|
وانما الصحيح في تصحيح سند الرواية استظهار انه الواسطي اما باعتبار ان الهاشمي - كما صرح به ابن الغضائري، وهو ظاهر ما نقله الكشي عن ابن فضال - لا يروي الا عن عمه،ولم يذكر ان له رواية عن المعصوم مباشرة، وهذه الرواية ينقلها علي بن حسان عن الامام الجواد(ع) مباشرة، بل كل ما لم يكن عن عبد الرحمن بن كثير يمكن اعتباره الواسطي لا الهاشمي، او باعتبار انصراف عنوان علي بن حسان الى الواسطي الثقة، لانه المعروف في الروايات والمعروف بالوثاقة عند الكل، بخلاف الهاشمي الذي لم يعهد روايته عن غير عمه، والله العالم بحقائق الامور». ملحق رقم 2 «وقد رواها الصدوق في الخصال((51)) وفي عيون
الاخبار ((52))». اما في الخصال فقد رواها بسند فيه عدة مجاهيل عن الاعمش
عن جعفربن محمد(ع) في حديث شرائع الدين. اما في العيون فقد رواها عن الفضل بن شاذان بطرق ثلاثة: 1- محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة
النيسابوري، عن الفضل بن شاذان. 2- حمزة بن محمد بن احمد بن جعفربن محمد بن زيد بن
علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (العلوي)، عن ابي نصر
قنبر بن علي بن شاذان، عن ابيه، عن الفضل بن شاذان. 3- الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه
ابوعبدالله محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان. ومثل هذا الحديث المنقول بطرق ثلاثة قليلة الواسطة، اعني
بواسطتين بين الشيخ الصدوق والفضل بن شاذان، مع كون
الحديث طويلا وكتابا للامام الرضا(ع) يكتب فيه محض الاسلام
على سبيل الايجاز والاختصار - كما في العيون - قد يوجب
الاطمئنان بان هذا الكتاب كان موجودا عند الفضل بن شاذان،
وقد نقله عنه اولاده او اقرباؤه كما في هذه الطرق بحيث يكون
اصل صدور الحديث عن الفضل بن شاذان مطمئنا به لا يحتاج
الى الحجية التعبدية، والفضل بن شاذان موثق، فيكون الخبر
معتبرا. على ان الطريق الثالث قابل للتصحيح، فان جعفر بن
نعيم بن شاذان من مشايخ الصدوق الذين ترحم عليهم كثيرا
ونقل عنه، وعمه ابو عبدالله محمدبن شاذان قد ورد في
التوقيع الشريف لمحمد بن عثمان العمري الذي سال
الصاحب(ع) روحي فداه عما اشكلت عليه من المسائل،
فورد بخطه الشريف: «واما محمدبن شاذان بن نعيم فانه رجل
من شيعتنا اهل البيت(ع)»، فالرواية معتبرة سندا.
حدود الحرية ا. عباس ظهيري الحرية: مصطلح متنوع المعاني تعد الحرية من المصطلحات الفاتنة والجذابة والمعروفة جدا،
والتي اتخذت لنفسها، طوال التاريخ البشري، صورا واشكالا متعددة، كما تمظهرت في كافة
عصور الحضارة الانسانية في صور ايجابية او سلبية. لقد كانت الحرية، وعلى مستوى ثقافات الجماعات البشرية كافة، موردا للجدل والحوار، فمن بلاط الملوك وقصور الحاكمين، الى اكواخ الرعية والازقة والاسواق، ومن محافل اهل العلم والمعرفة ومهرجانات اهل الادب وانغام المنشدين وقصائد المرهفين، الى حكمة الباحثين المتعمقين وفلسفاتهم، ومن ارباب الكلام القديم الى مبدعي الكلام الجديد، ومن رسالات القادة السماويين المحررة للانسان الى الفتاوى المحيية والمسعدة لعلماء الدين، ومن صرخات لمعان سيوف المحاربين المناهضين للظلم الى هواجس المسجونين وخلجاتهم النفسانية، وفي نهاية المطاف الى ساحات الصراع المرير للصحف والمطبوعات المعاصرة... من ذلك كله واليه كانت الحرية على الدوام مثارا للبحث والمحاورة.ومن هنا مثل الاشتراك اللفظ ي، او المعنوي، لهذه المفردة مع المفاهيم المختلفة والمصاديق المتنوعة لها السبب الابرز لبروز الاشكالية على نحو جاد في كتابات اهل العلم والثقافة ودراساتهم اكثر من اي شيءآخر، الى درجة ان ذلك قد افضى الى تكون الاعتقادات المتضادة. ولقد ادى عدم الانتباه الدقيق الى هذه المسالة الى وقوع الخلط بين المفهوم والمصداق، الامر الذي تبعته استنتاجات متناقضة تناقضا تاما من قبل اصحاب الفكر والمعرفة،ونجم عن ذلك اثارة جدالات لا نتيجة منها. هذه المقالة التي بين يدي القارىء الكريم تسعى، ضمن تقديمها لتعريف ماهوي للحرية والمصطلحات المرادفة لها في الثقافة الغربية، الى بحث اقسام الحرية ومصاديقها، ومن ثم التحقيق والبحث المعمق، والبعيد عن اي نوع من انواع التعصب والجدال، في حكم كل واحد من هذه الاقسام من وجهة النظر الفقهية والكلامية والعرفانية، ومن ثم تشخيص الحدود الممنوحة للحريات من هذه النواحي الثلاث. تعريف الحرية تمثل الحرية مفهوما من المفاهيم المانوسة والمتداولة جدا، الى حد انه يمكن، من ناحية من النواحي، عدها جزءا من سلسلة المفاهيم البديهية والواضحة جدا، بحيث ان انتقاءاي مصطلح، بوصفه معرفا ومبينا لحقيقة الحرية، يؤدي اما الى عدم اتضاح مفهوم الحرية نفسه، او، على الاقل، الى حصول التساوي بين هذا المعرف ومقولة