|
وعندما نتعقب التلازم بين المثل والتاويل في القرآن الكريم،
نجده يتحقق ايضا من خلال الظاهر والباطن للنصوص،
فالقصص التي قصها الله عن الامم الماضية، وما عاقبهم
به، ظاهرها الاخبار بهلاك الاولين، انما هو حديث حدث به عن
قوم، وباطنها وعظ الاخرين وتحذيرهم من ان يفعلوا كفعلهم
فيحل بهم مثل ما حل بهم. وقد اشار اصحاب الامثال المدونة،
كابن المقفع، الى هذه الحقيقة حيث يرى ان: «الكلام اذا جعل
مثلا كان اوضح للمنطق، وآنق للسمع، واوسع لشعوب
الحديث»((151)). وهو يثير مسالة مهمة في اطار الدرس
المصطلحي وهو كون مصطلح «المثل» يتصل بمقامات كثيرة
يمتزج بها ليصير اسما مصرحا لهذا الذي يضرب به. كما يمر هذا
المصطلح بمراحل تراتبية ليصل الى درجة الوضوح، حيث يعمد
الممثل الى مقادير مضبوطة او صفات محددة او تصورات قابلة
للشبه. ومثال هذه التراتبية في ضرب الامثال ما نلحظه في
الاية الكريمة في قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا
فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا
يبصرون)[البقرة/17] فالمثل القرآني اشار الى مراحل للتامل
قصدالوضوح في التشبيه بدات بمرحلة «ايقاد النار»، ثم «النور»،
ثم «الاضاءة»، لتاتي بعد ذلك الصورة التراتبية المخالفة: «ذهاب
النور» ثم «الظلمات» ثم «حجب النظر». ولعل المتامل في المثل القرآني يجد ان من
اسرار اثارته هو شد انتباه العبد المكلف، وارشاده الى مناسبة المثل وسبب اتيانه.
وقد اجاد الزمخشري في التعبير عن هذه التراتبية بقوله: «والنارجوهر لطيف مضيء
حار محرق. والنور: ضوؤها وضوء كل منير، وهو نقيض الظلمة.
واشتقاقها من نار ينور اذا نفر، لان فيها حركة واضطرابا، والنور
مشتق منها. والاضاءة فرط الانارة... كانه قيل: فلما اضاءت ما
حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين
على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في احياء النار» ((152)). وقد تفطن المفسر، في هذا الدليل، الى صفة المستوقد الذي طفئت ناره وما حل به من تخبط وحيرة، ليركز على الابعاد التاملية التي يمكن ان تؤول بها العبارة القرآنية، يقول الزمخشري: «فان قلت: وما معنى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه احد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الاسد للمقدام، للحال او الصفة او القصة، اذا كان لها شان وفيها غرابة، كانه قيل: حالهم العجيبة الشان كحال الذي استوقد نارا»((153)). وهنا ندرك ان المثل يتصل بالاسرار
والعجائب والغرائب والعظمة والجلالة.. وقد وردت امثال هذه
المناسبات مفرقة في كتب التفسير عند الايات التي تشمل
المثل. ومن ذلك، مثلا، ما اورده الزمخشري في الامثال
القرآنية الاتية: (مثل الجنة التي وعد المتقون) [الرعد/35] اي
وفي ما قصصنا عليك من العجائب، قصة الجنة العجيبة، ثم
اخذ في بيان عجائبها (ولله المثل الاعلى) [النحل/60] اي
الوصف الذي له شان من العظمة والجلالة. (مثلهم في التوراة)
[الفتح/29] اي صفتهم وشانهم المتعجب منه((154)). ولذلك
نجد في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) اي لا يمكن لصفة ولا
حال ولا متعجب منه ولا ضرب من الامثال ان يكون شبيها له.
وقد اورد الراغب الاصفهاني ان التلازم بين كاف
التشبيه والمثل في القرآن الكريم وردت في اكثر من سبعين
موضعا((155)). وقد يكون هذا التمازج في الوضع داخل
الخطاب من الامور التي حققت التلازم بين المثل
والتاويل،خصوصا في المناسبات التي تتصل بالمتشابه من
القرآن. فالمفسر في هذه الاحوال جميعها، مطالب بالالمام
بتقلبات هذين المصطلحين حسب الاشارات الدالة من
مناسباتهمافي الخطاب. ولهذا يقول ابن عباس (رضي الله
عنهما): «انا ممن يعلم تاويله»((156)) اي يعلم محكمه، ويعلم
ما يتصل بمتشابهه. ولم تقتصر الاستفادة من التلازم بين المثل والتاويل على
جانب التفسير فقط بل استفاد منه الاصوليون ايضا، وذلك من
خلال ما سموه بمراتب قياس الشبه. وسموها بمراتب الاشباه
التي قسموها الى الاشباه القريبة والاشباه البعيدة، واطلقوا
عليها مراتب قياس المعنى. فالوارد في المرتبة الاولى هو الذي
يسميه الاصوليون بمعنى الاصل، اي المثال الواضح، ولا يريدون
به المؤول او المعنى المتخيل. لذلك نجد الامام الجويني
يذهب الى ان كل شبه يعتضد بمعنى كلي فهو بالغ في فنه،
وذلك اذا كان المعنى لا يستقل مخيلامناسبا((157)). 3 - علاقة التاويل والمثل بالاشباه والنظائر
يقوم المنهج العلمي الذي يعتمد الاستقراء والاستنباط على
استقصاء المتشابهات وجمعها، للوصول الى احكام او قواعد
جامعة. ولعل استعمال مصطلحي التاويل والمثل وعلاقتهما
بالنص الديني يوضح جانبا من جوانب الاتصال بينهما وبين
موضوعات الاشباه والنظائر التي لها علاقة باللغة وبالفقه
واصوله، خصوصا ان سبيل التاويل والمثل يؤدي الى تحصيل
الشبه بين الحوادث الطارئة وبين الاحكام المنصوص عليها، او
الاحكام المستنبطة، وهي الغاية التي يرومها فن الاشباه
والنظائر. فالاشباه جمع شبه وشبه وشبيه، ومعناه المثل. يقال اشبه الشيء
الشيء اي: ماثله. ويقال: بينهم اشباه، اي: اشياء يتشابهون
فيها((158)). اما النظائر فجمع نظير، ومعناه ايضا المثل. يقال فلان نظيرك،
اي: مثلك. لانه اذا نظر اليهما الناظر رآهما سواء((159)). ومن
الماثور ان عمربن الخطاب قال في رسالة الى ابي موسى
الاشعري يحدد له فيها اصول القضاء وآدابه: «اعرف الامثال
والاشباه، ثم قس الامور عندك، فاعمد الى احبها الى الله
واشبهها بالحق في ما ترى»((160)).فعلاقة التاويل والمثل
بالاشباه والنظائر تتجسد في كونها تعتمد الامثلة وجريانها على
مقتضى الشبه. وقد اشار المفسرون والاصوليون الى عدد من
الامثلة التي ناظر الشارع فيها بين الاشباه التافهة والنفيسة في
القرآن الكريم في مناسبات مختلفة حتى يدرك المتامل
بالمثل الواضح وبالتاويل الصحيح مدلول المعنى ومقصود
الكلام في ابعاده المختلفة. ولعلنا ندرك الاشباه والنظائر، في مسالة التاويل والمثل، من
خلال الابعاد اللغوية والمعنوية، التي حينما يقيسها المفسر
على دلالاتها الحقيقية يجد الوضوح ظاهرا من خلال مقتضيات
الشبه. ومثال ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: (فمثله كمثل
الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث) [الاعراف/176].
