|
واستنادا الى هذا الفهم الخاطىء لرسالة الوفد المغولي،
واعتمادا على هذا الاستنتاج غير المصيب، بادر لويس
التاسعالى المبالغة في اكرام وفادة الرسل. ثم ارسل الى
المغول وفدا يتمثل فيه خياله الواسع في الاستنتاج، بحيث
حمله هذاالخيال على توقع دخول المغول في النصرانية، فضم
الى الوفد السياسي ملحقين دينيين من جماعة المبشرين
يعرفاناللغة المغولية ليسهل عليهما نقل الدعوة المسيحية الى
عقول المغول وتعليمهم طرق الوصول الى الايمان!
ولم يكتف بذلك بل بعث مع الوفد والمبشرين كنيسة سيارة
ثمينة منقوشا عليها بشارة السيدة العذرا بالمسيح ومكتوبافيها
اسس العقيدة المسيحية، على حد تعبير جوانفيل!
وقد زاد في توغل لويس التاسع في الخيال الجموح ما اشتهر
عن زوجات بعض زعما المغول المسيحيات وما لهن
منالتاثير عليهم!
لذلك بادر الى تاليف وفد رفيع المستوى -كما نقول في هذا
العصر- جعل على راسه راهبا والحق به راهبين لاسباغالصفة
المسيحية على نشاطه واجتذاب المغول لا الى التحالف
العسكري فحسب، بل الى الاخذ بدينه والدخول
فيعقيدته((. ولم ينس ان يبعث مع الوفد الهدايا الغالية..
بوصول الوفد الى ((قراقورم))، عاصمة المغول التي بناها
جنكيز خان. ومقابلته لمنكوقاآن وبدئه الحديث معه ادرك
مايرمي اليه لويس التاسع، فعمد الى اسلوب ترهيبي يفهم فيه
الوفد الصليبي ما يجب ان يفهمه من قوته، واستصغارهلشان
لويس التاسع وانه فوق ان يكون بحاجة اليه.
فكان ان بعث بالامان الى بعض المتمردين عليه -كما حدثنا
جوانفيل في ما تقدم من القول- واعلمهم على مسمع
منالوفد الصليبي، بان هذا الوفد هو وفد طلب الدخول في
الطاعة، وان ما يرونه من الكنيسة الفخمة الثمينة هو
جزيةارسلها لويس التاسع دليل خضوع وتسليم.
ثم اشعرهم بان هذا الملك هو من بعض اتباعه، وانهم اذا
اصروا على التمرد، فلن يتنازل هو لاخضاعهم، بل سيوعزلهذا
الملك بان ياتي من بلاده البعيدة ليتولى هو قتالهم وحملهم
على الخضوع!
هذا ما سمعه ورآه وفد لويس التاسع من منكوقاآن، فذابت
مطامحه وتلاشت احلامه. فلم يعد يتحدث عن التحالف
اويفكر في التبشير!
ثم اعاد الوفد مصحوبا بوفد منه ناقلا الرسالة التي مضى نصها،
طالبا من الملك الفرنسي ان يلزمه حده ويعرف قدره..فادرك
لويس التاسع انه كان يعيش في خيال، وان نتيجة الوفد كانت
اهانة في اهانة، وتحقيرا في تحقير، لذلك -كمايقول جوانفيل-
ندم اشد الندم على ارسال الرسل الى منكوقاآن...
الارمن يحرضون المغول
لم يقتصر الانخداع على لويس التاسع، بل ان الامل راود
((هيثوم)) الارمني ملك كيليكيا، فقد هب هو الاخر ذاهبا
بنفسهالى قراقورم، لقد كان اصغر من ان يرسل وفدا، لذلك
شد الرحال لملاقاة منكوقاآن وتقوية عزمه على الغزو، ولما
كانهيثوم يعرف قيمة نفسه، فلم يذهب طالبا التحالف وناشدا
التبشير، بل ملتمسا النجدة، لذلك لم يعامله المغول
بالتحقيروالامتهان، بل اظهروا انهم يصغون اليه وصرفوه
بالتي هي احسن، فعاد مملوءا بالامل.
ولم يكن يعلم ان التخطيط المغولي كان يستهدف، في ما
يستهدف، السيطرة على كيليكيا واخضاع الارمن.
عندما وصل هيثوم الى قراقورم كان هولاكو قد بدا السير الى
الغرب، وكان قد بلغ ايران، فطلب اليه منكوقاآن ان يلقىاخاه
هولاكو فهو في طريق الزحف الى بغداد، وان يتعاون معه،
ومناه باعادة القدس الى النصارى.
وقد نفذ هيثوم ما اشار عليه به منكوقاآن فلقي، في طريق
رجوعه الى ارمينيا، هولاكو، فكان من جرا ذلك ان
قدملهولاكو مساعدات عسكرية، وانضمت قوات ارمنية الى
الجيش المغولي وساهمت في معاركه بالشام والاناضول.
وكانلهيثوم انتصارات على قلج ارسلان سنة 1259 وعلى
التركمان النازلين على اطراف كيليكيا الغربية.
على ان هذا التحالف المغولي الارمني وهذه الانتصارات
الهيثومية كانت وبالا على الارمن وعلى هيثوم بالذات
بعدانتصار عين جالوت الاسلامي سنة 1260.
علاقات المغول بالحكام المسلمين
قبل ان يبدا هولاكو زحفه الى قلاع الاسماعيليين ارسل
عدة رسل الى الملوك والسلاطين المسلمين يعلمهم فيهانه
عازم على مهاجمة قلاع الاسماعيليين وتحطيمها، ومما جا
في رسائله: ((... فاذا اسرعتم وساهمتم في هذه
الحملةبالجيوش والالات فسوف تبقى لكم ولايتكم وجيوشكم
ومساكنكم وستحمد لكم مواقفكم. اما اذا تهاونتم في
امتثالالاوامر واهملتم فانا حين نفرغ بقوة اللّه من
الملاحدة فاننا لا نقبل عذركم ونتوجه اليكم فيجري على
ولايتكمومساكنكم ما يكون قد جرى)).
وعوضا عن ان يكون هذا الانذار باعثا للملوك والسلاطين
المسلمين على التجمع والتذاكر في اعداد وسائل
الدفاع،ومواجهة هولاكو كتلة واحدة تصده عن التقدم، عوضا
عن ذلك سارعوا الى تلبية طلبه وهبوا لمعاونته. ويصف
رشيدالدين فضل اللّه الهمذاني، في كتابه ((جامع التواريخ))
التسارع الى تلبية ندا هولاكو فيقول: ((اقبل من بلاد الروم
السلطانانعز الدين وركن الدين. ومن فارس سعد بن الاتابك
مظفر الدين. ومن العراق وخراسان وآذربيجان واران
وشروانوجورجيا الملوك والصدور والاعيان)) .
وهكذا نرى ان الاستجابة لدعوة هولاكو للانضمام اليه كانت
عامة شاملة، وانه لقي السمع والطاعة من جميع قادة
هذهالبلاد الاسلامية، فمشوا معه بجيوشهم لحصار قلاع
الاسماعيليين، ثم للزحف على بغداد قاعدة الخلافة الاسلامية
التيينتمي اليها هؤلا المسلمون، ويرون في صاحبها رمزا
مقدسا لهم.
