جدل الانا والاخر المحرر
ما دام الانسان كائنا اجتماعيا فلا مفر له من خوض جدال الانا
والاخر. لكن هذه العلاقة بين الذات والاخر، على رغم انتاجياتها
على غير صعيد، كيفما تشكلت وتبلورت آتبقى خاشعة
لامكانية القوننة بغية تامين توظيف اكثر فعالية وانتاجية. وما
لم تقونن هذه العلاقة فان سلبياتها ربما تطغى على ايجابياتها. وقبل قوننة هذه العلاقة لا بد، اولا، من فهم الذات ووعيها
وفهم الاخر ووعيه الى درجة تمثله، ومن دون ذلك سوف
تبنى هذه العلاقة على اسس غائمة. لكن المشكلة الاساسية التي تبرز، لدى فهم الاخر وخوض
الحوار معه، تكمن في تداخل العناوين الحاكمة على طبيعة
التفاعل الثقافي والفكري معه، ومن ثم فما لم يجر
توضيح هذه
المفاهيم العامة فمن الصعب التوصل الى علاقة واضحة وبينة
الاطر. وهذه هي مشكلة العلاقة بين الشرق والغرب، بين الاسلام
والغرب، وتتمثل في عدم اتضاح المفهوم العام الذي حكم
ويحكم هذه العلاقة، ومن ثم فهذه العلاقة لن يتسنى لها
الانتاج
في ظل التذبذب الحاصل في فهمها. وحتى نكون اكثر وضوحا
في تقييمنا للموقف الاسلامي والشرقي من ظاهرة العلاقة
الثقافية مع الغرب بالخصوص، من الضروري لنا قراءة السياقات
التي اعيد فيها انتاج هذه العلاقة في العصر الحديث، فنلاحظ
وجود سياقين اساسيين لا يمكن التغاضي عنهما في فهم جدل
الانا والاخر، وهما: 1- سياق التجربة الاستعمارية التي حكمت الترابط ما بي
الشرق والغرب، الشمال والجنوب، منذ القرن التاسع عشر
الميلادي، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، فهذه
التجربة تستدعي مجموعة من النتائج التي لا تبتعد عنها
مفاهيم السيطرة والطمع والامبريالية والتسلط... ان ظاهرة الاستعمار فرضت واقعا في العلاقة بين الغرب
والشرق حال دون ايجاد توازن ثقافي وعلمي، والسبب في ذلك
ان التبادل الثقافي يصبح امرا عسيرا في ظل تحكم قهري
سياسي وعسكري، ومن ثم فهذا التحكم يفرض نوعا من
الحركة الثقافية الاحادية التي تجعل الثقافة شبيهة بالحركة
الاقتصادية في عمليات الانتاج والاستهلاك. ففي ظل سيطرة
عسكرية وسياسية ستكون الرابطة الثقافية رابطة انتاج من
طرف المستعمر واستهلاك من طرف المستعمر. وهذا يعني ان ثمة علاقة وطيدة بين السياسي والثقافي، علاقة على
صعيد التجربة الغربية مع العالم الاسلامي فعل الاول في الثاني، وهذه العلاقة تسيء الى توازن الارتباط الثقافي بين
الطرفين وتغلب مفاهيم الغزو على مفاهيم التلاقح. والاكثر خطرا من ذلك ان هذا النوع من العلاقة السياسية
يؤدي الى تولد تيارين رافضين: احدهما في الاطار الغربي
وثانيهما في الاطار الاسلامي. اما في الاطار الغربي فتطفوعلى
السطح ظواهر النرجسية والاحساس بالتفوق وهي مظاهر
تفوت على الانسان الغربي نفسه فرص الاستفادة من العطاء
الحضاري للاخر الممتد من شرق الارض الى غربها، من الصين
والهند والعالم الاسلامي الى امريكا اللاتينية...، ما يؤدي بالغربي
الى تحقيق انتاج آحادي لا تشاركه فيه البشرية كلها، نتيجة
نوع من التعاون، الامر الذي يترك اثرا على ترشيد الانتاج الغربي
بعامة، نظرا لافتقاد عنصر المنافسة الذي يستدعي نوعا من
اعادة القراءات المتواصلة. اما في اطار العالم الاسلامي، والشرقي بعامة، فان المشكلة تبرز
من خلال ظهور مفهوم الغزو الثقافي الذي توجد الكثير من
مسوغات القناعة به، سيما في اشكاله المتطورة والمتمثلة
بالعولمة والكوننة والامركة الحديثة. وهذا الاحساس بالغزو يثير
احساسا عارما بالرفض والتحفظ ازاء كل ما هو قادم، حفظا
للذات وللخصوصية: الدينية او العرقية اواللغوية او غير ذلك. وما يزيد الموضوع تعقيدا واشكالية هو اختلاط الاوراق المعرفية
والثقافية حينما يراد الحديث عن حفظ الاصالة ورفض الغزو،
ويحصل هذا الاختلاط من خلال عدم القدرة احيانا على التمييز
بين المنافذ المعرفية والثقافية التي يمكن للاخر الغزو من
خلالها، وبين تلك التي لا خطر فيها، وهو ما حصل فعلا على
مستوى العالم الاسلامي، فعلى امتداد
القرن العشرين بذلت
جهود حثيثة للتمييز بين العلوم القادمة من الغرب ووضع
علامة حمراء على بعضها واخرى خضراء على بعضها الاخر،
انطلاقا من عمليات تطبيق لمفاهيم الغزو وحفظ الذات. والامر الذي مثل قمة الصعوبة، على هذا الصعيد، تبلور في اتباع
منهج انتقائي في التعامل مع المستورد الثقافي الغربي،
ومشكلة هذه الانتقائية انها تفترض انفصالا بين
العلوم والمعارف الغربية، وتتجاهل في بعض الاحيان ازمة
المنهج النافذة في اكثر العلوم القادمة من الغرب، مهما بدت
هذه العلوية في مفرداتها وموضوعاتها بعيدة عن المفردات
اوالموضوعات الدينية او القومية الخ... ومن هنا اثيرت في الاونة
الاخيرة نقاشات قيمة حول مدى جدوى هذه الانتقائية في
التعامل مع الانتاج المعرفي الغربي. وهي مناقشات ستفسح
المجال اما الى رفض مطلق للمستورد الثقافي او الى اعتراف
شبه كامل به، وهو ما سيخلق ازمة معقدة. 2- سياق التفوق العلمي الذي لا ينكره احد، وهذا السياق
يستدعي تلقائيا علاقة مختلفة بين الغرب والشرق (الاسلام
بالخصوص)، علاقة هي في واقعها وبكل ما للكلمة من معنى
معرفية علمية، علاقة تحدد مجال التدخل السياسي في الحياة
الثقافية، فلا تعزله لانه غير قابل للعزل ولا تقحمه اقحاما غير
