الصفحة السابقة

الصفحة التالية

لكن الشريف الرضي الذي جمع بين اصالة الانتما وفنية التعبير وعمق الايمان وشهوة العاشق، تمكن من اقناعنا اولابانه يعشق المراة كسائر الشعرا ويترجم هذا الهوى في قوافيه المترفة برقتها واسلوبها ورشاقة ادائها. يقدم نمطا من‏الشعر العشقي الذي لا ينتمي الى الانثى. بل هو واقع بين الدمعة والابتسامة، بين الحزن والفرح. بين السما والارض،بين اوائل اهل البيت واستمرار العصور. وهو ليس مديحا لال البيت ولا بكا عليهم، ولا مراثي لقتلاهم كما كتب شعراالشيعة عبر العصور. لكنه شعر عشقي يخاطب الذات المؤنثة، ويتذكر الاحبة، بلوعة العشاق الواجدين. حيث لا انثى‏ولا احبة ولا لقا ولا فراق. ولا اي حال من احوال العشاق. بل هو نفحات روحانية تتلمس مواقع القداسة في الحجازونجد المكانين اللذين اسقط عليهما شعرا الصوفية المتاخرون كل مواجعهم الروحية والنفسية، ونشروا فوقهما اجمل‏قصائد الشعر الصوفي في تاريخ الادب الاسلامي لا العربي وحسب.

والذي يدفع المتلقي او الناقد لاعتبار هذا اللون من الشعر شعرا عشقيا هو: التوجه، والمفردات، والمصطلحات العشقية‏والمناخ العام الذي تتحرك القصيدة فوقه وبين حدوده. فنرانا امام كلمات مثل: الوجد. والعشق. والشوق.

والنوى.واللقا. اضافة الى النظرات. والطيب. وغيرها من الجزئيات التي وظفها شعرا الحب العذري والحب الحسي الجسدي‏في شعرهم. لكن توظيف هذا الحالات جا جديدا بتفرده ووضعه. واي قصيدة من هذا اللون الذي طرقه الشريف‏الرضي، تدلنا عى حداثة التوجه وفرادة البنا. وتمازج الاشواق بين الحنين الى مواضع الاحبة والحنين الى مواضع‏القداسة في الاسلام، بصورة قد تلتبس على المتلقي لولا التنبيهات الحادة التي تتوهج في النص: ولقد اقول لصاحب نبهته فوق الرحالة، والمط‏ي رواقي: اوما شممت بذي الابارق نفحة خلصت الى كبد الفتى المشتاق فجنى نسيم الشيح من نجد له حرق الحشى وتحلب الاماق آه على نفحات نجد انها رسل الهوى وادلة الاشواق اسقيت بالكاس التي سقيتها؟ ام هل خطتك الي كف الساقي؟ من خلال النفحة الروحانية التي نتحسسها خلال قراة هذا النص، يتبادر الينا ان الشريف، على رغم توظيف‏المصطلحات العشقية، لا يخاطب امراة ولا يتشوق للقا حبيبة ولا يشكو فراق عشيقة. بل هو يتلمس المواقع والاثارالمقدسة، حيث النبوة وموقع الوحي ومهبط القرآن الكريم. وتتضح النزعة الدينية ذات البعد الصوفي في مقطوعة تالية‏هي جزء من نمط نماه الشريف ليكون اساسا او منهلا لشعرا الصوفية اللاحقين.

ففي ستة ابيات يخاطب صاحبه، وهي‏واقعة مالوفة في الشعر العربي القديم، فيطلب منه ان يقرا السلام ويبلغ اهل المصلى الذين وقعوا موقع الاحبة هنا،شوقه وضياع قلبه لديهم، ويوصيه ان يبكي نيابة عنه.

فنجد انفسنا في خضم حالة من الشجن والشوق والحزن، ونحن في بعض المواقع ذات القداسة، لما ترمز اليه من تاريخ‏الدعوة اولا. وبما اكتنز فيها من الرموز على مر التاريخ ثانيا. فاثراها. فالمصلى والحيف ومنى مرتكزات تراثية مثقلة‏بالعمق الروحي: ايها الرائح المغذ تحمل حاجة للمعذب المشتاق اقر عني السلام اهل المصلى وبلاغ السلام بعد التلاقي واذا ما مررت بالحيف فاشهد ان قلبي اليه بالاشواق واذا ما سئلت عني فقل نضو هوى ما اظنه اليوم باق ضاع قلبي فانشده لي بين جمع ومنى، عند بعض تلك الحداق وابك عني فطالما كنت من قبل اعير الدموع للعشاق ولن يغيب، عن اي متلق لهذا النص، قدرته التاثيرية وبعده الروحي ورشاقة توظيفه بعض مصطلحات العشق في التعبيرعن وجده، وعن استغراقه في الحزن الذي يغسل الانفس والقلوب، فيظهرها من شوائب العيش وعذاب الغربة.

وتحتل الظبا واعينها مواقعها في شعره الروحاني ذي النزعة الصوفية. حيث تنتقل من مواقعها القديمة بوصفها مثيرات‏لذكريات الاحبة. ومشبهات للحسان بطول اعناقها وسعة عيونها وذعرها احيانا. ويوظف الشريف كل ما توحي به لفتات‏الظبا ورفع اعناقها وخطوها ليزجها، برشاقة ودراية، في الشعر الصوفي رموزا شفافة لا تغيب معانيها عن متذوق الشعروالخبير باسرار ابداعه. فنطلع على انماط لا يفصل بينها وبين الغزل بالمراة والتقرب الى الاحبة الا الاحبة انفسهم‏بوصفهم ذوات مقدسة لها مواقعها في خيال المؤمن واحلامه وتصوراته وقناعاته الدينية. حيث تتمازج صور الظبا بها.وهي تتنقل برؤيا الشاعر بين الاماكن ذوات الوقع القدسي في ذهن المسلم المؤمن: من معيد لي ايامي بجزع السمرات؟ وليالي بجمع ومن ى والجمرات وظبا حاليات كظبات عاطلات رائحات بجلابيب الدجى مختمرا راميات بالعيون النجل قبل الحصيات كم ناى بالنفر عنا من غزال ومهاة آه من جيد الى الدار كثير اللفتا وبقدر ما وارى تشهياته العشقية ونزوعاته بوصفه شاعرا فارسا، وما يتمناه من الانثى المعشوقة، بقدر ما وارى واخفى‏هذه النزوعات ورا الرموز والصور الشفافة، ولم يرسم المراة الا وهي في ثوب التقى والعفاف. كذلك وارى كائناته‏المقدسة واخفاها خلف الرموز العشقية والصور التي توحي باكثر من دلالة ومعنى. لكنه لم يتخل عن التمسك بالاماكن‏التي توحي بالبعد الديني، كنجد. والحجاز. والبيت. والمشعر الحرام. ومنى. وقد رصع قصائده ذات البعد الروحاني‏بتلك الاسما الموحية، فجات كاشراقات الضوء في عتم الرموز -اذا كانت رموزه ذات بعد معتم- وهو بين هذه الرموزوتلك المواقع على طول قصائده الروحانية التوجه: اقول لركب رائحين: لعلكم تحلون من بعدي العقيق اليمانيا خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى ونجدا وكثبان اللوى والمطاليا ومروا علي ابيات حي برامة فقولوا: لذيع يبتغي اليوم راقيا عدمت دوائي بالعراق. فربما وجدتم بنجد لي طبيبا مداويا وقولوا لجيران على الخيف من منى تراكم من استبدلتم بجواريا؟ ومن حل ذاك الشعب بعدي وراشقت لواحظه تلك الظبا الجوازيا؟ فالعقيق ونجد وكثبان اللوى والمطالي ورامة والخيف ومنى...