وبعد سقوط بغداد، انضم الى هولاكو -عدا هؤلا- في من انضم
في الزحف على بلاد الشام: الملك السعيد ابن الملكالعزيز ابن
الملك العادل اخي صلاح الدين الايوبي، ويقول عن ذلك ابو
الفدا في تاريخه: ((وسار الملك السعيد معهمجالمغولج
واعلن الفسق والفجور وسفك دما المسلمين)).
وممن حرضوا هولاكو على غزو الشام ومصر وساروا معه الملك
المغيث فتح الدين عمربن العادل بن الكاملبن العادلشقيق
صلاح الدين الايوبي، وبعد النصر الاسلامي في معركة عين
جالوت قبض عليه الظاهر بيبرس و((احضر الفقهاوالقضاة
واوقفهم على مكاتبات من التتر الى المغيث اجوبة عما كتب
اليهم في اطماعهم في ملك مصر والشام)) ، كمانص على
ذلك ابو الفدا في تاريخه.. ثم قتله الملك الظاهر.
وكان الايوبيون، في الجزيرة والشام، اول من تعاون مع هولاكو،
فارسلوا اليه يهادونه ويخطبون وده، وقد اسرع الناصرالايوبي
نفسه الى اعلان خضوعه للمغول وارسل ابنه العزيز سنة 656ه
(1258م) ((بتحف وتقادم الى هولاكو وصانعه)). اماالاشرف
موسى الايوبي صاحب دمشق فقد اسرع في تقديم ولائه
لهولاكو، في حين بادر المنصور بن المظفر الايوبيصاحب
حماه بالفرار الى مصر تاركا حماه واهلها يلقون مصيرهم.
وعندما كان هولاكو يزحف باتجاه بغداد مريدا الاستيلا على
قلاع الاسماعيليين ارسل الى الاسماعيليين وفدايهددهم
ويتوعدهم، وكان هذا الوفد مؤلفا ممن انضم اليه من
المسلمين وهما: ظهير الدين سلار البيتكجي، وشاه
امينيصحبهما مغولي واحد هو ((بكتيورجي)).
ولما رفض زعيم الاسماعيليين ((خورشاه)) التسليم، تقدم
هولاكو نحو القلاع وبدا حصارها واخذ يهاجمها ويضيق
عليها.ولما احس الاسماعيليون بضعفهم امام القوى المتدفقة
عليهم ارسل ((خورشاه)) الى هولاكو وفدا من اعيان رجاله
دليلاعلى التسليم فاكرمهم هولاكو، ولكنه عاد فارسل الى
خورشاه وفدا مؤلفا من المسلمين المنضمين اليه وهم: صدر
الدينوظهير الدين وتوكل بهادر وبخشي ومازوق -وكلهم
مسلمون- ارسلهم برسالة الى ((خورشاه)) تطلب اليه ان
يخربالقلاع، اذا كان حقا قد قبل التسليم وياتي بنفسه الى
هولاكو.
وحين احاطت جيوش المغول بقلعة ((ميمون دز))، وعجز
المغول عنها لمناعتها هم هولاكو بالرحيل عنها لمداهمةالشتا
له، ولكن مستشاريه، وبينهم سيف الدين البيتكجي اصروا
على البقا والاستمرار في حصار القلعة، فاطاعهموسلمت
القلعة بعد ذلك.
المغول في بلاد الشام
لم يطل هولاكو اقامته في بغداد، بل غادرها عائدا الى معسكره
في ((خانقين)). ثم ترك العراق متجها الى ايران، حيثاختار
مدينة ((مراغة)) في آذربيجان قاعدة لحكمه.
وسبق زحف المغول الى بلاد الشام انذارات واتصالات، فقد كان
الملك الناصر صاحب حلب وطد صلته سرا بالمغول،فارسل
وزيره الصاحب زين الدين الحافظي بتحف وهدايا الى القاآن
مظهرا الطاعة والتسليم.
وراح يحكم صلاته سرا بالمغول، ثم ارسل الى هولاكو طالبا
منه نجدة مغولية يفتح بها مصر. ولكن مثل هذه الصلة لايمكن
ان تخفى الى النهاية، فاتهم بممالاة المغول، وثار به حكام بلاد
الشام فالتجا الى هولاكو، فقوى ذلك من عزم هذاعلى الزحف
الى حلب مبتدئا بها فتح البلاد الشامية.
وفي الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة 657ه (1259م)
سار في قلب جيوشه من آذربيجان واتخذ طريقه على
خلاطوجبال حكار الكردية، ووصل الى ديار بكر وفتح الجزيرة،
ووجه ابنه ((يشموت)) لحصار ((ميافارقين))، واتجه بنفسه
الى((دنيسر)) و((نصيبين)) و((حران)) ففتحها، واصر اهل
سروج على المقاومة فكانت فيهم مقتلة.
ثم نزل هولاكو على شاطىء الفرات في ((البيرة)) الواقعة بين
حلب والثغور الرومية، وهي قلعة حصينة،
واستبيحت((منبج))، وعبر هولاكو الفرات واصلا الى حلب،
فابت حلب التسليم وصممت على القتال، وكان المغول قد
دخلوا((اعزاز)) بالامان.
بدا حصار حلب في كانون الثاني (يناير) 1260م، وظلت تقاتل
المغول اسبوعا، واشتدت مضايقتهم لها ولم يلبثوا اننفذوا
اليها، فبذلوا السيف في اهلها، ثم نادوا بالامان، ولكن القلعة
صمدت اربعين يوما ترد المغول عن اسوارها، ثمسقطت.
وسمح هولاكو لمن فر من الحلبيين بالعودة الى ديارهم
واملاكهم. وراح امرا المسلمين يتسابقون في الوصول الى
حلبلاعلان ولائهم لهولاكو.
وحوصرت ((حارم)) فشغل حصارها المغول مدة، ثم طلب
اهلها الامان على ان يقسم لهم فخر الدين الساقي على
ذلك،ثم سلموا بنا على عهده وايمانه، فعد هولاكو ذلك اهانة
له وغضب غضبا شديدا فصب نقمته على اهل ((حارم))وحلت
بهم النكبة الفادحة.
وبوصول المغول الى ((حارم)) يكونون قد اصبحوا على حدود
امارة انطاكية الصليبية، فتقرب اميرها ((بوهمند))
السادسمن المغول معلنا التحالف معهم. وكانت مصلحة
المغول الانية تقضي بقبول هذا التحالف فاعادوا الى
((بوهمند)) ما كانقد استولى عليه المسلمون من بلاد
وحصون كانت تابعة لانطاكية، ومن اهمها اللاذقية، ومقابل
ذلك اعاد ((بوهمند)) الىكرسي انطاكية البطريرك اليوناني
((ايثيميوس))، فاثار ذلك مشكلة بين الصليبيين. فصليبيو
عكا كانوا في ريب من المغول،ولم تعجبهم هذه الصداقة بين
((بوهمند)) وبين المغول، ولم يروا في استرداد اللاذقية من
الاهمية ما يوازي الاهانة التيحاقت بالكنيسة اللاتينية باعادة
البطريرك اليوناني الى اللاذقية، فكان ان اعلن البابا
((الحرمان)) على ((بوهمند)).
