الدواني في وحدة الوجود وكثرة الموجود
ونظرية ابن عربي في وحدة الوجود والموجود، المنحصرة
فيوجود الصانع وحده. كما تفادى مذاهب الاتصاليين
والحلوليين. ولا يخفى ان ملا صدرا، وان الزم نفسه طريقة
النظارالمشائيين في تحليل نظرته، فهو لا يغيب عنه تقريرها
بوساطة الذوق. ويكفي ان يقرر، في بداية الاسفار، الرحلة
العقليةالاولى من الخلق الى الحق، حيث يخرج السالك من
الحجب الظلمانية والنورانية التي تسببها هذه الكثرة الظاهرة،
كييستقر في النهاية على حقيقة الوحدة، فيتم الفنا الاول.
ولعل هذا الفنا كما ذكرنا، اذا لم يعقب بصحو، فقد يؤدي
الىوحدة مطلقة كتلك التي قال بها الحلاج او ابن عربي. لكن
المتامل في مجمل الاسفار الاخرى، يثبت ان هذا الفنا
الذيقد يجعل الاعتقاد بالكثرة امرا متعسرا، يعقبه صحو آخر،
او فنا الفنا. حيث يعود السالك من مقام مشاهدة الوحدةالى
مقام مشاهدة الكثرة. ان مذهب ملا صدرا، بهذا الخصوص،
مذهب جدلي يصعب نسبته الى القائلين بالوحدة كما لايجوز
نسبته الى القائلين بالكثرة. فهو بينهما يجترح رؤية جديدة،
جعلت مخالفيه على درجة واحدة من القصور. فيحين ظلت
نظريته تمثل الحقيقة الجامعة للطرفين. وعليه، لا نستطيع
تصنيف ملا صدرا ضمن المذاهب المادية، ذاتالمنزع الدهري،
الكافرة بالمثل. كما لا نملك نسبته الى المدرسة الافلاطونية
الخالصة.
طريق ملا صدرا منفتح وتعادلي
هكذا يمكننا عزو ما نسب اليه، من قبل عدد من دارسي
نظريته، الى نوع من الغلو والتكلف. فهناك من حاول ان
يؤسسمن خلال ملا صدرا نظرية مادية خالصة. وهناك من
اعتبره -مثل كوربان- فيلسوفا اشراقيا. والحقيقة انه اتبع
طريقامنفتحا على قدر تعادلي بين النظر البرهاني والمشهد
الذوقي، بين المثل الاشراقي واصالة الوجود. اي انه ظل
موضوعياحتى في مجال الكشف الذوقي والالهام العرفاني..
واشراقيا حتى في مجال النظر البحثي. فاذا جاز ان ننسب
نظرية ملاصدرا في الوجود الى جهة ما، فانما الى جوهر التصور
الاسلامي، الذي يثبت موضوعية العالم، ويقر بحقيقة
الموجود،مع التاكيد على عالم المثل، غير الخاضع لقانون
الطبيعة، وهو عالم الروح. فلا ننسى ان ملا صدرا، بوصفه
فيلسوفااماميا، كان متحرجا من نظرية وحدة الوجود، بالمعنى
الذي راج قبله، مخالفا بذلك جميع اسلافه كابن عربي،
ومعرضاعن الفارابي وابن سينا. بل ان فكرة الجعل البسيط التي
برهن بها على هذه الوحدة لم يقل بها ابن سينا من قبله. وهذا
مايؤكد على استقلال فلسفته وبراعة نهجه النقدي!
المغول في بلاد الشام(1)
السيد حسن الامين
علاقات الصليبيين بالمماليك والايوبيين والمغول
ما ان احس الصليبيون بان تحركا مغوليا تبدو طلائعه وان
امرا ما يعد حتى تحركوا باتجاه المغول، واضعين قواهم
فيخدمتهم، وحرضوهم على المضي في الوصول الى بلاد
الشام.
وكان يتزعم الحركة الصليبية، يومذاك، ملك فرنسا لويس
التاسع المغالي في صليبيته الى درجة ان اطلقوا عليه
لقب((القديس)). فهو منذ وصل الى عكا، بعد اطلاق سراحه
من الاسر ورحيله عن دمياط في ايار (مايو) سنة 1250 اعتبر
نفسهالمسؤول عن المسار الصليبي في الشام، وصار اليه امر
مملكة القدس. وقد وجه ندا الى بارونات فرنسا يدعوهم
فيهالى ارسال النجدات لمواصلة الحرب الصليبية، في حين ان
اخاه وفريقا من كبار المحاربين وحوالى 1400 رجل غادرواعكا
عائدين الى اوطانهم متخلين عن الحروب الصليبية.
