والذي يبدو هو انه - وحتى يكون البحث اكثر شفافية - لا بد في البداية من التعرف على متن الرواية المذكورة وشان صدورها، اذ ينقل الصدوق هذه الرواية عن ابن بكر، وهو بدوره ينقلها عن زرارة كالتالي: عن ابي جعفر(ع) قال: ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الانصار، وكان منزل الانصاري فيه الطريق الى الحائط، فكان ياتيه فيدخل عليه ولا يستاذن، فقال: انك تجيء وتدخل ونحن في حالة نكره ان ترانا عليها، فاذا جئت فاستاذن حتى نتحرز، ثم ناذن لك تدخل، قال: لا افعل هو مالي ادخل عليه ولا استاذن، فاتى الانصاري رسول الله(ص) فشكا اليه واخبره، فبعث الى سمرة، فجاء فقال: استاذن عليه؟ فابى، وقال له مثل ما قال للانصاري، فعرض عليه رسول الله(ص) ان يشتري منه بالثمن فابى عليه، وجعل يزيده، فيابى ان يبيع، فلما راى رسول الله(ص) قال له: لك عذق في الجنة، فابى ان يقبل ذلك، فامر رسول الله(ص) الانصاري ان يقطع النخلة فيلقيها اليه، وقال: لا ضرر ولا ضرار»((84)).

والملاحظ هنا ان شان صدور «لا ضرر ولا ضرار» هو ذاك الانسان الوقح سمرة بن جندب الذي يستفيد من حريته سوء الاستفادة، ويدخل منزل المسلم فجاة ومن دون اعلام مسبق رافعا شعار «احترام الملكية»، وبذلك يكون موجبا لاذية الانصاري وعائلته ومزاحمتهم.

ان رسول الله(ص) وبجملته الراقية والقيمة: «لا ضرر ولا ضرار»، يصدر عمليا حكما كحاكم للمسلمين بلزوم قلع العذق، ومع قلعه يتم اعدام الارضية الموجبة لوقوع الاذية والمزاحمة للاخرين.

وبناء عليه، فالمراد الاصلي لهذه الرواية هو نفي شرعية الحرية المفضية الى مزاحمة الاخرين من قبل سمرة بن جندب، وان كان يمكن ايضا استفادة احترام حرية الرجل الانصاري وعائلته في محيطه المنزلي والتي هددها التصرف الوقح من قبل سمرة منها، الا انه من الواضح ان ضرورة هذا النوع من الحرية هو مما اتفق عليه جميع الباحثين حول هذا الموضوع، وهو من الوضوح بحيث انه لا يحتاج الى الاستدلال وتقديم البرهان.

د - التظاهر بالمنكرات

من الموارد الاخرى التي تحد من حرية الانسان، شرعا، التظاهر بالمنكرات في المحيط الاجتماعي، وذلك لان الشارع، بالاضافة الى انه قد منع ارتكاب هذه المنكرات على مستوى مرحلة التشريع، فانه في الموقف العملي قد حرم التظاهر بها ايضا، بل ان الحاكم الشرعي مسؤول هو الاخر عن المواجهة الجادة مع ذلك التظاهر باشكال متنوعة، ومن ثم فهو مسؤول عن الحد من حرية الفرد هنا.

ومع التتبع والبحث الشامل، من هذه الناحية، يمكن العثور على ثلاث مجموعات من التظاهر بالمنكرات هي:
1 - التظاهر ببعض المنكرات الموجب للحد.
2 - التظاهر ببعض المنكرات التي ورد في النصوص ثبوت التعزير في موردها مستقلا
3 - التظاهر ببعض المنكرات التي لم ترد فيها - مستقلا - نصوص باستحقاق التعزير الا انها مندرجة في القاعدة العامة المتفق عليها بين الفقهاء، وهذه الضابطة العامة هي ان للحاكم الشرعي في موارد الكبائر من الذنوب اجراء التعزير اذا رآه صالحا.

اما المجموعة الاولى فمن مصاديقها شرب الخمرة، والذي حده باتفاق الفقهاء على اساس النصوص المتواترة((85)) ثمانون جلدة.

المصداق الاخر لهذه المجموعة هو زنى غير المحصن والذي يصرح القرآن الكريم بان حده مئة جلدة (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدمنهما مئة جلدة) [النور/2] هذامضافا الى انه بامكان الحاكم الشرعي نفي الزاني وابعاده عن البلد، وهو ما جاء في وسائل الشيعة((86)) في باب تحت عنوان: «باب حد نفي الزاني».

وكذلك زنى المحصنة الذي اتفق الفقهاء على اساس الروايات المستفيضة او المتواترة((87)) على انه الرجم، ومن الموارد الاخرى ايضا المساحقة (ممارسة الجنس بين النساء)، حيث اتفق الفقهاء على اساس الروايات المعتبرة على ايجابه الحد مئة جلدة((88)).

اما المجموعة الثانية التي يعطى الامر فيها الى الحاكم الشرعي ليصدر قرار التعزير فان من مصاديقها الشخص الذي يقوم عن سابق علم وعمد بالتظاهر بالافطار في شهررمضان من دون ان يكون معذورا، فقد اتفق الفقهاء على ان مثل هذا الشخص ليس حرا في ما يفعله، بل هو مستحق للتعزير، بل اذا قام بهتك حرمة هذا الشهر الفضيل عدة مرات وكان قد عزر مرتين (على المشهور) او ثلاث مرات (على غير المشهور) فانه يستحق القتل في المرتبة الثالثة او الرابعة.

يقول المحقق الحلي في هذا الصدد: «من افطر في شهر رمضان عالما عامدا عزر مرة، فان عاد كذلك، عزر ثانيا، فان عاد قتل»((89)) وقد ايد صاحب الجواهر هذه الفتوى واقام في تعليقه عليها براهين قوية جدا((90)) وكذلك قبلها صاحب العروة وقال: «من افطر فيه مستحلا عالما عامدا، يعزر بخمسة وعشرين سوطا، فان عاد عزر ثانيا،فان عاد قتل على الاقوى، وان كان الاحوط قتله في الاربعة»((91)) وقد وافق جميع الفقهاء، في تعليقاتهم على العروة، على هذه الفتوى ايضا.

والمستند الفقهي للحكم المذكور هو روايات اهل بيت العصمة والطهارة(ع) التي نكتفي بذكر بعضها هنا، فقد جاء في صحيحة بريد العجلي سئل ابو جعفر(ع) بن رجل شهد عليه شهود انه افطر شهر رمضان ثلاثة ايام، قال: يسال: هل عليك في افطارك شهر رمضان اثم؟ فان قال: لا، فان على الامام ان يقتله (اذ يعلم حينها انه لا يرى الصيام واجبا،وبالتالي يكون منكرا لضروري من ضروريات الدين) ، وان قال: نعم، فان على الامام ان ينهكه ضربا»((92)).