اما بارونات عكا فقد اقنعتهم تصرفات المغول بانهم لا ينوون
التحالف مع الصليبيين، بل يريدون الحلول محلهم،
لذلككانت نقمتهم على بوهمند عارمة فكتبوا الى شارل كونت
انجو، شقيق لويس التاسع في نيسان (ابريل) 1260 ينبهونه
الىخطر ما يجري: الخطر المادي والخطر المعنوي ويناشدونه
المعونة على دفع المضار التي ينتظر وقوعها من تماديالزحف
المغولي.
ولم يشفع للمغول ان بينهم عددا من المسيحيين مثل
((طقزخاتون)) زوجة هولاكو التي كانت تصحبه في زحفه
هذا،ومثل القائد ((كيتوبوقا))، فقد اعتبر اللاتين ان المغول
يحابون اليونانيين على حسابهم.
وكما اعاد المغول ما اعادوه من البلاد الى ((بوهمند)) امير
انطاكية، فكذلك فعلوا مع ((هيثوم)) ملك كيليكيا الارمني،
فقداعادوا اليه ما كان قد سلبه منه سلاجقة الاناضول من
اراضي كيليكيا.
توغل المغول في بلاد الشام
كنا قد ذكرنا، من قبل، ان المنصور، صاحب حماه، قد فر عنها
تاركا الحمويين في مازق حرج، وفي فوضى واضطراب،فقرروا
تسليم المدينة للمغول بعد ان فقدوا القيادة، فقصد وفد منهم
الى حلب واعلن استسلامهم لهولاكو، فامنهم هذاواختار
لمدينة حماه ((شحنة))، اي حاكما همه حفظ الامن، من
اتباع المسلمين هو خسروشاه.
اما المنصور الذي كان قد تخلى عنهم، فقد لحق بابن عمه
الناصر يوسف بدمشق، وقد اثبتا انهما على الضد مناسميهما،
فلا المنصور منصور، ولا الناصر ناصر. اما الاول فقد راينا ما
فعل من الاسراع في الفرار من واجبه تلقا المدينةالتي كان
يحكمها وتركها عرضة لشتى الاحتمالات المفجعة.. واما الثاني
فلم يكد يبلغه استيلا المغول على حلب حتىاسرع بالرحيل
عن دمشق مع من كان لديه من العساكر متجها الى مصر ومعه
ابن عمه المنصور، فحل اولا في نابلس عدةايام، ثم ارتحل الى
غزة فالعريش، ليتجه منها الى مصر. ولكنه لم يلبث ان داخله
الرعب من المماليك، وخشي انيقبضوا عليه، لذلك عاد فاتجه
شمالا، فاوقعه هذا الاتجاه في ايدي المغول فلقي مصرعه
على ايديهم.
وهكذا فعوضا عن ان يموت ميتة شريفة، مدافعا عن وطنه
مات موتا ذليلا. وبرحيل الناصر عن دمشق وهنت
عزائمالدمشقيين بتخلي سلطانهم عنهم فالفوا وفدا ذهب الى
القائد المغولي ((كيتوبوقا)) الذي خلف هولاكو في
اثناغيابه وعرض عليه استلام دمشق وخضوعها، فعين لحكم
مدينتهم حاكما مغوليا يعاونه ثلاثة من المسلمين هم:
علاالدين الشاشي، وجمال الدين القزويني، وشمس الدين
القمي.
واذا كانت المدينة قد استسلمت فان قلعتها ابت الاستسلام
فبدا ((كيتوبوقا)) حصارها في آذار (مارس) 1260 ونصب
لهاالمنجنيقات، فاضطرت للاستسلام.
ودخل ((كيتوبوقا)) دمشق فاتحا يقود وراه الجيش المنتصر،
ويصحبه صديقاه الجديدان ملك ارمينيا وامير
انطاكية،ومضى يشق شوارع دمشق شارعا بعد شارع بهذا
الموكب المغولي الارمني الفرنجي ودمشق البطلة التي
اعيتالصليبيين وصدتهم خائبين بعد ان بلغوا ابوابها...
دمشق الابية حل بها اخيرا هذا النوع من الحكام فاوصلوها الى
هذاالهوان، واستطاع قائد صليبي -وان في ظل سطوة مغولية-
ان يخطو فيها خطوات الجبابرة...
وهكذا قضى فساد الحكم المتمادي، وطغيان الحكام المتوالي،
والاستهتار بحريات الناس وخنق الراي الاخر باذلالالعواصم
الثلاث: بغداد وحلب ودمشق، وشهد التاريخ الغزاة يقتحمون
حصونها ويدكون اسوارها ويمشون فيها بخيلاالمنتصر
العاتي... وفي خلال اسابيع عنت بلاد الشام كلها للقائد المغولي
((كيتوبوقا))، وامتد جنوده حتى غزة وبيتجبرين والخليل
والصلت وبعلبك وبانياس، ولما حاولت نابلس المقاومة كانت
السيوف تاخذ برقاب الناس فقرت بعدتوثب..
وبعد ان دان ما دان للمغول من مدن ومواقع، صاروا يتاخمون
الامارات الصليبية. اما امارة انطاكية فيمكن اعتبارها-بعدما
كان بين بوهمند وهولاكو- تابعة للمغول. واما مملكة القدس
وما يتبعها من الساحل الشامي مثل بيروت وصوروعكا ويافا،
فكان امر حكمها عائدا الى صنجيل جفري سارجينس نائبا عن
ملوكها الشرعيين في قبرص. وقد حرصالصليبيون على ان
يتجنبوا اي احتكاك بالمغول فلم يقع بينهم اي صدام سوى
صدام محدود سببه تهور ((جوليان))، اميرصيدا، وحمقه، فقد
اغار من الشقيف على البقاع، فتصدت له ثلة مغولية استطاع
جوليان ومن استنفرهم من جيرانه انيوقعوها في كمين وان
يقتلوا قائدها ابن اخت القائد المغولي العام ((كيتوبوقا))،
فارسل هذا جيشا كثيفا الى صيدا فنهبها،وحين تعرض لقلعتها
اعانها اسطول جنوى القادم من صور.
وقد ردت القوى المغولية على ذلك، وعلى غارة على الجليل،
بعنف رادع مؤدب.
هولاكو يغادر بلاد الشام
توفي الرجل المغولي الاول منكوقاآن، في 11 آب (اغسطس)
1259 وهو في غزو للصين كان يرافقه فيه اخوه
((قوبيلاي))،وكان مفروضا ان يخلفه احد اولاده، ولكن هؤلا
كانوا صغار السن، فاستطاع اخوه الاصغر -اصغر الاخوة كلهم-
((اريقبوكا)) السيطرة على الحكم في العاصمة المغولية
((قراقورم)) وراح يسعى ليكون العرش له، وظل في سعيه هذا
عدةشهور.