مسوغ، ومؤدى ذلك تولد تفاعل ثقافي، اوعلى الاقل نحو من
التنامي المعرفي. وانما نقول: تفاعل ثقافي، لان التفوق العلمي الغربي سواء على
الصعيد التكنولوجي ام على بعض الاصعدة الانسانية لا يمكن
اعتباره تفوقا مطلقا، فهناك في الشرق عناصرتمايز وتطور
ثقافي لا يحظ ى بها الغرب ابدا، ويقع في طليعة هذه العناصر
عنصر المعنويات الذي يكاد افتقاده يحول الغرب كله الى
جحيم. تختزن المعنويات الكثير من الامور يمكن ان تعمل على ايجاد
توازن ما مع الغربي، وهي الاكثر قدرة على تحويل العلاقة
المعرفية بين الغرب والشرق المسلم من علاقة القاءوتلقين،
من علاقة وانتاج واستهلاك، من علاقة ابداع وتداول... الى
علاقة تلاقح ثقافي وتبادل معرفي وتفاعل انساني. هذا السياقان، كما لاحظنا، يتعاكسان في النتائج المنبثقة
عنهما ويتبادلان مفاهيم الغزو من جهة والتلاقح من جهة
اخرى. واذا فهمناهما يمكن ان نعرف مدى صعوبة
تحديدالموقف الاسلامي ازاء العلاقة الثقافية مع الغرب، فالغرب
لا يزال حتى اليوم متمثلا بامريكا يمارس الروح التوسعية نفسها
في ظل تطور مطرد في الاساليب والمناهج، وصولاحتى ارقى
اشكالها المتمثلة بالعولمة المعاصرة التي بدات بالاقتصاد
ووصلت حتى الدين والثقافة والاجتماع، وهذا ما يفرض، اكثر
من اي وقت مضى، وانطلاقا من الحفاظ على الذات، حذرا لا
مثيل له من المستورد الثقافي. بيد ان واقع الحياة اليوم لا يمكنه ان يتقبل تجاهلا للثقافة
الغربية، لان هذا التجاهل لن يصب سوى في صالح المزيد من
عزلة العالم الاسلامي عن الحضور الكوني، فضلا عن سعي
العولمة المفاهيم الدينية او الخلقية... فالاحتماء بمفاهيم الغزو
ونحو ذلك لن يجر وقد حصلت تجارب سابقة سوى المزيد من
التخلف والتدهور والانغلاق والتاطر. وامام هذه الاشكالية تبدا مهمة المثقف على ضفتي النهر، هل بامكان المثقف المعاصر ان يبني لنفسه شبكة ثقافية بعيدة عن السياسة وتاثيراتها؟ هل بامكانه تحقيق التفاعل الثقافي من دون ان توظفه القوى العظمى وملوك العولمة؟ هل يقدر على التفلت من سجن التحولات السياسية ليحافظ على نوع من الثبات المعرفي في العلاقة؟ وقبل كل شيءما هي علاقة المثقف والسلطة بالمفهوم الواسع لكلمة السلطة؟ بدل ان توظف وزارات المستعمرات المفكرين المستشرقين
في اغراض سياسية توسعية مالية، هل يمكن للمثقف ان يفرض
نفسه على قوى المال والسياسة والتوسع والعولمة؟ كيف يمكن
تحييد الثقافة في المجتمع الاسلامي، مثلا، من دون ان تتضرر
السياسة العادلة، ومن دون ان تتحول الثقافة نفسها الى ثقافة
مخملية وعاجية مستهلكة؟ كيف يمكن للمثقف ان يمارس
الفعل الثقافي وفي الوقت نفسه الانتاج الاجتماعي والسياسي
من دون ان تتاثر ثقافته ومعرفته بالضغط اليومي تاثرا لا
تستدعيه العلاقة المعرفية بين الواقع والتفكير؟ وكيف يمكنه
ان يرفع الثقافة الى عالم ارقى من تصادمات الحياة اليومية من
دون ان «ينرجسها» ويوقعها في الخيالية او الطوباوية
او «الدوغمائية؟». هذا هو التساؤل الموجه الى المثقف الغربي والاسلامي معا لا
فرق، حتى يتسنى نزع الثقافة من براثن قوى المال والسياسة
والتوسع الامريكي بالدرجة الاولى. وما لم تقدم اجابة واضحة
على هذا الصعيد فلن يتسنى لارقى المشاريع او يحظى
بالنجاح ميدانيا. فعلى سبيل المثال، مشروع حوار الحضارات
الذي يعد في ذاته، وعلى الصعيد الثقافي ذا اهمية بالغة، وهو يخدم قبل كل شيء من حيث المبدا العالم الاسلامي ليخرجه
من عزلته المفروضة عليه خارجيا وداخليا... هذا المشروع لن
يحظى بالنجاح ما لم يحمل انطلاقة معرفية وعلمية تناى عن المصالح السياسية، والا ففي
ظل هذا التعاطي الامريكي اليوم
سوف يتحول الى منفذ مالي وسياسي للقوى العظمى نحو
المزيد من هدم اسس المجتمعات الاخرى ضمن لا توازن حالي
بين الاطراف، فعدم التوازن لا يمكنه ان يفسح في المجال
لحوار منطقي ومنتج. ان اكبر مشكلة، في النهوض الثقافي العالمي المتكامل، هي
التعاطي الغربي مع البشرية، وهو تعاطيخلق مشكلات داخلية
على صعيد العالم الاسلامي ستعمل دائما على الحيلولة دون
انضاج مفاهيم التلاقح. لكن الحد الادنى المطلوب تحقيقه
اليوم، هو ان نسعى الى منح الثقافة حق ها وارجاع المعرفة الى
مركز الصدارة كما هو مفهومنا الاسلامي القائم على مبدا (قل
هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولو
الالباب) [الزمر/9]. المحرر بحث في تحديد موضوع حد المحارب (3) آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المقصود بالبحث تشخيص حدود ما هو موضوع الحد الثابت
شرعا للمحارب بنص الكتاب الكريم في آية المحاربة، وهي قوله
تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض
فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او
ينفوا من الارض ذ لك لهم خزي في الد نيا ولهم في الاخرة
عذاب عظيم * الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم فاعلموا
ان الله غفور رحيم) [المائدة/33و34] وبالروايات المتواترة،
حيث وقع الكلام كثيرا في تنقيح ما هو موضوع هذا الحد،
وانه خصوص من شهر السلاح للاخافة، او مطلق المحارب لله
والرسول ولو بنحو البغي مثلا، او انه مطلق المفسد في الارض
ولو لم يكن بنحو المحاربة اصلا. والاصل، في هذا البحث، ما هو المستظهر من الاية المباركة