الحرية. هناك الكثير من المفاهيم التي تبدو للنظرة الاولى واضحة وبديهية، تتخذ لنفسها، عقب التامل العميق والنظرة التحليلية لها ووضعها على منضدة التحقيق، مظهرا آخر مجهولا،وتتبلور لها مجموعة من المصاديق المشتبهة وغير المعروفة، وذلك نظير ما ذكره الشيخ الانصاري (رض) في تعريف «الماء المطلق» ، حيث قال: «وهو من اوضح المفاهيم العرفية الا ان تعريف المصنف (اي العلامة) كغيره له... لاجل الاشارة الى امتياز افراد غيره عند الاشتباه»((53)). مفهوم الحرية هو من هذا النوع من المفاهيم، ومن هذه الجهة، قدمت له تعريفات مختلفة، كما ان الباحثين في موضوع الحرية قاموا بادراج جملة من القيود على تعريفها،انطلاقا من القبليات والمعتقدات التي يحملونها ازاءها، ما ادى احيانا الى تقديم تعريفات متباينة وبعضها غريب عن بعضها الاخر، ولعل الاطلاع على ما ذكره احد العلماء الغربيين، وهو «آيزا برلين»، من ان التعريفات التي طرحت للحرية قد بلغت حتى الان المئتي تعريف يجعل المسالة اكثر استشكالا، ويبعث بالتاكيد على التعجب والاستغراب((54)).فبعض الباحثين، من امثال «جون لوك»، يرى «ان الحرية هي القدرة والطاقة اللتان يوظفهما الانسان لاجل القيام بعمل معين او تركه»((55)) وبعض آخر، من امثال «جون استيوارت ميل»، يقول: «ان الحرية عبارة عن قدرة الانسان على السعي وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطة ان لا تكون مفضية الى اضرار الاخرين»((56)). ويكتب بعض آخر، من امثال «كانت»، فيقول: «الحرية عبارة عن استقلال الانسان عن اي شيء الا عن القانون الاخلاقي»((57)).ويعرف الاستاذ آية الله جوادي آملي الحرية، من المنظور الاسلامي، فيقول: «الحرية، من المنظور الاسلامي، عبارة عن التفلت والتحرر من عبودية واطاعة غير الله تعالى»((58)).وهنا لابد من التفتيش عن اسباب ظهور هذه التعريفات المختلفة للحرية في اهداف اولئك الذين عر فوها انفسهم، وذلك لان بعض الباحثين في الحرية انما كان في صدد عرض تعريف لماهية الحرية بقطع النظر عن الجهات السلبية والايجابية لها، في حين كان يسعى بعض آخر الى تقديم تعريف للحرية مرفق بتلك الحدود والقيود التي كان يعدها - طبقا لمعتقداته - ذات قيمة وكمال.وعلى هذا الاساس، فان اولئك الذين كانوا في صدد تعريف اساس ماهية الحرية - بغض النظر عن الابعاد الايجابية والقيمية، او الابعاد السلبية، لها - من امثال «لوك» قالوا: ان الحرية عبارة عن تلك القدرة نفسها على فعل عمل معين وتركه، اما اولئك الذين ارادوا من تعريفاتهم شرح الحرية ذات الجوانب الايجابية والمنتجة والمقبولة وفق النظرالعقلائي العام للوصول الى تحصيل السعادة والنجاح على الصعيد المجتمعي العام، او على الصعيد الفردي، فقد وضعوا في تعريفاتهم كافة القيود المفضية، في نظرهم، الى تحصيل هذه الاهداف.ومن هنا استحضر «جون استيوارت ميل»، في تعريفه للحرية، قيد «شريطة ان لا تكون مفضية الى اضرار الاخرين»، وذلك لان الحرية التي تكون متزاحمة ومصالح الاخرين ليست في نظرة حرية مقبولة عقلائيا. وللسبب نفسه، ايضا، لم يكن «كانت» يرى ان الحرية مستغنية عن اعمال القانون الاخلاقي، بل كان يرى ان رعاية القانون الاخلاقي امر ضروري في تحقق الحرية المقبولة.وهكذا الحال في تعريف الاستاذ الشيخ جوادي آملي فانه، حيث كان في صدد تعريف الحرية من وجهة النظر الدينية، لم يرها منفكة عن العبودية لله تعالى. والذي يبدو هو ان هذا التعريف انما هو من وجهة النظر العرفانية والاخلاقية الاسلامية لا من وجهة نظر الفقه او الكلام. وهنا من الضروري التفريق بين الحرية التكوينية والحرية التشريعية من وجهة نظر الفقه والعرفان، وتقديم تعريف مناسب لمقتضيات كل منهما، ومن ثم البحث في ادلة كل منهما بصورة مستقلة، اذ لا تلاحظ في الحرية التكوينية اية ابعاد قيمية ايجابية او ابعاد سلبية لا قيمية، بخلاف الحرية التشريعية، فان النظر كله الى الحدود والقيود القيمية والمخالفة للقيم من وجهة نظر المقنن والشريعة. ومن اللازم، لاجل توضيح المراد من البحثين، قبل الورود فيهما، تحديد المحور الاصلي للنزاع في موضوع الحرية. تعيين محل النزاع في موضوع الحرية للحرية فروع مختلفة، بعضها مورد نزاع وبعضها الاخر محل وفاق، وهي:
1-
الحرية التكوينية للانسان في الفعل، وخصوصا في مبدا