كما جاء في موثقة سماعة سالته عن رجل اخذ في شهر رمضان، وقد افطر ثلاث مرات، وقد رفع الى الامام (فاجري عليه التعزير)، ثلاث مرات، قال: (نظرا لهتكه مصرا حرمة الحكم الالهي) يقتل في الثالثة»((93)).

وطبعا ليس هدفنا هنا اعطاء الراي النهائي في انه هل يعد اجراء هذه الاحكام وتنفيذها في الظرف الراهن ونظرا لمجموع الشرائط والظروف الاجتماعية العالمية مناسبا او لا؟وانما الهدف هو توضيح الممنوعية والمحدودية الموجودة امام بعض الحريات من وجهة النظر الفقهية، الامر الذي يستشكل في قبوله مع الاسف الكثير من العوام بل والخواص ايضا في مجتمعنا.

انموذج آخر من المنكرات المشابهة للموارد المذكورة التي ورد فيها التعزير هو موضوع العلاقة غير الشرعية بين الرجل والمراة غير المحرمين، فانه بالرغم من حرمة اي نوع من انواع التجسس هنا، الا انه في الحالات التي يثبت فيها ومن دون تجسس ان هناك خلوة بين الرجل والمراة غير المحرمين فان للحاكم الشرعي تعزيرهما، ففي موثقة ابي بصيرعن الامام الصادق(ع) اذا وجد الرجل مع امراة في بيت ليلا، وليس بينهما رحم، جلدا»((94)).

وهناك موارد اخرى ورد فيها ان على الحاكم اجراء التعزير فيها بعنوانها، وتوجد ادلة من الروايات على ذلك، واكثر هذه الموارد مما اتفق عليه الفقهاء، ونحن بهدف تجنب الاطالة سوف نقتصر على عناوين هذه الموارد مع بيان مصادرها، وهي:

1- تقبيل الصغير بشهوة((95)).
2
- الشهادة الكاذبة((96)).
3
- الطلاق على غير السنة((97)).
4
- ايذاء المسلمين((98)).
5
- نوم رجلين تحت لحاف واحد((99)).
6
- نوم المراتين عاريتين تحت لحاف واحد((100)).
7
- سرقة غير البالغ((101)).
8
- اتهام الاخرين((102)).
9
- مجامعة الزوجة الصائمة((103)).
10
- افتضاض بكارة الاجنبية بغير الجماع((104)).
11
- قتل الحيوان عبثا((105)).
12
- وطء الحيوان((106)).
13
- الاستمناء((107)).
14- قذف الصبي (اي اتهام غير البالغ لمسلم باللواط او الزنا)((108)).
15- الاعتراف بارتكاب اعمال منافية للاخلاق اقل من اربع مرات((109)).

اما المجموعة الثالثة فهي المنكرات التي لم يرد فيها، بعنوانها في النصوص والروايات، تعزير خاص، الا انه قد جعل للحاكم الشرعي بل في بعض الموارد اوجب عليه اجراءالتعزير اذا ما تحقق العنوان الكلي، الا وهو «ارتكاب الحرام او ترك الواجب».

واحد من المصاديق البارزة، في هذه المجموعة، هو التظاهر بالسفور، ومع الاسف فان بعض اللاهثين وراء الرغبات وغير المعتقدين بالحرام الالهي يبتغون الوصول الى هذه الحرية المطلقة، اما المؤمنون والمعتقدون بالاخرة فانهم يحملون دائما قلق الاثار السيئة وهواجس نتائج هذا النوع من الالغاء والاقصاء للدين.

ان اصل ثبوت حق التعزير للحاكم الشرعي في مقابل التظاهر بهذا النوع من المنكرات هو امر مسلم به عند الفقهاء، كما انه واضح ايضا وشفاف جدا من حيث الادلة.

وفي هذا المجال يقول المحقق الحلي: «كل من فعل محرما، او ترك واجبا، فللامام تعزيره بما لا يبلغ الحد، وتقديره الى الامام»((110)).

وقد عد الحكم المذكور في الجواهر على انه مورد وفاق الفقهاء، وانه واضح لا اشكال عليه لا فتوى ولا نصا، وقال: «لا خلاف ولا اشكال نصا وفتوى»((111)) وكذلك الامام الراحل، حيث يقول:

«من ترك واجبا او حراما فللامام(ع) ونائبه تعزيره، بشرط ان يكون من الكبائر، والتعزير دون الحد، وحده بنظر الامام» ((112)). والمستندالفقهي لهذه المسالة عدة وجوه هي:

1- اذا جوزنا المرتبة الثالثة من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (التوسل بالاجبار والفرض) كما يذهب اليه اكثر الاصحاب، ومنهم الامام الراحل، فانه يمكن وبالاعتمادعلى تلك الادلة هناك تجويز اجراء الحاكم التعزير في موارد تشخيصه للمصلحة، واذا كنا لا نقبل هذا المبنى نتيجة الاشكالات الواردة على ادلته وقصورها عن اثبات هذاالمدعى، فانه يمكننا التمسك بالادلة الاتية:

2- الروايات التي استدل بها صاحب الجواهر هنا والتي تفيد ان كل شيء له حد، وكل من يتجاوز ذلك الحد فعليه حد، من قبيل صحيحة داودبن فرقد عن الصادق(ع) عن رسول الله(ص) ان الله قد جعل لكل شيء حدا وجعل لمن تعدى ذلك الحد حدا»((113)).
الا ان الاستدلال بهذا النوع من الاخبار مبني على كون الحد الوارد في ذيل الرواية انما هو بمعنى التعزير، الا انه يمكن القول: ان الحد هو بمعنى حدود نهاية الشيء، كما كان الحدان:
الاول والثاني في الرواية بغير معنى التعزير قطعا، وانما هو بالمعنى المتناسب مع ذاك الشيء ولا سيما مع نظرية عموم «جعل لكل شيء»، فمثلا الحد في القتل العمدي هو القصاص، وفي الخطا الدية، وفي موارد التعدي على اموال الاخرين هناك حد ونهاية للامر، وهو وجوب رد المال المغتصب، وفي حالات الاتلاف الضمان بالمثل او القيمة،وبهذا المعنى يكون الحد في الجملة الثانية، اي «لمن تعدى ذلك الحد حدا».

3- وقد تمسك في الجواهر بدليل آخر في هذا المجال، وهو النصوص والروايات الكثيرة التي ذكرت التعزير في موارد مختلفة (ومنها ما تقدم في الفصل السابق مفصلا)واجازته للحاكم الشرعي، ومن استقراء هذه النصوص يمكن الاطمئنان بعدم الخصوصية في مواردها، وانما تتصل القضية باي معصية كبيرة تم ارتكابها، «مضافا الى امكان استفادته ايضا من استقراء النصوص»((114)).
وفي أية حال يحصل فيها الفقيه اطمئنانا بعمومية الحكم فانه بلا شك يكون قد احرز ما هو الحجة، والا فانه لا بد له من مواصلة سعيه وبحثه لتحصيل الحجة الشرعية.