والروايات الخاصة المتعرضة لهذا الحد، فان الوارد فيها عنوان
المحاربة لله والرسول والافساد في الارض. ولاجل تنقيح البحث يرد الكلام في ثلاث جهات: الجهة الاولى: في ما يستفاد من الاية المباركة في نفسها،
والجهة الثانية: في ما يستفاد من الروايات الخاصة في موضوع
هذا الحد، والجهة الثالثة: في تطبيقات وقع او يمكن ان يقع
البحث فيها. وقد تم الكلام على الجهتين: الاولى والثانية في العددين: 21
و22 من مجلة المنهاج. وفي هذا العدد يتكلم الباحث على
الجهة الثالثة والاخيرة. الجهة الثالثة: في تطبيقات وقع او يمكن ان يقع البحث فيها التطبيق الاول: اذا حارب بغير شهر سلاح فهل يكون مشمولا للعقوبة المقررة للمحارب او لا؟ ظاهر اكثر الفتاوى اشتراط تجريد السلاح وشهره واظهاره في
المحاربة، كما ذكرنا جملة منها في الجهة الاولى من البحث،
الا ان بعض الفتاوى ربما يستظهر منها الاطلاق من هذه
الناحية، وعن بعضهم الحاق حمل السلاح او تجهيزه بالمحارب
كما في الجواهر((1)) وتحرير الوسيلة((2)) وقد تقدم نقله،
وعن بعضهم التصريح بالاطلاق وانه لايشترط السلاح بل
يكتفى في المحاربة بالاخذ بالقوة، وان لم يكن سلاح. واليك جملة من هذه الفتاوى: فعن علاء الدين الحلبي (ابي الحسن)، في كتاب الجهاد، من
اشارة السبق انه قال: «والمفسدون في الارض، كقطاع الطريق
والواثبين على نهب الاموال، يقتلون ان قتلوا، فان نادوا على
القتل باخذ الاموال صلبوا بعد قتلهم... الخ»((3)). وهذا مطلق
يشمل فرض عدم السلاح. وفي الارشاد، في كتاب الحدود: «المقصد السابع في المحارب،
وفيه بحثان: الاول: في ماهيته، وهو كل من جرد السلاح
لاخافة الناس في براو بحر... ولو اخذ في بلد مالابالمقاهرة فهو
محارب»((4)). وفي القواعد: «ولا يشترط السلاح، بل لو افتقر في الاخافة على
الحجر والعصا فهو قاطع طريق، وان ما يتحقق لو قصدوا اخذ
المال قهرا مجاهرة، فان اخذوه بالخفية فهم سارقون، وان
اخذوه اختطافا وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم»((5)). وفي الجواهر: «صرح غير واحد انه لا فرق في السلاح بين العصا
والحجر وغيرهما، ولعله ظاهر الاية، والا ففي تناول السلاح
لهما مطلقا، خصوصا الاخير، نظر او منع، لكن خبر السكوني عن
جعفر(ع)
عن ابيه(ع)
عن علي(ع)
قال في رجل اقبل بنار
يشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم: انه «يغرم قيمة
الدار وما فيها ثم يقتل»((6)). ومنه، بعد اعتضاده بما عرفت، يقوى التعميم المزبور ولو على
ارادة المجاز منه، بل في كشف اللثام: «ان اختصاص السلاح
بالحديد كما في العين ونحوه ممنوع، بل الحق ماصرح به
الاكثر من انه كان ما يقاتل به، وعن ابي حنيفة اشتراط شهر
السلاح من الحديد ويظهر احتماله من التحرير.. الى آخره. ولا ريب في ضعفه، بل في الروضة الاكتفاء في المحاربة بالاخذ
بالقوة وان لم يكن عصا او حجر، وهو لا يخلو من وجه»((7)). وفي قبال ذلك ما عرفت من الفتاوى التي تقدم نقلها في ما
سبق مما كان ظاهره اشتراط شهر السلاح في المحاربة، بل
صرح في بعضها بعدم جريان حكم المحارب على من اخاف
الناس بالسوط والعصا ونحوهما، ففي تحرير الوسيلة في حد
المحارب قال: «مسالة 3:
لو حمل على غيره من غير سلاح لياخذ
ماله او يقتله جاز، بل وجب الدفاع في الثاني ولو انجر الى قتله،
لكن لا يثبت له حكم المحارب، ولو اخاف الناس بالسوط والعصا
والحجر، ففي ثبوت الحكم اشكال، بل عدمه اقرب في
الاولين»((8)). ولا اشكال في ان مقتضى الاصل الاولي عدم ثبوت هذا الحد الا
في ما شمله الدليل، ومن هنا يجب على القائل بالتعميم اقامة
الدليل عليه، وفي ما ياتي نتحدث اولا عمايمكن ان يكون دليلا
على التعميم، ثم نتكل م عما قد يستدل به على الاختصاص
بحيث لو تم كان مخصصا لدليل التعميم، فالكلام في مقامين: المقام الاول: في التقريبات التي يمكن ان يستند اليها للقول
بالتعميم، وهي ثلاثة: التقريب الاول: استفادة الاطلاق في الاية المباركة بدعوى ان
المحاربة لغة هي المقاتلة والمغالبة على النفس والمال
ونحوهما، وهي وان كانت غالبا بالسلاح الا انه ليس ذلك دخيلا
في مفهومه، والغلبة لا توجب اختصاص المفهوم بالغالب،
فيشمل المقاتلة بغير سلاح ايضا. 1-
منها: رواية الخثعمي المتقدمة((9)) فان الوارد فيها عنوان
قاطع الطريق، وهو مطلق يشمل ما اذا كان قطعهم للطريق
بغير سلاح اصلا. 2-
ومنها: رواية احمد بن الفضل المتقدمة((10)) التي ينقلها
العياشي، فان الوارد في تعبير الامام(ع) فيها على تقدير صدور
الرواية عنوان اخافة السبيل، وهو ايضا اعم من كونه بالسلاح او
بغيره، بل الدلالة فيها اظهر من رواية الخثعمي، حيث ورد فيها
التعبير «فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل»،
او قوله: «فان كانوا اخافوا السبيل فقط»، مما هو ظاهر في بيان
المناط والموضوع للحد المذكور، فلا خصوصية ولا دخل
للسلاح في ذلك الا من باب كونه محققا للاخافة غالبا. 3-
ومنها: رواية سورة بن كليب المتقدمة((11)) فان الوارد
فيها عنوان: «رجل يخرج من منزله يريد المسجد (او يريد
الحاجة)، فيلقاه رجل ويستعقبه فيضربه وياخذثوبه». وقد طبق
عليه الامام(ع) على تقدير صدورها آية المحاربة وقال: «هؤلاء
من اهل هذه الاية (انما جزاءالذين...)