الفكر. لقد جرى الخلط بين الحرية التكوينية والحرية التشريعية في الكثير جدا من الكلمات والكتابات، كما ان الحرية التشريعية في النظرة الفقهية لم يتم فصلها عن الحرية التشريعية في المنظور العرفاني، فجرى الاستدلال على الحرية التشريعية بوساطة بعض الايات والروايات المثبتة للحرية التكوينية، الى درجة ان الاية الشريفة (لا اكراه في الدين) [البقرة/259] الناظرة بالدقة وبالتقريب الجميل القادم الى الحرية التكوينية للانسان في المجال الفكري وان التصديقات العقدية له غير جبرية بطبعها قد جعلهابعضهم من ادلة الحرية التشريعية والقانونية مصرا بشكل شديد على ذلك. ومن هذه الجهة، ولاجل جعل المحور الاساسي للنزاع في مبحث الحرية في المدنية المعاصرة، اكثر شفافية، من المفيد، بل من، الضروري، الاخذ بعين الاعتبار هذه المسالة، الاوهي ان الحرية التكوينية بحث كلامي متفق عليه بين محصلي علم الكلام القديم والجديد، وكذلك بين اكثرية الفرق الاسلامية، وهي ايضا مورد اجماع الذين يطرحون مسالة الحرية في المدنية المعاصرة، سواء في ذلك الذين يرون الحرية على نحو اطلاقي ام الذين يقبلونها باعلى درجة من المحدودية، ام اولئك الذين يقبلون بها، شريطة ارفاقهابشرائط وقيود خاصة شرعية او عقلائية. والامر الذي يقع موضع نزاع بين دارسي موضوع الحرية، على الصعيد الفكري الديني، انما هو الحرية على المستويين: الشرعي والقانوني.المسالة الاخرى ذات الاثر في تحديد محل النزاع وتبيينه والتي حصلت مع الاسف جدالات غير مثمرة ولا نهاية لها نتيجة عدم الالتفات اليها هي ان القضية المناسبة لكي تكون موردا للبحث والحوار في تعيين نطاق الحرية من الناحية الشرعية ليست حرية الانسان في مرحلة التشريع والتي هي غير منحصرة بالتاكيد بالمستحبات والمكروهات والمباحات وانما حريته في مرحلة امتثال التكاليف الالزامية (الواجبات والمحرمات) او عصيانها. وبعبارة اخرى، ان الامر المناسب لجعله موردا للكلام والبحث الفقهي هو: «هل يمكن للشخصية الحقوقية، كالحاكم الشرعي، او الشخصية الحقيقية كاي فرد من افراد المجتمع،ممارسة الاجبار عملا لامتثال ما حدد وجوبه او حرمته في الشرع بالنسبة للاخرين وبالتالي الحد من حرياتهم؟». ومن العجيب ان بعضهم قد وسع مجال البحث في الحرية الى حد جعله شاملا لمسالة الخلاف الاصولي الاخباري في مسالة جريان اصالة البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية، وفسر اصالة البراءة والاباحة الاصولية بانها اصالة حرية الانسان، مع انه وفقا لما تقدم لا توجد اية علاقة بين الاختلاف الاصولي الاخباري وبين مسالة الحرية،كما ان هذا الخلاف لا يلتقي مع المراد والمطلوب من الحرية. الحرية الانسانية في المنظور الكلامي ان قضية حرية الانسان التكوينية في كافة افعاله، بدءا من السلوك والتصرفات وصولا الى التصورات والمعتقدات، تمثل واحدة من المباحث الكلامية التي كانت مطروحة منذزمن بعيد بين ارباب الكلام، لا سيما علماء الدين، وقد مثل هذا البحث اساسا لظهور ثلاث مدارس اساسية هي: 1 - المذهب الاشعري القائل بحاكمية الجبر على الافعال الانسانية جميعها.2- مذهب المفوضة الذي يعتقد بالاختيار المطلق. 3- مذهب العدلية القائل بمسلك الامر بين الامرين (اي الحد الوسط بين الجبر المطلق والاختيار المطلق). ان طرح موضوع الحرية، من وجهة النظر الكلامية في هذا البحث، هو في الغالب ذا جانب تطفلي، ومن هنا فاننا سوف ندرسه بوصفه مقدمة للبحث عن «حدود الحرية في المنظور الفقهي»، ولذلك نكتفي بذكر الايات والروايات التي تثبت، بشكل او بآخر، مبدا الحرية الانسانية. الحرية التكوينية الانسانية في الايات الكريمة توجد، في القرآن الكريم، الكثير من الايات التي تطرح موضوع الحرية التكوينية للانسان بعناوين مختلفة: أ - فتحت عنوان حرية الانسان في اختيار الهداية والضلال جاء: ب - وتحت عنوان كون الانسان مختارا في كسب افعاله
الجسمية او القلبية الحسنة او السيئة جاء ايضا: وايضا الايات الشريفة: وفي بعض آخر من الايات الكريمة، تم اسناد فساد الانسان في
الارض، وكذلك اعماله جميعها اليه نفسه، وهو امر يحكي
بشكل جيدعن البعد الاختياري والانتخابي للانسان والحرية
التكوينية له: ج - ان هناك آيات متعددة تصنف الثواب والعقاب، وكذلك المكافاة والمجازاة في الدنيا والاخرة، نتيجة لاعمال الانسان نفسه الحسنة او السيئة، وهذا دليل محكم على حريته التكوينية، لان الثواب والعقاب لا معنى معقولا لهما ابدا اذا رتبا على عمل صادر على نحو الجبر، بل ان ذلك يعد محالا بالنسبة للمثيب والمعاقب الحكيم كالله تعالى. ونذكر هنا نماذج من هذه الايات الكريمة: د - ويخاطب الشيطان يوم القيامة اولياءه ويبرىء نفسه، وينفي
ممارسته اي نوع من الاعمال الاجبارية معهم، ويرى ان
اتباعهم له انما كان نتيجة لحريتهم واختيارهم: وفي الحقيقة، فاذا لم يكن الانسان في اتباعه للشيطان كبقية اعماله حرا ومختارا وانما كان كما تقول الاشاعرة مجبورا، فاي معنى لاستجابته دعوة الشيطان حينئذ؟ وكيف يمكن قبول توجيه اللوم له على اتباعه هذا؟! الحرية التكوينية للانسان في الروايات الشريفة ان الاخبار التي تطرح البعد الاختياري للانسان وتبين خصيصة