وعقد كل من الاخوين المجلس المغولي (قوريلتاي)، عقدا
مجلسين كل مجلس يؤيد واحدا من الاخوين. وانتخب((اريق
بوكا)) في ربيع سنة 1260 خانا اكبر)) لتاييد معظم افراد
الاسرة في منغوليا له. ولكن اخاه ((قوبيلاي)) كان يحظى
بتاييد قادة الجيش، وقد اعتبرانعقاد كل من المجلسين باطلا.
وبلغ هولاكو موت اخيه منكوقاآن وتنازع اخويه قوبيلاي
واريق بوكا على العرش. وقد كان من الممكن ان
يشتركهولاكو نفسه في هذا النزاع، ولكن يبدو انه آثر ان
يكتفي بالاحتفاظ بما كان قد فتحه من بلاد وان لا يدخل في
الصراععلى عرش المغول من اجل نفسه، على ان لا يكون
بعيدا عن الانغماس في هذا الصراع انتصارا لاحد
الفريقينالمتنازعين. وكان هواه مع اخيه قوبيلاي لذلك
حرص على (القوريلتاي)، فغادر بلاد الشام عائدا الى ايران
وتركلكيتوبوقا ان ينجز فتح مصر.
وما دام هولاكو قد غادر بلاد الشام، فلم يعد يعنينا في بحوثنا
هذه من امره شيء، فموضوعنا هنا هو ((المغول في
بلادالشام)). وقد خرج هولاكو الان من هذا الصراع، واصبح
صراعه هناك في منغوليا وما اليها من الدنيا.
واذا كان هو قد خرج من الصراع على بلاد الشام فان ممثله فيها
((كيتوبوقا)) قد ظل بما لديه من قوى في صميم هذاالصراع.
واذا كان ((كيتوبوقا)) وقواه العسكرية تستهدف الخروج من
بلاد الشام والوصول الى مصر، فانها بذلك لم تخرجعن موضوع
بحثنا لان معركتها في سبيل الخروج الى مصر انما كانت على
ارض شامية.
الصدام العسكري
المهمة التي اودع منكوقاآن الى اخيه هولاكو انفاذها، وهي
الاستيلا على ايران واخضاع قلاع الاسماعيليين والوصولالى
بغداد ومتابعة السير منها الى بلاد الشام فمصر، نفذ هولاكو
القسم الاكبر منها، وبوصول طلائع جيوشه الى غزة يكونقد تم
استصفا الشام ولم يبق سوى الوصول الى مصر.
تركنا هولاكو ماضيا عن الشام مخلفا فيها، نائبا عنه، قائدا من
اشرس قواده هو ((كيتوبوقا))، ويبدو ان هولاكو في مضيههذا
قد اصطحب معه قطعا من جيشه الكبير اعتقادا منه انه قد
يحتاجها في الصراع المغولي على العرش في
قراقورم،واطمئنانا منه الى عدم الحاجة الى جيش كبير في
غزو مصر، بعد ان تبين له هزال المقاومة التي لقيها في طريقه
الطويلمن قراقورم الى غزة، فما ابقاه من قوى في يد
((كيتوبوقا)) هو -بنا على هذا- كاف لافتتاح مصر.
كانت القوة المغولية التي احتلت غزة، بقيادة ((بيدر))، لا تعدو
ان تكون طليعة للزحف الكبير الذي يقوده كيتوبوقا.وخرجت
من مصر طليعة بقيادة بيبرس متجهة الى غزة، وبالرغم من
انها كانت طليعة غير كبيرة، فان مجرد خروجها منمصر
واتجاهها الى غزة كاف للدلالة على تصميم المصريين على
القتال قتالا هجوميا.
وراى بيدر انه، اذا استطاع بما لديه من قوى دفع الطليعة
المصرية الزاحفة، فانه لن يستطيع دفع من ياتي وراها من
قوىلذلك آثر الانسحاب من غزة، وعندما تقدم اليها بيبرس
وجدها خالية من كل مقاومة فدخلها من دون قتال.
واسرع بيدر باخبار ((كيتوبوقا)) بما يجري، وكان هذا في
بعلبك فاغذ السير ازا بحر الجليل، الى وادي نهر الاردن،
وبينماهو في سيره بلغته انبا مزعجة من دمشق، فدمشق لا
يمكن ان تنسى المظاهرة الجبروتية المغولية الفرنجية
الارمنية التياخترقت شوارعها مذلة لها كاسرة عنفوانها، واذا
كانت قد اغضت يومذاك، فانها لم تغض هوانا، بل اغضت
حقدامكبوتا، ينتظر الساعة المناسبة لينفجر ضراما على
الجبابرة. فانه لم يكد يبلغ مسامع دمشق نبا الزحف المصري
حتىهبت صاخبة، فكان لابد من قوة مغولية لمعالجة الموقف.
اما الجيش المصري بقيادة ((قطز)) فقد عزم على سلوك
طريق الساحل الفلسطيني، ولما كان لابد له من المرور
بعكاالمحتلة من الصليبيين، فقد ارسل اليهم يطلب السماح
باجتياز ارضهم والتزود بما يعوزه من مؤن، فتداول بارونات
عكاالامر في ما بينهم، وكانوا قد بداوا يدركون حقيقة نوايا
المغول، ثم كانوا منفعلين بمهاجمة صيدا ونهبها،
فاستجابواللطلب وزادوا على ذلك بان عرضوا عليه المساعدة
العسكرية، على انه وجد فيهم من نبههم الى ان المسلمين
حينينتصرون على المغول سيرتدون الى الصليبيين، وكان
قطز قد استعفاهم من المساعدة العسكرية وطلب اليهم ان
لايكونوا لا له ولا عليه.
سلك الجيش المصري طريق الساحل في آب (اغسطس) سنة
1260 وسار على امتداد الساحل حتى عكا، فنزلخارجها
مستريحا في حدائقها، وهناك علم ان كيتوبوقا اجتاز نهر
الاردن ونزل بشرق بحر الجليل.
ثم سار قطز بالجيش المصري من عكا باتجاه الجنوب الشرقي،
فاجتاز الناصرة حتى بلغ عين جالوت في 2 ايلول(سبتمبر)
سنة 1260 وفيها حدثت المعركة التي انتهت بهزيمة المغول
وجلائهم عن بلاد الشام.
وهكذا غدت بلاد الشام حتى نهر الفرات في حكم المماليك،
حكام مصر.
وقد حاول المغول، بعد ذلك، الارتداد الى الشام في تشرين
الثاني (نوفمبر) سنة 1260اذ تقدم احد قادتهم من
اعاليالجزيرة الى البيرة فهزم عساكر من حامية حلب، ثم
استولى على حلب وقتل عددا من سكانها ونهبها، ومضى حتى
بلغضواحي حماه وحمص فالحق اميرا المدينتين الهزيمة به
قريبا من حمص في كانون الاول (ديسمبر) سنة 1260
فانتهىالى ما ورا الفرات.