وهي ايضا مطلقة من هذه
الناحية. 4-
ومنها: رواية السكوني المتقدمة((12)) في من احرق دار
قوم بالنار، بناء على استفادة دلالتها على انه اخاف القوم باحراق
دارهم كما استظهره صاحب الجواهر منها. 5-
ومنها: الروايات التي ورد فيها التعبير بالمحاربة او القتل
واخذ المال بلا تقييد بشهر السلاح، كما في معتبرة علي بن
حسان المتقدمة((13)) ومرسلة الصدوق((14)) ورواية داود
الطائي((15)). وهكذا يتضح ان الاطلاق للمحاربة بغير السلاح بل بمثل العصا
والحجر والسوط او بالنار او بالمواد الكيمياوية السامة او
الحارقة، او حتى بالقوة البدنية القاهرة المخيفة، تام في نفسه،
ومجرد كون الغالب في المحاربة والمقاتلة انها كانت بالحديد او
بالسلاح وقتئذ لا يستوجب الاختصاص بما كان غالبا او متعارفا
خارجا في تلك الازمنة، خصوصابملاحظة كون الايات
والاحاديث الشريفة في مقام بيان الحكم الالهي الكلي والعام
لجميع الازمنة والامكنة، والذي من الواضح انه قد تتغير كيفية
المحاربة والقتال ووسائلهامن وقت الى وقت ومن مكان الى
مكان، وايضا بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع المفهومة
عقلائيا وعرفا لمثل هذه العقوبة. اما المقام الثاني: فما يمكن ان يجعل دليلا على تقييد الاطلاق
المتقدمة تقريباته في المقام السابق ما ورد في بعض الروايات
المتقدمة من ذكر عنوان شهر السلاح او حمله كمافي صحيح
محمدبن مسلم المتقدم((16)) وخبر المدائني المتقدم، وقد
ورد في ذيله: «ان شهر السيف وحارب الله ورسوله وسعى في
الارض فسادا..»((17)) وصحيح ضريس المتقدم، وقد ورد فيه:
«من حمل السلاح بالليل فهو محارب...»((18)). وتقريب الاستدلال بها على التقييد ان ظاهر اخذ قيد في
موضوع الحددخله في الموضوعية، فلا بد من ان نحمل
الروايات المطلقة وكذلك اطلاق الاية الكريمة على المقيد،كما
هو مقتضى صناعة التقييد. ودعوى: انهما مثبتان ولا موجب في مثله لحمل المطلق على
المقيد، بل كلاهما صادقان من دون تناف بينهما نظير ما اذا
قال: «اكرم العالم»، وقال: «اكرم الفقيه»، فانه لا موجب لتقييد
الاول بالثاني. مدفوعة: بان هذا يصح لو لم نستظهر من هذه الروايات انها
بصدد بيان الحكم والجعل نفسيهما المبينين في الاية
المباركة موضوعا وحكما، فتكون بمثابة التفسير
والتحديدلموضوع هذه العقوبة المشرعة بالاية. مناقشة هذا التقريب لاحتمال ان يكون ذكر شهر السلاح باعتبار انه الغالب في تحقق
المحاربة واخافة الناس وقتئذ. او احتمال ان يكون ذلك لبيان كفاية شهر السلاح، بل حمله
بالليل
-
كما في صحيح ضريس
-
لتحقق المحاربة، فلا يتوقف
تحققها على وقوع قتال او نهب وسلب خارجا، فيكون ذكر ذلك
من اجل التعميم لمطلق التلبس بما يخيف الناس ويسلب
امنهم ويفسد عليهم حياتهم في قبال الاختصاص بوقوع
المقاتلة خارجا، وهذا الاحتمال يقوى جدا في اكثر هذه
الروايات، ولهذا نجد في رواية المدائني انه ذكر اولا عنوان
المحاربة بالقتل او اخذ المال مطلقا، بلا ذكر السلاح ثم في
الذيل حينما اراد ان يذكر المحاربة بلا قتل ولااخذ مال عبر
بقوله: «وان شهر السيف، وحارب الله ورسوله، وسعى في الارض
فسادا، ولم يقتل، ولم ياخذ المال، نفي من الارض»((19)). فكانه اراد بذلك ان يبين ان المحاربة لا تتوقف على ان يقتل او
يقاتل او ياخذ المال، بل يكفي فيها شهر السيف لذلك الموجب
للاخافة ولو لم يقتل ولم ياخذ مالا. وهذا يعني ان ذكر السيف او
شهر السلاح لاجل التعميم والاكتفاء بما يتحقق به غالبا من
الاخافة في تحقق المحاربة والافساد في الارض، لا لاجل تقييد
المحاربة بذلك. هذا، مضافا الى ان عنوان السلاح ايضا اعم من السيف ونحوه، بل
يعم
-
كما ذكره كاشف اللثام((20))
-
مطلق ما يقاتل به ويحصل به
الخوف والاخافة، والذي يختلف من وقت الى وقت ومن مكان
الى آخر. بل لو فرض اختصاص السلاح لغة بالحديد كما نسب الى ابي
حنيفة((21)) فلا اشكال في ان مناسبات الحكم والموضوع
المفهومة عرفا من مثل هذا الحكم يقضي بالغاءذلك، اي عدم
ظهور وروده في لسان بعض الروايات في كونه للتقييد
وتخصيص المطلقات المتقدمة، بل لكونه الوسيلة المتعارفة
للاخافة. بل ربما يدعى الاطمئنان فقهيا بان من قطع الطريق واخاف
السبيل وقتل المارة، او سلب اموالهم، بمثل الهراوة والعصا او
رمي الحجارة، او اية آلة قتالة اخرى، حكمه وعقوبته نفس
الحكم والعقوبة، اذ من المستبعد جدا فقهيا ان يكون لحمل
الحديد خصوصية في ترتب هذه العقوبة مع تصريح الاية
المباركة بان موضوعها المحاربة والسعي في الارض فسادا. التطبيق الثاني: اذا شهر السلاح وقصد الاخافة، او اخذ المال
ونحوه، ولكنه لم يكن مخيفا خارجا لضعف فيه او لوجود قوة
ومنعة في الطرف الاخر، بحيث لم تتحقق اخافة في الخارج
فهل يكون مشمولا للحكم ام لا؟
قال في الجواهر: «وكيف كان (ففي ثبوت هذا الحكم للمجرد)
سلاحه بالقصد المزبور (مع ضعفه عن الاخافة تردد اشبهه)
واقربه كما في القواعد (الثبوت) للعمومات المزبور(و) حينئذ
ف(يجتزا بقصده) الاخافة. ولكن قد يمنع اندراج مثل ذلك مع
فرض الضعف عن الاخافة مطلقا، اي لكل احد في اطلاق الاية
ونحوها خصوصا بعد ما في القواعدمن اعتبار الشركة المعلوم
انتقاؤها في مثل الغرض المعتضد بدرا الحد بالشبهة وغيره،
اللهم الا ان يكون اجماعا، كما عساه يظهر من بعض». نعم، قد يقال: ان ضعفه عن الاخافة لمعظم الناس لا ينافي
قوته عليها لما هو اضعف منه، ولمن لا يعقل الخوف كالطفل
والمجنون ونحوهما، ومن هنا اتجه منع اعتبار الشوكة المنافي
لاطلاق الادلة الا ان يراد ما يرجع الى ما ذكرنا. وبالجملة
فالمدار على التجاهر بالسعي في الارض بالفساد بتجريد
السلاح ونحوه للقتل او سلب المال والاسر ونحوذلك مما هو
بعينه محاربة لله ورسوله، بخلاف الاخذ خفية او اختطافا
ثم الهرب بعده وغير ذلك، مما لا يعد محاربة بل هو سرقة او
نهب وان جرحوا او قتلوا حين اختطفوا اوسرقوا للتخلص من
القبض ونحوه، قال في القواعد: «وانما يتحقق لو قصدوا اخذ
المال قهرا مجاهرة، فان اخذوه خفية فهم سارقون، وان اخذوه
اختطافا وهربوا فهم منتهبون لاقطع عليهم»، وفي كشف
اللثام: «وان جرحوا وقتلوا حين اختطفوا، وعلى التقديرين لا
قطع عليهم كما يقطع المحارب او السارق، لان شيئا منهما لا
يصدق عليهم»، وفيه ايضاقبل ذلك: «وانما يتحقق لو قصدوا
اخذ البلاد او الحصون او اسر الناس واستعبادهم او سبي النساء
والذراري او القتل او اخذ المال قهرا مجاهرة» الى آخره.