4- يمكن مع عدم الاخذ بالادلة المتقدمة التمسك بهذا الوجه، وهو ان واحدة من وظائف الحكومة الاسلامية هي جعل الجو الحاكم على المجتمع جوا مملوءا بالمعنويات وسيادة الاسلام، وتصفية المجتمع من اي نوع من انواع التلوث، وتزيينه بالاحكام الالهية، وذلك الى حد انه وحتى لا يتعرض هذا الهدف لاي محذور، فقد جعل عدم تظاهراهل الذمة بكل ما هو من المنكرات والمعاصي في نظر الاسلام والتزامهم عمليا بهذا الامر، جعل ذلك من شروط الذمة القطعية التي لا يمكن التغاضي عنها ابدا، وهذا الامر هومن الثبات والاحكام بحيث ان نقضه موجب لانهيار عقد الذمة من اساسه حتى لو لم يسجل شرطا ضمن العقد والتعاهد.

ومن هنا، وبالرغم من انه يمكن ان يكون شرب الخمرة والزنى واكل لحم الخنزير والسفور ولعب القمار وامثال ذلك حلالا عند الكفار بحسب مذهبهم، الا انهم غير مجازين في هتك الحرمة والتظاهر بمثل هذا النوع من المعاصي في مجتمع المسلمين.

وهذا الامر هو مورد وفاق كافة علماء الشيعة، من متقدميهم الى المتاخرين والمعاصرين منهم، كما في كلمات المحقق الحلي حيث جاء: «الرابع: ان لا يتظاهروا بالمناكيركشرب الخمر والزنى واكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات، ولو تظاهروا بذلك نقض العهد»((115)).

وقد نقل صاحب الجواهر عن ابن ادريس الاجماع على هذا المطلب((116)) كما يعرض الامام الخميني الراحل(قده) هذا الشرط ايضا شرطا ثالثا من شروط عقد الذمة،فيقول: «الثالث: ان لا يتظاهروا بالمنكرات عندنا كشرب الخمر والزنى واكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات»((117)).

والمستند الروائي لهذا الحكم هو صحيحة زرارة عن الامام الصادق(ع) ان رسول الله(ص) قبل الجزية من اهل الذمة على ان لا ياكلوا الربا ولا ياكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الاخوات ولا بنات الاخ ولا بنات الاخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسول الله»((118)).

وفي الحقيقة كيف يمكن التصديق بان شريعة من الشرائع مهتمة الى هذا الحد بعدم تلوث المحيط الاجتماعي بالمنكرات، الى درجة انها لم تسمح للكافرين بالتظاهربالمنكرات التي قد تكون جائزة على مذاهبهم وحدت بذلك من حرياتهم، لكنها في الوقت نفسه لم تحرم هذه الامور على افراد المسلمين الا في دائرة التشريع، اما من الناحية العملية فقد تركتهم احرارا، ولم تسمح للحاكم الشرعي بمواجهة هذا الامر مواجهة جادة للحيلولة دون اشاعة الفحشاء والمنكرات من خلال قلع مادتها بالتعزير وممارسة الوسائل الاجبارية؟

هذا الامر يمثل شهادة محكمة على انه كما ان الشارع في مرحلة التشريع قد حد من حرية الانسان في موارد المنكرات، ومن جملتها السفور، فقد حد ايضا من حريات الانسان في المحيط الاجتماعي، وعد الحاكم الشرعي مسؤولا عن مواجهة ذلك.

اما انه الى اي حد تسنح الظروف في مجتمعنا الحالي بتطبيق هذا المبدا الالهي السامي؟ وهل ان المواجهة الجادة الى درجة ممارسة التعزير مع ظاهرة السفور تستدعي وتترافق مع نتائج سلبية او لا؟... ان تشخيص ذلك راجع بلا شك الى الحاكم الشرعي نفسه، وهذا امر آخر خارج عن المطلوب من هذا البحث المخصص لتعيين حدود الحرية الشرعية من وجهة النظر الفقهية.

ه - مخالفة المقررات الحكومية وعدم مراعاة مصالح النظام

ان ضرورة حفظ نظام المجتمع ليست فريضة الهية فقط، وانما هي، في نظرة اخرى، امر عقلائي وعقلي، ومجرد التوجه اليها يوجب التصديق بها.

في نظر العقل والشرع، فان اي نوع من انواع الحرية يمكن ان يوجه ضربة الى نظام الامة وخصوصا النظام الالهي سوف يكون ممنوعا، ومن هنا وفي اطار الحرية العقلائية والشرعية فان باب اي نوع من المخالفة لمقررات حفظ النظام بحيث يكون النظام قائما عليها سواء من طرف المواطنين ام من طرف متولي الامور، وبدءا من دفع الضرائب ورعاية قوانين السير الى وظائف المسؤولين امام من هم ارفع منهم مسؤولية، وخلاصة كافة المقررات القانونية ان ابواب هذه الامور جميعها مقفلة.

ان محدودية حرية المواطنين قبال المقررات ليست من مختصات الحكومة الاسلامية، وانما هي محل تاكيد وقبول شديدين من كافة انظمة الحكم في العالم، ومن هنا فان الفقهاء العظام والمراجع الكرام يجيبون على الاستفتاءات الواردة اليهم حول مخالفة المقررات الحكومية على الشكل الاتي: «ان مخالفة المقررات الحكومية ليس بجائز» او «ان مخالفة المقررات التي يتوقف عليها حفظ النظام حرام».

ان التركيز على اهمية رعاية مصالح المسلمين ونظام الجمهورية الاسلامية في كلمات الامام الخميني (قده) يتخذ شكلا آخر، فهو يتكلم عن حرية القلم والصحافة فيقول: «ان حرية القلم وحرية التعبير لا تعني حريتهما بما فيه خلاف مصلحة البلد، او ما فيه خلاف الثورة التي قدم الشعب الدماء امامها، ان مثل هذه الحرية ليس صحيحا... اننا نحترم الصحافة والقلم اللذين يعرفان معنى حرية التعبير وحرية القلم».

و اهانة المقدسات هناك عناصر في الرؤية العلوية تحتل فقهيا وبلا شك مكانة خاصة من الحرمة والمقام الرفيع، وهتك هذه الحرمة حرام، ولا يمكن تجويزه تحت اي عنوان، ومن هنا ينتزع عنوان قداسة هذه العناصر.