وهنا لنا ان نتسال: لماذا لم يعد المغول، بقيادة هولاكو، الكرة
على الشام ومصر بعد هزيمتهم في عين جالوت؟
ونجيبفنقول: لم يقع ذلك لانه في سنة 658ه (1259م) بعد
سقوط بغداد بحوالى سنتين، وبعد موت منكوقاآن امبراطور
المغول،قام صراع بين الاخوين ((قوبيلاي)) و((اريق بوكا))
-كما ذكرنا من قبل- وطلب الاول مساعدة اخيه هولاكو. وقد
اعقبذلك خلاف بين ((بركاي خلان بن جوجي)) حاكم
مغول القفجاق وابن عمه هولاكو، ما ادى الى وقوع سلسلة
منالمعارك بين الفريقين، والى تركيز هولاكو قواته في
الجهات التي يحمي بها ممتلكاته من الخطر الجديد.
فكان ذلك مانعا له عن العودة الى الشام وغزو مصر، واتخاذه
موقف الدفاع امام دولة المماليك.
الشريف الرضي، الملحمة الهاشمية واللغة المترفة
د. خالد محيي الدين البرادعي
قبل الدراسة
لن نكرر آرا الاقدمين الذين وصفوا الشريف الرضي بانه اكبر
شاعر انجبته قريش، ولا الراي الذي فصل كبر الشريفالرضي
الذي ينتهي نسبه الى الحسين بن علي، والقائل: ان قريشا قد
انجبت كثيرا من الشعرا، لكن الجيد منهم مقل الاالشريف
الرضي فقد جمع بين الاجادة والكثرة. لكن قراتنا المعاصرة
لشعر الشريف، وعلى ضوء ثقافتنا المعاصرة، قدتسعفنا بالوصول
الى رؤية جديدة تدلنا بدورها على قدرة هذا الشعر على
الصمود امام النقد المعاصر، وعلى قابليتهالكبيرة للخلود
والبقا متجددا على مرور الزمان.
صحيح ان الشريف الرضي تواجد في عصر يمثل ارتكاسة
تاريخية للشعر بعد غياب اعلام العصر العباسي الكبار،يتقدمهم
ابو تمام الطائي والبحتري والمتنبي. وان القرن الرابع الهجري
الذي تواجد الشريف عبر نصفه الثاني ((359- 406ه))كان عصر
ازدهار النثر العربي ووصوله الى ذروة متقدمة وعالية القيمة.
وصحيح ان وجود كتاب كبار اعتمدوا النثر مقابلاللشعر الذي
افتن به العرب عبر التاريخ، وتالق فيه كتاب من امثال ابي
حيان التوحيدي. وكتاب رسائل اخوان الصفا. الان الشريف
كان يمتلك اهم خاصتين ربما شعر، من خلالهما، بضرورة
تقدمه شاعرا كبيرا يضارع الفحول المتقدمين.هاتان الخاصتان
هما:
ا- كونه سليل اسرة باذخة الشرف امتلكت عنان الفصاحة
وسحر القول، صعودا الى الامام علي بن ابي طالب(ع)
الذيكان الشريف يسميه ((جده)) في كل ندا. وان عليه عبء
هذا الميراث الهائل من الفصاحة. او لم يقل رسول اللّه(ص):اني
مدينة العلم وعلي بابها؟ وقد يكون هذا ما دفع الشريف الى
تمثل كل الشعر الذي سبقه صعودا حتى الجاهليينالكبار الذين
نلمس آثار لغتهم في لغته. كما نلمح عذوبة مطالع قصائدهم
في كثير من مطالع قصائده.
ب- المكونات الوراثية التي تخلقت معه والاستعداد الفطري
ونوازع الالهام التي تزود بها بوصفها اجزا من شخصيته.والا
كيف استطاع ان يقرض الشعر ويقدم قصائد تامة النضج، وهو
في العاشرة او اكبر قليلا؟
والى جانب اهتمامه بالشعر بوصفه هاجسا سكنه، على امتداد
عمره القصير، كان تفرغه لجمع اقوال جده الامام عليبن ابي
طالب(ع) قد استنفد شطرا من حياته لاخراج ((نهج البلاغة))
الى الوجود. ولو اقمنا حدودا زمنية، لكل عمل قامبه الشريف،
من جمع نهج البلاغة، ورئاسة شؤون اهل البيت نقيبا للاشراف
وكتابة الشعر والتدريس، لراينا انه كان يتفتقبابداع القوافي
تفجرا ودفعا كتفجر الينابيع العذبة من بين الصخور. وديوانه
الضخم الذي خلفه دليل على ذلك التدفقالمدهش. حتى لا
يكاد يصدق متتبع وناقد ان هذا التراث الشعري الضخم الذي
فاق عشرين الف بيت من الشعر، قدكتبه شاعر عاش بضعة
واربعين عاما هي متوسط اعمار الطالبيين في التاريخ كما
رسمهم الشريف الرضي، وكانهميخططون اعمارهم بايديهم:
نحن قوم قسم اللّه لنا
بالرزايا، ورضينا بالقسم
انما قصر من آجالنا
اننا نانف من موت الهرم
وكان يعلم علم اليقين ان هاجس الابداع الشعري قد اغلق
عليه كافة المنافذ الاخرى. لان الشعر خلق خاص وابداعاناني
لا يريد ان يشاركه في حياة صاحبه هم آخر:
ولولا القريض واشغاله
شغلت بغير المنى خاطري
فنية النمط
افتن الشريف الرضي بتجويد مطالع قصائده، الى درجة تلفت
النظر، كانه تعمد ان يدفع الى قارئه باقة من مختلفالازهار
مشوبة باصناف الطيب، قبل ان يخبره بما يريد ان يقول. ولم
تتات هذه الخاصية لشعره الا بعد التعب والجهدوالوقوف على
سر جاذبية مطلع القصيدة، وتمثل الشعر العربي السابق له.
وسوا اكانت قصيدته للمديح ام للرثا امللتامل ام مهداة الى
آل البيت، فهي تتمتع بالمطلع الجذاب والاسر والذي يشد
المتلقي الى المتابعة باشتها ورغبة. ولانظن ان هذا التوهج
المحمول على تلك المطالع جا مصادفة من دون قصد
وتصميم، حتى مقطوعته ذات الابياتالثلاثة التي يحفظها
كافة قرا الشعر، وعلى مساحة الوطن العربي، جات منفردة
بوصفها صورة شعرية حاملة خصائصهاوشروط خلودها:
ولقد مررت على ديارهم
وطلولها بيد البلى نهب
فوقفت حتى ضج من لغب
نضوي، ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت
عني الطلول، تلفت القلب
اضافة الى الجاذبية التي تتمتع بها هذه الثلاثية المدهشة، فهي
قادرة على الارتقا الى زمن الحداثة كانها مكتوبة الانوليس
قبل الف سنة. انظر الى صورة: تلفت القلب. وان كان الشعر
القديم لا يقاس من خلال الصورة وحدها، بل منخلال السخونة
التي نتحسسها به خلال قراته، فان الشعر الخالد يتوالد يوميا
مع كل قارىء جديد.