جميعها اماكن ذات ثقل تاريخي يوحي بقدسية المكان.وكلها محملة بالبعد الايماني لما مر عليها من رجال واحداث. ولما ذكرتها المظان الاسلامية. وكلها ستتحول من بعدالشريف الرضي الى رموز في الشعر الصوفي الاسلامي. ومن يقرا ديوان عمر بن الفارض وديوان: ترجمان الاشواق‏لمحيي الدين بن عربي يعرف كيف افاد الصوفيون من الشعرا الكبار الذين سبقوهم كالشريف الرضي، من دون ان نغفل‏الشعرا العذريين الذين زودوا شعرا الصوفية بتراث غني من رموز الحب ومصطلحات العاشقين. وفي بعض الاحيان‏تتداخل الحالتان: حالة العشق الانثوي وحالة خطاب المقدس والهيام الالهي، في القصيدة الواحدة الى حد يصعب فيه‏على الناقد ان يصف القصيدة او يعرف انتماها وهي من الحالات المحيرة والتي تربك الناقد في شعر الشريف الرضي.لنجد انفسنا امام نص شعري فيه لوعة العاشقين ودف‏ء المشتاقين وحيرة المبعدين عمن يحبون. كما نلمس فيه التشهي‏ولوعة الفراق. وفي الوقت نفسه يخامرنا شعور بعمق الايمان وقداسة التناول. كما نرى تمازج لهفة العاشق المتشوق‏بحرمة الرموز المكانية ذات البعد الديني او التي اكسبها السلف ذلك البعد الديني الروحاني المؤثر. وسنقف وقفة‏خاطفة امام نص شكله الشريف في تسعة ابيات. وفي هذا النص قد نلاحظ كثافة الترميز، كما سنلاحظ التمازج‏والتداخل بين الحالتين اللتين اشرنا اليهما: يا قلب، ما انت من نجد وساكنه خلفت نجدا ورا المدلج الساري راحت نوازع من قلبي تتبعه على بقايا لبانات واوطار اهفو الى الركب تعلو لي ركابهم من الحمى في اسيحاق واطمار تضوع ارواح نجد من ثيابهم عند النزول لقرب العهد بالدار يا راكبان قفالي واقضيا وطرى وخبراني عن نجد باخبار هل روضت قاعة الوعسا ام مطرت خميلة الطلح ذات البان والغار ام هل ابيت ودار عند كاظمة داري. وسمار ذاك الحي سماري ايام اودع سري في الهوى فرسي واكتم الحي ادلاجي واخطاري فلم يزالا الى ان نم بي نفسي وحدث الركب عني دمعي الجاري صور اهل البيت محفزتان اثنتان كانتا تلحان على الشريف الرضي ليتفجع على آل البيت، ويتفجر قهرا عليهم وصبا وشوقا الى منازلهم،وهما: تشيعه لهم بوصفه واحدا من كبار رجال الشيعة. ونسبه المتحدر منهم. وكان يعتبر الامام عليا(ع) جده.

وتعانقت‏المحفزتان في ذاته، وتغلغلتا في نسيج شعره.

واذا كان الشريف قد تغزل او وصف او مدح او رثى، فهو في كل تلك الحالات متيقظ باتجاه آل البيت. لا ينساهم ك‏آل‏البيت، ولم يغب عن ذهنه، ولا في اي موقف، انهم اجداده وهو وريثهم وحامل ميراثهم الديني والفكري والادبي.ومستوزر مواجعهم.

وكان، على امتداد شعره، شديد الفخر بنسبه، معتدا بنفسه متعاليا على ممدوحيه -احيانا- كما فعل المتنبي من قبله.وربما تجاوزه في نظره الى ذاته ورسمه موقعه ونسبه وعلياه يوم امتدح الخليفة القادر بواحدة من اطول قصائده‏واشهرها. فراى انه والخليفة في موقع واحد ومن دوحة واحدة. وبالحاح شديد ساوى بينه وبين الخليفة في مجلسه،وهو يخاطبه، ما اعط‏ى لهذا الموقف بعدا خاصا: عطفا امير المؤمنين فاننا في دوحة العليا لا نتفرق ما بيننا يوم الفخار تفاوت ابدا. كلانا في المعالي معرق الا الخلافة ميزتك فانني انا عاطل منها وانت مطوق وهذا الفخر الذي دفعه للتعالي على الخليفة، كان يرافقه في كل شعره. وقد انشا مجموعة من القصائد الذاتية البعيدة عن‏المديح وعن الرثا وعن الغزل، كان يصف فيها كبرياه ومعاناته والمه ومواجعه وموقعه من قضايا عصره. ويرى نفسه‏في موضع القلب من آل البيت ومن الرسالة الاسلامية ومن شرف النسب. ولهذا: ارى نفسي تتوق الى النجوم ساحملها على الخطر العظيم اليس وريث آل البيت وحفيد الامام الذي: ان ابانا الذي سمعت به اسس في هضبة العلى وبنى طلابنا المجد من ذوائبه روحنا بعد ان اضر بنا ناخذ من جمة العلا ابدا ما اخذ الضرب من جماجمنا حتى في حالة الحزن والتفجع يتمسك بكبريائه ويفخر بذاته ونسبه وموقعه. فالمتنبي رثى جدته بقصيدة من اجمل‏مراثي الشعر العربي، وراى انه يكفيها فخرا، وان لم تكن بنت اعظم والد في الدنيا، انها امه. وياتي الشريف الرضي‏ليضيف هذه الصورة الى صور الفخر والاعتداد بالذات، عندما رثى والدته فيقول عنها: شهد الخلائق انها لنجيبة بدليل من ولدت من النجبا وهو عندما يخاطب والده مسامرا، او مادحا، او معايدا، او مهنئا، يتانق في رسم صور الفخر بابيه وسلالته من دون ان‏ينسى نفسه بالطبع. بل هو في الصدارة من جميل هذه الصور التي يرسمها. يقول لوالده في احدى قصائده: فتى صحب الباس الندى في بنانه بفيض العطايا والدما السوارب لامجد فرع من عرانين هاشم وانجب عود من لؤي بن غالب لهم سرة المجد التليد وسره ومحض المعالي فيهم والمناقب وهو يرى هذا الفخر بديهة ما دام يرى نفسه متحدرا من اطهر الاعراق واطيب النسب واطهر الابا. ولا يغفل لحظة على‏امتداد شعره كله عن الاشادة بهذا النسب، وما اوكل الى ابنائه من حمل المهمات في الملمات، ولا عن الم‏آسي التي‏تعرضوا لها على امتداد التاريخ. ففي معايدته لوالده مثلا لا ينسى ان يؤكد ويلح على انهم: بنو عم النبي واقربوه والصقهم به عرقا لبابا على بيد الحسين ذؤابتاها وفرعاها اللذا كثرا وطابا وفي معظم شعره -بل في كل شعره ما عدا استثناات في بعض قصائده- يذكر الدنيا بان امير المؤمنين والده. وان النبي‏جده.