ان على راس هذه السلسلة الشخصية المنقطعة النظير لخاتم الانبياء النبي الاكرم محمد(ص) وايضا عترته المعصومين(ع) والانبياء الالهيين(ع) والقرآن الكريم والكتب السماوية والاسلام والكعبة، وفي الرتب الاخرى تاتي المساجد والاماكن المقدسة. وهنا يمنع باتفاق الفقهاء جميعا اي نوع من انواع الحرية المطلقة بالنسبة الى هذه المقدسات حتى من قبل الانسان غير المعتقد بها.

وهذا الامر ليس منحصرا بالمدرسة الاسلامية، بل يمكن، وفي نظرة كلية ، القول: ان اهانة المقدسات امر منكر وغير مقبول لدى كافة الامم والمجتمعات المتمدنة، كما يحصل في قباله مواجهة جادة، ويقفل باب الحرية امامه.

لقد كانت هناك مواجهة حازمة جدا مقابل هذا الامر في المذهب الشيعي العلوي، بحيث انه متى ما حصلت اهانة لرسول الله(ص) والائمة المعصومين(ع) على شكل سباب غير لائق فان الفقهاء جميعا يتفقون على ان فاعل ذلك مستحق للقتل، كما يذكر صاحب الجواهر بعد استعراضه كلام الشرائع في هذا الامر فيقول: «بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه»((119)).

وبلا شك فان اتفاق الفقهاء على هذا الحكم معتمد على نصوص معتبرة، وهي التي جمعها صاحب الوسائل تحت عنوان: «باب قتل من سب النبي(ص) او غيره من الانبياء(ع)»((120)) وفي باب آخر بعنوان: «باب قتل من سب عليا(ع) او غيره من الائمة(ع) ومطلق الناصب مع الامن»((121)).

اما اذا كانت اهانة رسول الله(ص) او احد الائمة(ع) او الصديقة الكبرى(س) - والعياذ بالله - على شكل آخر غير السب فان فاعل ذلك مستحق للتعزير حتما.

ان لزوم وقوف حاكم الشرع بجدية هنا، ولو وصل الامر الى التعزير، ليس من مختصات هؤلاء العظماء(ع) بل انه جار في اي امر معدود من الناحية الفقهية من المقدسات كالانسان المؤمن، او الشعائر المذهبية المعروفة... واساسا ميزان القداسة من الناحية الفقهية هو في عد الاهانة لذلك الشيء فعلا محرما في واحد من المصادر الفقهية، او جعل تعظيمه وتقديره واجبا.

ومع الاخذ بعين الاعتبار هذا الميزان، تكون للانسان المؤمن سيما اذا كان منتسبا الى المذهب والزعامة الدينية قداسة، وهتكه واهانته حرام، ويمكن للحاكم الشرعي في حال تشخيصه المصلحة اجراء التعزير عقوبة على هذه الاهانة، كما يمكنه للحيلولة دون انتشار هذا الامر التفكير في اي نوع واي وسيلة من وسائل المنع.

والامر الجدير بالانتباه هو ان عنوان تعظيم الشعائر يمكنه ان يترك اثرا مهما في عمل هو بنفسه مستحب، بحيث يحوله الى واجب عيني او كفائي، وفي هذه الحالة يمكن للحاكم الشرعي بل يجب عليه اجبار الامة على القيام بهذا العمل.

ومن المصاديق البارزة لهذا الامر زيارة رسول الله(ص) التي يقول عنها العلامة الحلي في ارشاد الاذهان: «ويجبر الامام الناس على زيارة النبي(ص) مع تركهم»((122)).

ان زيارة الحرم النبوي امر مستحب في نفسه، الا انه حيث عد من الشعائر الالهية، فان الحاكم الشرعي يمكنه ممارسة اجبار الامة على القيام به حينما يرى ان هناك نوعا من عدم الرعاية واللامبالاة به.

ويسند المقدس الاردبيلي((123)) في ذيل هذه العبارة، فتوى العلامة هذه بصحيحة الفضلاء (حفص بن البختري وهشام بن سالم وحسين الاحمسي وحماد ومعاوية بن عمار)، الذين يروونها عن الامام الصادق(ع): ولو تركوا زيارة النبي(ص) لكان على الوالي ان يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، فاذا لم تكن لهم اموال انفق عليهم من بيت مال المسلمين»((124)).

ثم يستشكل المقدس الاردبيلي على هذا الاستدلال بانه كيف يكون ترك الزيارة التي هي امر مستحب مسوغا لضرب الحاكم واجباره على امتثالها؟ ! ان الجمع بين هذين الامرين ليس خاليا من الشبهة، وهو غير ممكن على ما يظهر.

والذي يبدو هو ان ما ذكره المقدس الاردبيلي قابل للنقد، وذلك لانه اذا كانت زيارة النبي(ص) حتى مع ترك الامة اياها باقية على استحبابها، ولم تتخذ عنوانا آخر لها، فانه لن يكون هناك قطعا اية امكانية لتفسير الجمع بينها وبين الاجبار من قبل الحاكم، الا انه مع الاخذ بعين الاعتبار هذا الامر، وهو ان زيارة الرسول(ص) هي من شعائر الله، وتعظيم الشعائر واجب على الامة، فهنا بلا شك سوف تاخذ هذه الزيارة صبغة الوجوب لنفسها، ومن هنا سوف يكون ذلك منسجما ومكملا لمسالة اجبار الحاكم عليها.

ما معنى لا اكراه في الدين؟

وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه، وهو: اذا كانت الحرية في نظر الشرع محدودة على هذا الشكل، اذا فما معنى «لا اكراه في الدين»؟ اذا لم يكن الدين اكراهيا فكيف يمكن توجيه جميع هذه الحدود المقفلة لباب الحرية وان للحاكم الشرعي استعمال الحدود والتعزيرات لمواجهة اية مخالفة؟!

لقد جرى التمسك بهذه الاية الكريمة: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) [البقرة/256] مرارا وتكرارا لتبيين موقع الحرية التشريعية الدينية، كما ومن دون اعمال التامل العميق في تجزئة الاية وتحليلها تحليلا معمقا ومع القيام باستنتاجات حرفية تفيد بان رسالة الدين هي حرية الانسان، او ان الدين قد ذم اي نوع من انواع الاكراه والتوسل بالجبر جرى المرور على الاية عن طريق التخطي وبسرعة عابرة ، على الرغم من انه توجد هناك عدة نكات دقيقة جديرة بالانتباه فيها، ومع اخذها بعين الاعتبار فانناسوف نصل الى ان الاية الشريفة ليس لها ربط بالحرية التشريعية والقانونية.

والمسالة العمدة هنا هي ان الجملة الخبرية القرآنية على نوعين:
1
- فاحيانا تكون في مقام الاخبار والحكاية عن امر خارجي.
2
- واحيانا اخرى تكون بصدد انشاء حكم تكليفي او وضعي وتشريعه.