وستسمع ما في المتن من عدم عد المستلب من المحارب.
لكن قد يناقش في بعض الافراد بصدق تجريد السلاح بقصد
الاخافة وان خاف هو ممن هو اقوى منه، اذ ذلك لا ينافي
صدق محاربته لمن جرد عليه سلاحه لاخافته كي يسلب ماله او
يقتله او يجرحه، ومن ذلك يعلم ان كلامهم في المقام لا يخلو
من تشويش، والتحقيق التعميم على الوجه الذي سمعته في
النصوص»((22)). والمستفاد من مجموع كلامه، صدرا وذيلا، التفصيل بين ما اذا
فرض الضعف عن الاخافة مطلقا، اي لكل احد، فلا يصدق
عنوان المحاربة ولا اخافة الناس، وبين ما اذا فرض الضعف
بمرتبة بحيث قد تتحقق الاخافة في بعض الاحيان ولبعض
الاشخاص، فتصدق المحاربة بالنسبة لمن جرد عليه سلاحه
لاخافته وان خاف هو ممن هو اقوى منه. وقريب من هذا التفصيل نجده للسيد الامام (قدس سره
الشريف) في تحرير الوسيلة في ذيل المسالة الاولى من حد
المحارب، حيث قال: «وفي ثبوته للمجرد سلاحه
بالقصدالمزبور مع كونه ضعيفا لا يتحقق من اخافته خوف
لاحد اشكال، بل منع. نعم لو كان ضعيفا لكن لا بحد لا يتحقق
الخوف من اخافته بل يتحقق في بعض الاحيان
والاشخاص فالظاهر كونه داخلا فيه»((23)). والفرق بين التفصيلين ان صاحب الجواهر يظهر من كلامه انه
يشترط في صدق المحاربة تحقق الاخافة خارجا من الضعيف
بالنسبة لمن شهر عليه السلاح، بخلاف ما في تحرير الوسيلة،
فان ظاهره كفاية الشانية وامكان تحقق الاخافة في بعض
الاحيان والاشخاص، لصدق المحاربة وان لم يكن بالفعل من
يخاف منه خارجا. وقد يقال: ان هذا خلاف اطلاق الاية، وبعض الروايات التي
اخذت مطلق المحاربة او شهر السلاح موضوعا للعقوبة، ولعله
من هنا ذهب صاحبا الشرائع والقواعد وغيرهما الى ثبوت الحد
لمطلق المجرد سلاحه بقصد الاخافة ولو كان ضعيفا لا يخاف
منه. نعم ظاهر ما تقدم من رواية في تفسير العياشي عن احمد بن
الفضل الخاقاني من آل رزين في قصة الامام الجواد(ع) مع
المعتصم العباسي اشتراط اخافة السبيل في جريان الحد
المذكور. الا ان الرواية((24)) لم تكن تامة السند كما
تقدم((25)). والجواب: ان الاطلاق المذكور في الاية الشريفة ممنوع، لان
المحاربة مقيدة فيها بالسعي في الارض فسادا، وهذا لا يصدق
الا مع وجود مرتبة من الشوكة والقوة بحيث تتحقق اخافة في
الجملة وسلب للامن. بل قد يمنع صدق المحاربة مع فرض عدم الاخافة اصلا،
والروايات الواردة بعنوان شهر السلاح بين ما قيده بالسعي في
الارض فسادا كما في رواية المدائني((26))المتقدمة، او قيده
بفرض الضرب والعقر او القتل كما في سائر الروايات، ومثله لا
اطلاق له لصورة عدم الاخافة اصلا. فالحاصل: لا بد من فرض مرتبة من الشوكة والقوة، ولو
النسبية، اي بالنسبة لبعض الاشخاص والاحيان لكي يصدق
عنوان المحاربة والسعي في الارض فسادا. نعم لا يشترط ان
تكون الاخافة لكل احد. وكذلك لا يقدح في صدق المحاربة
والافساد في الارض عدم تحقق الاخافة اتفاقا لمن يمر في
الطريق مثلا لقوته وشوكته، فاللازم الاخافة الشانية، كما تقدم
استفادته من كلام الامام (قدس سره الشريف) في التحرير. وهل يشترط قصد الاخافة والافساد بالسلب والنهب او لا
يشترط ذلك، بل يكفي تحقق الاخافة خارجا؟ ظاهر الشهيد في
الروضة عدم اعتباره حيث قال: «الفصل السادس:في المحاربة: وهي تجريد السلاح برا او بحرا، ليلا او نهارا، لاخافة الناس في
مصر وغيره من ذكر او ا نثى قوي او ضعيف، من اهل الريبة ام
لا، قصد الاخافة ام لا، على اصح الاقوال، لعموم الاية المتناول
لجميع من ذكر»((27)). الا ان ظاهر كلمات الاكثر اعتبار كون
شهر السلاح للاخافة والافساد، وظاهره ان يقصد ذلك ويريده،
فلو شهر السلاح للتمرين او اظهار القوة مثلا من دون قصد قتل
او سلب احد اصلا ولكنه اوجب اخافة بعض اتفاقا لم يكن
محاربا، بل قد يقال باستفادة القصد من القيد الثاني في
الاية(ويسعون في الارض فسادا...) فلا اطلاق فيها لمن لم
يقصد الافساد والاخافة كما ان الروايات لا اطلاق لها لذلك،
لان الوارد فيها شهر السلاح للضرب او القتل او الافساد اواخافة
السبيل او كونه من اهل الريبة، فيكون مقتضى الاصل عدم
ثبوت العقوبة المذكورة فيه. ويمكن التفصيل بين ما اذا كان لحصول الاخافة وسلب الامن
اتفاقيا غير مقصود اصلا كما في المثال، وبين ما اذا كان لازما
لشهره للسلاح معلوم الحصول والتحقق بفعله خارجا وان لم
يكن مقصودا اصليا له، فانه في مثل ذلك تصدق المحاربة
والسعي في الارض فسادا، وهذا ما سنبحثه لاحقا ان شاء الله. التطبيق الثالث: اذا شهر السلاح واخاف الناس، اي قصد الاخافة، ولكنه لم يكن يقصد سلب مال او نفس، بل كان ذلك لاجل تمكينه للوصول الى غاية اخرى سياسية اوشخصية، كتحصيل مال مثلا، كما في خطف الطائرات او القطارات او غير ذلك اليوم، فهل يعد هذا من المحاربة والافساد في الارض فتثبت له العقوبة المقررة للمحارب اولا؟ الظاهر ان هذا مصداق للمحاربة والسعي في الارض فسادا لتحقق
الاخافة وقصدها وسلب الامن بالسلاح والمقاهرة. ولا يشترط في صدق المحاربة ان