ومن خلال هذا الموقع الذي يتبوؤه ويرعى حرمته ويسهر على الفخر به. كيف خاطب آل البيت؟ وكيف خاطب‏الحسين بن علي؟ صحيح ان الشريف الرضي يشير الى آل البيت ويشيد بهم عبر كل قصائده كما كان يربط الفخر بنفسه بهم. وصحيح انه‏كان يشير الى مسيهم بحزن وتفجع، وانه يفجر ومضات محرقة نحو الزمان ونحو اعدا آل البيت ونحو من سلبوهم‏حقهم الطبيعي في ممارسة السلطان السياسي. وهو في كل شعره شيعي حتى العظم لم يغفل لحظة واحدة عن التنبيه‏والاشارة الى موقعه.

وكان اكثر ما يكون اشادة والتصاقا بل البيت في قصائده التي خاطب بها والده، وهي بحدود اربعين‏قصيدة. وصحيح كذلك ان حالة الرثا كانت تثير احزانه ومواجعه حيال آل البيت. لان الاسى يبعث الاسى كما قال‏متمم بن نويرة عندما عاتبه صحبه على دوام حزنه وكثرة بكائه على اخيه مالك: وقالوا: اتبكي كل قبر رايته؟ لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟ فقلت لهم: ان الاسى يبعث الاسى دعوني فهذا كله قبر مالك هكذا كان شان الشريف في مراثيه. لكن كيف ابدع القصائد التي افردها لال البيت. لا تلك التي اشار بها الى آل البيت‏اشارات خاطفة؟ مبدئيا لابد من التذكير بموقفه الرثائي التفجعي الحزين الذي نذر نفسه وعمره له. وقد جا باجمل واروع مما جا به‏متمم بن نويرة، يوم تخيل ان لائمة تلومه على حزنه الطويل وتفجعه الدائم كانها تواسيه بان المقيم على الحزن لا عذرله، لان الحزن حالة تطرا وتغيب. فتدفعه بالملامة ليتزود من ملذات العيش وهناات الحياة. فيجيبها: ورب قائلة -والدمع يتحفني بناظر من نطاف الدمع ممطور-: خفض عليك فللاحزان آونة وما المقيم على حزن بمعذور فقلت: هيهات! فات السمع لائمه لا يفهم الحزن الا يوم عاشور يوم حدا الظعن فيه لابن فاطمة سنان مطرد الكعبين مطرور ولا يتوقف عن الحزن والتفجع والبكا. وعن التذكير بالحيف والغبن اللذين رافقا اجداده. وفي هذه القصيدة الشجية‏الطويلة لا يكتفي بالرد على لائميه. بل يخاطب جده عليا او الحسين او من جا من بعدهما من الائمة، تاركا لنا التخمين-ربما- ليشدنا الى غموضه اكثر. وكانه يعتذر له عن الهم الذي يؤرقه فيحرض دمعه ويزيد وجده: يا جد لا زال لي هم يحرضني على الدموع ووجد غير مقهور وحتى يعلل حزنه امام هذا الجد الذي يخاطبه، يضع قراره الحاسم حول ثباته في دوامة الحزن والتفجع. وان السلو اوالنسيان او السرور حالات محرمة عليه، وان كانت جائزة لغيره: ان السلو لمحظور على كبدي وما السلو على قلب بمحظور ومن هذا الموقع الفجائعي استطاع ان يسخر شاعريته المتوقدة وحسه الابداعي المتقدم في ابداع ملاحم مكثفة لال‏البيت تدور حول فجيعة كربلا اولا. ومنها تتفرع لتغط‏ي المظالم التي تعرض لها الطالبيون. وكان يرى في بني امية مثارالنقمة والسخط والغضب.

ولانه لا يمكن دراسة القصائد التي كتبها لال البيت واستقصائها في مثل هذه الدراسة، لابد من الوقوف امام واحدة منهانراها جزءا من ملحمة آل البيت. وهذه القصيدة مصاغة على ايقاع البحر الخفيف ذي التموجات الموسيقية المتعانقة.والتي تشعرك بتواصل الحالة الشعرية من دون انقطاع طوال النص.

الشريف يخاطب الحسين بن علي في هذه القصيدة. ويفتتحها بمطلع يمكن ان نصفه بشعر الحكمة. الذي وصل‏الشريف اليه بعد تجربته الايمانية والشعرية. وارتقى الى حالة الصفا الروحي.

وبعد ذوبانه فكريا ونفسيا بقضية آل‏البيت. وحاول ان يطرح نظرته في الحياة والموت وفي عبثية الحياة التي تاخذ وتدفع وتغتال وتغيب بلا تفكير. وربماعشقه غير المحدود بوصف الحسين هو الذي اوصله الى هذه النقطة من تجسيد العبث.

وعبر اثني عشر بيتا، نسميهامطلع القصيدة، كان يتدفق بالحكمة كالينبوع. فكل بيت منها مثار للتفكير. وفي حكمته، او نظريته في الحياة والموت،كان يوظف جزئيات البيئة ومفرداتها، ما يعزز جمالية القصيدة ويغنيها بالتفرد: راحل انت والليالي نزول ومضر بك البقا الطويل لا شجاع يبقى فيعتنق البيض ولا آمل ولا مامول غاية الناس في الزمان فنا وكذا غاية الغصون الذبول انما المرء للمنية مخبوء، وللطعن تستجم الخيول من مقيل بين الضلوع الى طول عنا وفي التراب مقيل فهو كالغيم الفته جنوب يوم دجن، ومزقته قبول عادة للزمان في كل يوم يتناى خل، وتبكي طلول الليالي عون عليك مع البين كما ساعد الذوابل طول ربما وافق الفتى من زمان فرح، غيره به متبول هي دنيا. ان واصلت ذا جفت هذا. ملالا.. كانها عطبول كل باك يبكى عليه، وان طال بقا. والثاكل المثكول والاماني حسرة وعنا للذي ظن انها تعليل ظل الشريف الرضي في بيئة الشعرية العربية وفي منافها يمتح من زادها ويغترف من مقالعها. وظل الشاعر الوارث لمن‏سبقه جزالة واناقة ورقة وصدقا فنيا بالغ القيمة. وبعد هذه المقدمة التي يراها مدخلا لمخاطبة ابن بنت رسول اللّه. وبعدان يلمح الى عبثية الموت الذي لا يعرف كيف يغتال ومتى، يدخل الى جسد القصيدة بدموعه واناته وزفراته وادعيته‏وحرارة ايمانه.