المسالة الاخرى هي ان مصطلح الدين في الثقافة القرآنية والروائية ياتي احيانا بمعنى مجموعة القوانين الشرعية، واحيانا اخرى بخصوص معنى الاصول الاعتقادية الدينية.

ومع الالتفات الى هذين الامرين، نطالع آية: (لا اكراه في الدين) ونسال: هل ان (لا اكراه) اخبار او انشاء؟ هل ان مفردة الدين هنا هي بمعنى مجموعة القوانين والاحكام الاسلامية، او بمعنى خصوص الاصول الاعتقادية؟ فاذا كان مفاد الاية انشائيا او اخباريا، وكان الدين بمعنى مجموعة القوانين، فان الاية بلا شك سوف تكون بمعنى انه لا يوجد في المقررات المقدسة الاسلامية اي نوع من انواع الحكم او القانون الاكراهي، وذلك لان كلمة «الاكراه» جاءت نكرة كما انها وقعت في سياق النفي، فهي مفيدة للعموم على اساس القواعد البلاغية.

ووفقا لذلك، سوف تثار عشرات الاسئلة من هذا الباب في الفقه ومن ذاك، وذلك لان هناك الكثير جدا من الموضوعات في مختلف جوانب الفقه المتفرقة ممتزجة بالاكراه والاجبار وبشكل مسلم، سواء في باب العقوبات كالحدود والديات والقصاص ام في ابواب المعاملات كالبيع والاجارة والمضاربة والمساقاة والمزارعة والدين والقرض والرهن والنكاح والطلاق، ومن هنا يرحب المطالعون العطاشى والمبتدئون، او بعض المدعين للفضل والعلم المغرض، ويعرضون حسب توهماتهم التناقضات الموجودة بين الكتاب وسنة النبي(ص) والعترة(ع) فكيف لا يثيرون هذا التساؤل بعد حملهم وبكل غرور (لا اكراه في الدين)«ب لى المعنى الانشائي وهو: اذا لم يكن الدين بحكم (لا اكراه في الدين)اكراهيا اذن فما معنى حد السرقة وشرب الخمر؟! وكذلك حد الزنا والرجم والقذف؟ اذا لم يكن ثمة اكراه في الدين فكيف نوجه اجبار الزوجة التي اسلمت حديثاعلى الانفصال عن زوجها الكافر؟! ما هو ميزان اجراء الحدود والتعزيرات على الافطار في شهر رمضان او اكل الربا؟ واذا لم يكن هناك اكراه في الدين فكيف يتسنى اجباراسير الحرب على قبول الاسلام؟ ولماذا تمنع تجارة كتب الضلال؟ ومن اية جهة ينفذ القتل بوصفه عقوبة على المرتد الفطري؟ واساسا ما هو معيار النهي عن المنكر والمواجهة العملية مع العصاة؟ اليس الجمع بين هذا النمط من الاحكام وبين آية (لا اكراه في الدين) يستبطن نوعا من التناقض؟

ان المسالة الحساسة والدقيقة جدا هنا هي انه اساسا (لا اكراه في الدين) ليست من نوع الجمل الانشائية، ومن ثم فهي ليست من النداءات التشريعية، وهذا معناه انها لن تكون مسوقة ابدا مساق الاعلام عن حرية الانسان في مجال تنفيذ الاحكام الفردية والاجتماعية، ومنح الامة حق تحديد برنامج حياتها وفق رغباتها الخاصة، حتى تظهر هذه الاسئلة جميعها في مجالات الفقه المختلفة، ويبرز هذا التناقض المتخيل، بل ان (لا اكراه في الدين) هي من نوع الاخبارات الحاكية عن واقعية تكوينية وخارجية، وهي المسماة باسم الحرية التكوينية للانسان في مجال الاعتقادات والتصديقات الذهنية، وهي بالتالي بصدد تفهيم ان الدين الذي روحه هو ذلك الايمان بالاصول الاعتقادية لايتحمل الاكراه، ولا طريق للجبر اليه تكوينا.

ولاجل ايضاح المراد من الاية الكريمة من الضروري لفت الانتباه الى امر مساعد في فهمها، الا وهو ان الانسان كما انه مختار في اعماله ونشاطاته الجسمية، كذلك هو حرتكوينا في تصديقاته الذهنية والاعتقادية، بل ان حرية الانسان واختياره في مثل هذه الامور يتمظهران بصورة اكثر شفافية ودقة، وذلك لان الجبر ليس مستحيلا في دائرة الافعال الانسانية الجسمانية الظاهرية، فمن الممكن ان يحجم الانسان عن القيام بعمل ما نتيجة معارضة عنصر اقوى مخالف ومانع له عن القيام بهذا العمل، كما انه من الممكن ان يجبر على ترك عمله، الاانه لا مجال للاجبار عقلا في المسائل الاعتقادية، ولا يمكن لاي انسان ممارسة الاجبار على التصديق القلبي والايمان الاعتقادي بشيء ما، نعم من الممكن ان يجبر انسان ما على الاعتراف بان الليل حاصل الان في ظرف رؤيته للشمس، الا انه يرى دائما في اعماق قلبه وروحه ان مقولته باطلة ومستحيلة حتى لواذعن لها بالجبر والتهديد.

وعلى هذا الاساس فان المسائل الاعتقادية لن تكون قابلة للاجبار والاكراه، سواء كانت حقة ام باطلة، واعمال الجبر في الاعتقادات القلبية محال، وهي بالتالي سوف تعتمددائما على الاختيار والانتخاب، ذاك الانتخاب المبتني على مقدمات يمكن ان تكون مقارنة للصحة، ويكون الاذعان الحاصل منها صحيحا متطابقا والواقع، كما يمكن ان تكون غير تامة، ومن ثم يكون التصديق الحاصل منها باطلا.

ووفقا لما تقدم يتضح ان (لا اكراه في الدين) ليست ابدا بصدد بيان انشاء تشريعي، وانما في مقام الحكاية عن واقعية خارجية تكوينية تسمى الحرية التكوينية الانسانية في مجال الامور الاعتقادية والتصديقات القلبية، بحيث يصبح المقصود من «الدين» في الاية مجموعة الاصول الاعتقادية (التوحيد، النبوة، الامامة...)، لا كافة القوانين الشرعية.ومن الواضح ان ذهنية الانسان في ما يرتبط بالاصول الاعتقادية لا تخلو من حالتين، فاما ان تكون اي الاصول الاعتقادية واضحة ومبرهنا عليها بحيث يقبلها من اعماق قلبه بلا شك ويذعن لها مختارا، او انها من وجهة نظره مبهمة وغير تامة، ولا اقل مشكوكة، بحيث انه لا يعتقد بها قطعا، وفي كلتا الصورتين يبدو الاكراه والاجبار غير ممكنين،وذلك انه مع الاخذ بعين الاعتبار النقطة سالفة الذكر، فانه لا مجال للاكراه اصلا في المسائل الاعتقادية والتصديقات الذهنية، ومن هنا فهي لا تتقبل الاجبار مطلقا، فالشخص الذي، على اثر الشبهات، لا يقبل بوجود الله تعالى ولا يعتقد به لا يمكن اجباره على التصديق والايمان القلبي بوجوده، وان كان يمكن، على اثر قوة قاهرة، اجباره على الاعتراف اللساني بذلك، الا انه من المستحيل ان يذعن لذلك من اعماق قلبه.