يكون الغرض الاقصى منها اخذ مال ممن يحاربه في نفسه، بل حتى اذا كان ذلك قنطرة
ومقدمة لهدف آخر هو الغرض النهائي للمحارب صدق عليه انه محارب وعلى عمله انه
محاربة وسعي في الارض فسادا، فتشمله الاية، بل والروايات، لصدق شهر السلاح
بقصد الضرب والقتل او الاخافة، وان لم يكن ذاك مقصودا بالذات، بل لاجل مقصد
آخر الا انه متوقف على الاخافة والتجاوز على امن الاخرين واستقرارهم، فهو
محاربة لهم وافساد لحياتهم في الارض بلا اشكال. وقد يقال: ان هذا مبني على ان يكون المقصود من المحاربة
اخافة الناس وسلب الامن، واما اذا كان المراد بها السلب
والنهب مجاهرة وبالقوة فلا بد من وجود قصد السلب واخذ
المال في صدقها وان اتفق عدم تحققه خارجا لسبب من
الاسباب، فمع عدم قصد اخذ المال لا يجري حكم المحاربة
وان تحققت الاخافة وسلب الامن. وهذا الاحتمال
-
مضافا الى انه لا دافع له بعد ان كان عنوان
محاربة الله ورسوله اصطلاحا خاصا لا يراد به معناه الحقيقي
الاولي -
قد يقال باستفادته من الروايات البيانية، حيث ان الوارد
فيها تعابير من قبيل قطع الطريق او من شهر السلاح وضرب
المال واخذه ونحو ذلك مما يكون ظاهرا او منصرفا الى من
يقصد السلب واخذ المال بالقهر والغلبة والقوة،فلا اطلاق في
الروايات لغير هذه الحالة ممن ليس له غرض السلب واخذ
المال اصلا. ودعوى التصدي بالفحوى والاولوية العرفية الى من يريد قتل
النفس او التجاوز على الاعراض مما يعلم انها اهم عند الشارع
من المال، ممنوعة، لان النفس والعرض وان كانااهم عند
الشارع من المال قطعا الا ان توفر الدواعي على اخذ المال
والسرقة اكثر من التجاوز على الاعراض او النفوس، ولعل هذه
النكتة دخيلة في العقوبة المذكورة. هذامضافا الى ان هذه
الفحوى غايتها التعدي الى موارد التجاوز والتعدي بقصد سلب
نفس او عرض، لا مطلق سلب الامن واخافة الناس ولو لغرض
سياسي او شخصي آخر. والحاصل: يمكن ان يقال: ان مصطلح المحاربة يراد به نحوا من
السرقة وقصد اخذ المال قهرا وبالقوة وشهر السلاح لا مطلق
سلب الامن واخافة الناس لاي غرض ومقصد.وقد ورد في فقه
العامة التعبير عن المحاربة وقطع الطريق بالسرقة
الكبرى((28)). والجواب: اما في كلمات الفقهاء، فلما ورد التصريح به في تعريفاتهم
للمحاربة
-
وقد تقدم بعضها
-
بانها عبارة عن شهر السلاح لاخافة
الناس او للافساد في الارض، وهو اعم من فرض كون قصده
خصوص اخذ المال، على انه صرح بعضهم بانه يدخل في الاية
المكابر على البضع كما تقدم عن الفاضل المقداد في
تفسيره((29))، وكذلك تقدم عن كشف اللثام «وانما يتحقق لو
قصدوا اخذ البلاد او الحصون او اسر الناس واستعبادهم او سبي
النساء والذراري او القتل او اخذ المال قهرا مجاهرة»((30)) الى
غير ذلك من تعبيرات فقهائنا الاعلام (قدس الله اسرارهم). كما ان التعريف المذكور لدى فقهاء العامة فيه التعميم، فقد
جاء في الموسوعة الفقهية في تعريف المحاربة: «والحرابة في
الاصطلاح هي البروز لاخذ مال او لقتل او لارعاب على سبيل
المجاهرة مكابرة اعتمادا على القوة مع البعد عن
الغوث»((31)). اما في الادلة فيمكن اثبات ارادة المعنى الاعم بالتمسك
باطلاق الاية وبعض الروايات المتقدمة. اما الاية فلما تقدم عند التعرض للاستدلال بها من ان المحاربة
لله والرسول ليس من المجاز في الكلمة لكي يحمل على معنى
آخر لا نعلم به، بحيث لا بد من استفادته من الروايات، بل من
المجاز في الاسناد مع الحفاظ على المعنى الحقيقي للمحاربة،
اي محاربة ما لله والرسول عليه ولاية، وهو الناس والمجتمع،
وبقرينة عطف جملة: (ويسعون في الارض فسادا...) عليه،
يشخص ان المراد هو الافساد في الارض بالاخلال بالامن
وسلبه واخافة الناس، لا مطلق محاربة المسلمين كمحاربة
الكفار والبغاة. وبناء على قبول هذا الاستظهار لا وجه لرفع اليد
عن اطلاق الاية لمطلق المحاربة مع الناس واخافتهم وسلب
امنهم، وسواء كان بقصد اخذ المال والسرقة ام للتجاوز على
البضع او النفس او اي غرض شخصي آخر، فاذا اتخذ اخافة
الناس وسلب الامن او قطع الطريق وسيلة وطريقا الى غرضه
كان مشمولا للعنوان المذكور في الاية المباركة. واما الروايات فجملة مما تقدم من الروايات يمكن استفادة
الاطلاق منها: من قبيل معتبرة علي بن حسان الوارد فيها: «ومن حارب ولم
ياخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى»((32)) فانه مطلق
يشمل ما اذا لم يكن قصده اخذ المال ولا القتل من اول الامر،
ومجرد ذكر الشقوق الاخرى قبل هذا الشق اعني من حارب
واخذ المال وقتل او قتل ولم ياخذ المال او اخذ المال ولم يقتل
لا يقتضي تقييد هذا الشق بمن اراد اخذالمال او القتل، ولكنه
لم يتمكن منهما، فان هذا بلا موجب، خصوصا اذا لاحظنا ان
تمام فقرات الرواية قد جعلت الموضوع والميزان للعقوبة عنوان
(من حارب) حيث كررت ذلك في كل شق، ما يعني ان
الموضوع للحد المذكور انما هو المحاربة لاي سبب كان.