ولان يوم عاشورا هو يوم الماساة الحسينية في التاريخ، يبدا الانشاد متمركزا في يوم عاشورا. ومن هذااليوم الماساوي المفجع يسرد بلغة بالغة الكثافة تاريخ آل البيت، ما يحول القصيدة من موقع الغنائية الصاخبة الى‏القصيدة الملحمية ذات السرد المتميز: ما يبالي الحمام اين ترقى بعدما غالت ابن فاطم غول اي يوم ادمى المدامع فيه حادث رائع وخطب جليل يوم عاشورا الذي لا اعان الصحب فيه ولا اجار القبيل ياابن بنت الرسول ضيعت العهد رجال.. والحافظون قليل ما اطاعوا النبي فيك وقد مالت بارماحهم اليك الذحول واحالوا على المقادير في حربك لو ان عذرهم مقبول واستقالوا من بعد ما اجلبوا فيها. االان ايها المستقيل؟ ان امرا قنعت من دونه السيف لمن حازه لمرعى وبيل يا حساما فلت مضاربه الهام وقد فله الحسام الصقيل يا جوادا ادمى الجواد من الطعن وولى ونحره مبلول حجل الخيل من دما الاعادي يوم يبدو طعن وتخفى حجول يوم طاحت ايدي السوابق في النقع وفاض الونى وغاض الصهيل ان هذا النص، وما تبعه، بداية طبيعية لنسيج ملحمي متقدم، لكنه شديد الكثافة اللغوية والخصوبة الشعرية كعادة‏الشريف الرضي في سائر شعره. يتبع هذا القسم بيتان لا غير يتدخل فيهما بحسه الشخصي المباشر. فيقطع السردالملحمي ليحدث متلقيه عن مشاعره المتوقدة حيال الحديث الجلل في يوم عاشورا. اما البيتان فهما: اتراني اعير وجهي صونا وعلى وجهه تجول الخيول؟ اتراني الذ ما ولما يرو من مهجة الامام الغليل؟ وعلى الرغم من واقعة التفجع. وما يوحي به هذان البيتان من نبل الاحساس وخصوصية القربى والاندفاع نحو الفدا،بل تشهي الفدا. وعلى رغم القيمة الشعرية لهما، نراهما فاصلة باكية في سياق السرد الملحمي. ثم يستانف السرد.والبيتان لا يفسدان التواصل السردي المتتابع. لكنهما يشعان ببريق خاص.

ويوقظان المتامل في مسيرة الحدث‏الملحمي. ليستانف هو الاخر قراة السرد، على اننا لو انتزعنا البيتين من القصيدة لا تخسر القصيدة الملحمية شيئا من‏بنائها المتقن. ويظل البيتان عملا شعريا قائما بذاته: قبلته الرماح وانتفلت فيه المنايا وعانقته النصول والسبايا على النجائب تستاق وقد نالت الجيوب الذبول من قلوب يدمى بها ناظر الوجد ومن ادمع مراها الهمول قد سلبن القناع عن كل وجه فيه للصون من قناع بديل وتنقبن بالانامل، والدمع على كل ذي نقاب دليل وتشاكين والشكاة بكا وتنادين والندا عويل لا يغب الحادي العنيف ولا يفتر عن رنة العديل العديل اظن ان خاصية السرد الملحمي المكثف توقفت هنا لتتخذ القصيدة منحى آخر نسميه المنحى الذاتي. وقبل الدخول‏في القسم الذاتي المتبقي من القصيدة لابد من تاكيد بعض الخصائص التي حملها الجزء السابق. ومن هذه الخصائص:حضور المشهدية. والنفس الدرامي في الابداع. فالشريف وبحسه المرهف ورؤياه المشرقة ورؤيته الثاقبة، تمكن من‏اقناعنا انه شاهد من شهود عاشورا. كما استطاع ان ينقل ما يراه على ارض كربلا، من الفجائع والكوارث والم‏آسي،الى اللغة الشعرية لنراها نحن بدورنا. وقارى‏ء هذا النص يقرا. لكنه لا يقرا وحسب. بل يسمع ويشاهد ما ينشده الشريف‏وما يرسمه امامه. من حركة السيوف، ومن صهيل الخيول. ومن صليل الحديد. ومن رؤية الامام يمنع عنه الما.

ومن‏مشاهدة النسا وهن على النوق يسوقهن قتلة الحسين كالسبايا وهن باكيات يسترن وجوههن باناملهن. وهن بين الشكاية‏والبكا. وقد اكسب الشريف هذا المشهد حرارة خاصة هي التي نسميها الصدق الفني. ليثير تاثرنا الباكي حتى ليمكننان نرى المشهد كان احداثه تجري امامنا، والان.

في القسم التالي يلجا الشريف الى الخطاب. والاستثارة. والندا.

واستنهاض الهمم للثار ل ((بني احمد)) ويتخذ من صوته‏صوتا عاليا لقومه كانه يتحدث نيابة عنهم. اضافة للتذكير بقرابته من آل رسول اللّه. وتفجعه على مصيرهم. ووصف دقيق‏لحاله الجسدية والنفسية حزنا ووجدا وشوقا وحسرة كاننا نراه يتجرع الغصص وراهم.

ولغة القسم المتبقي هي لغة الشعر القديم بفحولته واصالته وقدرته على الاستمرار والبقا. ونقرا هذا القسم كاننا نقرا نصاشعريا من نصوص ايام العرب. تزينه -ضمن بنائه- احاسيس الشريف الرضي التي نتحسس منها اندفاعه الحار نحواجداده آل البيت. حيث يضع نفسه في خضم مسيهم.

ويذرف دموعه في خضم الدمع الذي ذرفه السابقون عليهم: يا غريب الديار صبري غريب وقتيل الاعدا نومي قتيل بي نزاع يطغى اليك وشوق وغرام، وزفرة، وعويل ليت اني ضجيع قبرك او ان ثراه بمدمعي مطلول لا اغب الطفوف في كل يوم من طراق الانوا، غيث هطول مطر ناعم وريح شمال ونسيم غض، وظل ظليل يا بني احمد الى كم سناني غائب عن طعانه ممطول؟ وجيادي مربوطة والمطايا ومقامي يروع عنه الدخيل ونصل الى بيت لا يستقيم مع جمالية القصيدة الا اذا كان منقولا او منسوخا بطريق الخطا. ومثل هذه الهنات واردة في‏دواوين شعرائنا السابقين نتيجة اغلاط النساخ والوراقين.

اما البيت فهو: كم الى كم تعلو الطغاة وكم يحكم في كل فاضل مفضول واي متذوق يدرك الخلل العروضي والارباك اللفظ‏ي وضحالة الاسلوب في هذا البيت كانه اما دخيل على القصيدة اواما مبتعد عن اصله. وهو يمثل قطعا حادا بين ما قبله وما بعده: قد اذاع الغليل قلبي ولكن غير بدع ان استطب العليل ليت اني ابقى، فامترق الناس وفي الكف صارم مسلول واجر القنا لثارات يوم الطف يستلزم الرعيل الرعيل صبغ القلب حبكم صبغة الشيب وشيبي لولا الردى لا يحول انا مولاكم. وان كنت منكم والدي حيدر وامي البتول واذا الناس ادركوا غاية الفخر ش‏آهم من قال: جدي الرسول يفرح الناس بي لاني فضل والانام الذي اراه فضول فهم بين منشد ما اقفيه سرورا وسامع ما اقول وبعد هذا التفجع والتفادي والفخر بقرابته من آل البيت. وبعد ان راى عليا اباه والزهرا امه ورسوله اللّه جده.