وبناء عليه فالمراد من الاية الشريفة (لا اكراه في الدين) لا سيما مع النظر الى جملة (قد تبين الرشد من الغي) هو انه لا يمكن في مجال الدين والذي تمثل اصوله الاعتقادية (التوحيد، النبوة، الامامة...) روحه ممارسة الاجبار بل هو لا يتقبل ذلك، ومن هنا فاذا اردنا ان نجعل عند الطرف الاخر المخاطب لنا ايمانا قلبيا بالدين نابعا من اعماق الروح،فاننا مجبورون على جعل رشد الدين وكماله شفافا وواضحا امامه (قد تبين الرشد من الغي). وهنا نضع يدنا على هذه النقطة القيمة والمهمة الا وهي ان (لا اكراه في الدين) لا نظر فيها اخبارا او انشاء الى عدم جبرية القوانين والاحكام الدينية في مرحلة التشريع اوالاجراء والتنفيذ، حتى تتناقض مع عشرات الموارد التي سمح فيها للحاكم الشرعي بالاستعانة بالجبر والفرض، وهناك لا نكون ملزمين بالبحث واجراء التخصيص المستهجن او ابراز توجيه للاية الكريمة، بل ان هذه الاية انما هي بصدد الاخبار عن واقعية تكوينية مبنية على ان الدين والذي هو عبارة عن الاصول الاعتقادية لا يتقبل الاجبار، ولامجال للاكراه فيه ابدا.

حدود الحرية الانسانية من المنظور العرفاني

عرفنا ان الانسان، من وجهة النظر الكلامية، موجود حر ومختار تكوينا، وتوصلنا من وجهة النظر الفقهية الى انه محدود الصلاحية في مرحلتي التشريع والعمل لا مطلقها،وبعبارة اخرى، فان دائرة الحرية التكوينية الانسانية المثبتة كلاميا محددة في النظام التقنيني الشرعي بحدود وقيود معينة مفصلا.

وهنا يصل بنا الكلام الى تحقيق حرية الانسان وبحثها من المنظور العرفاني.

ومن هذا المنطلق فان حدود الحرية هنا تتجاوز تلك الحدود والقيود الفقهية، وبعبارة اكثر دقة، فانه كلما ازداد حرمان الانسان من الحريات المادية النفسانية فان جوهر نفسه وروحه سوف يحظ ى بحرية اكبر، وعلى هذا الاساس فليس جزافا اذا قلنا: ان الانسان الحر واقعا في المنظور العرفاني هو ذاك الشخص الذي وقع اسيرا للمعشوق الحقيقي.

ان على الانسان - في تصور العرفان العلوي - فك تعلقه برغباته وميوله النفسانية، ومع قطعه للتعلقات والامال المملة والعابرة يجعل نفسه اسيرا للمعشوق الابدي، وهو لا يتجنب الحرام الالهي فقط، بل انه يفرايضا من الامر المكروه، كما انه لا يمتثل الواجب الالهي ويرتدي اجمل لباس الاخلاص في مقام العمل فحسب، بل انه يعطي الاهمية للمستحب ايضا. فالانسان العارف هو ذاك الشخص الذي يسعى، وبصورة مستمرة، لتحصيل رضا معشوقه، ولهذا فاي شيء يحبه هذا المعشوق فانه يقبله، واي شيء بكرهه فانه يبغضه ايضا، وعلى حدقول امام العارفين علي(ع) فان المتقي هو من عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في اعينهم»((125)).

ويقول الامام الصادق(ع): العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله تعالى، ولو سها قلبه عن الله تعالى طرفة عين، لمات شوقا اليه»((126)).

ميزة الانسان الحر في العرفان العلوي

ان تحصيل ما تقدم لا يمكن من دون رعاية ركنين يمثلان، في الرؤية العلوية، جوهر العرفان وهما:
1- التخلية
2
- التحلية.

اما التخلية فهي اعدام كافة التلوثات النفسانية التي هي سبب صدا القلب، يقول الامام الصادق(ع): «ان للقلوب صدا كصدا النحاس فاجلوها بالاستغفار»((217)).

وعلى الانسان الحر - عرفانيا - في هذه المرحلة ان يركز سعيه وجهده الكبيرين على ازالة رذائله وقبائحه جميعها، وتزكية روحه من كافة الادران والظلمات، فالحر في العرفان العلوي هو ذاك الشخص الذي يعرف نفسه ويحررها من كافة العلائق والرذائل.

«العارف من عرف نفسه فاعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها ويوبقها»((218)).

«الا حر يدع هذه اللماظة لاهلها؟ انه ليس لانفسكم ثمن الا الجنة فلا تبيعوها الا بها»((129)).

اما التخلية فهي تزيين صفحة الروح بالزينة المعنوية، اي بزينة ذكر الله تعالى، بالعبادة والتواضع والطاعة الخالصة امامه. وفي هذه المرحلة يسعى الحر لتحقيق خطوة اخرى، الاوهي الانطلاق بنفسه التي زكاها من ظلمات التعلقات الدنيوية الى نور محضر الرب تعالى، وهو في قفزة مباركة وعظيمة يصوغ عشقه لله تعالى في معبد الذات، حتى لا يفكربغيره، فلا يعبد سواه وحسب، بل انه لا يعبده رغبة للجنة او خوفا من النار، وانما يعبده فقط وفقط لعشق ربوبيته وجماله وجلاله، وفي هذا يقول امام العارفين علي(ع): «ان قوماعبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار»((130)).

وبصيغة مختصرة، حقيقة الحرية في المنظور العرفاني تكمن في التحرر من شيء وعنصر ما والاسر والارتباط بعنصر آخر، التحرر والخلاص مما سوى الله عز وجل، والاتصال والتعلق المطلق بذاته تعالى.

وبعبارة اخرى، حرية الانسان هي تعلقه بالله تعالى عينه، والاسر له، فكلما كان اكثر عبودية لله تعالى كان اكثر تحررا. 