ومثلها رواية الخثعمي((33)). ومن قبيل معتبرة ضريس عن ابي جعفر(ع)قال: «من حمل
السلاح بالليل فهو محارب الا ان يكون رجلا ليس من اهل
الريبة»((34)) فان هذا التعبير ايضا مطلق يشمل مااذا كان
قصده غير المال، بل التعبير بالريبة بدلا عن التعبير بالسر اق
مثلا يشهد على ارادة مطلق الاشقياء لا خصوص سارق المال،
بل ظاهر «الحديدة» الحاق مطلق من يخيف الناس ولو بحمل
السلاح في الليل مع كونه من اهل الريبة بالمحارب، ما يدل
على ان الميزان بذلك لا بالسرقة. ومنها: رواية جابر عن ابي جعفر(ع) قال: «من اشار بحديدة في
مصر قطعت يده، ومن ضرب بها قتل»((35)). ومثلها رواية
علي بن جعفر((36)) والسكوني((37))لو فرض ارادة المحارب
منها الا انها جميعا من حيث السند كانت غير نقية. واوضح منها في الدلالة رواية احمد بن الفضل الخاقاني التي
ينقلها العياشي في تفسيره((38)) حيث جعل المناط فيها
اخافة السبيل. فالظاهر
-
والله العالم
-
شمول المحاربة لمطلق اخافة الناس
وارعابهم وسلب امنهم بالقوة والمقاهرة، سواء كان بقصد
السلب واخذ المال ام غيره. التطبيق الرابع: لو كان قصده محاربة شخص معين لعداوة بينهما او غير ذلك فشهر السلاح عليه بالخصوص، ولكنه سبب وقوع الخوف والرعب في الناس وسلب امن البلد اوالطريق، فهل يكون هذا مصداقا للمحاربة حينئذ اولا؟ لا ينبغي الاشكال في عدم صدق المحاربة والافساد في الارض
فيما اذا قصد مقاتلة شخص معين وشهر السلاح عليه من دون
ان يلزم منه اخافة الناس الاخرين، والا كان اكثرموارد قتل
العمد من المحاربة، وهذا واضح العدم، والوجه فيه مع انه قد
يتوهم صدق المحاربة بمجرد شهر السلاح للمقاتلة ولو كان
لشخص معين: ما تقدم من ان المراد
بالمحاربة في الاية
الشريفة((39)) والروايات((40)) ليس مطلق المقاتلة والحرب،
بل ما يكون من اجل الاخلال بالامن وايجاد الفساد في الارض،
وهذا انما يتحقق اذا كانت الحرب والاعتداء موجهين نحو النوع
لا نحو شخص معين لعداوة معه، وهذه الخصوصية نستفيدها
من اضافة المحاربة في الاية الشريفة الى الله والرسول، اي ما
يكون محاربة وافسادا لجهة عامة مربوطة بالله والرسول، وهي
اخافة الناس وسلب امن البلد او الطريق، ومن تقييدها بالسعي
في الارض فسادا، الظاهر في افساد وضع الارض وسلب امنه،
ومما ورد في الروايات من التعبير بشهر السلاح في مصر، او في
غير مصر من الامصار، او التعبير باخافة الناس او السبيل او قطع
الطريق او حمل السلاح في الليل مع كونه من اهل الريبة، فان
الملاحظ السنة الادلة المتقدمة يطمئن بان المقصود منها ما
ذكرناه، لا مطلق شهر السلاح لضرب شخص معين او قتله
لعداوة بينهما، فلا وجه لما
ذكره صاحب الجواهر(قدس سره في
المقام بقوله: «بقي الكلام في شيء، وهو اعتبار قصد الاخافة من حيث انها
كذلك لارادة الفساد في تحقق المحاربة، فلا يكفي حينئذ
قصد اخافة شخص خاص لعداوة او لغرض من الاغراض وان لم
يكن شرعيا، او لا يعتبر ذلك كما هو مقتضى اطلاق التفسير
المزبور بل قد يشعر به خبر قرب الاسناد وخبر السكوني
فيتحقق حينئذ صدق المحاربة بما هوفي مثل زماننا من
محاربة جماعة خاصة لجماعة اخرى كذلك لاغراض خاصة في
ما بينهم فاسدة. لم اجد تنقيحا لذلك في كلام الاصحاب
والحديدرا بالشبهات، ولكن التحقيق جريان الحكم على
الجميع مع فرض صدق المحاربة التي يتحقق بها السعي في
الارض فسادا»((41)). والخبران اللذان استشعر منهما الاطلاق مضافا الى عدم تمامية
سندهما، لوقوع عبدالله بن الحسن في سند قرب الاسناد
والنوفلي في خبر السكوني لا دلالة فيهما على ذلك. اما خبر قرب الاسناد فقد نقله عن عبدالله بن الحسن، عن جده
علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر(ع)قال: سالته عن
رجل شهر الى صاحبه بالرمح والسكين فقال: «ان كان يلعب فلا
باس»((42)). حيث يقال: انه بمفهومه يدل على ثبوت الباس اذا كان جادا
قاصدا بذلك اخافته وبقرينة ذكر عنوان شهر الرمح والسكين
يفهم ان نظر الرواية الى شهر السلاح الذي هو عنوان المحارب. الا ان المراد بصاحبه في الرواية ليس الصديق والشخص
المعين، بل مطلق من صحبه في تلك الواقعة والحدث، فيكون
معناه من اشار بالسلاح الى غيره واخافه كفى ذلك في تحقق
المحاربة، وليست الرواية في مقام البيان من هذه الناحية
ليتمسك بالاطلاق فيها، وانما هي في مقام البيان من ناحية
كفاية الاشارة بالحديد والسلاح في تحقق المحاربة.