وحين سيطر المماليك على مصر، وكان الايوبيون في الشام،
اشتد التنافس والاحقاد والكراهية بين الفريقين،
وانقسمالمسلمون الى شطرين متصارعين في الشام ومصر، ما
افاد منه لويس التاسع.
وعزم الملك الايوبي، الناصر يوسف الذي كانت بيده حلب
ودمشق والقدس، على التحالف مع لويس التاسع
لمقاتلةالمماليك، فارسل اليه سفارة تعرض عليه ان يتنازل له
عن القدس مقابل معاونته له على حرب المماليك وانتزاع
مصرمن ايديهم.
لكن لويس التاسع لم يجب الى ذلك، لانشغاله بامر الاسرى
الصليبيين لدى المماليك في مصر، واكتفى بان ارسل
سفارةالى دمشق كان فيها الراهب الدومنيكاني (ايفز البرتيوني
ذرژحزآ ژحسچ ) الذي كان يجيد اللغة العربية، عارضا على
الناصرانه عندما يطلق سراح الاسرى سيتحالف معه ضد
المماليك لاعادة مصر الى الايوبيين. وفي الوقت نفسه، ارسل
الىايبك، سلطان المماليك في مصر، رسولا يطلب اليه انفاذ
ما جرى الاتفاق عليه من حسن معاملة الاسرى،
واستطاعرسوله (يوحنا فالنسيين) ان يحمل المماليك على
اطلاق عدد كبير من الاسرى، وتحسنت العلاقة بين لويس
التاسعوالمماليك الذين اشترطوا عليه عدم التحالف مع
الناصر، ووعدوه بانهم، متى تم لهم الاستيلا على فلسطين
ودمشق،سيعيدون الى الصليبيين مملكة القدس بحدودها
القديمة الممتدة شرقا الى الاردن فتدخل فيها بيت لحم
وحبرونونابلس والجليل. فوافق لويس على هذه الشروط، وتم
اطلاق سراح من تبقى من الاسرى الصليبيين في نهاية
آذار(مارس) سنة 1252.
لم يؤد هذا التحالف الى النتيجة المرجوة منه، اذ ان الناصر بادر
الى ارسال العساكر الى غزة لمنع الاتصال بين
المماليكوالصليبيين، في تفاصيل ليس هنا مكان الحديث
عنها.
وقد راى لويس التاسع في المغول حلفا له في ما يصبو الى
تحقيقه، لا سيما بعدما علم ما اشتهر عن زوجات بعضقادتهم
المسيحيات وما لهن من التاثير عليهم، فارسل الى منكوقاآن
سنة 650ه (1253م) بعثة برئاسة الراهب (غيوم روبرك
دسزچرز حذچددخسب ) سارت من عكا الى القسطنطينية
ومنها الى شبه جزيرة القرم، ثم الى مدينة ((سراي))، ثم عبرت
منافذالاورال ونهر ابلي، الى ان وصلت الى ((قراقورم))، حيث
قابل رئيسها منكوقاآن.
ويبدو ان الهدف كان انشا تحالف صليبي مغولي يتقدم فيه
المغول من الشرق والصليبيون من الغرب لحصر بلاد
الشامواقتسامها.
يقول جان سيري دي جوانفيل وهو الذي رافق لويس التاسع
في حملته الصليبية فكان بذلك شاهد عيان في مذكراتهعن
تلك الايام، متحدثا عن علاقة لويس التاسع بالمغول:
بينما كان الملك (لويس التاسع) مقيما في قبرص (كانون
الاول سنة 1248م) انفذ اليه ملك التتار استعداده لمعاونته
فيغزو الارض المقدسة وتخليص بيت المقدس من ايدي
المسلمين:
ولقد بالغ الملك في اكرام وفادة الرسل، وانفذ، في ما بعد،
سفارة من لدنه الى ملك التتار عادت بعد عامين، وارسلمعهم
اليه خيمة على هيئة كنيسة، وهي خيمة غالية لانها مصنوعة
باكملها من القماش القرمزي الجميل الرائع. ((وارادالملك
ان يرى ما اذا كان في قدرته اجتذاب اولئك التتار للايمان
بديننا فامر بنقش الخيمة بصورة تمثل بشارة سيدتناالعذرا
بالمسيح وجميع اسس عقيدتنا. وارسل الملك هذه الاشيا
جميعها بصحبة اخوين من الجماعة المبشرينيعرفان لغة
التتار ويستطيعان هداية المغول وتعليمهم السبيل الى
الايمان)).
ويتحدث ((جوانفيل))، بعد ذلك، عن عودة رسل لويس التاسع
قائلا: كان عدد شعب هذا الامير (التتري) المسيحي كبيراحتى
لقد انبانا رسل الملك انهم شاهدوا في معسكره ثمانمئة
كنيسة صغيرة محمولة على عربات.