فالله تعالى ناظر بين الاشباه التافهة التي يرى المفسرون في
تاويلها صفات في الخسة والضعة كصفة الكلب في اخس احواله
واذلها، وهي حال دوام اللهاث به واتصاله، سواء حمل عليه اي
شد عليه وهيج فطردام ترك غير متعرض له بالحمل عليه،
وذلك ان سائر الحيوان لا يكون منه اللهاث الا اذا هيج منه
وحرك، والا لم يلهث، والكلب يتصل لهاثه في الحالتين جميعا.
وحينما تامل المفسرون وفق الاشباه والنظائر تلازم المثل
والتاويل ربطوا الشبه، في تاويل الدليل، بالمناسبة التاريخية
التي يتصل بها، فهي تحكي انموذجا للخسة، وهو مغرور بني
اسرائيل بلعم بن باعوراء، حينما دعا على موسى(ع) خرج لسانه
فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب. فمثل الله حاله بما
يمكن تاويله وفق الاشباه والنظائر الجامعة بينه والكلب في اسوا
احواله. يقول الزمخشري: «وكان حق الكلام ان يقال: ولو شئنا
لرفعناه بها ولكنه اخلد الى الارض فحططناه ووضعنا منزلته،
فوضع قوله: (فمثله كمثل الكلب) موضع حططناه ابلغ حط
لان تمثيله بالكلب في اخس احواله واذلها في معنى
ذلك»((161)). وقد نقل الزمخشري تاويلات المثل الوارد في
الدليل، ومنها تاويل ابن عباس(رضي الله عنهما): «الكلب
منقطع الفؤاد يلهث ان حمل عليه او لم يحمل عليه»((162))
وقيل معناه: ان وعظته فهو ضال، وان لم تعظه فهو ضال،
كالكلب ان طردته فسعى يلهث وان تركته على حاله لهث. وقد
حاول الزمخشري ايضا تاويل المثل في ابعاده اللغوية فاجراه في
مسالة جدلية يقول: «فان قلت: ما محل الجملة الشرطية؟ قلت:
النصب على الحال، كانه قيل: كمثل الكلب دليلا دائم الذلة
لاهثا في الحالتين»((163)). وقد انطبقت الاشباه على نظائرها
في المثل القرآني المضروب لتوضح الصورة اكثر في اطارها
الحقيقي بقوله تعالى: (ذلك مثل القوم الذين كذبوا ب آياتنا)
من اليهود بعد ان قراوا نعت رسول الله(ص) في التوراة، وذكر
القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا
يستفتحون به، اتى الله تعالى بهذا المثل المضروب في الدليل
ليفهموا تاويله الذي اراد الله تعالى سرده في مناسبته حيث
قال: (فاقصص القصص) قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم
(لعلهم يتفكرون) فيحذرون مثل عاقبته اذ ساروا نحو سيرته،
وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون ان النبي محمد يعلمه من جهة
الوحي فيزدادون ايقانا به وتزداد الحجة لزوما لهم((164)). وفي مناسبة اخرى، يقول الله تعالى موضحا الجدوى المطلوبة
من ضرب المثل ومنتهى مقصده بقوله: (وتلك الامثال نضربها
للناس وما يعقلها الا العالمون)[العنكبوت/43]. وعلى كل حال،
فحضور المثل الى جانب التاويل في النظائر يعد زيادة في
البيان والكشف، كما يقول الزمخشري: «ولضرب العرب الامثال
واستحضارالعلماء المثل والنظائر، شان ليس بالخفي في ابراز
خبيات المعاني، ورفع الاستار عن الحقائق، حتى تريك
المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن،
والغائب كانه الشاهد. وفيه تبكيت للخصم الالد، وقمع لسورة
الجامح الابي، ولامر ما اكثر الله في كتابه المبين وفي سائر
كتبه امثاله وفشت في كلام رسول الله(ص) وكلام
الانبياءوالحكماء»((165)). الا اننا حين نبحث في علاقة المثل والتاويل بالاشباه والنظائر
لا نجد خروجا بسيطا وانفكاكا يسيرا من تدقيق العلاقة التي
تربط بين مصطلحات التاويلر المثلر الوجوهرالنظائر، خصوصا
ان الفكر المعاصر حاول ان يربط هذه المصطلحات في اطارها
العقدي والفلسفي والسياسي بالنمطية الداخلية للنص القرآني
وهو ما نجده ماثلا في تحري الفهم الدقيق لهذه العلاقة. 4 - علاقة النص بالمثل والتاويليثير موضوع النص، في الدراسات القديمة والحديثة، قضايا مختلفة تتعلق بالمرجعية والنتاج المعرفي والذاكرة الثقافية والمقدس الديني، وغيرها من القضايا التي يحتاج الباحث في اطاره الى اكتساب آليات الكشف عن مفاهيمه ومعرفة مداخله. فلا غرابة ان نجد لهذه الكلمة (نص) دلالات مختلفة في الفكر القديم والحديث وتتضارب وجهات النظر فيه حسب العلوم والمرجعيات. فهل النص مطلقا يحتاج الى التاويل في بيانه؟ وهل بيان النص يحتاج الى آليات التمثيل؟
في الاجابة عن السؤال الاول نجد ان النص هو الواضح البين،
اي المحكم الذي لا اجتهاد مع وجوده. وما يلاحظ في
الدراسات المعاصرة التي تناولت مصطلح التاويل في علاقته
بالنص، انها تحاول تحديد مرجعية هذا المصطلح واضعة
الاشكالات الاتية: هل يرجع الى موضوعه باعتباره اداة معرفية
يتصل بمفاهيم اخرى، او ان موضوعه الافعال الانسانية، او
النصوص اللغوية؟ وهل ينظر الى «النص» او «الخطاب» او
«الكتاب» او «الرسالة» على انه فضاء يحتمل ما لا نهاية من
القراءات؟ وهي اسئلة طرحت في اطارالابحاث النقدية الحديثة
التي تسعى الى استثمار معطيات النص من خلال التاويل، وما
يتصل به من مفاهيم في تاسيس مجالات معرفية سواء في
التحليل النفسي ام الانتروبولوجي، ام الدلالي، ام الظاهراتي، ام
السيميولوجي... وقد تاثر اغلب الباحثين العرب المعاصرين، خصوصا في مجال
النقد الادبي، بما قدمه المهتمون بالتنظير لموضوع التاويل في
علاقته بالنص، كالبيرتو ايكو وميشيل غاستيي وشاغل بورس
وجاك ديريدا وغيرهم خصوصا في الجانب الدلالي والسيميائي.