نظير ما
ورد في رواية جابر عن ابي جعفر(ع) قال: «من اشار بحديدة في
مصر قطعت يده ومن ضرب بها قتل»((43)). وهي ايضا ضعيفة
بعمرو بن شمر. اما خبر السكوني فقد تقدم ذكره في رجل اقبل بنار فاشعلها
في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم قال(ع)انه يغرم قيمة
الدار وما فيها ثم يقتل»((44)). وقد ذكرنا ان الرواية لو كانت ناظرة الى عقوبة المحاربة
فالظاهر منها تحقق الاحراق في دار قوم لا في دار شخص
معين، وهذا يناسب قصد الاخافة للقوم ومحاربتهم
واجلائهم عن ارضهم، وهذا مصداق للمحاربة جزما، اذ لا
يشترط ان تكون المحاربة لجميع الناس بل لمن يسكن في
محلة او يعبر في طريق. فالحاصل: اذا لم تكن المحاربة وشهر السلاح والاخافة فيها
جنبة نوعية، بل كانت موجهة لشخص معين او جماعة معينة
لعداوة او ثار بينهما من دون ان يكون ذلك بقصد
الاخلال
بالحياة المدنية وامن منطقة معينة فليس هذا مصداقا لمحاربة
الله والرسول والسعي في الارض فسادا. وانما الكلام فيما اذا رافق ذلك تحقق سلب الامن وايجاد
الرعب والخوف في المنطقة بان استوجب القتال من اجل
العداوة تحقق الاخافة وفقدان الامن في تلك المنطقة،
فهل يوجب ذلك شمول العقوبة المقررة للمحاربة لمن فعل
ذلك او لا؟ ولعل نظر صاحب الجواهر (قدس سره)((45)) ايضا
الى مثل هذه الحالة. والصحيح في هذه الحالة شمول الادلة، لصدق المحاربة لله
والرسول والافساد في الارض وان لم يكن مقصودا اصليا
للمحارب الا انه حيث يتحقق ذلك بفعله خارجا وهوملتفت الى
ذلك، فقد تحقق الافساد في الارض وسلب الامن ومحاربة الله
ورسوله، ولا دليل على اشتراط قصد اكثر من هذا المقدار بان
يكون ذلك مقصوده الاصلي. واوضح من ذلك ما اذا كانت محاربته لمن يعاديه متوقفة على
ان يحارب النوع ويخيفهم او كان معاداته ومقاتلته معه بطريق
واسلوب بطبعه يكون محاربة للناس جميعا،واخافة لهم كما اذا
اختفى عدوه بين الناس او اخفاه الناس فشهر السلاح عليهم
جميعا بقصد الحصول عليه او ضربه او قتله في ضمن من
يقتل، فان المحاربة والافساد صادقان في هذه الموارد جزما. فالحاصل: انه كلما حصل بالبروز للمحاربة واعمال القوة،
ارعاب الناس وسلب امنهم على حياتهم او اعراضهم او اموالهم
فهو محاربة وافساد في الارض مشمول لاطلاق الاية والروايات، سواء كان بنفسه غرض
المحارب ام كان غرضه الاصلي في شيء
آخر، فتدخل في هذا العنوان جملة من الاعمال الاجرامية اليوم
كخطف الطائرات او السطو على البنوك او الاسواق والمحلات
العامة بالقوة والمقاهرة، او الهجوم على من يعاديه باسلوب
يوجب ضرب كل من حضر هناك او قتلهم، ما يرعب المنطقة،
ويخيف اهلها، بل مايكون من شانه الاخافة، وان لم يخف الناس
اتفاقا لقوة ومنعة فيهم، فان هذا وامثاله من مصاديق محاربة
الله ورسوله والسعي في الارض فسادا بالمعنى العام المتقدم
شرحه،والله الهادي للصواب. هذا آخر ما اردنا ايراده في هذه المسالة، والحمد لله اولا وآخرا،
والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين. ملحق رقم 1 «قد يناقش فيها بان علي بن حسان مشترك بين الواسطي
الثقة والهاشمي الذي ضعفه النجاشي بقوله: «ضعيف جدا ذكره
بعض اصحابنا في الغلاة، فاسد الاعتقاد، له كتاب تفسير الباطن
تخليط كله»((46)) وضعفه الكشي نقلا عن ابن فضال حيث
قال: «قال محمد بن مسعود: سالت علي بن الحسن بن علي بن
فضال عن علي بن حسان، قال:عن ايهما سالت؟ اما الواسطي
فهو ثقة، واما الذي عندنا يشير الى علي بن حسان الهاشمي فانه
يروي عن عبد الرحمان بن كثير، فهو كذاب واقفي ايضا لم
يدرك ابا الحسن موسى(ع)»((47)) وكذلك ابن الغضائري ذكر
في حقهما: «علي بن حسان بن كثير مولى ابي جعفر الباقر(ع)
ابو الحسن يروي عن عمه عبد الرحمان غال ضعيف، رايت
له كتابا سماه تفسير الباطن لا يتعلق من الاسلام بسبب، ولا
يروي الا عن عمه((48)) ومن اصحابنا علي بن حسان الواسطي ثقة ثقة»((49)). فمع التردد بينهما يسقط السند عن
الاعتبار. الا انه يمكن توثيق الرواية وتعيين انها رواية الواسطي الثقة لا
الهاشمي الضعيف، لا من جهة ما ذكره سيدنا الاستاذ في مباني
تكملته، من ان راويها علي بن ابراهيم في تفسيره وقد التزم بان
لا يروي الا عن الثقة فبمقتضى شهادته والتزامه يحكم بان
علي بن حسان في هذه الرواية هو الثقة دون غيره((50)). فان هذا الكلام حتى لو قبلنا كبراه ولم نقبلها في محلها لا يمكن تطبيقها بهذا النحو، لان شهادة علي بن ابراهيم والتزامه بانه لا يروي الا عن الثقة ليس بمعنى انه لا يروي الاعن الثقة الواقعي اي المطابق للواقع، بل يعني انه لا يروي الا عمن هو يعتقد بوثاقته، فلازم شهادته انه يعتقد بوثاقة علي بن حسان الواقع في سند هذه الرواية، فلعله كان يعتقد بوثاقة الهاشمي الذي ضعفه عندنا بشهادة الحسن بن فضال والنجاشي وابن الغضائري بناء على ثبوت نسبة الكتاب اليه فليس نقله للرواية في تفسيره دليلا الا على انه ينقلهاعن علي بن حسان الذي يعتقد بوثاقته، ومن يعتقد بوثاقته مردد بين من ثبت ضعفه فلا حجية لشهادته فيه ومن ثبت وثاقته، فلا يمكن تعيين ان من ينقل عنه في تفسيره هوخصوص الواسطي، وما لم يثبت ذلك لا يثبت موضوع دليل الحجية. |