صحيح ان الشريف لم يات الى مقدمات قصائده بمواد غريبة
عن البيئة والمناخ الشعريين، كما عرفنا الشعر منذ
القديمالجاهلي والى عصره، لكنه استطاع ان يوظف تلك
الموجودات المالوفة باسلوب خاص وصور جديدة:
لمن الحدوج تهزهن الانيق
والركب يطفو في السراب ويغرق
يقطعن اعراض العقيق فمشئم
يحدو ركائبه الغرام ومعرق
ابقوا اسيرا بعدهم لا يفتدى
مما يجن وطالبا لا يلحق
يهفو الولوع به فيطرف طرفه
ويزيد جولان الدموع فيطرق
استطاع الشريف ان يحول هذا المطلع، ذا الابيات الاربعة، الى
لوحة مشرقة الخطوط والتعرجات والالوان والجزئيات.وتزيد
على اي لوحة مرسومة بخاصية الدفء وحرارة الوقع، كان
متلقيها يلمس نبض الشريف الرضي، وهو يقراها، انلم يشعر
انه معه الان. وتلك الخاصة التي اسماها قدماؤنا بالصدق.
فالاطلال والاطياف وذكرى الاحبة شكلت عناصر الجمال في
ادا الشريف الى درجة تاسر متلقيها وترفعه الى افق
اللذةالسامية التي تحدث عنها فلاسفة علم الجمال:
اراقب من طيف الحبيب وصالا
ويابى خيال ان يزور خيالا
فوهل ابقت الاشجان الا ممثلا
تعاوده ايدي الضنى ومثالا؟
الم بنا والليل قد شاب راسه
وقد ميل الغرب النجوم ومالا
وانى اهتدى في مدلهم ظلامه
يخوض بحارا، او يجوب رمالا
تاوب من نحو الاحبة طاردا
رقادي وما اسدى الي نوالا
اوائل مس الغمض اجفان ناظري
كما قارب القوم العطاش صلالا
وقد استطاع ان يمنح الجمادات والاشيا الساكنة خصائص
الاحيا ومزايا الكائنات الحية، بصورة تقنع المتلقي بقدر ماتولد
الدهشة في وعيه واحاسيسه. وتمكن من تنويع اشكال
المطالع والمقدمات، حتى لا يشعر قارئه بالملل من
المطالعالمتشابهة الى حد تحسب معه ان الشريف الرضي
يجدد نفسه بين القصيدة والقصيدة، وهو على وعي تام بخطر
الوقوعفي ظاهرة التكرار والمتشابهات.
فالاطلال متشابهة، والدمن تتخذ صورا موصدة في الذاكرة.
لكن الشريف عرف كيف يلون تلك الدمن، ويعيد تشكيلتلك
الاطلال كما يفعل النحات المعاصر عندما يتناول جزئيات ميتة
مهدومة من مهملات الاشيا ويصوغ منها اشكالاحية. وكما
فعل الشاعر الجاهلي الذي تمثل الشريف موروثه الفني. حيث
كان يشبه النحات تمام الشبه. فياخذ الحجرالصلد الجامد
الساكن، ويصنع منه اشكالا حية تكاد تنطق وتتحرك.
ففي احدى قصائد الشريف، وهي من قصائد حالة القلق والقهر
التي عاشها حزنا وتحسرا على مقاتل الطالبيين، وكيفحاولت
الدولتان الاموية والعباسية -بدافع الخوف من مكانة اهل
البيت- ان تحاصرهم باستمرار وتقصيهم عن مواقعالقرار وعما
يقربهم باتجاه العرش السياسي، يتذكر، ويبكي، ويتشوق
ويتجرع الغصص وهو يضع نفسه في موضع الرحىمن آل البيت.
ويشير الى المظالم التي تلقاها الطالبيون عبر القرون السابقة.
نقف على مطلع قد يكون متفردا بين مطالعالقصائد العربية،
من حيث شفافيته وكثافة لغته وقدرته التصويرية التي تنسيك
انك تسمع او تقرا. لتجد نفسك تشاهدوتلمس الصور التي
رسمها في هذا المطلع المتوهج:
ايا للّه، اي هوى اضا
بريق بالطويلع اذ تراى؟
الم بنا كنبض العرق وهنا
فلما جازنا ملا السما
كان وميضه ايدي قيون
تعيد على قواضبها جلا
طربت اليه حتى قال صحبي:
لامر هاج منك البرق دا
ولم يك قبلها يقتاد طرفي
ولا يمضي بلبي حيث شا
خليلي اطلقا رسني فاني
اشدكما على عزم مضا ابت لي صبوتي الا التفاتا
الى الدمن البوائد وانثنا
فان تريا -اذا ما سرت- شخصي
امامكما.. فلي قلب ورا
ولن يغيب عنا، ونحن بين يدي هذا النمط المتالق، ان شعرا
الصوفية الذين جاؤوا في عصور لاحقة قد افادوا من
هذاالتصوير البديع. كما افادوا من صورة البرق والوميض التي
شحنها الشريف الرضي ببعد روحاني عميق. اضافة الى
حداثةالصور التي ابتكرها والمفردات التي لم نكن نراها في
الشعر من قبله.
ولعل قصائد المديح التي اسبغها على الخليفة الطائع والخليفة
القادر وبها الدولة والصاحب بن عباد ووالده هي التيكثف بها
المثير والجميل ودفعه الى مقدماتها، كانه يريد ان يستودع
قصائده المدحية مقدمات خاصة تمام الخصوصية.اضافة الى
تلك القصائد المهمة التي بكى واشتكى واستثار بها.
ويمكننا اعتبار قصائده المدحية نوعا من الهرب من السلطان
السياسي الذي كان يلاحق الطالبيين. فقد رسم الشريف،
اوالمح، الى ان مدائحه هي هروب من الشر ورقى او تعاويذ
تقيه وتقي والده من اذى الملوك. فيقول:
وما مدحتهم اني رجوتهم
لكنه عوذ من شرهم ورقى
لو اعتبرنا ذلك من صلب سيرته السياسية فاننا لا نستطيع ابعاد
مطالع تلك القصائد عن نزعة الترف الفني التي نماها فيشعره،
وبخاصة تلك القصائد الدافئة التي مدح بها والده الشريف، وهي
حوالى اربعين قصيدة في ديوانه الضخم. وقداتخذ من والده
رمزا للكمال المطلق واسقط تشهيه وتصوراته وما يتمناه من
السلطان العادل على شخص والده. حتىلنتسال بوصفنا
متلقين: هل كان والد الشريف الرضي على تلك الدرجة العالية
من الكمال؟
في تلك القصائد الطوال وظف الشريف قدرته الابداعية، لتجيء
مقدماتها زاهية راقصة متالقة بالوانها وخطوطهاوجاذبيتها
الخاصة:
لو صح ان البين يعشقه
ما استعبرت في السير اينقه
قمر على غصن يرنحه
مر اللحاظ، وليس يرشقه
طاطات لحظ العين حين خطا
والبين يرمقني ويرمقه
واذبت دمعي يوم ودعني
في صحن خد ذاب رونقه
ودعته والبدر تحسبه
متقاعسا في الفجر اعنقه
والليل يكبو فيه ادهمه
والصبح ينهض منه ابلقه
واللثم يركض في سوالفه
وتكاد خيل الدمع تسبقه
ما غرني يوم اللقا ولا
خدع ارتياح هواي ريقه
وعلمت حين نشرت مطرفه
ان الفراق غدا يمزقه
ويبتعد في هذا المطلع عن الدمن والاطلال. ويتوقف امام
الحبيبة لا يتعداها. ولم تخذله الشاعرية المرهفة ولا
العواطفالمتقدة. واستطاع ان يرسم الجديد الحديث في
عصره من الصور. وياتي بالمدهش الغريب على الشعر العباسي
نفسه.ولا يستطيع المتلقي ان يمر سريعا، ومن دون الوقوف
طويلا، على الصور التي لا سابقة للشعر بها مثل: استعبار
النوق.وطاطاة اللحظ. وتقاعس البدر. وركض اللثم. وخيل
الدمع. وخدعة الارتياح. وما اظن الشريف يقف من والده في
هذهالقصيدة الباذخة موقف ابن من ابيه. اي ليست عاطفة
الابوة ومشاعر الابن البار هي التي تتحكم في مسار القصيدة.