واعتداده‏بشعره الذي يرى الناس اما تابعين له واما سامعين.

بعد كل هذا يسوغ هذا التوجه الحار بخر ثلاثة ابيات من القصيدة‏بالرد على لائميه اذا كان ثمة من يلومه على افتدائه او تمنيه بالفدا. لان من يصفهم ويرسم مسيهم صفوة الناس وخيرة‏البشر: ليت شعري من لائمي في مقال ترتضيه خواطر وعقول اترك الشي‏ء عاذري فيه كل الناس من اجل ان لحاني عذول هو سؤلي ان اسعد اللّه جدي ومعالي الامور للذمر سول ووقوفنا امام قصيدة بكاملها موجهة الى آل البيت لا يعني انها الوحيدة من نوعها في شعر الشريف الرضي. بل قصدنا من‏الوقوف الاستدلال -لا غير- على النمط الشعري المتقدم الذي ابدعه الشريف في هذا المضمار. والذي يشكل بجملة‏نصوصه ملحمة هاشمية صيغت بلغة شعرية مترفة.

قراات اعادة تحريف التاريخ الاسلامي، قراة في كتاب ((اثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الاول الهجري))للدكتورالسلفي عبدالعزيز محمد نورولي. السيد محمد الكثيري ((يا اصحاب الحديث، انقذوا التاريخ الاسلامي، لا تنقذوه من تلفيقات المستشرقين واذنابهم من المستغربين فحسب،بل من بعض المؤرخين الاسلاميين الذين دخلوا ميدان التحقيق العلمي للتاريخ بلا سلاح، ورفعوا لوا ((اعادة كتابة‏التاريخ الاسلامي)) وهم يفتقدون ابسط اركان التحقيق العلمي)).

الباحث السعودي حسن‏بن فرحان المالكي قتمهيد هناك مجموعة من المعطيات والدوافع جعلت الدعوة الى اعادة كتابة التاريخ الاسلامي تاخذ بعدا متميزا داخل‏الاوساط الفكرية والثقافية، في العالمين العربي والاسلامي، ابتدا من مطلع هذا القرن، لتصبح مطلبا علميا ملحا، تم من‏خلاله انجاز مشاريع قراات جديدة لهذا التاريخ، بل لمجمل التراث الاسلامي. من هذه المعطيات اطلاع المفكر العربي‏والمسلم على مجموعة من الدراسات والبحوث انجزت في الجامعات الغربية، وعالجت التاريخ الاوروبي بمناهج‏علمية جديدة، وقد شملت هذه المعالجة بعض الابداعات العربية والاسلامية كذلك.

هذه الدراسات التحقيقية وما قدمته من افكار جديدة، وما اثارته من تساؤلات وعلامات استفهام مختلفة وكثيرة، كانت‏بمثابة تنبيه للمفكر العربي لياخذ المبادرة، وليقوم بنفسه بمعالجة تراثه الفكري الضخم والغني. طبعا لسنا، الان، في‏صدد متابعة هذه العملية لبيان خطواتها والتعريف بنتائجها، لكننا المحنا اليها لان عدة مشاريع ستنجز انطلاقا من فكرة‏اعادة كتابة التاريخ الاسلامي، لكن نتائجها جات رهينة المناهج والمنطلقات الايديولوجية التي تحكمت في اصحابها.لذلك فقد جات هذه المحاولات لتقدم لنا قراات مختلفة باختلاف المناهج: (مادية تاريخية، بنيوية، سلفية..الخ)،وبالتالي فاعادة الكتابة لم تهتم بالتحقيق والغربلة والتمحيص، واعادة صياغة الوقائع التاريخية، انطلاقا من منطق‏تاريخي يصحح، ويكتشف، ويسد الثغرات، ويجيب عن التساؤلات الكثيرة المعلقة، وما تخفيه وراها من حلقات‏مفرغة، لا يجد القارى‏ء المختص فضلا عن القارى‏ء العام، اجوبة شافية عليها. لقد سقطت الكتابات التاريخية الجديدة‏في انتقائية مقصودة غايتها كتابة تاريخ مشرق وحضاري بكل معنى الكلمة، وغض الطرف عن الجوانب المظلمة‏والسودا في هذا التاريخ. وان اضطر المؤرخ لذكر هذه الجوانب، فانه يشير اليها من دون التفصيل. وان كان هناك تفصيل‏فسيتبعه التسويغ والتشكيك والاستهانة بالاحداث والارقام. والنتيجة ان هذه الكتابات اسهمت في تعميق الحالة((السلفية؟!)) في وجدان الامة. واصبح التغني والبكا على اطلال ماض حضاري متفوق هو الدوا الشافي والمسكن‏الفعال الذي اخترعه هؤلا المؤرخون لعلاج ازمة التخلف الحضاري التي تعاني منها الامة العربية والاسلامية.

طبعا لا يمكن ان نحكم على نتائج هذه العملية التي انطلقت وما زالت تمشي بخط‏ى بطيئة نحو اهدافها، بسلبية مطلقة،لان عددا من هذه الكتابات، وان لم يتمكن اصحابها من اعادة صياغة وقائع التاريخ الاسلامي بمنطق ومنهج يقربها الى‏الحقيقة، ويبعدها عن الخرافة والتحريف، الا ان اصحابها نجحوا في تفجير الاسئلة المهمة والجيدة، التي ستشكل‏الاجابة عنها اهم الخطوات في اعادة كتابة التاريخ الاسلامي.

ليس هدفنا تثمين هذه العملية التي لها ايجابياتها الكثيرة لا محالة، لكن الملاحظ ان المشاريع التي انطلق اصحابها من‏خلفيات ايديولوجية ماركسية بالخصوص، قد اثمرت نتائج متهافتة، وان الاستفادة منها كانت ضئيلة جدا، وقد عرفت‏طريقها سريعا نحو النسيان والاهمال. الى جانب هذه المشاريع ظهرت مشاريع اخرى يمكن ان نسميها بالمشاريع‏السلفية لقراة التاريخ الاسلامي واعادة كتابته. وهذه المشاريع ليست جديدة في منهجها وغاياتها لانها تدخل ضمن‏الكتابات التاريخية والدينية التي توجهها الاختيارات المذهبية، لكنها اليوم اصبحت تشكل ظاهرة، خصوصا وقد انتشرالمذهب الحنبلي ((السلفي)) في الافاق، وهو يحاول اليوم جاهدا ان يقدم اختياراته المذهبية الفقهية والسياسية، على‏انها حقائق اسلامية مطلقة لا يحيد عنها الا ضال منحرف.

وفي ما ياتي جولة مع كتاب المذهب السلفي، وهم يحرفون‏التاريخ الاسلامي، تحت شعار اعادة كتابته، في محاولة لتوجيه هذه الكتابة الجديدة نحو التاكيد والدفاع عن الاختيارات‏السياسية للمذهب السلفي. والطعن في اختيارات خصومهم، والاجهاز عليها بالتشكيك والرفض، ونزع لباس الحقيقة‏والموضوعية عنها.