الدليل المفسر بين تلازم المثل والتاويل

 د. احمد كروم

مقدمة

ان البحث في تلازم المثل والتاويل، في مادة التفسير، يقتضي متابعة النصوص التي فسرها المفسر في مناسبات مختلفة تتوجه بتوجهاتهما، وتبحث في ظروف هذا التلازم واسباب وجوده. فالتاويل والمثل من المصطلحات المعرفية التي حيرت المفسر منذ القديم، في تحديد المقصود وتوجيه المعنى المراد. وقد تتبع المفسرون كلا من التاويل والمثل باعتبارهما طرائق للتفكير والتامل لما تحمله من عظات وحكم تقتضي الفهم والاستيعاب، كما وسعوا دائرة البحث في هذا المجال، حيث نقلوا المادة من طابعهااللغوي، او البلاغي، الى مادة جدلية معرفية استعملت فيها طرائق مختلفة من ضروب التامل.

فطريقة التلازم بين المثل والتاويل وردت كثيرا في القرآن الكريم في مناسبات مختلفة، حاول النص القرآني، من خلالها، تبسيط المواقف التي توجه التامل بمثل مضروب،يزداد معه الخطاب وضوحا والمقام اجلالا. وقد وقف اهل التفسير عند هذا التلازم مركزين على المثل الذي يتضمنه الدليل، الذي يضرب غالبا لتوضيح ما يمكن ان يحتمل التاويل. وحينما ننظر في نوعية التلازم بين المثل والتاويل نجده مبنيا على علاقة التدرج في البيان، اي ان المثل جاء لازالة خفاء التاويل الذي غالبا ما تتضارب في فهمه الافهام. ولا شك في ان مثل هذا التلازم الموجود في النص الديني بين مصطلحين يحتاج اليه الفكر البشري، في الوصول الى درجات يقينية عالية بعد التامل في المناسبات التي تسعى بعباراتها المستعملة، ومناسباتها المختلفة، الى توفير تراكم معرفي لتفسير الدليل او تاويله.

لذلك، فاننا عندما نبحث في خصوصيات كل من المثل والتاويل واستعمالاتهما في الدليل، نجد هذين المصطلحين يرتبطان بشبكة من المدلولات القريبة والبعيدة التي تفصح عن خصوصياتهما. كما نجد في معالجتهما مادة جدلية مهمة في رصد مواقف القدامى والمحدثين في تحصيل ابعادهما التاريخية واللغوية والفلسفية والدينية. فمصلحة المفسر تتوقف في اغلب الاحيان على الاستفادة من تلازم هذين المصطلحين قصد الوصول الى درجة الاحكام والوضوح في تفسير الدليل وبيان مراده. فالمتامل في النصوص المفسرة للايات التي تقتضي الشبه بالتاويل او المثل، يجد مادة علمية غزيرة استفرغ المفسر في بيانها جهدا وافيا في تحصيل معانيها وبيان مقاصدها.

1- الشبكة الدلالية لمصطلحي المثل والتاويل

يتصل مصطلحا التاويل والمثل، في اطار الموضوع والمادة، بالاجتهاد في تقريب معاني الخطاب. يقول الزركشي: «والرابع ما يرجع الى اجتهاد العلماء، وهو الذي يغلب عليه اطلاق التاويل: وهو صرف اللفظ الى ما يؤول اليه، فالمفسر ناقل والمؤول مستنبط»((131)). فالاجتهاد، بمصطلح التاويل، يبدو محصورا في صرف اللفظ عن معناه الظاهر الى معنى يحتمله موافقا للكتاب والسنة((132)). فالمؤول للدليل يتعامل مع عدد تراتبي من المعاني القريبة والبعيدة لاستنباط المرجع الموافق للدليل «فمتى امكنه حمل الشيء على ظاهره كان اولى، اذ العدول عن الظاهر الى غير الظاهر انما يمكن لمرجع..»((133)). وقد اجتهد اللغويون والمفسرون والاصوليون في تحديد ضابط مصطلح التاويل ورصد تقلباته في الدليل باعتباره غرضا يسعى الى تحصيل المعنى وترجيحه، وانتهى من آرائهم مثلا ما اشار اليه السيوطي بقوله: «قال ابو حيان في(شرح التسهيل): التاويل انما يسوغ اذا كانت الجادة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتاول، اما اذا كان لغة طائفة من العرب لم تتكلم الا بها فلا تاويل، ومن ثم كان مردودا تاويل ابي علي: ليس الطيب الا المسك، على ان فيها ضمير الشان لان ابا عمرو نقل ان ذلك لغة تميم»((134)).

ومن الدراسات الحديثة الجادة التي حاولت ان تلاحق مصطلح التاويل ومرادفاته في كتب النحو، انطلاقا من النص القرآني، ما قدمه الدكتور عبد الفتاح الحموز في كتابه:«التاويل النحوي في القرآن الكريم»، حيث قام بتخريج شبكة دلالية لهذا المصطلح، ومنها: الحمل والتوجيه والتقدير والوجه والاحتمال والتناول والقانون والحيلة والتمحل.وهذه الشبكة((135)) من الدلالات الممكنة في اطلاقها على معنى التاويل تجعلنا نتصور المعنى الناظم بينها من حيث الاقتضاء، فجميعها تقتضي مدلول «الصرف» الذي يجعل كل معنى من المعاني السابقة ينتظم في دلالته لكونه يتصل بالكلام، اي يصرف الكلام عن الظاهر بدليل قوي. ولعل هذا الدليل القوي الذي يحتاج اليه التاويل، حتى لايكون فاسدا، نجده ماثلا في الشبكة الدلالية التي يتضمنها مصطلح المثل الذي هو ايضا ضرب من الاجتهاد والتامل في تقريب الالفاظ وتوضيح دلالتها.

واذكر من الاعمال الجادة، ايضا، التي احتضنتها الخزانة العربية والاسلامية في توجيه الشبكة الدلالية لمصطلح المثل، ما قدمه الدكتور محمد جابر الفياض، في مؤلفه: «الامثال في القرآن الكريم»، الذي وقف من خلاله على شبكة متصلة من المعاني اوردها في تناسق وانسجام، وقد ابانت عن مواقع المناسبات التي تميز هذا المصطلح، ومنها: المشابهة والحجة والدليل والوضوح والبروز والشخوص والمشاكلة والنظير والشبيه والانتصاب والمثول((136)). لينتهي، في هذه الدراسة، الى غرائب هذا المصطلح في قوة اشتقاق مادته التي تتصل بشبكة دلالية اورد منها:

- المثال: المقدار والقالب والقصاص وصورة الشيء.
-
التمثال: الصورة وظل الشيء والمنحوت.
- المثلات: العقوبات والاشباه.
- لتمثيل والتمثل: التنكيل.

وجميعها مشتقات لم تخرج عن الشبه والمماثلة.