الانتخاب التكوينية فيه، في الاعمال والافكار، مستفيضة، بل انها تبلغ حد
التواتر، وتجنبا لتوسعة البحث نقتصرعلى ذكر بعض النماذج منها: يقول علي(ع) ان الله امر عباده تخييرا (لا جبرا) ونهاهم تحذيرا
وكلف يسيرا»((59)). اشكال اذا كان الانسان، بحكم الايات والروايات المذكورة، موجودا مختارا، وليس هناك اي جبر الهي حاكم عليه، فكيف ينسب الله تعالى لنفسه، بالمباشرة، وفي آيات كثيرة، ضلال عباده؟ وفي ما ياتي بعض من هذه الايات: (فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين) [الروم/29]. الجواب وفقا لما يذكره العلامة الطباطبائي، فان الاضلال والاغفال على
نوعين هما: ان ما ينافي، من هذين النوعين، البعد الاختياري للانسان ولا يجتمع معه هو «الاضلال والاغفال» الابتدائيان، بحيث ان الله تعالى، قبل ان يدلل على نفسه في ساحة العبودية، يقوم باضلال الانسان، ويغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، الا ان اضلال الله تعالى واغفاله انما هما دائما من نوع الجزاء، بمعنى ان العبد بعدما وضع نفسه في مجال الامتحان يقوم وبشكل متواصل بعصيان التكاليف والهدايات التشريعية الالهية ويضعها تحت قدمه، فيخرج نفسه من قابلية شمول توجهات الحضرة الالهية وعناياتها وتوفيقاتها، فهناك يختم الله على قلبه بختم الضلالة، وبذلك يوصل جزاء عدم الاعتناء بالهدايات التشريعية وعقابه الى مرحلة الفعلية. ان هذا الجواب هو جواب متين ومحكم، وله جذور في روايات اهل بيت العصمة والطهارة(ع) ففي رواية يسال شخص الامام الرضا(ع) عن هذه الاية الكريمة: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) فيقول: «اليس الختم على قلوب الكافرين واسماعهم جبرا؟» فيجيبه(ع) الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا)((64)) اي ان هذا الختم من الله تعالى على قلوب الكافرين وسمعهم لم يكن ابتدائيا ابدا، وانما جزاء وعقوبة على اختيارهم الكفركما في الاية الشريفة: (بل طبع الله عليها بكفرهم) الدالة صراحة على ان الختم على قلوبهم انما كان نتيجة لاختيارهم الكفر. والنتيجة هي ان الانسان، من منظار كلمات الوحي الالهي والمتصلين به(ع) عبارة عن موجود حر ومختار من الناحية التكوينية، وينعم بهذه الحرية في افعاله وتصرفاته وقناعاته ومعتقداته جميعها، ومن ثم فهو حر تكوينا في اعماله جميعها وحتى في اعتقاداته الذهنية. وطبعا، فان هذا لا يعني خروج الانسان عن حيطة القدرة والارادة الالهيتين، وانما المقصود اثبات اصل الحرية والاختيار التكويني للانسان، ومن ثم نفي مسلك الاشعرية الذي يرى ان كافة الظواهر المنبثقة عن الانسان انما هي نتيجة الفعل الالهي والارادة الالهية، فهو يقول: ان ما سوى الله تعالى معلول له، وحتى نور الشمس ليس اثرا لها وانما هو فعل الله تعالى، غاية ما في الامر ان عادته تعالى قد جرت على بث النور عند طلوع الشمس. ان الايات والروايات المتقدمة تمثل دليلا محكما على رد هذه الرؤية، كما هو الحال في مسلك التفويض المردود وغير المقبول، ايضا، نتيجة الادلة العقلية والنقلية التي تقدم بعضها، والتي تعالج تفصيلاتها في علمي الفلسفة والكلام. ان البحث الدقيق جدا عن الامر بين الامرين، وكيفية تصوير هذه الحقيقة، وهي ان الانسان في افعاله يجري على الحد الوسط بين الجبر والاختيار، وكذلك الرد على شبهات الاشاعرة والمفوضة... ان هذا البحث واسع جدا، وهو بعيد عن طبيعة هذه المقالة، اذ انه يحتاج الى مقالة مستقلة. حدود الحرية من المنظار الفقهي تمثل الحرية التشريعية، او حدود حرية الانسان، من وجهة النظر الشرعية والقانونية، عمدة البحث في المدنية المعاصرة والمحور الاساسي للاختلافات حول مسالة الحرية عموما. الحرية التشريعية عبارة عن حرية الانسان من منظور الشرع ونظامه التقنيني. والمقصود من هذا البحث هو: هل ان المواطنين المنعمين بالحرية التكوينية، في كافة افعالهم وتصديقاتهم الذهنية، وكذلك في اذعانهم وانكارهم القلبيين، هل انهم في نظام الحياة احرار ايضا من الناحية القانونية والشرعية؟ واذا كانوا احرارا فهل يعني هذا انهم، في المجتمع الاسلامي، احرار من دون اي قيد او حد، بحيث ان اي مواطن يمكنه ممارسة ما اختاره من طريقة العيش كيفما كانت وعلى اي نحو؟ هل يمكن، من وجهة نظر الشرع، ان يكون المواطن في المجتمع الاسلامي حرا بحيث يستطيع متجاهلا الاحكام الالهية ارتكاب اي منكر من المنكرات، ولا يحق لاي شخص اعم من الشخصية الحقيقية او الحقوقية ان يعترض او يبدي رد فعل ازاء ذلك، او ان القضية هي انه كما ان الانسان في مرحلة التشريع ليس حرا، وهناك واجبات ومحرمات متوجهة اليه، فانه في مرحلة الامتثال ليس حرا كذلك، بل يمكن تنظيم حريته من طرف الحاكم الشرعي او آحاد المجتمع بحيث تكون ذات اطر وحدود؟ واذا كان الامر كذلك فما هي هذه الحدود، وما هي المرجعية التي ترسمها؟ وحتى يكون النظر الشرعي والقانوني، في هذا المجال، واضحا هنا، من اللازم بحث كافة جوانب الموضوع، وتبيين حكم كل واحد منها من الناحية الفقهية. وعلى هذا الاساس، سوف نبحث حرية الانسان في مرحلتي ما قبل البلوغ وما بعده، وعلى كلا التقديرين حريته امام العائلة والمجتمع والحكومة الاسلامية، ومن ثم نوضح حكم كل واحد منها من الناحيتين الشرعية والقانونية اعتمادا على المنابع الاجتهادية. حدود الحرية الانسانية قبل البلوغ من المعلوم لدينا ان الانسان، قبل وصوله الى حد البلوغ، يكون حرا ومطلق العنان، ولا يتوجه اليه اي نوع من الواجبات والمحرمات، فهو حر الى الحد الذي لا يتسبب فيه بتوجيه الضرر الى الاخرين او الاثار التربوية السيئة الى نفسه، سواء في ذلك مرحلة التشريع ام بطريقة الاولوية مرحلة العمل، الا انه في اي وقت يقدم غير البالغ فيه على عمل موجب للضرر على الاخرين، او يجر هذا العمل عليه المفسدة والاثار الاخلاقية والتربوية السيئة، في هذا الوقت يكون لاوليائه المسؤولين في اطار نظارتهم على سلوكه الحق في تحديد حريته، وكذلك الحاكم الشرعي موظف في اطار سعيه لتدارك الضرر والخسارات المالية الواردة على الاخرين بتاديبه بدنيا عن طريق اوليائه. وبناء عليه فحرية الانسان قبل البلوغ محدودة من جهتين: أ - فالشرع - من ناحية - قد اعطى اوامره لاولياء غير البالغ بمراقبته مراقبة شديدة في ما يتعلق بالمسائل الروحية والمعنوية، وكذلك توجيهه للتعاليم الدينية والحيلولة بينه وبين المفاسد الاخلاقية، بحيث منح الاب - في اطار نظرة دقيقة حول كيفية التربية والتعاطي مع الولد كما يقول الامام علي(ع) من كان له ولد صبا»((65))- صلاحية التشديد حتى لو وصل الحال الى التاديب البدني بهدف تعليم الولد وتمرينه على بعض التعاليم الدينية وجعلها عادية بالنسبة اليه.يقول الامامان الباقر والصادق(ع) في خبر معتبر: ثم يترك حتى يتم له تسع سنين، فاذا تم ت له علم الوضوء وضرب عليه واءمر بالصلاة وضرب عليها»((66)). وبهدف الحيلولة دون وقوع الابناء في التلوثات الاخلاقية والجنسية فقد اجيز استخدام بعض انواع التحديد في العلاقة مع الجنس الاخر، او الجنس الموافق، بشكل ظريف ولطيف ايضا، بل ان الاولياء مسؤولون عن رعايتهم، ولذلك يجري الحد من اعمالهم لحريتهم التكوينية في مرحلة التشريع. يقول رسول الله(ص) وفق صحيحة عبدالله بن ميمون: الصبي والصبي، الصبي والصبية، والصبية والصبية، يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين»((67)). ان هذه الصحيحة هي معتمد فتوى الفقهاء العظام، كما جاء في العروة الوثقى في المسالة الرابعة والاربعين، حيث قال مؤلفها: «يفرق بين الاطفال في المضاجع اذا بلغوا عشر سنين»، وقد قبل كافة الذين كتبوا حواشي على العروة، ومن بينهم الامام الخميني الراحل(قده)، هذه الفتوى. ب- ومن جهة اخرى، فقد امر الحاكم الشرعي بتعزير الولد وتاديبه اذا ما ارتكب بعض المنكرات الاجتماعية، كما في النصوص الكثيرة المعتبرة الواردة في سرقة غير البالغ،حيث جاء فيها انه يعفى عنه في المرة الاولى، فيما يقوم الحاكم الشرعي وفق ما يراه من المصلحة بتاديبه وضربه في ما بعد، وذلك الى درجة انه اذا لم يقلع عن الاعمال القبيحة بمعاقبته بالجلد بلطف، فانه يمكن للحاكم الشرعي ان يقطع اطراف اصابعه واذا لم يكن ذلك مؤثرا ايضا، فبامكانه مواجهته بما هو اشد من ذلك، ففي صحيحة عبداللهبن سنان المروية عن الامام الصادق(ع) جاء: في الصبي يسرق قال: يعفى عنه مرة، فان عاد قطعت انامله او حكت حتى تدمى، فان عاد قطعت اصابعه، فان عاد قطع اسفل من ذلك»((68)). لقد اتفق الفقهاء العظام، المتقدمون منهم والمتاخرون، وكذلك المعاصرون، على اجراء العقوبة البدنية على الصبي السارق، بالرغم من اختلافهم في الجملة في كيفية تاديب الحاكم الشرعي له، وفي ذلك يذكر الامام الخميني الراحل، في رسالته العملية، ما نصه: «فلو سرق الطفل لم يحد ويؤدب بما يراه الحاكم»((69)). ان هذا الامر يدلل على ان غير البالغين، وان كانوا احرارا بالحرية التشريعية، ولا يثبت عليهم اي واجب او حرام، الا ان ذلك لا يعني انهم ينعمون بالحرية المطلقة، وانه لا مقيد لتصرفاتهم من اية جهة حقيقية كانت او حقوقية. ويبين الفقيه المحقق، صاحب العروة، في عبارة جامعة، القيود التي يمكن للاولياء فرضها على اولادهم غير البالغين، فيقول: «يجب على الولي منع الاطفال عن كل ما فيه ضررعليهم وعلى غيرهم من الناس، وعن كل ما علم من الشرع ارادة عدم وجوده في الخارج، لما فيه من الفساد كالزنى واللواط والغيبة، بل والغناء على الظاهر، وكذا عن اكل الاعيان النجسة وشربها مما فيه ضرر عليهم». ان كل الذين