البحوث الجامعية في خدمة التحريف ظهرت، في الاونة الاخيرة، كتب ومقالات ودراسات كثيرة، تنحو باتجاه واحد، هو اعادة كتابة تاريخ ملوك بني امية‏باسلوب يهدف الى تنزيههم عن جميع الاخطا والجرائم التي اقترفوها، والطعن في جميع الروايات التي نقلها الرواة،والتي تتهم هؤلا الملوك، ابتدا من معاوية‏بن ابي سفيان، بالمسؤولية عن الاحداث الجسام التي عرفها تاريخ الاسلام‏مباشرة بعد وفاة الرسول(ص) وانفجار الفتن والحروب.

وهذا الطعن لا يحكمه المنهج العلمي الدقيق، بل يوجهه الحقدوالاختلاف المذهبي، اقول الحقد لان ما بين التيار السلفي وبين المذهب الشيعي الامامي، اكثر من اختلاف مذهبي‏نتيجة الاجتهاد، بل تحول الصراع بينهما الى حقد تاريخي طويل وفظيع. لقد ورث السلفيون الحنابلة، القدما منهم‏والمعاصرون، على اختلاف مشاربهم، الحقد الاموي على اهل البيت. لقد اعلن بنو امية، بعد انتصار زعيمهم الاول‏معاوية‏بن ابي سفيان واغتصابه الخلافة، حربا استئصالية شاملة على ائمة اهل البيت، وتمكنوا من قتل عدد منهم،ونكلوا باتباعهم ومحبيهم وقتلوهم انى وجدوهم، بذنب او بغير ذنب، لكن ملوك بني امية لم يتمكنوا من القضا على‏فكر اهل البيت وتراثهم العلمي والحكمي، بل استطاع هؤلا ان يحققوا الانتصارات المتتالية عليهم وعلى اتباعهم من‏الفقها والعلما. فلم يحدثنا التاريخ الاسلامي عن اي غلبة او انتصار في احتجاج او مناظرة قامت بين ائمة اهل البيت‏واتباعهم، وبين خصوصهم من اتباع بني امية وغيرهم.

لقد كانت الحجة الواضحة والقوية دائما الى جانب الائمة واتباعهم، لذلك وامام هذه الهزائم المتتالية، وهذا الافتقار الى‏الحجة والبرهان، اتجه اتباع بنو امية الى سلوك طرق ملتوية تحريفية وتمويهية علهم يحققون انتصارات وهمية، على‏فكر اهل البيت‏عليهم‏السلام وعلمهم وحججهم. لكن، ومع الحجم الكبير لعملية التحريف والوسائل الخفية والغريبة‏التي ركبها اتباع بنو امية لتغليف باطلهم بحقائق مزيفة، فان قوة الحقيقة ظلت ساطعة كالشمس، ما ان تتاح لاشعتهاالتسرب ورا الحيطان والحواجز، حتى تنير الدروب المظلمة وتبعث الدف‏ء والحرارة في الاماكن الرطبة والمتعفنة،فتنظفها وتطهرها من ادران الكذب والتحريف.

لقد كانت، وما زالت، حقائق مدرسة اهل البيت، والتي هي حقائق النبوة المحمدية كعصا موسى(ع)، ما ان تلقى حتى‏تبتلع اوهام السحرة وما جاؤوا به ليضلوا به الناس، وعند ذلك يهتدي من كتب عند اللّه سعيدا، وتزداد الغشاوة سمكاوقوة عند من تحكمت بهم الاهوا وتلاعبت بهم الشياطين لتصدهم عن الحق وعن السبيل القويم.

هناك العشرات من الدراسات الجامعية تتنوع بين بحوث تمهيدية لنيل درجة الماجستير في العلوم الاسلامية، ورسائل‏ماجستير واطروحات دكتوراه، انجزت خلال السنوات الماضية داخل الجامعات السعودية، كان الغرض منها اولاواخيرا، الانتصار لمذهب الحنابلة في الاصول والفروع، بالاضافة الى تزييف الحقائق التاريخية وتحريفها، دفاعا عن‏ظلم بني امية، والتستر عما ارتكبوه من جرائم في حق الاسلام والمسلمين والانسانية جمعا. وسنعرض بعد قليل‏لمجموعة من هذه الدراسات عند تعرضنا لذكر ما قام به الباحث السعودي حسن‏بن فرحان المالكي، الذي كشف عن‏خطة محكمة، الغرض منها تحريف حقائق التاريخ الاسلامي وقلبها.

كتاب: ((اثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الاول الهجري)) اول ما يثير انتباهنا، في مقدمة الكتاب وتمهيده، التعريف الذي وضعه المؤلف للشيعة الامامية، فهو مع اختصاره‏المتعمد، لا يترك مجالا للقارى‏ء الا الاعتقاد الجازم بان الشيعة فرقة منحرفة، غالية وضالة. وان المحققين والباحثين قداتفقوا على تسميتهم بالرافضة، لانهم رفضوا الخروج مع زيدبن علي عندما رفض البراة من الخليفتين الاول والثاني، كماطلبوا منه. وهذه الاحكام المطلقة التي تعودناها في الكتابات السلفية، مجرد وهم لا غير، لان التحقيق ينفيها وينقضها،وقد اثبت المحقق جعفر السبحاني، بان تسمية الشيعة بالرافضة سابق على ثورة زيدبن علي، لان كل من يرفض‏الحكم القائم، ويركب سبيل المعارضة يسمى رافضيا. فالرفض هنا مصطلح لا يختص بالشيعة، وانما يطلق على كل من‏امتنع عن الانصياع لحكومة او قيادة ما.

وعليه، فلا يوجد اي مسوغ علمي لاعطا الكلمة مفهوما اصطلاحيا يختص بالشيعة. كما نلاحظ كثرة الافتراات التي‏جمعها الكاتب وحشرها كانها حقائق لا تقبل النقاش، وانما ضرورة البحث العلمي اقتضت ايرادها لتذكير القارى‏ء بها!!كما يعتبر تقديم الامام علي(ع) على الخليفتين الاول والثاني غلوا عظيما؟! ولست ادري لماذا لا يكون العكس هوالصحيح.

الشيعة لا يقدمون الامام عليا(ع) بمحض ارادتهم، فرسول اللّه(ص) هو الذي قدمه، جهاد علي(ع) وخدماته للاسلام‏ولرسول الاسلام، وعلمه وزهده وصفاته الخاصة هي التي جعلته مقدما على الجميع. وبعد، فاللّه سبحانه وتعالى هوالذي قدمه عندما جعله وصي نبيه وعينه خليفة رسوله. وقد زاده بسطة في القوة والعلم.