اما استعمال «ضرب المثل»، فقد ورد في عدة معان يمكن ان نقتصر على بعضها مما ذكره علماء التفسير، كالتبيين((137)) والتمثيل((138)) والجعل((139)) والوصف ((140)) والذكر((141)) والوضع((142)) والاعتمال((143)) والاتخاذ((144)) والايراد ((145)). وقد حاول د. جابر الفياض ان يحيط بامثال هذه المعاني اضافة الى ما ذكره المحدثون عن هذا الضرب من معان اخرى((146)). ولاهمية استعمال لفظ «مثل» و«مثل» في القرآن الكريم فانه ورد سبعا واربعين مرة، عدا مشتقاته الاخرى كالمثلات في مواطن مختلفة وبمناسبات متعددة. اما لفظ «تاويل» فقد ورد خمس مرات في اغراض تتصل بالاعانة على الفهم وتحصيل العلم.

وحين نرجع الى الكتب القديمة التي اهتمت بتخريج الامثال، كمجمع الامثال للميداني، نجده يحدد هذا المصطلح في اطار التخريجات البعيدة التي يمكن ان يبنى عليهامصطلح المثل، يقول: فالمثل ما يمثل به الشيء اي يشبه، كالنكل من ينكل بعدوه، غير ان المثل لا يوضع في موضع هذا المثل وان كان المثل يوضع موضعه. فصار المثل اسمامصرحا لهذا الذي يضرب، ثم يرد الى اصله الذي كان له من الصفة، فيقال: مثلك ومثل فلان، اي صفتك وصفته، ومنه قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون)[الرعد/35] اي صفتها. ولشدة امتزاج معنى الصفة به صح ان يقال: جعلت زيدا مثلا، والقوم امثالا، ومنه قوله تعالى: (ساء مثلا القوم) [الاعراف 177] جعل القوم انفسهم مثلا في احد القولين((147)).

ويرتبط كل من التاويل والمثل بما يسمى بالطرد، عند الخروج عن مقتضى الشبه. وقد اشار السكاكي ضمنيا الى الطرد في المثل او التمثيل بقوله: «التمثيل هو تعدية الحكم عن جزئي الى آخر لمشابهة بينهما، وانه ايضا مما لا يفيد اليقين الا اذا علم بالقطع ان وجه الشبه هو علة الحكم»((148)). وفي جانب التاويل نجد المفسرين والاصوليين يشيرون الى مسالة الطرد في تاويل الدليل فيعتمدون الحجة التي اعتمدها المؤول، وذلك لان المؤول يعبر بما يعضد التاويل به، فان كان ظهور المؤول زائدا على ظهور ماعضد التاويل به، فالتاويل مردود، وان كان ما عضد التاويل به اظهر فالتاويل سائغ معمول به. لهذا نجد الجويني يفصح عن كلام مهم في مسالة تعلق الدليل في تاويله بالشبه والطرد يقول: «ولا شك ان غلبة الظن لا تحصل الا مستندة الى شبه يقتضيها، ولا بد من ذكره وبه يتميز الشبه من الطرد، وكل شبه يقتضي الظن. فلا بد من ان تنتظم عبارة معربة عنه ثم ان تاتى وانتظم ذلك سالما عن القوادح، فهو معنى اذا، فترجع الاشباه الى معان خفية، ويبطل تقسيم الاقيسة الى المعنوي والشبهي»((149)).

ومعنى ذلك ان المفسر مطالب، في ادراكه لمعاني النصوص وفهمها، باستيعاب الشبكة الدلالية التي يفهم منها غرض المصطلحين، مع ادراكه للموانع التي تصرف عن تحقق المثل او التاويل الصحيحين. وهنا نجد ان التاويل والمثل يحتاجان من المفسر للدليل الجامع لهما، ان يحدد الاشباه والنظائر التي تقرب الصور وتجمع بين الاجزاء المركبة للشبه.

2- مظاهر التلازم بين المثل والتاويل

عندما نقول بتلازم مصطلحين فاننا نعني ملاحظة التقارب الحاصل بينهما في الاغراض المختلفة التي تشير الى وضعية التشارك في قضية احدثت بسبب اللفظ والمعنى داخل الخطاب. وبسبب هذا الوضع، اشتدت الحاجة الى ان يزيل احد المصطلحين اشكال الاخر، او ان يتمم فائدته. ومعنى ذلك ان المصطلح، في العلم الشرعي، وباقي العلوم الاخرى، يتعلق بوضعية معينة داخل المكان وفي حيز التاريخ، للتعبير عن وضعية خاصة تقتضيها المعرفة وتستحضرها الذاكرة. فحينما يذكر مصطلح التاويل تتجه الذاكرة المعرفية الى مرحلة تاريخية تتصل بالخلاف حول المحكم والمتشابه، كما تحيط بظروف الخلافات السياسية والعقدية وملابساتها التي ظهرت بوادرها في مرحلة معينة. وقدعاش المفسر تداعيات مصطلح التاويل وتطوراته من خلال معطياته في النص القرآني، حيث كانت مناقشته للايات القرآنية التي تقتضي التاويل احد الاسباب الكاشفة عن توجهاته العقدية التي طالما تداعت القابها في علوم القرآن وتفسيره، بل وفي مقدمات الكتب وتراجم الاعلام. وقد اشارت المؤلفات المهتمة بجانب التاويل الى ان مادة البحث التي يصدر عنها تنطلق من الاطار اللغوي الشائع الذي يقع فيه التاويل، وانه اكثر ما يستعمل في المعاني والجمل((150)). اما مصطلح المثل فهو اطلاق قديم لايقل شانا عن التاويل في تعامله مع الزمان والمكان، وذلك لاتصاله بالعبارة التي تتبدل حسب الوضع داخل اللغة. ومن ميزاته الوضوح الذي يفتقده التاويل في الوصول الى قطعية حجته.

الا ان المظهر الاساس لتلازم هذين المصطلحين، يتجلى في كونهما يتصلان بالشبه الذي له علاقة بالمثل والتاويل. وقد ورد هذا التلازم في آيات تجمع بين المثل والتاويل كما في قوله تعالى: (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم) [آل عمران/59] فالناظر في الاية يدرك مباشرة ان هناك مجالا للتمثيل، وهذا المثل اقتضاه تاويل وضع معين في حيز تاريخي اشارت اليه كتب التفسير يتعلق بوفد نصارى نجران الذين خاصموا النبي(ص) في المسيح، قالوا: الست تزعم انه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلا! قالوا: فحسبنا!فنزلت الاية. ثم نزل بعد ذلك بيان قرآني يشير الى درجة الغموض التي يسببها سوء التاويل، فانزل الله عز وجل: (فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة). فالتعبير القرآني في وصف عيسى بانه (كلمة منه) كان كفيلا بان يتخذه النصارى دليلا لهم من وجهة نظرهم يحاجون به النبي، ومن ثم نزلت هذه الاية تقرعهم على تمسكهم بما يحتمل التاويل. وهو دليل يشير من جهة الى مثل يزيل التاويل بشبه واضح صريح لا يحتمل اللبس وهو قوله: (كمثل آدم) وهو مثل واضح في التدليل على اصل المخلوق البشري من تراب لا مجادلة في حجته.