كتبوا حواشي على العروة ومن بينهم الامام الراحل(قده) قد قبلوا هذه الفتوى الا انهم احتاطوا في ما يتعلق بالغناء منها. وروح المطلب هو ان الفقهاء وعلماء الدين جميعهم متفقون على ان تلك المجموعة من المحرمات التي يستفاد من ادلتها ان غرض الشارع انما هو عدم تحقق ذات العمل من اي شخص صدر، سواء من البالغ ام من غيره، كالقتل والزنى واللواط وشرب المسكر، لا شك في ان الاطفال غير احرار فيها، وعلى الجميع لا سيما الاولياء العمل للحيلولة دون حصول ذلك، اما تلك المحرمات التي لا يستفاد من ادلتها بغض العمل نفسه وانما العمل صادرا من المكلف، فان غير البالغ ليس ممنوعا عنها، بل هو حر ازاءها، وليس على الاخرين مسؤولية منعه منها. حدود الحرية بعد البلوغ من الناحية الفقهية عندما يصل الانسان الى مرحلة البلوغ والرشد فان الشرع يقوم بتحديد حريته اكثر من السابق وفق نظامه القانوني، ويعده موجودا مسؤولا، ويضع على عهدته ما يلزم فعله ومايلزم تركه، ويطالبه بحفظ ارتباطه بالخالق تعالى في صورة الصلاة والصيام، ويستدعيه للتوجه الى الضعفاء المحتاجين والانتباه للنواقص الموجودة في المجتمع عن طريق اداء الزكاة والخمس والدفاع والجهاد ضد العدو، ويحرم عليه اي عمل فردي او اجتماعي يهد د حياته المعنوية ورشده وتكامله، كالكذب والغيبة والزنا والتعدي على حقوق الاخرين، كما انه لا يقبل منه اي نوع من التقصير في مرحلة الامتثال امام المسؤوليات التي جعلها في عهدته، وبالتالي فقد منع من التخلف عنها، وجعلها خارجة عن مجال اختياره، ففي القرآن الكريم: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)[الاحزاب/36]. ومع هذا فلا تعطى اي شخصية حقيقية او حقوقية، وحتى الحاكم الشرعي، اي اجازة في الاستفادة من الجبر والقهر والجرح احيانا في كافة الواجبات والمحرمات بنحو شامل ومطلق، وبالتالي الزام الرعية بامتثال تكاليفها ووظائفها الشرعية. ويمكن تقسيم الاحكام الالهية من هذه الجهة الى قسمين والحكومة الاسلامية لها الحق في استعمال القوة والاجبار وصولا الى مرحلة الجرح والقتل في قسم واحد منهما هما: 1 - مجموعة الاحكام التي ليس للحكومة الاسلامية في مقابلها الاوظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، شريطة عدم الوصول الى القتل والجرح، وهذه الخصوصية انماهي للاحكام ذات الطابع الفردي الالهي كوجوب الصلاة والصيام، ولا تستتبعها اي مفسدة اجتماعية، او نوع من التعدي على حقوق الاخرين وهتك المقدسات والتظاهر بالمنكرات والاقدام على ما يخالف مصالح النظام. وهنا يصل البحث الى مرحلة دقيقة وحرجة جد ا، ولعل قبول المتدينين اصحاب القلوب المحترقة على الدين لهذا الامر فيه شيء من الاشكالية، اذ كيف يمكن ان يكون الانسان المسؤول، من وجهة نظر الشرع، امام تكاليفه الالهية، وذو الصلاحيات المحدودة، والمعاقب على التخلفات التي يقوم بها باستحقاق العذاب والجزاء الابدي، كيف يمكن ان يكون حرا امام الحكومة الالهية في ما يتعلق بالتكاليف، بحيث ان بقية المواطنين ومعايشيه المذهبيين والحاكم الشرعي لا يمكنهم اجباره على القيام بوظائفه الالهية بالغا ما بلغ الامر؟! الا انه من المنظور الفقهي لا مفر من التفكيك بين هذين الامرين بحيث يكون الانسان محدودا امام الواجبات والمحرمات الفردية الالهية وفاقدا للحرية ايضا من جهة، الا انه من جهة اخرى ومن ناحية حدود صلاحيات الحكومة الاسلامية يكون حرا، وليس لاحد الحق في فرض ذلك عليه، وذلك لانه لا يمكن العثور على اي دليل، وتحت اي عنوان فقهي دال، على تجويز الاستعانة بالاجبار والفرض وصولا حتى مرحلة الجرح والقتل حتى من ناحية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا النوع من التكاليف، الا اذا ترتب عليه عنوان ثانوي الهي، وذلك لانه بالرغم من ان كثيرا من الفقهاء قد جوز في المرتبة الثالثة من الامر بالمعروف التوسل بالاجبار والفرض من قبل غير الحاكم الشرعي حتى في هذه المجموعة من التكاليف الفردية الالهية، الا انه بغض النظر عن ايجابه في بعض الموارد الهرج والمرج لا يمكن اقامة دليل متقن وغير قابل للنقد على هذا المدعى، والوجوه التي اقاموها على ذلك يمكن الايراد عليها والخدش بها بما لا مجال له في هذا المقام ويحتاج الى بحث مستقل. نعم ان الاستعانة بالمرتبة الثالثة من الامر بالمعروف الى حد الجرح والقتل من قبل الحاكم الشرعي في الموارد التي تكون ذات طابع اجتماعي، كالتعدي على حقوق الاخرين،او القيام باعمال موجبة لاشاعة الفحشاء او الاخلال بالنظام او توهين المقدسات وامثال ذلك... ان هذه الاستعانة امر مسلم به كما سنبحثه في القسم الاتي. وعلاوة على ما تقدم، فذاك النوع من الاحكام الفردية الالهية لا يثبت فيه حق الفرض والاجبار للاخرين وابناء