نسال الذين يقدمون ابا بكر وعمر: هل السيف الذي نصر الاسلام وادخل الرعب في قلوب المشركين والكفار، هل كان‏في قبضة الشيخين ام كان بيد الامام علي‏بن ابي طالب(ع)؟! نسالهم كذلك عن علم الامام علي وحكمته، وهل هناك‏في الامة من يعتقد بان ابا بكر او عمر كانا اعلم من الامام علي(ع)؟! لو وجد من يعتقد ذلك فلا شك انه جاهل بالتاريخ‏جملة وتفصيلا، لان تراث علي(ع) العلمي والحكمي لا يمكن مقارنته باحاديث معدودة رواها القوم او اسندت لهم.وقد اعترف ابن‏ابي الحديد المعتزلي بذلك عندما اكد على ان علما الامة قاطبة يرجعون بعلمهم الى مصدره الثاني‏بعد رسول اللّه(ص) الامام علي(ع). فاليه ترجع الامة في الفقه والتفسير والعرفان والبلاغة وسائر العلوم.

اذا من الجهل والغلو ان نقدم لشيخين على الامام علي(ع).

طبعا نحن نعرف سبب هذا التقديم الذي يلهج به السلفيون،انه تقدمهم في الخلافة، وهذه قيمة لها جذور عميقة في اعراف الاعراب والبدو وتقاليدهم داخل الجزيرة العربية،وليست قيمة اسلامية، فليس من تولى منصبا قياديا داخل المجتمع اعتبر افضل الناس. فالانبيا عاصروا ملوكا وجبابرة‏ولم يحكموا، بل عاشوا مستضعفين؟! وهذا الغلو، في اعتبار هذه القيمة، هو الذي جعل الحجاج‏بن يوسف الثقفي،سفاح بني امية، يفضل الخليفة على الرسول(ص)، لانه اعتبر -كما اعلن ذلك على المنبر- ان خليفة المرء في اهله‏افضل من رسوله اليهم.

هذا اذا اعتبرنا ان خلافتهم كانت شرعية، وهي ليست كذلك؟! لان الامام عليا(ع) قد طعن فيها واعتبرها اغتصابا لحقه،فهو القائل في قريش: ((انهم قد اجمعوا على حربي كاجماعهم على حرب رسول اللّه(ص)، قبلي، فجزت قريشا عني‏الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن امي..)). ولم يكن الامام علي(ع) وحده الذي رفض خلافتهم، بل‏هناك مجموعة من كبار الصحابة واكثرهم علما وخدمة للاسلام رفضوا هذه الخلافة واعتبروها اغتصابا لحق علي(ع)،منهم: سلمان الفارسي، وعماربن ياسر، والمقدادبن الاسود، وابو ذر الغفاري، وغيرهم.

نجد، كذلك، عزفا مكررا على سمفونية قديمة ومتهالكة ورثة لدرجة ان البحث فيها يعد مضيعة للوقت وللكتابة، وهي‏اسطورة عبداللّهبن سبا. هذه الشخصية الوهمية التي يفترض انها حركت جميع الاحداث قبيل مقتل عثمان وبعده،واعتبرها السلفيون المسؤولة عن اختلاق مجمل آرا التشيع وعقائده. وغير ذلك من الاحداث والوقائع كان مجتمع‏الصحابة تحول الى دمى لا حياة ولا عقل لها، يحركها رجل يهودي مجهول بخيوط خفية في الظلام. لقد رفض‏المحققون المعاصرون ممن لا علاقة لهم بالصراعات والتوجهات المذهبية، هذه الشخصية واعتبروها مجرد اسطورة‏ابتدعها الخصوم لادخال عنصر يهودي في عقائد التشيع القوية الحجة والبرهان. ذهب الى ذلك الدكتور طه حسين،واعتبرها الدكتور ابراهيم بيضون مناقضة تماما لعقائد التشيع الامامي. وقد اثبت المحقق جعفر العاملي، في بحث هوالاول من نوعه دقة علمية وشمولية، ان ابن سبا شخصية اسطورية لا وجود لها، وان ((ابن السودا)) اللقب الذي اطلق‏على ابن سبا، انما هو اشد التصاقا بالصحابي عماربن ياسر، لان دوره في الاحداث والحروب التي خاضها الامام‏علي(ع) ضد خصومه كان متميزا.

لماذا لم يرجع الباحث الى هذه المصادر ليطلع على هذه الحقائق؟ لقد انطلق في بحثه كان القضية لم تبحث.

وان‏السلفيين وحدهم هم من اكتشف سر هذه الشخصية الفريدة، وكيف برسالة دكتوراه لا تلتفت الى هذا الكم الهائل من‏الدراسات في هذا الموضوع، ولو للنقد والرد والرفض، لكن الحقيقة ان الدكتور السلفي يعرفها، لكنه فضل ان يضل‏مسجونا بين جدران كتابات بعض السلفيين. وغيرهم ممن كتب حول الموضوع مكررا ما قاله القدما من دون نقد اوتمحيص.

كذلك نجد، في هذه المقدمة او التمهيد، ادعاات رخيصة لا نصيب لها من الصحة، بل هي كذب صريح على التاريخ‏والحقيقة، يقول المؤلف: ((اما الاحاديث التي تساق في ان الرسول(ص) اوصى، فقد ذكر القرطبي انها من وضع‏الشيعة))4. هكذا ومن دون عنا بحث او ايراد لبعض هذه الاحاديث حتى يتيقن القارى‏ء من انها من وضع الشيعة،يحسم المؤلف في الموضوع، مع ان احاديث الوصية وعلى راسها حديث الولاية في غدير خم، رواه (110) من‏الصحابة، منهم: ابو بكر، وابو ذر الغفاري، وحذيفة‏بن اليمان، وابو هريرة، وغيرهم من كبار الصحابة. اما مصادر الحديث‏والتفسير فلا تكاد تخلو من ذكره لدرجة ان المحققين عدوه حديثا متواترا. فقد ذكره الترمذي وابن ماجه والبغوي‏والحاكم في مستدركه والحافظ السجستاني وذكره، ايضا، اصحاب التفاسير مثل ابن كثير والنيسابوري والسيوط‏ي‏والشوكاني والالوسي والرازي والقرطبي، وغيرهم كثير. ولولا مخافة التطويل لذكرنا كل من اثبت هذا الحديث الذي اكدفيه النبي(ص) ولاية علي‏بن ابي طالب(ع) على المسلمين كافة.

ليس من البحث العلمي الاكاديمي في شي‏ء ان نمر بهذه القضايا الاشكالية مرور الكرام، وناتي بكلمة نقتطفها من كلام‏القرطبي، وابن تيمية، لنغلق الباب امام معرفة حقائق مهمة، هكذا من دون تمحيص او تدقيق، لكننا نعرف ان السلفيين‏لهم حقائقهم الخاصة وليس استشهادهم بالقرطبي او غيره سوى تحصيل حاصل؟! وبالجملة، فقد جمع المؤلف في تمهيده جميع الاكاذيب والافتراات التي قيلت وكتبت عن الشيعة، والغرض واضح‏تماما، وهو رسم صورة سودا غريبة لهذه الفرقة في مخيلة القارى‏ء، وتجعله يستعد نفسيا وعقليا لتقبل كل التشكيكات‏والطعون التي سياتي بها في الابواب الخمسة والفصول العشرة التي يتالف منها الكتاب.