فقد كان مصطلح التاويل في امثال هذه الدراسات مركزا اساسا
في دراسة النص في مستواه النظري او التطبيقي، خصوصا عند
بعض النظريات كالتفكيكية التي تسعى الى تفكيك النص
وتفجيره الى وحدات يتعقبها المؤول للوصول الى التناقض او
عدم الانسجام، اوعند انصار المعنى الحرفي للنص اي المستوى
الحرفي للملفوظات، وذلك ان داخل حدود لغة كل نص يوجد
معنى حرفي للمفردات المعجمية التي يتعقب المؤول آثارها
في استنباط شبكة من الدلالات المتقاربة او المتباعدة. وقد
ظلت امثال هذه النظريات محل القبول او الرفض بسبب
العلاقات المتشعبة للتاويل التي يفهم منها عكس ما يذهب
اليه المستوى النظري. ويظهر من هذا الاعتبار، ان الابعاد النظرية لدى المهتمين
بالنص من الباحثين المعاصرين كامثالهم من القدامى تتجه
الى الانهماك في تحديد مفاهيم التاويل، بل كان من
نتائج جدلهم في مفاهيمه النظريات المتضاربة والاقوال
المختلفة التي تتصل بالباطن والاخلاق والتمثيل. وهناك من
الباحثين من اعياه مدلول التاويل ليبحث في قياساته
الدلالية لعله يصل الى العلاقات اللغوية المتقاربة، كان يقول
احدهم مثلا: «تستدعي كلمة «تاويل» اول ما تستدعي، الى
مجالها الدلالي كلمات من قبيل: «الاحلام»
و«الرؤيا»و«الاحاديث». وهذه الكلمات تستدعي بدورها الى
جانب كلمة «تاويل» كلمات اخرى من مثل: «التفسير»
و«التعبير». ومعنى ذلك ان ثمة علاقة ارتباط بين هاتين
المجموعتين من الكلمات»((166)). ونرى ان العديد من
الدراسات اللسانية الحديثة المتاثرة بالانموذج الغربي تحاول
الانطلاق من النصوص القديمة في مرجعياتها التاويلية سواء
في النثر ام في الشعر، هي اجتهادات لا تسلم من خلفيات
العقلية الايديولوجية التي تتضح بافكار ذاتية اتخذت التاويل
اطارا واسعا للتعبير عن كل متخيل يمليه طيف التامل. وقد ادت مناقشات مصطلح التاويل وعلاقته بالنص من حيث
وجوهه ونظائره الى مشاحنات في اعتباره وسيلة من وسائل
الفهم او مبدا من مبادى الخلاف؟ وفي هذه المسالة نجد
للتاويل نصيبا من الاهتمام في الدرس الحديث خصوصا في
دراسته باعتباره قضية متشعبة الاغراض. ومن النماذج التي
نوردها كتاملات في مصطلح التاويل في علاقته بالنص، ما اشار
اليه د. طيب تيزيني في قوله: «ان صيغة التاويل تلك
الملتبسة.. تبرز هنا، بمثابتها سمة ثالثة للنص القرآني
والحديثي، اسهمت بقوة ملحوظة وعبر جل الفرقاءفي احالته
الى موضوع بحث نقدي، بقدر او ب آخر، ومن ثم في اختراقه
بنيويا ووظيفيا»((167)). فما قدمه المؤلف يبتعد عن تحديد
المصطلح وتخليصه للمعنى المرادوجعله هو التفسير عينه ولا
يمكن لهذا الاخير ان ينفك عنه كعلاقة المجاز بالحقيقة.
وبسبب غياب هذا التدقيق نجده يستعمل ما يمكن ان نسميه
بتاويل المؤول عندما يريد ان يعلق على راي ابي البقاء الكفوي
في تحديده مستوى الدراية الذي يتصل بالتاويل ومستوى
الرواية الذي يتصل بالتفسير. يقول: «في هذا التمييز بين
«الدراية» و«الرواية»
نتبين ما هو الاكثر خصوصية بكل منهما.
ولكننا نشير الى ما لم يشر اليه ابو البقاء والذين عناهم في
حديثه، وهو ان عنصر «الذاتية» يمكن ان نتلمسه ليس في
«الدراية تاويل»فحسب، بل كذلك في «الرواية تفسير»، مما
يضعنا امام صيغة طريفة من «التفسير التاويلي» الذي يمثل
بنية مركبة من احدى لحظات ما اتينا على ذكره تحت حد
القراءة الجدلية المركبة»((168)). معنى ذلك انه حسب تيزيني
لا يمكن ان نميز بين التاويل والتفسير وان دائرة التاويل اشمل
من دائرة التفسير، الامر الذي جعله يجمع بين مصطلحين
لايستوعبهما التركيب الذي يقصده ب«التفسير التاويلي»،
فيجعل التفسير خاضعا لاختراقات تاويلية عبر الاختيارات
الاستراتيجية التي يستخدمها المفسر، وذلك عندما
يستعين المفسر مثلا بنمط المعجمة اللغوية والمنظومات
الدلالية المشروطة بحدود عصره. ولا يكاد يبتعد انموذج طيب تيزيني عن انموذج آخر لنصر
حامد ابو زيد الذي يعتمده الاول مرجعية في رايه لابراز ما
يسميه بزيف التفريق الاسلامي القطعي بين التفسير
والتاويل،
حيث يرى ابو زيد ان التفرقة بين مصطلحي التفسير والتاويل:
«تعلي من شان التفسير، وتغض من قيمة التاويل على اساس
من موضوعية الاول وذاتية الثاني.الموضوعية في الحالة الاولى
موضوعية تاريخية تفترض امكانية ان يتجاوز المفسر اطار
واقعه التاريخي وهموم عصره، وان يتبنى موقف المعاصرين
للنص، ويفهم النص كمافهموه في اطار معطيات اللغة
التاريخية عصر نزوله. ومثل هذا التصور يقع مع تناقض منطقي
من الوجهة الدينية الاعتقادية التي ينطلق منها اصحابه، اذ
النص عندهم صالح لكل زمان ومكان... ومثل هذا الاعتقاد
يتناقض مع القول بضرورة اعتماد المفسر على الماثورات
المروية عن الجيل الاول او الجيل الثاني على الاكثر، والوقوف
عند فهمهم وتفسيرهم للنص»((169)). ومن اعتماد هذين الانموذجين للتاويل مبدا لفهم النص
نجدهما يبتعدان عن الحاقه بالمحكم او المتشابه، وذلك اما
لكونهما لم يستبينا موقف القرآن من المحكم والمتشابه
اولانهما لم يقبلا ان يكون التاويل في المتشابه فقط، يقول
طيب تيزيني: «ولم يكن شان النص القرآني ان يفعل، على هذا
الصعيد، اكثر من اعلانه عن انه قائم على المحكم والمتشابه،
دونما ضبط وتحديد لهذا وذاك تلميحا او افصاحا. ولكنه، من
طرف آخر، دعا الى تبين المتشابه في ضوء المحكم، وعلى