المذهب الواحد وحتى للحكومة الاسلامية فقط، بل انه ليس لهؤلاء الحق في التجسس والبحث عن الحياة الخصوصية لافراد الرعية والمواطنين الاخرين، بهدف استعلام مدى رعايتهم او عدم رعايتهم لتلك الاحكام المذكورة، لان التجسس باي نوع من الانواع محرم بحكم الاية الشريفة (ولا تجسسوا) [الحجرات/12] وكذلك الروايات الكثيرة جدا والاتية على نحو الاطلاق، والتجسس هو ذاك التقصي الهادف الى العثور على العيوب والخفايا. وقد جاء في دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية: «الرسائل والمكالمات الهاتفية، والمخابرات البرقية، والتلكس لا يجوز فرض الرقابة عليها او منع ايصالها او افشائها الابقانون»((70)). ويكتب الامام الخميني الراحل، في رسالته الى جهاز ملاحقة المخالفات القضائية والادارية، فيقول: «ان التجسس على احوال الاشخاص غير المفسدين وعلى ما عدا الفئات المخربة ممنوع مطلقا، وتوجيه الاسئلة الى الافراد حول عدد المعاصي التي ارتكبوها كما تفيده بعض التقارير مخالف للاسلام، والمتجسس عاص، ولا بد في انتخاب الاشخاص من ان يكون هذا النحو من الامور المخالفة للاخلاق الاسلامية والمخالفة للشريعة المطهرة ممنوعا»((71)). والجهة الوحيدة التي لا يبعد اعتبارها مجازة شرعا في استعمال الجبر وممارسة الفرض من بين المواطنين وافراد الامة، بهدف تحصيل التعهد العملي والارتباط بالواجبات والمحرمات الالهية، هي العائلة لا سيما الاولياء من افرادها، فان بامكان هؤلاء ذلك في ما يخص الاشخاص الذين يقعون تحت اشرافهم العائلي. والمستند والمعتمد لهذا المطلب امران: أ- الاية الشريفة (يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم واهليكم نارا
وقودها الناس والحجارة) [التحريم/6]. ب - صحيحة عبدالله بن سنان المروية عن الامام الصادق(ع): جاء رجل الى الامام الصادق(ع) فقال: ان امي لا تدفع يد لامس،
فقال: فاحبسها، قال: قد فعلت، قال: فامنع من يدخل عليها،
قال: قد فعلت، قال: قيدها فانك لا تبرها بشيء افضل من ان تمنعها من محارم الله عز
وجل»((72)). فقد جاء في ذيل هذه الصحيحة جملة «قيدها فانك لا تبرها بشيءافضل...»، وهي تمثل تعليلا لحكم وارد على سبيل القاعدة الكلية، وهو يفيد ان حق الاستفادة من الجبروالفرض ثابت بالنسبة لاقارب الانسان كالام بهدف الحيلولة دون ارتكابهم المعاصي، وبعبارة اخرى فانها تجعل نحوا من الولاية للانسان على هؤلاء. 2 - المجموعة الاخرى عبارة عن الاحكام التي جعل الشارع الحكومة الاسلامية ناظرة ومشرفة على تطبيقها عمليا كما منع الانسان من ممارسة حريته التكوينية بالنسبة لهافي مرحلة التشريع، وبهدف التطبيق الدقيق لهذه الاحكام، فقد جوز الاستعانة بالجبر والفرض والمواجهة الجادة مع المخالفين لا بل اوجب ذلك، وفي بعض الموارد وضع حدا او تعزيرا وتاديبا بدنيا وماليا - وفي بعض الحالات القتل - لاجل ذلك، ومن هنا، فقد حد من حرية الانسان. وفي نظرة شاملة يمكن عد بعض الحريات الانسانية التي
ينطبق عليها احد هذه العناوين الكلية ممنوعا من المنظار
الفقهي، وهي: أ - التعدي على اموال الاخرين ونفوسهم واعراضهم. وسوف يجري هنا بحث الصبغة الفقهية لكل واحد مما عددناه، وسنبين، اتكاء على المباني الاجتهادية، الادلة على ذلك من الناحية الفقهية. أ - التعدي على اموال الاخرين وانفسهم واعراضهم ان الاوامر الواردة في الكتاب والسنة والمبنية على اجراء القصاص والحدود والتعزيرات في هذه الموارد (التعدي على نفوس و...) تمثل شاهدا محكما على محدودية الحرية القانونية للانسان. فقد جاء في مورد التعدي على نفوس الاخرين: (ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب) [البقرة/179]. (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) [الاسراء/33]. كما جاء في مورد التعدي على اموال الاخرين: (السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) [المائدة/35]. اما في الموارد التي لا يتحقق فيها شرط من شروط قطع اليد، فان الفقهاء متفقون على ان للحاكم الشرعي تعزير السارق، واما التعدي واهانة اعراض الاخرين فانه موجب لاستحقاق الحد او التعزير، فقد شرعت عقوبة ثمانين جلدة على توجيه الاهانة للمسلم على شكل القذف (اي نسبة الزنا او اللواط اليه) (والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتواباربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون) [النور/4]. ومع التامل في هذه الاية الشريفة، وفي الروايات المعتبرة الواردة في البابين: الثاني والثالث من ابواب حد القذف من كتاب وسائل الشيعة((73)) يلاحظ ان هذا الحكم هومورد اتفاق جميع الفقهاء. اما اذا كانت الاهانة للمسلم على شكل آخر غير القذف، فان ذلك يكون موجبا للتعزير، كما يبين ذلك المحقق الحلي في