بلكان الشريف يغرف من مقلع المواجع والهموم الذاتية
والدينية والفكرية.. ذلك المقلع الذي كان يضيء مسيرة
الشريفبقبس كلما نظر اليه.
على انه يتخلى عن هذا النمط المترف عندما يخاطب العالم
بحماسة المقاتل او المدافع او المنافح. وتخلو القصيدة
منالاطلال، ومن الدمن، ومن الحبيبة واشكالات حضورها
وغيابها، ليدخل الى ما اراد الدخول اليه مباشرة. واكثر ما
يكونمتالما ومباشرا في الدخول الى همومه عندما ينشد
قصائد الرثا الموجعة الباكية، وهي بضع وستون قصيدة في
ديوانه،ما يدل على قابلية الشريف للتفجع والتوجع والبكا، وما
يؤكد ذلك قوله:
ما للهموم كانها
نار على قلبي تشب
والدمع لا يرقا له
غرب كان العين غرب
لو داع اخوان الشبا
ب مضت مطاياهم تخب
بل يكاد يشعر متلقيه انه ما ان يسمع بالفجيعة اوحالة الحزن
او محرض الوجع الا ويتدفق بالوجع والتفجع والبكا.وكثرة
مراثيه وتعازيه في الديوان تؤكد لنا ذلك. وتدلنا على موقعه من
الحزن والتفجع:
لنا كل يوم رنة خلف ذاهب
ومستهلك بين النوى والنوادب
ومثال آخر يدل على الموقع نفسه وعلى ان الشريف الرضي
واقف على قمة الحزن وانتظار النوائب:
تفوز بنا المنون وتستبد
وياخذنا الزمان ولا يرد
وتكاد لا تخلو قصيدة رثا او عزا من هذه الاشارات المحزنة
الى المواجع والمآسي التي تلم بل البيت والتي احسنالشريف
الرضي اضاتها وترجمتها.
نقا العشق
كان حضور المراة، في الشعر العربي، هاجسا حادا وشغلا شاغلا
للشعر وللنقد على امتداد التاريخ. ولن يعثر المتلقيعلى شاعر
واحد في التاريخ العربي تجاوز الانثى ودفع شعره خلوا من
المراة، حتى اولئك الشعرا الذين شغلهم الزهدوالحكمة
كابي العلا المعري. او الذين شغلهم المجد والبطولة والبحث
عنهما كابي الطيب المتنبي. وكانت المراة بوابةالشعر
الجاهلي. واستمر حضورها حتى الان في الشعر العربي باشكال
متعددة.
ومنذ القدم كانت المراة تتقلب على القوافي في حالتين
تفترقان وتمتزجان. حسب موقع الشاعر وجراته ومكانته
ومدىرغبته وتشهيه. وهما: حضور جسدي حسي صارخ.
وحضور عفيف شفاف يتسم بالبعد الروحي والنفسي بعيدا
عنالجسد ومثيراته واثارته.
ولا يشذ الشريف الرضي عن الخط الفني للشعر العربي عبر
التاريخ. فلم تغب المراة عن شعره. ولم يجد مناصا من
رقيقالسجال ونقي الهوى في القصيد. ليحمل شعره نكهة
الانثى ومشاغل القلب وتشهي النفس، وجاذبية العشق.
ولكنهالعشق الذي لا يخجل العذارى اذا اطلعن عليه، ولا يحرج
ربات الخدور اذا سمعن قصائده.
واذا كان الشعرا القدامى صنعوا من هيئة الانثى مدخلا الى
القصيدة، كما الفنا في مطالع قصائدهم. وهذا ما صنعهالشريف
الرضي في معظم قصائده، فاننا نعثر على قصائد غزلية تامة
لدى الشريف فيها التذكر والتشوق والتشهي، مندون ان
نلمس اثرا لجسد المراة او مثيراتها العشقية. والشريف الرضي
يصرح بحبه العفيف الخالي من الفحشا والريبةفي تلك القصائد
التي افردها للغزل. فيطلعنا على النظرة والحوار الخالي من
الريب، وعلى الجلسة التي لا اثر فيها للمسةاو قبلة او عناق
كما لمسنا وراينا لدى الاعشى مثلا، وامرىء القيس، والنابغة،
وعمر بن ابي ربيعة وغيرهم. واذا انشدناقصيدة غزلية للشريف
فانما ننشد شعرا لا تخجل العذارى من سماعه وحفظه.
وسنحاول الوقوف على نص لقصيدةكاملة كما دونها كاتب
الديوان. واخترناها قصيرة بالطبع حتى لا نثقل الدراسة
بالنصوص الطويلة. وهي، على امتداد ستةعشر بيتا هي كامل
بنائها، قادرة على اعطائنا صورة متكاملة الخطوط للغزل الذي
اعتمده الشريف الرضي في شعره:
يقر بعيني ان ارى لك منزلا
بنعمان يزكو تربه ويطيب
وارضا بنوار الاقاحي صقيلة
تردد فيها شمال وجنوب
واي حبيب غير الناي شخصه
وحال زمان دونه وخطوب
تطاولت الاعلام بيني وبينه
واصبح نائي الدار وهو قريب
لك اللّه من مطلولة القلب بالهوى
قتيلة شوق والحبيب غريب
اقل سلامي ان رايتك خيفة
واعرض كيما لا يقال مريب
واطرق والعينان يومض لحظها
اليك وما بين الضلوع وجيب
يقولون: مشغوف الفؤاد مروع
ومشغوفة تدعو به فيجيب
وما علموا انا الى غير ريبة
بقا الليالي نغتدي ونؤوب
عفافي من دون التقية زاجر
وصوتك من دون الرقيب رقيب
عشقت وما لي يعلم اللّه حاجة
سوى نظري والعاشقون ضروب
وما لي يالميا بالشعر طائل
سوى ان اشعاري عليك نسيب
احبك حبا لو جزيت ببعضه
اطاعك مني قائد وجنيب
وفي القلب دا في يديك دواؤه
الا رب دا لا يراه طبيب
سرى لك من اوطانه كل عارض
تضاحك فيه البرق وهو قطوب
ولا زال خفاف النسيم مرقرقا
عليك، وانوا الغمام تصوب
هذا النمط المترف الشفاف، في لغته وموسيقاه وصوره وتناسق
انغامه وتتابع مراميه وتماسك بنيانه، هو تطوير فنيلشعر
المدرسة العذرية التي وصلت الى قمة عطائها في العصر
الاموي. ومثل هذا النص بتالقه يذكرنا بعدد من
الشعراالعذريين الكبار. ولكنه يتجاوز الشعر العذري باضافة
مسحة الايمان عليه. وهذا اكثر من طبيعي وقد صدر عن
رجليعتبر آل البيت اهله، وهو وارث تقاهم وعفافهم وموقعهم
من الرسالة الزهرا.