اساس القواعد التي تحكمه ويحتكم اليها»((170)). اما ابو زيد
فيستنتج من تاملاته في التاويل، بعد ان حدد المتشابهات في
الحروف المقطعة، بان معنى «التاويل محاولة اكتشاف دلالة
تلك الحروف، لغايات سماها القرآن «ابتغاء الفتنة»، فهي الغاية
من اتباع المتشابه ومن التاويل»((171)). ومما يجعل هذا الانموذج محددا لنتائج المصطلح في معطيات
قرآنية غير مفهومة عنده كان يرادف المؤولين بزائغي القلوب،
نجده في جانب آخر يدعو الى اعادة قراءة النص القرآني، ومن
حقه ان يدعو لذلك حتى يستوعب المعطيات الدقيقة ويتعرف
من خلالها على انسانية القرآن. وكان التاويل عند هذا الانموذج
هو ابقاء اللفظ على حاله في عصرما ثم فهمه بشكل آخر في
ابعاد ايتيمولوجية تطورية في عصور اخرى، وكل ذلك ارضاء
للبشر مختلفي التوجهات والمصالح والافهام((172)). ومعنى
ذلك، ان مصطلح التاويل لا يخضع لاساس ولا يرتبط بمرجعية
اجتهادية توافق النص الديني، بل هو ضرورة يستوجبها العقل
ويقتضيها الفهم اللامحدود. ومن هنا يفهم مصطلح
التاويل واستعماله في فهم النصوص عند هذا الفريق من
المفكرين المعاصرين على انه واجب وجوب كفاية وربما وجوب
عين للمواءمة بين النص والواقع، على نحو ما، وبقدر ما،
وفي
وضعيات اجتماعية مشخصة متعددة ومتنوعة في التاريخ
العربي الاسلامي((173)). 5 - تلازم المثل والتاويل في الفكر البلاغي
ان البحث في تلازم المثل والتاويل في الفكر البلاغي يستدعي
النبش في الحفريات المعرفية للثقافة العربية التي تعبر عن
هذه العلاقة. فالبلاغة العربية استعانت ضمن مرجعيتها
بمعطيات النص الديني وتفسيره، ولا ينسى في هذا المجال
مواقف المفسرين البلاغيين امثال ابي عبيدة (210ه) وابن
قتيبة (270ه) والزمخشري (538ه)وغيرهم من طوائف علماء
القرآن وتفسيره. فالمتتبع للنصوص التي تناولها الدرس
البلاغي العربي، سيجد جهودا متكاملة في التنظير تظهر في
مناقشة البلاغيين لعدد من المفاهيم، كالمجاز مثلا الذي لم
يناقشوه بمعزل عن المفاهيم الاخرى التي تخدم المقام
والمقال في الثقافة ككل، بل دققوا هذا المصطلح قصد الوصول
الى اعمق ابعاده. وبهذاالمنهج فرقوا بين انواع الاستعارات
وانواع المجازات والتشبيهات تبعا لظروف المقام التي تقتضي
ذلك. وقد تناول الفكر والثقافة العربيان المفاهيم البلاغية
كالحقيقة والمجازوالتشبيه في التاكيد على مقولات معرفية
مختلفة في اللغة والمنطق والاصول وغيرها، موظفين
استعمالاتها حسب النزعة المذهبية او الفكرية التي تؤسس
مرجعية الفهم ومنطلق التحليل. وفي هذا الجانب، نجد التاويل
ياخذ بعدا ملحوظا في الثقافة العربية والاسلامية في ملازمته
للمثل. وتظهر هذه الملازمة غالبا في الاستعمال الذي يعبر
عن الشبه ك آلية من آليات التاويل، خصوصا وان وجه المشابهة
في الاستعارات في حاجة الى التمثيل والى التخييل، فهي في
حاجة الى الفكر والتامل واستعمال التاويل في كشف المعنى.
يقول عبد القاهر الجرجاني: «وانما يتراءى لك التشبيه بعد ان
تخرق اليه سترا، وتعمل تاملا وفكرا، وبعد ان تغير الطريقة،
وتخرج عن الحذو الاول»((174)). معنى ذلك، ان للتاويل علاقة بالمثل الذي من صوره
الاستعارة التي تعتمد التاويل في بعض انماطها. لذلك نجد
البلاغيين يشيرون الى اهمية التاويل في ازالة التخييل والوهم
الذي تتضمنه الصورة الفنية للخطاب، يقول عبد القاهر
الجرجاني: «اعلم ان الشيئين اذا شبه احدهما بالاخر كان ذلك
على ضربين: ان يكون من جهة امر لايحتاج فيه الى تاول،
والاخر ان يكون الشبه محصلا بضرب من التاويل»((175)).
فالبلاغي مطالب في بيان الدليل الوارد في الاستشهاد بترتيب
درجات البيان حسب الاشياء المدركة بالحواس، والعقلية التي
تحتاج الى العقل في تاويل المراد. وهذا الامر يكاد ينطبق على
مجمل المعارف في تعاملها مع المثل والتاويل، حيث نجد
في مستويات الدليل: «ما يقرب ماخذه، ويسهل الوصول اليه، ويعطي المقادة طوعا، حتى
انه يكاد يداخل الضرب الاول الذي ليس من التاويل في شيء... ومنه ما يحتاج الى قدرمن التامل،
ومنه ما يدق ويغمض، حتى يحتاج في استخراجه الى فضل
رؤية ولطف فكرة»((176)). وما يفهمه الفكر البلاغي في مسالة
فهم الخطاب واستعمال القرائن يستند الى الصورة العقلية التي
تحملها الوسائل الاستعارية التي توظف عادة في فهم الدليل.
ولعل من اهداف الفكر البلاغي في مسالة المثل والتاويل رد
دلالة الفعل الى دلالة الوصف. وفي ذلك ابعاد فكرية تتوضح في
تلازم المثل بالتاويل، خصوصا وان التاويل في الفكر البلاغي
يتصل بعلاقة المشابهة اذا كانت في حكم الصفة ومقتضاها.
وندرك هذا المعنى في شرح البلاغي للابيات الاتية: ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا ولولا انتظاري كل يوم جدى غد وقد رابني وهن
المنى وانقباضها يقول عبد القاهر: ليس المعنى على انه
استعار لفظ الكفين لشيء، ولكن على انه اراد ان يصف الياس بانه قد غلب على نفسه،
وتمكن في صدره، ولما اراد ذلك وصفه بمايصفون به الرجل بفضل القدرة على الشيء((177)). فالناظر في الكتب
التي اهتمت بالجانب البلاغي خصوصا في المسائل التي تتصل
بالمثل والتاويل، يجد موقفااساسا في بناء المفاهيم وتداخلها.
وقد مكن هذا البعد الفكر البلاغي من تفعيل عدد من
الاطلاقات الجامعة التي استعملت في تفسير الدليل وشرحه.
ونذكر، في هذا المجال،على سبيل المثال، ما ورد عن ابي
عبيدة من استعماله لمفهوم بلاغي معرفي جامع سماه «مجاز
المثل والتشبيه»، الذي استعمله اطلاقا جامعا في تاويله لكثير
من الايات القرآنية((178)). ولا شك في ان مصطلح التاويل في
الفكر البلاغي له بعد مهم يمكن ان يطلق عليه البعد
التصنيفي، وذلك لعلاقته التداخلية بالمجاز والتشبيه
والحقيقة.يقول عبد القاهر: «اعلم ان الذي اوجب ان يكون في
التشبيه هذا الانقسام، ان الاشتراك في الصفة (بين المشبه
والمشبه به) يقع مرة في نفسها وحقيقتها وجنسها، ومرة
في حكم لها ومقتضى»((179)). اي ان اهمية التاويل في الفكر
البلاغي تظهر من خلال الربط بين المصطلحات البلاغية،
باعتبار مقولة التاويل هي الوجه الاخر لمقولة المجاز. وندرك
من هذا البعد، ان التقسيمات التي وضعها البلاغي كالحسي
والعقلي والتخييلي تعتمد المرجعية الفكرية والتاويلية في فهم
الدليل من خلال القياسات والقرائن الاجتهادية التي يستعملها
البلاغي في فهم السياق وتحديد نوعية خطابه. وفي هذا الاطار
نجد المثل الذي هو ضرب من التشبيه والمجاز في الفكر
البلاغي يعبر عن سيرورة تؤثر في النفوس عبر التاريخ، حيث ان
تفسير ضرب المثل له علاقة «تلازم» واضحة بالتاويل، وذلك
لامكان استعارته للصفة والقصة والحال، خصوصا اذا كان لاي
منهما شان وفيها غرابة. وقد اثار فهم الترابط التلازمي بين التاويل والمجاز وجهات نظر
فكرية ومعرفية حاولت الاحاطة بعدد من المشاريع الفكرية
كالمشروع الفكري للغزالي((180))
والزمخشري((181))
ومحيي الدين ابن عربي((182)) وابن المنير الاسكندري
المالكي((183)). وجميعها مشاريع فكرية استعمل في
توضيحها ومعارضتهامختلف اوجه التحليل والبيان سواء في ما
يتعلق بالاشارات اللغوية او المعاني البلاغية خصوصا في مسالة
الحقيقة والمجاز. ومما نورده مفسرا في هذا المجال ما اشار
اليه الزمخشري في معنى الاية: (ختم الله على قلوبهم وعلى
ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) [البقرة/7] يقول: «فان
قلت: ما معنى الختم على القلوب والاسماع وتغشية الابصار؟
قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وانما هو من باب
المجاز، ويحتمل ان يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة
والتمثيل»((184)). وقد ظلت آراء المفسرين متحرية الصورة الممثل بها في النص
القرآني معتمدين سائر اوجه الايضاح في تاويلها، خصوصا في ما
اورده الفكر البلاغي من قرائن يمكن الاعتماد عليها في ترجيح
المعنى المراد. ونذكر مثالا لذلك ما ورد في سورة الكهف في
قوله تعالى: (واضرب لهم مثل ال حياة الدنيا كماء انزلناه من
السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هش يما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا) [الكهف/45]. فالممثل به وهو
«النبات» يقتضي من المفسر ان يفهم وضعه في السياق العام
الذي يحتمل تاويله، مع فهم الوضعية الخاصة للشيء الممثل به
في علاقته بالممثل. لذلك نجد الطبري يذهب الى ان: «مثل
هذا النبات الذي حسن استواؤه بالمطر، فلم يكن الا ريث ان
انقطع عنه الماء، فتناهى نهايته، عاد يابسا تذروه الرياح، فاسدا
تنبو عنه اعين الناظرين»((185)). وشبه الزمخشري «حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها
من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون اخضر وارفا ثم يهيج
فتطيره الرياح كان لم يكن»((186)). كما شبه الرازي احوال
الدنيا في اطوارها من بداية واكتمال وانتهاء باحوال
النبات((187)). وقد اعتمد جل المفسرين النبات ممثلا به
للدنيا، وكذلك من ذهب منهم الى ان الممثل له الهيئة
المنتزعة من الجملة، لان الهيئة التي اشاروا اليها لا تتجاوز
احوال النبات، كما اشار الى ذلك ابو السعود بقوله: «وليس
المشبه به نفس الماء، بل الهيئة المنتزعة من الجملة، وهي حال
النبات المنبت بالماء، يكون اخضر وارفا، ثم هشيما تطيره الرياح
كان لم يكن بالامس»((188)). وتظل الحبكة التي صيغ بها المثل في كامل اعجازه مثارا
للتامل والتاويل في الاية لفهم العلاقة بين النبات والدنيا والماء،
مع بيان اوجه التقابل والتشابه التي تضفي على المثل ابعاده
التفسيرية التي يحتاجها العبد المكلف في المناسبات المختلفة
التي تحمل معاني الترغيب والترهيب في اسمى درجات
اليقين. ولعل الباحث في هذه الاغراض وتلازمها يجد مادة
اجتهادية تؤسس نواة صلبة في فهم التلازم بين اللفظين، ومن
دون شك ايضا سيدرك اسلوبا معجزا في نواح فكرية متعددة
المقاصد والابعاد، استعملها
الاسلوب القرآني في تقرير الحقائق
التاريخية الماضية التي عاشتها الامم المتلاحقة في الدار
الفانية، والتطلع الى الحياة الابدية التي تسعى اليها الامة
الناجية في الدار
الباقية. خاتمة ان البحث في اطار التلازم بين المثل والتاويل، انطلاقا من النص او الخطاب، يدعو الى تعميق الفهم لمراد تكاليف الدين الاسلامي. فحينما يضرب المثل في معرض البيان يزداد القلب يقينا، وحينما يضرب في موطن الخفاء يزداد العقل تبصرا، وهي موازنة يحتاج اليها في استيعاب انواع الدلالات العقلية بما فيها الدلالات اللغوية التي يستعان بهاعلى فهم قصد الدليل. لذلك نجد الامثال المضروبة في النص القرآني تدعو المكلف الى مزيد من التامل مع ربط الظروف بمقاماتها والمناسبات بتطلعاتها التي يذوب فيهاالزمن بمختلف حدوده وحواجزه. فالخطاب القرآني معطى متجدد في الزمن، صالح للعاجل والاجل، منسجم مع كل زمان ومكان. وعندما نحاول الامعان في اهمية المثل في القرآن الكريم والداعي الى ضربه نجد السبب واضحا في الدفع بالعقل الانساني الى الفهم اكثر، مع تحصيل العلم اليقيني في اسمى درجاته. كما ان تفسير الدليل يستدعي في بيان مراده ما يمليه النص وما يحمله من اشارات تقتضي التاويل الواضح، في الكشف عن المعنى المتبادر الى الاذهان. اما الجدل في ادراك المعاني، وتعدد التاويلات لفهم مدلول الخطاب في الفكر الاسلامي، فينبع من السعي الى تحديد درجات الوضوح التي يحتاجها العقل الانساني القاصر في ادراك الكمال من دقائق الامور المطلوبة من الدين بالضرورة، مع عدم الخوض بلا ضابط او طائل في ما لا يتفق مع العقل والنص. يقول القاضي عبد الجبار: «لا يمتنع ان يكون الصلاح في بعض الادلة ان يستقل بنفسه فيعرف المراد بانفراده، وفي بعضها ان لا يعرف المراد به الا مع غيره، الا ترى ان العادة قد جرت انا نعلم المدركات الواضحة بالادراك، ولا نعلم بالاخبار ما تتناوله الا اذا تكررت،وكذلك المدركات اذا غمضت. فاذا جاز اختلاف المصالح في ما يفعله تعالى من المعلوم، ففيها ما يفعله تعالى ابتداء. وفيها ما يفعله عن سبب واحد، وفيها ما يفعله عن اسباب، بحسب ما يعلم من الصلاح»((189)).
«اقتصادنا» من وجهة نظر مختلفة ا. محمد الحسيني تمهيد كتاب «اقتصادنا»، بتعبير مؤلفه الشهيد السيد محمد باقر الصدر
نفسه، محاولة بدائية للغوص الى اعماق الفكرة الاقتصادية في الاسلام، مهما اوتي من
النجاح وعناصر الابتكار.وعندئذ يلزم ان يدرس على حد تعبير الشهيد الصدر ايضا بوصفه
بذرة بدائية لذلك الصرح. غير ان عناصر الابتكار والنجاح فرضت نفسها على حركة
التفكير الاسلامي في هذا الحقل المعرفي، فاعترف المفكرون
الاسلاميون وغيرهم بتفوق «اقتصادنا» وتالقه، وذلك لانه
بتقييم المفكر الاسلامي محمد المبارك اول محاولة علمية
فريدة من نوعها ينجزها فقيه، يتكرس في كتابه البعد العلمي
للاقتصاد والفقهي للشريعة. ولم يكن يتصور ان يكتسب «اقتصادنا» هذا الموقع المتميز، وقد مرعلى كتابته ما يقرب من اربعة عقود، فبقي متالقا وهاجا على الد وام. ولئلا يتخذ الوصف الاطراء والثناء، يمكن المقارنة بين «اقتصادنا» وبين ما تم انجازه الى الان في الاطار نفسه. وازعم ان معظم ما كتب، في هذا المجال، عيال عليه ومدين له في اهم الافكار والرؤى الاساسية للاقتصاد الاسلامي.غير ان هذا الاطراء لا يعني سد الباب امام النقد والقراءة العلمية ل «اقتصادنا»، بل على العكس تماما، فان نقدا من هذا القبيل يعبر عن الاحترام الاكيد والشديد للمؤلف بالفتح والمؤلف بالكسر معا. لكن وفقا للمنهج العلمي والموضوعي. وبخاصة ان الكتاب تاريخي، بمعنى انه كتب في حقبة زمنية، كانت لها اجواؤها الخاصة وطبيعتها ايضا، فضلا عن المستوى الفكري الذي كانت تطرح فيه يومذاك. ولذلك افترضه الشهيد الصدر بذرة. واية بذرة! ومهما يكن من امر، فاننا وعلى خلفية تفعيل النقد، حاولنا رصد
بعض القراءات والدراسات النقدية، او التي قيل عنها انها كذلك، لكتاب «اقتصادنا».
واقتصرنا على المهم منها.وراينا انها تتمثل في اتجاهين: الاول: ما كان يصدر منها عن موقف مسبق وقبلي، فيقرا «اقتصادنا» في غرف مظلمة لا يبصر منه الا ما يريد ان يبصر.وهنا لم يكن مستغربا ان تتصدى الاقلام الماركسية لتسجيل بعض الملاحظات النقدية! على الاقل بداعي رد الاعتبار وحفظ ماء الوجه، وهي في معظمها كذلك، وبخاصة تلك التي كانت في معركة سافرة مع الاتجاه الاسلامي في العراق، والتي لم يكن متوقعا منها قراءة نقدية منصفة، في ظل الاحتراب والصراع المرير. وهذا ما تعبر، والى وقت متاخر، عنه كتابات هادي العلوي تحديدا((190)) وهو يخبط خبط عشواء ويحتطب في الليل.ولكن من المستغرب ان تتصدى بعض الاقلام الاسلامية لنقد
«اقتصادنا» بالطريقة الماركسية نفسها، على خلفية الصراع
المذهبي البغيض، في وقت مثل فيه هذا الكتاب صيغة اسلامية
تجاوزت المذهبية نفسها، كما يشهد بذلك الاثر الذي تركه في
المحافل الفكرية والثقافية على تنوعها المذهبي. وعلى اية حال، فقد رصدنا في هذا الاتجاه تيارين، ان صح
التعبير، الاول: ويمثله الحس المذهبي الضيق، وشاهده
الوحيد، كتاب «الاقتصاد الاسلامي بين فقه الشيعة واهل السنة
قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا». والثاني: وتمثله الاقلام
الماركسية والاشتراكية، وقد اشرنا الى ثلاثة نماذج: كتبها
احمد صادق سعد، وغسان محمود ابراهيم، وفالح عبدالجبار. والاتجاه الثاني: وهو، الى حد ما، يصدر عن موقف علمي وروح علمية، وان كان يشكو من نقاط ضعف كثيرة. واشرنا الى دراستين: الاولى: كتاب «اصول الاقتصاد الاسلامي» للدكتور رفيق المصري، والثانية: كتاب «تجديد الفقه الاسلامي محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم» للدكتور شبلي الملاط، ونامل ان ننشر قراءتنا لهاتين الدراستين في وقت لاحق.اما، الان، فسنتحدث عن التيار الثاني من تياري الاتجاه الاول،
مستكملين ما بداناه في دراسة سابقة((191)). ويمثل هذا التيار الكتاب الماركسيون وذوو الميول الاشتراكية،
وهم، وان لم يكونوا في نقد «اقتصادنا» سواء، من حيث اللغة
والمنهج والمحتوى، الا انهم يشتركون في مواجهة المضمون
الفكري ل «اقتصادنا»، لجهة كونه النقيض العقدي والفكري
لعقيدة ارتضوها وفكرة اختاروا الدعاية والترويج لها. وعليه فليس من الغرابة توجيه سهام نقدهم لكتاب يستشعرون
خطره على قواعدهم وجماهيرهم وشعاراتهم، او ميدان عملهم
الثقافي على اقل تقدير. ويمكن الاشارة الى نماذج ثلاثة في هذا التيار: الاول: كتاب «دراسات في المفاهيم الاقتصادية لدى المفكرين الاسلاميين الفكر المعاصر» للكاتب احمد صادق سعد((192)).وقد اشتملت هذه الابحاث طيا على نقد «اقتصادنا» بوصفه
احدى الصيغ النظرية الفكرية، التي تمثل الفكر الاقتصادي
الاسلامي، بل وابرز ما قدمه المفكرون الاسلاميون في هذا
الصدد وانضجه. في الكتاب الاول وفي معرض الحديث عن ادبيات الاقتصاد الاسلامي والمعالجات
النظرية التي صاغها المفكرون الاسلاميون يشدد احمد صادق على اهمية كتاب «اقتصادنا»
، وتقدمه على سائر الاعمال الفكرية في هذا الحقل المعرفي المهم. فقد كتب صادق في صدد تقييم «اقتصادنا»: «وفي آخر
الستينات ايضا، اصدر الامام الشيعي اللبناني محمد باقر الصدر
كتابه الضخم المعنون اقتصادنا. والاهمية الكبيرة لهذاالمؤلف
تاتي من ان كاتبه قدم به عملا مترابطا متسقا لاول مرة، في
هيكل نظري ذي منطق منسجم الى درجة اكبر من الاعمال
الاخرى التي تعالج الاقتصاد الاسلامي،بالاضافة الى ان محمد
باقر الصدر استقى معلوماته من شتى المصادر الفقهية السنية
الى جانب الشيعية، فان استنتاجاته قد تصلح لكي يتبناها اتباع
الفريقين على السواء، اذااستبعدنا اجزاء قليلة
تفصيلية..»((195)). ولضخامة العمل الفكري الذي قدمه الشهيد الصدر، يعتذر
صادق سعد عن متابعة افكاره، ويكتفي بعرض مجموعة من
الاراء الاساسية التي يقدمها((196)). ويلاحظ على الكاتب سعد استغراقه في نقل نصوص عديدة
ومن مواضع متفرقة من «اقتصادنا»، وهو، اذ يفعل ذلك، قلما
يناقش هذه المضامين، وان تعرض لها فانه يقتصرعلى تعليقات
لا تكتسب الصفة العلمية للمناقشات، وهي اقرب الى تسجيل
الانطباعات منها الى المناقشات. ففي وقت يركز فيه الشهيد الصدر على خصوصية المجتمع الاسلامي ودوره في انجاح التنمية الاقتصادية في العالم، بما للظروف الموضوعية للامة وتركيبها النفسي التاريخي من اسهام في عملية التنمية هذه وانجاحها، وبما يتكفل بتفادي الصعوبات التي تنجم عن الاقتصاد الحر، والمشاكل التي تواجهها التنمية الاقتصادية في ظله، وذلك بناء على المفهوم الاسلامي للرقابة غير المنظورة، ينقل صادق سعد عن «اقتصادنا» ما نصه: «تتجلى خلال البحوث... اصالة الاقتصاد الاسلامي ومناقضته للاشتراكية في موقفه من الملكية الخاصة واحترامه لها، واعترافه - في حدود مستمدة من نظريته العامة - بمشروعية الكسب الناتج عن ملكية مصدر من مصادر الانتاج غير العمل»، ويحرص من ثم على التعليق فيكتب: «الاقتصاد الاسلامي في نظره اذن اقتصاد حر في اساسه»((197)) وبذلك ينسب الى الشهيد الصدر تحديدا خاصا لصورة الاقتصاد الاسلامي، وصفها سعدبانها مناقضة للاشتراكية...هذا التعليق لا يخلو من مغزى! لان سعد، شانه شان الكتاب من
اصحاب الميول الاشتراكية، يحرص على اضفاء الطابع
الراسمالي على التصورات الاسلامية في المجال الاقتصادي،
ولذلك لا يدخر جهدا في التقاط بعض المفردات، مغفلا
مفردات اخرى، في سبيل تكريس هذه الصيغة. ومهما يكن من امر، فما هو مراد سعد من كون الاقتصاد
الاسلامي اقتصادا حرا؟ هل يعني كونه راسماليا، او كونه يناى
عن الاقتصاد الاشتراكي؟ فاذا كان يعني به اضفاء
الصفة الراسمالية، فهو افتئات على «اقتصادنا» على اقل تقدير،
لان كلام الشهيد الصدر في ما نقله عنه سعد نفسه خلو من
ذلك، لان ما بصدده الشهيد الصدر هو بيان دور
التحديدالداخلي والرقابة غير المنظورة واسهامهما في تفادي
المعوقات التي تنتاب التنمية الاقتصادية في ظل النظام
الراسمالي، وهذا لا يعني كون الاقتصاد الاسلامي حرا
بالدرجة نفسها في ظل الاقتصاد الراسمالي، لان هناك عددا
غير قليل في ما اوضحه الشهيد الصدر من المسائل مما يفترق
بها الاقتصاد الاسلامي عن الراسمالي، وقد ضم «اقتصادنا»عددا
من المسائل التي كشف فيها الشهيد الصدر عن الحدود
الفاصلة بين النظام الاسلامي والنظام الراسمالي، فضلا عن
النظام الاشتراكي. واذا كان يعني بكونه اقتصادا حر ا لجهة ابتعاده عن الاقتصاد
الاشتراكي فهذا صحيح لانه ليس اشتراكيا، بل هو اقتصاد ذو
صبغة وطابع متميزين. كتب الشهيد الصدر في هذا الصدد: «... واولئك الذين اعتقدوا بان الاقتصاد الاسلامي راسمالي، يؤمن بالحريات الراسمالية، قد يكون لهم بعض العذر اذا كانوا قد استلهموااحساسهم من خلال دراسة انسان عصر التطبيق، والقدر الذي كان يشعر به من الحرية، ولكن هذا احساس خادع، لان الهام التطبيق لا يكفي بدلا عن معطيات النصوص التشريعية والفقهية نفسها، التي تكشف عن مضمون راسمالي. وفي الواقع: ان الاعتقاد بوجود مضمون لا راسمالي للنظرية الاقتصادية في الاسلام على ضوء ما قدمناه.. ليس نتيجة تطوير او تطعيم او عطاء ذاتي جديد للنظرية كما يقول اولئك المؤمنون براسمالية الاقتصاد الاسلامي، الذين يتهمون الاتجاه الى تفسير الاقتصاد الاسلامي اتجاها لاراسماليا، ويقولون عنه: انه اتجاه منافق، يحاول ادخال عناصر غريبة في الاسلام، تملقا للمد الفكري الحديث، الذي شجب الراسمالية في الحرية والملكية.. ونحن نملك الدليل التاريخي على تفنيد هذا الاتهام، واثبات امانة الاتجاه اللاراسمالي في تفسير الاقتصاد الاسلامي، وهذا الدليل هو النصوص التشريعية والفقهية، التي نجدها في مصادرقديمة، يرجع تاريخها الى ما قبل مئات السنين، وقبل ان يوجد العالم الحديث والاشتراكية الحديثة، بكل مذاهبها وافكارها. وحين نبرز الوجه اللاراسمالي للاقتصاد الاسلامي،الذي يعرضه هذا الكتاب، ونؤكد على المفارقات بينه وبين المذهب الراسمالي في الاقتصاد.. لا نريد بذلك ان نمنح الاقتصاد الاسلامي طابعا اشتراكيا، وندرجه في اطارالمذاهب الاشتراكية، بوصفها النقيض للراسمالية. لان التناقض المستقطب القائم بين الراسمالية والاشتراكية، يسمح بافتراض قطب ثالث في هذا التناقض، ويسمح للاقتصاد الاسلامي خاصة ان يحتل مركز القطب الثالث، اذا اثبت من الخصائص والملامح والسمات ما يؤهله لهذا الاستقطاب في معترك التناقض. وانما يسمح التناقض بدخول قطب ثالث الى الميدان، لان الاشتراكية ليست مجرد نفي للراسمالية، حتى يكفي لكي تكون اشتراكيا ان ترفض الراسمالية، وانما هي مذهب ايجابي له افكاره ومفاهيمه ونظرياته.وليس من الحتم ان تكون هذه الافكار والمفاهيم والنظريات صوابا اذا كانت الراسمالية على خطا، ولا ان يكون الاسلام اشتراكيا، اذا لم يكن راسماليا، فليس من الاصالة والاستقلال والموضوعية في البحث، ونحن نمارس عملية اكتشاف للاقتصاد الاسلامي.. ان نحصر هذه العملية ضمن نطاق التناقض الخاص بين الراسمالية والاشتراكية، فنسرع الى وصفه بالاشتراكية اذا لم يكن راسماليا، او بالراسمالية اذا لم يكن اشتراكيا..»((198)).وهذه الفقرة التي حرصنا على نقلها على طولها تحدد معالم
النظام الاسلامي في حقل الاقتصاد وموقعه من التناقض القائم
بين الانظمة السائدة، وتحديدا النظام الراسمالي والنظام
الاشتراكي، وتلقي الضوء على ما يستهدف الشهيد الصدر من
التنظير لنظام متميز قائم بنفسه. وعندئذ فلا موضوع لتعليق الكاتب صادق سعد في ما نقلناه عنه للايحاء بطبيعة راسمالية الاقتصاد الاسلامي، وتحديدا من وجهة نظر الشهيد الصدر، في ما اسماه بالاقتصاد الحر، وبخاصة ان تعليق صادق سعد ورد على جزء من الفقرة التي نقلنا معظمها في ما تقدم، والتي حدد فيها الشهيد الصدر طبيعة النظام الاسلامي وموقعه من الصراع القائم، وربما اغفل الكاتب سعد الاشارة الى موقع الفقرة التي نقلها عن «اقتصادنا» وتحديد رقم الصفحة، خشية اكتشاف دوره في تقطيع الفقرات وتفسيرها تفسيرا تعسفيا..وفي صدد ما اسماه الشهيد الصدر «منطقة الفراغ» واهميتها في
تلبية حاجات المجتمع الاسلامي، كتب سعد: «ويرى الكاتب ان
الاحكام الفقهية للسلف لا تستطيع ان تقدم حلولا لجميع
المشاكل الاقتصادية المعاصرة بكليتها، فان هناك ما يسميه
منطقة الفراغ»((199)). هنا لم يشا التعليق باكثر مما صدر به الفقرة التي نقلها عن
الشهيد الصدر بخصوص تفسير «منطقة الفراغ» وفيما اذا كان
يشكل ذلك قصورا في الشريعة او يعبر عن الطبيعة المتحركة
والمرنة للشريعة الاسلامية وقدرتها على الوفاء بمتطلبات كل
عصر، ولا ندري ما هو مدى تفهمه لهذه الفقرة، وكانه يوحي
باعتراف الشهيد الصدر بعدم وفاء الاحكام الفقهية التي نسبها
الى السلف بمتطلبات الحياة وقدرتها على حل المشاكل
الاقتصادية المعاصرة.. طبعا الشهيد الصدر لم يقل ذلك، لان النصوص الشرعية وليست الاحكام الفقهية المنسوبة الى السلف على حد تعبير صادق سعد قادرة بصيغها التشريعية الاصيلة على الوفاءبذلك، وهذا ما اوضحه الشهيد الصدر في الفقرة نفسها التي نقلها عنه سعد، الا انه الشهيد الصدرافترض مجالا لا يمكن ان يتخذ صيغة جامدة بسبب طبيعته المتحركة المتغيرة، فتركها المشرع للدولة، على ان تملا بما لا يتعارض مع الصيغ التشريعية الاصيلة، بل انها بعبارة اوضح، ليست احكاما، بقدر ما هي تدابير، وان كانت تكتسب الصفة التشريعية الثانوية بلحاظ كونها صادرة عن الجهة المختصة.ولا يغفل الكاتب سعد راي الشهيد الصدر في تحديد مفهوم
الاقتصاد الاسلامي ونفي الصفة العلمية عنه، وكونه المذهب
والطريقة، على تفصيل وشرح مبسوط الى حد ما،وبما يدفع
الالتباس ايضا. ولا يعلق الكاتب سعد على هذه المقولة، وربما لم يرد اغفالها
على الرغم من ذلك لجهة انه يوحي بنفي قيمة الاقتصاد
الاسلامي وجدواه، كما هو راي عدد من الكتاب والباحثين... ولعل الاهم في تعليقات صادق سعد ما اورده بخصوص راي
السيد الشهيد في العلاقة بين الانتاج والتوزيع، والذي حاول
فيه الشهيد الصدر نقض المقولات الماركسية، وهي تربط
بينهما على نحو صارم يؤول في النهاية الى ما اسمي بالشيوعية
واختفاء مظاهر الاستغلال نهائيا. كتب صادق سعد في هذا الصدد: «فهو ينفي ان نمط الانتاج هو
الذي يحدد السمات الاساسية للمجتمع واقتصاده، وبرهانه ان
المجتمع الاسلامي خلال تاريخه عرف تطورا في اساليب
الانتاج دون ان تتغير اساسياته الاجتماعية، وعليه فيقول: ان
الذي يحدد تلك السمات الاجتماعية هو التوزيع وعلاقاته، وهو
عنصر ثابت حسب رايه في المجتمع الاسلامي. ويقول في هذا
الموضوع، مميزا ما يسميه التوزيع قبل الانتاج عن التوزيع
بعده..»((200)). ولا يخلو هذا التعليق من التبسيط الشديد، اذ عالج الشهيد
الصدر وهو بصدد نفي العلاقة الحتمية بين الانتاج والتوزيع
المسالة من عدة زوايا، ابتداء بمناقشة الاسس النظرية التي
صاغتها الاقلام الماركسية((201)) ومدى نجاح هذه الافكار
على مستوى التطبيق تاريخيا((202)) وتحديدا بخصوص نجاح
الثورات الاشتراكية في مكان واخفاقها في آخر، وانتهاء
بالتصورات الاسلامية التي اسست لمقولات قانونية فصلت بين
الانتاج والتوزيع((203)) على نحو يمكن معه قيمومة هذه
المقولات على حياة الانسان، بعيدا عن الاطار الزمني الذي
وجدت فيه.. على ان ما نسبه صادق سعد الى السيد الشهيد من القول بثبات
التوزيع غير صحيح على اطلاقه، وهو يشي بمدى تواضع قراءته
ل «اقتصادنا»، او انها على اقل تقدير قراءة التقاطية لم تستوعب
المحتوى الفكري الذي اشتمل عليه الكتاب. وعليه، فالامر الذي يتحدث الشهيد الصدر عنه هو نفي الصلة الحتمية بين الانتاج والتوزيع وبما روج له الماركسيون، وهو ليس بصدد اثبات ان التوزيع ثابت وانه لا يعتوره اي تغير، بل اشار الشهيد الصدر، وبوضوح، الى ان النظام الاجتماعي الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض، وبما فيها علاقات التوزيع في تطور وتحول، وانه لم يتخذ صيغة ثابتة في تاريخ الانسان، بل اتخذ الوانا مختلفة باختلاف الظروف وتغيرها((204)). |