كتابه الشرائع، حيث يقول: «كل تعريض بما يكرهه المواجه، ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفا، يثبت به التعزير، لا الحد»((74)). وقد ادعى صاحب الجواهر الاجماع على ذلك وقال: «بلا خلاف اجده فيه بيننا»((75)). وبلا شك، فان اتفاق الفقهاء منبثق عن الروايات المعتبرة الواردة في هذا الباب، فقد خصص صاحب الوسائل بابا لذلك اسماه «باب ان من سب وعرض ولم يصرح بالقذف فلاحد عليه، وعليه التعزير»((76)) ونحن نكتفي هنا بذكر انموذج من هذه الروايات، وهو ما ينقله عبد الرحمن بن ابي عبدالله احد الرواة الموثقين بسند صحيح، حيث يقول:سالت ابا عبدالله(ع) بن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال: عليه تعزير»((77)). والنتيجة هي ان واحدا من حدود الحرية الانسانية في الحياة مع الاخرين، من الناحية الفقهية، هو التعدي على نفوس الاخرين واموالهم واعراضهم، لان اي حركة سواء على شكل كلام ام كتابة توجب ذلك تعد ممنوعة ، وللحاكم الشرعي مواجهتها بشكل قاطع على صورة اجراء الحدود او التعزيرات. ب - التعدي على حقوق الاخرين العنوان الاخر الذي يحد من حرية الانسان فقهيا هو التعدي على
حقوق الاخرين، ففي مختلف ابواب المعاملات من حق القبض والاقباض في البيع
والاجارة وامثال ذلك وحق اعمال الخيارات، الى حق المطالبة بالمنافع المستوفاة
وضمان التالف وحق النفقة وحق الحضانة و... اذا اراد احد طرفي المعاملة ان
يتجاهل حق الطرف الاخر فيها اويتجاوزه فان الحاكم الشرعي باتفاق الفقهاء مطالب
باجباره على الوفاء بتعهداته ووظائفه الشرعية واعادة الحق للطرف المقابل. حدود حرية الانسان قبال حقوق الحيوانات يقول المحقق الحلي في كتابه الشرائع: «واما نفقة البهائم المملوكة فواجبة سواء كانت ماكولة او لم تكن، والواجب القيام بما تحتاج اليه، فان اجترات بالرعي والا علفها، فان امتنع اجبره الحاكم على بيعها او ذبحها ان كانت تقصد للذبح او الانفاق»((78)). ويعلق صاحب الجواهر عند نقله هذه العبارة فيقول: «فان تعذر اجباره ناب الحاكم في ذلك عنه على ما يراه»((79)). ويقول الامام الخميني الراحل(قده) حول هذا الموضوع: «ولو امتنع المالك من الانفاق على البهيمة، ولو بتخليتها للرعي الكافي لها، اجبر على بيعها او الانفاق عليها او ذبحها،ان كانت مما يقصد اللحم بذبحها»((80)). ويوافق آية الله السيد احمد الخونساري ايضا على اصل وجوب نفقة الحيوان على مالكه، ويدعي على ذلك عدم الخلاف، فيقول: «واما البهائم المملوكة فنفقتها واجبة بلاخلاف ظاهرا سواء كانت ماكولة او لم تكن وسواء انتفع بها او لا»((81)). والمستند لوجوب نفقة الحيوان على المالك هو الروايات المتعددة التي ينقلها صاحب الوسائل في الباب التاسع من ابواب احكام الدواب تحت عنوان: «باب حقوق الدابة المندوبة والواجبة»((82)). اما مستند ان للحاكم اجبار المالك على احد امور: اما تقديم العلف والماء للحيوان او بيعه او ذبحه، فبالرغم من انه لم ترد مثل هذه الخصوصيات في اي رواية، الا انه يمكن تتميم الناحية الفقهية هنا من خلال مبنى ثبوت الحق للحاكم الشرعي في اجبار اي شخص متخلف عن القيام بواجباته على ادائها، والا فاذا لم يتم قبول هذا المبنى فانه لامجال للتحقق من وجه آخر لاثبات هذا الحكم. ج - مزاحمة الاخرين لم يعط النظام الاسلامي من وجهة النظر الفقهية اي شخص الحق في الاستفادة من حرياته اذا ما سببت ايجاد نوع من المزاحمة للاخرين، سواء كانوا مسلمين ام اهل ذمة،وحتى المالك الذي يتصرف في ملكه موقعا المزاحمة على الاخرين ليس له حق التصرف هذا من الناحية الفقهية، والحاكم الشرعي مسؤول عن المواجهة بقاطعية مع هذا النوع من ممارسة الحرية، ومن ثم تحديد حرية ذلك الانسان. ان فلسفة ضرورة وجود الحكومة، ولا سيما لزوم ادارتها من قبل الفقيه الجامع للشرائط، تمثل دليلا واضحا على مسؤولية الحاكم الشرعي في الحد من وجود مثل هذا النوع من الحريات، ويلزم - بهدف اقرار الهدوء التام والحفاظ على امن المواطنين - بمواجهة هذه الظاهرة مواجهة حازمة. وبالاضافة الى ذلك يمثل الحديث النبوي المعتبر: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام»((83)) شاهدا محكما على نفي حرية الانسان في الموارد التي يتسبب فيها بمضايقة حق الاخرين. ومن العجيب جعل بعض الكبار، ايده الله تعالى، الرواية المذكورة دليلا على الحرية المشروعة، بالرغم من انها تتناسب مع الاخذ بعين الاعتبار متنها ومورد صدورها مع تحديدالحرية اكثر من تشريعها، وان كان يمكن، بتقريب من التقريبات، استفادة حرية الانسان في محيط منزله منها، الا ان هذه المرتبة من الحرية ليست بتلك المرتبة المبهمة، كما انها ليست موردا للبحث والجدال بين المؤيدين والمعارضين من الباحثين حول الحرية. |