وقد تجلى اثر الشعر العذري، في هذا النص الذي نقلناه كاملا،
ليس باللغة والصور وحسب، بل في موقف الشاعرالعذري من
حبيبته. فالحبيبة بعيدة قريبة. وهو يعشقها بنظره لا غير.
وهذان الموقفان اهم ميزات الحب العذري الذيافاد منه
شعرا الصوفية في ما بعد، ولعبوا افضل ما يكون اللعب واعذبه
بصوره ومفرداته.
وهذا النص، الى جانب نصوص اخرى، يطلعنا على حالات
العشق التي عاشها الشريف الرضي. وعن تشهيه العفيفالنقي
للانثى. وكيف ابتعد عن وصف الجسد ومثيراته. حيث ترك لنا
حرية التقدير والتخمين والرسم لتلك الانثى التيعشقها. والتي
يراها ظبيا يسحب عليه خصائص الانثى المعشوقة. ويراها كما
يريد ان تكون قصيرة الخطو طويلة الثوبطيبة الحديث. تنفر
من الريبة نفوره منها:
وبين ذوائب العقدات ظبي
قصير الخطو في المرط المذال
ربيب ان اريغ الى حديث
نوار ان اريد الى وصال
وحتى في قصائده التي رسم فيها وضعا عشقيا مثيرا، ظل بعيدا
عن اي اقتراب من وصف الجسد. محتفظا بنقاالفرسان
العشاق وعفافهم. وان كانت هذه القصائد التي رسم بها العناق
والقبل وارتشاف كؤوس الهوى نادرة جدا فيشعره.
وفي احدى قصائده الغزلية، نرى هيئة القصة وجاذبية السرد،
وبنا يشبه ابنية القصص الشعري الذي الفناه عند عمر بنابي
ربيعة الذي اشاد قصص مغامراته وعلاقاته العاطفية في بنا
قصصي مشوق. لكن الشريف الرضي يصوغ قصتهالعشقية
باسلوب يحير القارىء ويدعوه للوقوف طويلا امامها. ففي
بدايتها، او مطلعها، يتذكر الشاعر ليلة السفح،ويتمركز حولها
لبنا قصة شعرية متكاملة السرد والمشهديات، باحساس شجي
مؤثر يجمع بين التمني والتذكرواستحضار الماضي من دون
ان ينسى تاكيد النقا والعفة والعلاقة النقية الطاهرة بينه
وبين الحبيبة. وبين لمسة اليد ولثمةالوداع نرى مشاهد من
الحجاز تتمثل بشجر العنم ووادي اضم، ما يدفعنا للتساؤل: هل
كان الشريف يشق طريقالمصطلحات الشعر الصوفي الذي
حيرنا هو الاخر ووضعنا في متاهات التخمين؟ وهل ((هي))
التي يخاطبها الصوفيونامراة حقيقية؟ ام هي ذات علوية ترمز
الى المقدس او الذات الالهية كما يقول شارحو الشعر الصوفي؟
وسنمر سريعابمقاطع القصيدة ذات الثمانية والعشرين بيتا
لنرى كيف وضعنا الشريف الرضي في متاهات التساؤل، ما يرفع
القصيدةالى عدة مستويات من التاويل.
في البدء:
يا ليلة السفح الا عدت ثانية؟
سقى زمانك هطال من الديم
ماض من العيش لو يفدى بذلت له
كرائم المال من خيل ومن نعم
ومع شجن التذكر والحنين الى هذا الماضي الذي استودعه
واقعة حبه، يطلعنا على المه من غياب الواقعة
والحاحالذكريات. وعتابه من يلومونه على تعلقه بواقعة تعذبه
وتضنيه. ليستحضر الظبية التي استوقفته فشغف بها الى حد:
لو انها بفنا البيت سانحة
لصدتها وابتدعت الصيد في الحرم
ولن تغيب عنا صورة الظبي والبيت والحرم بوصفها جزئيات
شغلت مساحة عريضة في شعر الصوفيين. ليفاجئنا
بصورةالعشق الحقيقي التي لمسناها ورايناها لدى شعرا الحب
الجاهليين والاسلاميين عبر عصور اربعة، هي وفق
التقسيمالمدرسي للادب العربي: الجاهلي. والاسلامي.
والاموي. والعباسي. وهي صورة نوم الحبيبين من دون لمس
او ريبة اوفحشا، لكنه نوم بثوبي هدى وتقى:
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى
يلفنا الشوق من فرع الى قدم
وفي هذا المشهد العشقي الواضح بهواه وتقاه يفاجئنا الشريف
بصورة البرق فوق اضم. واضم واد في المدينة المنورة.ليفاجئنا
مرة اخرى بعد بالصورة الحجازية التي يغسلها الطيب:
يثني بنا الطيب احيانا، وآونة
يضيئنا البرق مجتازا الى اضم
اجل بعد هذه الصورة، المجللة بقدسية المكان، يدفعنا الى
رؤية صورة اخرى فيها عودة الى الوضع العشقي الواضح.فيها
لمس كف، وفيها ما يشعر متلقيها او مشاهدها بنكهة الحب
المالوفة:
والمستني -وقد جد الوداع بنا-
كفا تشير بقضبان من العنم
و الثمتني ثغرا ما عدلت به
اري الجنى ببنات الوابل الرذم
لينهي النص المتوهج بقناعته والحاحه على تلك الواقعة التي
لا يستطيع نسيانها. ويطلب من احبته ان لا يذكروهبغيرها.
العشق الاخر
ان الصور والحالات والمفردات التي استخدمها الشعرا
العذريون هي نفسها المفردات التي استخدمها شعرا
الصوفيةاللاحقون. واي متتبع لمسيرة الشعر العربي يهون
عليه ويسهل رؤية الخطوط الدقيقة التي تربط بين شعر
العشاق العذريين و شعر الصوفيين.
ونحن ، بين يدي الشريف الرضي، وقفنا امام نماذج من شعر
الحب لديه. وكيف كان يتمنى، ويتشهى، ويتذكر كسائرالعشاق.
وكيف دفعنا لنرى ذوب قلبه وحرارة انفاسه وهو يرسم شوقه
وحنينه ولوعته حيال الانثى المعشوقة التي قلناعنها انها غائبة
عن الشاعر العربي باستمرار. لكنها حاضرة في شعره الذي هو
ترجمة احاسيسه باستمرار. ورسم ابداعيللمراة التي يتخيلها.
|