ثم يقول: ويوجد بين التتار كثير من المسيحيين الذين
يعتنقون عقيدة الاغريق.
ويقول: نذكر ما فعله الايلخان، بعد تلقيه رسل الملك وهداياه،
من ارساله عهد امان لجميع الملوك الذين لم يدينوابالطاعة
بعد، فلما جاوه امر بنصب كنيسة الملك وخاطبهم بقوله:
ايها السادة، لقد بعث ملك فرنسا الينا ملتمسا عطفناللدخول
في طاعتنا. وهاكم الجزية التي انفذها الينا فانظروها، فاذا لم
تستسلموا لنا فانا مرسلون في طلبه للقضاعليكم.
واذ ذاك اعلن اكثر الحاضرين استسلامهم للملك التتري
خوفا من الملك الفرنسي.
ثم يقول ((جوانفيل)) بعد ذلك: عاد مبعوثو الملك، وفي
صحبتهم آخرون، من قبل ملك التتار العظيم الذي حملهم
كتبامنه الى ملك فرنسا جا فيها: ((السلم خير فانه اذا ساد
ارضا اكلت كل ذات اربع حشيش السلام، كما ان من يربون
علىقدمين يفلحون الارض التي تخرج كل طيب في سلام
ايضا)).
((واننا نقص عليك هذا الخبر لتزداد معرفتك، اذ لن تعرف
معنى السلام الا اذا عقدته معنا، فقد ثار (بريسترجون)
علينا،كما ثار علينا فلان وفلان غيره من الملوك فحكمنا
السيف فيهم جميعا)).
ثم راح يعدد له هؤلا الملوك. ثم قال: ((لذلك ننصحك بان
تبعث الينا عاما بعد عام بشيء من ذهبك وفضتك،
وبذلكتبقينا اصدقاك، فان لم تفعل هذا دمرناك انت
وشعبك كما فعلنا مع من ذكرنا من الملوك)).
ويعقب جوانفيل على هذا الكلام قائلا: ويجب ان تعلم ان
الملك ندم اشد الندم على ارساله رسلا اليه.
من مراجعتنا النصوص المتقدمة نرى ان البادىء بالاتصال كان
ملك المغول، وهو هنا ليس هولاكو، وانما هو((منكوقاآن))
الذي كان اخوه هولاكو قائدا من قواده فقد ارسل بعثة مغولية
الى لويس التاسع الذي كان يعد العدة لغزوبلاد الشام في
موقعها المقدس (بيت المقدس). ولم تكن اخبار هذا الاعداد
خافية على ((منكوقاآن))، بل لم تكن اخبارالحروب الصليبية،
من مبتدئها وصولا الى وقائع لويس التاسع، بخافية على الملك
المغولي الذي كان في حالة التحضيرلزحف جيوشه الى ايران
فالعراق فالشام.
والذي يبدو لنا انه اراد، قبل المباشرة بهذا الزحف، ان يتعرف
الى حقيقة هؤلا الذين سبقوه الى دخول بلاد الشامواحتلالها،
ثم هم يحاولون اليوم الزحف من جديد بقيادة جديدة. واراد
كذلك ان يعلمهم انه ينوي الزحف الى الارضالتي يطمحون
الى الوصول اليها، وانه ما دام هدفهم الوصول الى القدس فهو
على استعداد لمعاونتهم في ذلك.
وفهم لويس التاسع رسالة ((منكوقاآن)) على غير حقيقتها،
وظن ان الملك المغولي يعرض عليه التحالف ليتقاسما
البلادالشامية التي ستفتح، وانه يدعوه لمناصرته والتعاون معه
ليتسنى لهما الظفر السريع.
في حين اراد ((منكوقاآن)) ان يطمئن الصليبيين بانه، في
حال ظفره، سيتيح لهم الوصول الى القدس. وعلى عكس ما
كتبهاحد الباحثين، من ان تحالفا قام بين المغول
والصليبيين، فاننا نقول ان قرار المغول هو الحلول محل
الصليبيين والوصولالى شواطىء البحر المتوسط، وان المغول
كانوا على استعداد للاصطدام بالصليبيين اذا وقفوا بوجههم
وحاولوا صدهمعن تحقيق مطامعهم في احتلال بلاد الشام.
لقد ارسل ((منكوقاآن)) الى قبرص وفد استطلاع وتطمين،
تطمين محدود لا يتجاوز التعهد بتسهيل الوصول الى
القدس.وغالى لويس التاسع في فهم مؤدى رسالة الوفد،
فحسبها استعدادا لمعاونته في غزو الارض المقدسة وتخليص
بيتالمقدس من ايدي المسلمين، كما نص على ذلك دي
جوانفيل.
|
|---|