يخصص المؤلف الباب الاول للحديث عن الرواة والاخباريين المغالين في التشيع، فيعرض لمجموعة من اسما الرواة‏الذين كانوا يوالون الامام عليا(ع) ونصروه وشاركوا في حروبه، وفيهم عدد من الصحابة والتابعين، ثم يهرع مسرعا لكتب‏الجرح والتعديل واقوال علما اهل السنة والسلفية، ليعرض اقوالهم في هؤلا الذين وصفهم بالغلو، مع ان مبلغ هذاالغلو هو الحب والموالاة، ولم نسمع عنهم اكثر من ذلك. لكن هناك مشكلة تعترض المؤلف، بين الحين والاخر، وهي‏عدم اجماع علما الجرح والتعديل على تضعيف الراوي او الاخباري. فاذا ضعفه بعض منهم فان الاخرين يصفونه‏بالصدوق، وهذا مما يخرق الاجماع الوهمي على تضعيفه ووصمه بالغلو، كما ان علما الجرح والتعديل الشيعة‏يصفونه بالصدق والعدل. اما اذا اردنا ان نعرف سبب هذا التضعيف والغلو، فاننا سنجد ان الروايات التي رواها هؤلاالشيعة تنتصر للامام علي(ع) بوجه من الوجوه، وتتهم اعداه بالظلم والعدوان، او تحكي وقائع مختلفة، على اعتبار ان‏مجمل الرواة شاركوا في الاحداث التي تحدثوا عنها.

لكن منهج المؤلف لم يكن يهتم بما قيل او روي الا بمقدار معرفة‏هل ان الرواية تطعن في عثمان او معاوية واتباعهما، فاذا كانت كذلك، فالراوي شيعي، مغال، ضعيف، كذاب.

لقد تتبع المؤلف جل الاخباريين الذين اتهموا بانهم كانوا شيعة، مثل سليم‏بن قيس والاصبغ‏بن نباتة وجابر الجعفي‏ومحمدبن السائب الكلبي وهشام‏بن محمد الكلبي ومحمدبن ابي عمير ونصربن مزاحم والرواجني الاسدي ومحمدبن‏زكريا الغلابي، وهؤلا لا نجد مؤرخا جا بعدهم الا واخذ عنهم واعتمد رواياتهم، لسبب بسيط هو انهم الفوا كتبا مهمة‏تروي الاحداث التي شاركوا فيها او عاصروها، مثل مقتل عثمان وبيعة الامام علي(ع) وحروب الجمل وصفين وحرب‏الخوارج، وخلافة معاوية وابنه يزيد.

طبعا لم يال المؤلف جهدا في ايجاد المطاعن على روايات هؤلا، لكن مشكلة المشاكل التي كانت تعترضه هي ان‏علما الجرح والتعديل من اهل السنة والحنابلة يوثقون بعض هؤلا، فابن حبان مثلا يوثق محمدبن زكريا الغلابي كماوثق نصربن مزاحم، وقد وثق ابو حاتم وابن خزيمة وابن حجر، الرواجني الاسدي، وهؤلا الاخباريون جميعهم‏موثقون عند علما الجرح والتعديل الشيعة، لكن وهذا من سوء الادب والفحش في الكلام الذي يشتهر به السلفيون في‏كتاباتهم، ان المؤلف عندما يتعرض لهذا التوثيق الشيعي لهؤلا الاخباريين يقول مثلا: ((اما اهل الاهوا فهم على‏توثيقه))، او ينقل كلاما لا علاقة له بالعلم او الحقيقة، فينقل مثلا عن البغدادي رايه في الشيخ المفيد، حيث قال فيه:((كان احد ائمة الضلال، هلك به خلق من الناس)). اي كان احد علما الشيعة الامامية، وقد كان منتصرا في جميع‏مناظراته مع علما اهل السنة والسلفية، لذلك فقد تشيع على يديه خلق كثير من العلما والعامة، فهم لم يهلكوا، بل‏تحرروا من التعبد باهوا ملوك بني امية ومن ادعاات الرواة الذين اوكل اليهم معاوية‏بن ابي سفيان انتاج الحديث‏المكذوب على النبي(ص) لكي يتم القضا على فكر اهل بيت النبوة وحكمتهم.

اما نتيجة هذا الطعن والنقد والكشف عن الروايات التي رواها الشيعة، فليس وراه سوى محاولة تنقية الموسوعات‏التاريخية من كل ما يطعن في بني امية واتباعهم، على اعتبار ان مجمل الكتب التي الفها هؤلا الرواة الشيعة عرفت‏طريقها، جملة او بعضها، واستقرت في بطون هذه الموسوعات التاريخية. لكن الحقيقة التي يستطيع القارى‏ء ان‏يكتشفها بسرعة، هي انتفا صفة الغلو عن كل من ذكرهم من الرواة والاخباريين، وانهم كانوا موالين للامام علي(ع)،محبين له ولاهل بيت النبوة، مصدقين لما قاله الرسول(ص) في حقهم.

كما ان الاخبار التي ذكروها ورووها ليست من‏الاخبار التي يصعب تصديقها باعتبارها مغرقة في الخيال والتهافت، بل ان ما رووه لا يجانب الحقيقة، ولا يبعد عن‏الواقع الذي عايشوه وشاركوا في صنعه.

يتابع الباحث السلفي، في الباب الثاني، تتبع اسما الرواة والاخباريين الذين رموا بالتشيع، فيذكر مجموعة منهم: عبداللّهالعامري، اجلع‏بن عبداللّه الكندي، بريدة‏بن سفيان الاسلمي، وعلي‏بن زيدبن جدعان، وغيرهم. وعندما يضع اسماهؤلا الرواة في ميزان الجرح والتعديل يخرج بالنتيجة التي توصل اليها في المرة الاولى. بعضهم يوثق والاخر يضعف،منهم من يعترف بتشيع الراوي لكنه ياخذ عنه ويعتبره صدوقا لان تشيعه كان قليلا، لم يصل الى درجة الغلو والبراة من‏اعدا اهل البيت جملة وتفصيلا؟! ومنهم من يحسم الامر في البداية عندما يصف الراوي بانه كان مغاليا في حب الامام‏علي(ع)، فيرفض رواياته جميعها، ويكتب عنه سوا صدق ام كان من الكاذبين.

ونجد الكلام نفسه بالنسبة للاخباريين الذين اتهموا بالتشيع مثل ابان‏بن تغلب، يقول عنه ابن عدي: ((هو من اهل الصدق‏في الروايات، وان كان مذهبه مذهب الشيعة)) ، كما قال عنه الذهبي: ((شيعي جلد لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه‏بدعته))، وفي بعض الاحيان نجدهم يتصارعون ويتعاركون على شخص معين، حيث توثقه جماعة منهم مع علمهم‏بتشيعه الظاهر، ويطعن فيه آخرون لاجل تشيعه فقط، مثلما وقع مع عبد الرزاق الصنعاني الذي دافع عنه الذهبي واتهم‏العباس‏بن عبد العظيم العنبري بانه خرق الاجماع على توثيقه وان ارباب الصحاح احتجوا به.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية