والنص - كما يبدو- عبارة عن تلخيص شديد لما تفترضه الماركسية، ولم ينسبه الشهيد الصدر الى ماركس، وما ذكره عبد الجبار عن الشهيد الصدر بقوله: «ان تحرير وسيلة الانتاج من علاقات التوزيع المعيقة...» فهو نص استنتاجي ورد على هامش ما تفترضه الماركسية من الترابط بين شكل الانتاج وشكل التوزيع، ووفقا لقانون صارم، يؤول في النهاية الى المرحلة الشيوعية.

وبالرجوع الى المصدر الذي احال اليه عبد الجبار يتضح حال الفقرة الثانية، اذ لم ينسب الشهيد الصدر هذه الفقرة الى ماركس، وقد مارس عبد الجبار تحويرا عليها للايحاءبشكل او ب آخر للقارى بعدم دقة الشهيد الصدر في احالته على كتاب ماركس. والنص كما ورد هو الاتي: «وقد ذهبت الماركسية خطا الى ربط اشكال التوزيع باشكال الانتاج، واعتبرت علاقات التوزيع بناء علويا حتميا لعلاقات الانتاج، فكل علاقة انتاج ينشا منها بالضرورة علاقة توزيع معينة، وهي العلاقة التي تنسجم مع الشكل السائد للانتاج..»((262)).

والفقرة المشار اليها تلخيص شديد للمقولة الماركسية، والتي تعد من مسلمات الفكر الماركسي، ولم يتحدث الشهيد الصدر عن البنية الفوقية للمجتمع، ليقال له، كما يقول عبدالجبار: ان علاقات الانتاج، بما تتضمنه، مع القوى المنتجة تؤلف البنية التحتية الاقتصادية للمجتمع، لانه ليس في هذا الصدد، بل هو في صدد العلاقة بين اشكال الانتاج وعلاقات التوزيع، على نحو تكون فيه علاقات التوزيع تبعا لاشكال الانتاج ونمطه.

ولعل حرفية عبد الجبار، في فهمه للفكر الماركسي، هي التي دعته لتسجيل مثل هذه الملاحظة، لان اعتبار علاقات التوزيع بناء علويا ليس غريبا عن الفكر الماركسي، لان البناء الفوقي هو عبارة عما يولد من القاعدة وما يرتبط بها وبشكل لا ينفصل عنها، وهنا يعد شكل الانتاج القاعدة التي ترتفع فوقها علاقة التوزيع، وذلك لارتباطها بالقاعدة وتاثرها بها.

اما الحاشية الثانية فقد وردت في خصوص شرح الشهيد الصدر لعملية التبادل، وقد لاحظ عبد الجبار انه مما استقاه الشهيد الصدر من ماركس من دون اشارة الى المصدر. وملاحظة((263)) من هذا القبيل لا تحتاج الى تعليق، فعلاوة على ما اشرنا اليه من عدم دقة عبد الجبار في ملاحظاته، فان الشهيد الصدر وهو في صدد كتابة هذه الرسائل الجوابية الموجزة كما نوهنا اليه لم يكن في وارد مناقشة الفكر الماركسي في تفصيلاته على المستوى الاقتصادي، بل لم يكن في وارد التفصيل على مستوى الاقتصاد الاسلامي ايضا، ولذلك خلت هذه الرسائل الجوابية من الاحالات والاشارة الى المصادر، وهو امر طبيعي ومنطقي في كتابة من هذا القبيل.

ثانيا: ويتعلق بمدى استيعاب الشهيد الصدر للمقولات والمفاهيم الاقتصادية، فقد سجل عبد الجبار على الشهيد في موضعين من كتابه ما يوحي بان الشهيد الصدر لم يكن موفقا في ادراك هذه المفاهيم واستيعابها.

الموضع الاول: كتب عبد الجبار: «.. النقد عند السيد الصدر، كما عند الجميع تقريبا، هو اما ورق اعتباطي سجلت عليه الدولة قيمة تداولية الزامية، او هو المعدن الثمين الذي اختير للتداول لمجرد انه معدن ثمين بطبيعته. انه لا يدرك منشا النقد، ويستغرب ببراءة كاملة، استخدامه لغير اغراض التداول. انه لا يدرك ان النقد سلعة شان سائر السلع الاخرى، وان قيمة النقد (السلعة النقدية : الذهب) تتحدد بزمن العمل الاجتماعي الضروري لانتاجها، وان النقد الورقي رمز يعبر عن النقد الحقيقي، وان النقد ليس فقط وسيطا للتداول، بل له وظائف اخرى، ابرزها كونه التجسيد الشامل للقيمة..»((264)).

في هذا المجال يعمد عبد الجبار الى التبسيط، وهو يوحي للقارى بانه يسجل على الشهيد الصدر ملاحظة اساسية تتصل بعالم المقولات الاقتصادية ومدى استيعابه لها، في الوقت الذي نجد فيه بحثا واسعا بين الاقتصاديين انفسهم في ماهية النقود ونشاتها، وحول مصدر قيمة النقود وحقيقتها، وتبعا لذلك اختلفوا في وظائف النقد ودوره في الحياة الاقتصادية، «ويمكن القول بصفة عامة: ان هناك نظريتين رئيسيتين تقتسمان الفكر الاقتصادي في هذا الموضوع، وان تفرعت كل منهما الى عدة شعب، واختلف الراي بين انصار كل منهما في كثير من الشؤون، فهناك النظرية السلعية للنقود.. ويرى انصار هذه النظرية ان النقود سلعة مثل غيرها من السلع اهلها للارتقاء الى مرتبة النقود تواتراستعمالها كوسيط للمبادلة لصفات خاصة تتميز بها فتجعلها اوفر السلع صلاحية لهذا الاستعمال. ومن ثم، كانت للنقود قيمة مستمدة مما لها من منفعة كسلعة شانها في ذلك شان سواها من السلع، كما تدخلت في تحديد هذه القيمة العوامل نفسها التي تتدخل في تحديد قيم سائر السلع. وهناك النظرية الرمزية للنقود... ويرى انصارها بصفة عامة ان النقود ليست سوى بطاقة او تذكرة تخول حاملها حقا على رصيد الجماعة من السلع والخدمات، ومن ثم كانت للنقود قيمة نسبية تتمثل في قوتها الشرائية على سائر السلع والخدمات، وتدخلت في تحديد هذه القيمة عوامل خاصة تنفرد في التطبيق على قيمة النقود. وتعرف النظرية الاولى للنقود بانها وسيط المبادلة، على حين تنظر النظرية الثانية للنقود كوحدة مجردة...»((265)).

هذا مضافا الى ان السيد الشهيد ليس في وارد شرح دور النقد ووظائفه او نشوئه، وانما هو في صدد بيان الموقف الاسلامي النظري من ظاهرة تنمية المال بالربا او بالادخار،ولذلك فهو يرصد حركة المال ودور النظرية الراسمالية ورؤيتها لدور النقد((266)) وهذا نظير الموقف النظري الاشتراكي، الذي ينظر الى دور النقد على نحو يختلف فيه مع وجهة النظر الراسمالية، الى درجة روج معها بعض المفكرين الاشتراكيين، على اثر الثورة الروسية عام1917 عدة خطط قصد بها الاستغناء عن الاثمان وعن التعامل بالنقود((267)).

ولا يفوتنا ان نسجل على عبد الجبار تنكره لاصول النقد العلمي وقواعده، ان كان في ما يكتبه نقد! في اطار حملة من التزوير والتحريف، قصد منها الاساءة الى الشهيد الصدر،والا فاين استغرب الشهيد الصدر، وببراءة كاملة، على حد تعبيره، استخدام النقد لغير اغراض التداول؟!

الموضع الثاني: في موقف الشهيد الصدر من مقولة العرض والطلب، اذ كتب عبد الجبار: «يقول السيد الصدر مثلا: (ان الانتاج في الاقتصاد الاسلامي لا يتحرك وفقا لمؤشرات الطلب في السوق.. بل هو يتحرك.. لتوفير المواد الحيوية اللازمة لكل فرد مهما كانت ظروف السوق)، وينتقد (المجتمع الراسمالي الذي يتحرك.. وفقا للطلب والقدرة الشرائية للطالبين)، هذا نموذج من الحلول المطروحة. ان النص يحفل بالتناقضات، ويشي بعدم المعرفة، لا بالطلب ولا بالعرض، فلو كان الانتاج الراسمالي مثلا يتحرك وفقا للطلب، كمايقول الفقه لما شهد فيض انتاج قط، ولما اضطر الراسماليون، في ازمات معروفة، الى حرق واتلاف كميات هائلة من شتى المنتوجات لتقليص كميتها، اي لخفض العرض بصورة اضطرارية كي يصبح موازيا او مقاربا للطلب. وتؤكد هذه الحقيقة وقائع الركود والكساد اللذين يتناوبان على الاقتصاد الراسمالي كالوباء. ان القدرة الانتاجية التي تقرر العرض والمقدرة الشرائية التي تقرر الطلب امران مختلفان تماما، اذ بينما تنمو الطاقة الانتاجية بمتوالية هندسية تتسع الاسواق في احسن الحالات بمتوالية حسابية. اما كيف يتحرك الانتاج الاسلامي لتوفير المواد لكل فرد، دون اي اعتبار للطلب، ودون اي اعتبار للمقدرة الشرائية، وكيف يمكن انتاج حاجة ما لا طلب عليها، وكيف يمكن انتاج حاجة لاندري ان كان لدى طالبها قدرة على شرائها ام لا، فتلك مسائل تظل في طي الغيب، لغزا معمى. وما اكثر الالغاز!»((268)).

وبغض النظر عن طبيعة هذه التناقضات، فان من المهم تحقيق ما اذا كان الشهيد الصدر مدركا لمقولة العرض والطلب او لا؟ وهي الملاحظة الاساسية التي سجلها عبد الجبار،والتي تولدت عنها تساؤلات اخرى، لم يقف عبد الجبار على اجوبتها لدخولها في طي الغيب او عالم الالغاز كما يقول!

ولسوء حظ عبد الجبار سينكشف هذا اللغز المعمى، وترتفع الحجب عن عالم الغيب هذا الذي حجب عنه!! وسيصاب القارى بالغثيان وهو يقف على منجزات هذا الكاتب،ودوره في تحريف عبارات الشهيد الصدر وتمزيقها، وعرضها للقارى اشلاء متناثرة، لتكون طيعة لنقده، وتسهل عملية دحضها كمقولات اسلامية، لا تستحق الاحترام...

هنا مارس عبد الجبار التقطيع المتعمد لعبارة الشهيد الصدر، فحذف منها ما لا يروق له، وما يحزنه رؤيته منها، وعبارة الشهيد الصدر كما هي في المصدر الذي نقل عنه عبدالجبار كما ياتي: «ان الانتاج في الاقتصاد الاسلامي لا يتحرك وفقا لمؤشرات الطلب في السوق فحسب كما هي الحالة في المجتمع الراسمالي، بل هو يتحرك قبل كل شيءايجابالتوفير المواد الحيوية اللازمة لكل فرد مهما كانت ظروف الطلب في السوق، ويعتبر ذلك في المجتمع الاسلامي فريضة يمارسها افراده كما يمارسون واجباتهم الشرعية وعباداتهم التي يتقربون بها الى الله تعالى، ويتحرك الانتاج في الاقتصاد الاسلامي سلبا لشجب كل قطاعات الانتاج التي تخصص لتوفير سلع الترف والبذخ التي يتعاطاها المترفون والمسرفون، وهكذا يبنى الانتاج في المجتمع الاسلامي على ان يوفر للافراد حياة تتوفر فيها كل مقومات المعيشة الصالحة، وتنعدم منها كل مظاهر البذخ والاستهتار، خلافا للمجتمع الراسمالي تماما الذي يتحرك فيه الانتاج وفقا للطلب والقدرة الشرائية للطالبين، فيؤدي ذلك الى اتجاه الانتاج نحو توفير سلع الترف وادوات التسلية وفنون التجميل، لان طلبها يعتمد على القدرة الشرائية للاغنياء المترفين، وتقاعس الانتاج وانكماشه عن توفير السلع الحيوية بالقدر الكافي»((269)).

والنص الذي نقلناه عن الشهيد الصدر، ومن مصدره مباشرة، ودونما تعديل من عبد الجبار، لا ينفي دور الطلب والعرض في عملية الانتاج، ولذلك جاءت عبارته دقيقة الى حدكبير، ولكن شاء عبد الجبار ان يحذف منها كلمة «فحسب»، فبدت مع مجموعة من الاسئلة التي اثارها تشي بعدم ادراك العرض او الطلب كما يقول.

والسيد الشهيد في صدد شرح الموقف الاسلامي لعملية الانتاج ونظرته الى هذه العملية، وهي بالتاكيد تختلف اختلافا جذريا عن الفهم الراسمالي، ولذلك ميز بين الطلب الحقيقي والطلب الصوري الذي يعبر عن حالة نقدية اكثر مما يعبر عن حاجة المستهلك، وهذا ما اكده عبد الجبار، وهو يتحدث عن اتلاف المنتوجات واحراقها، وذلك لخفض العرض بصورة اضطرارية.

وعليه فان ما يذكره الشهيد الصدر عبارة عن الموقف النظري للاقتصاد الاسلامي تجاه عملية الانتاج ومحاولة توجيهها وترشيدها على نحو يحقق الحياة الكريمة للانسانية بعيدا عن القيم المادية، وليس في صدد نفي تاثير العرض او الطلب على عملية الانتاج.

على ان هناك اشكالا منهجيا يرد على عبد الجبار لانه لا يعي الوظيفة التي يؤديها البحث الاقتصادي في «اقتصادنا» و«الاسلام يقود الحياة» ، لان الشهيد الصدر، وهو يقدم هذه التصورات، افترض انها في صدد تغيير الواقع لا تفسيره مما ترك الى علم الاقتصاد نفسه، الذي يرصد المقولات التي يمكن ان تظهر في ضوء السياسات الاقتصادية القائمة على رؤية اقتصادية ما((270)).

وبما تقدم يتبدد تساؤل عبد الجبار، وهو يقدمه ببراءة كاملة على حدتعبيره عن كيفية تحرك الانتاج الاسلامي لتوفير المواد لكل فرد من دون اي اعتبار للطلب.. وذلك لان مثل هذا التساؤل افتراضي نشا من سوء فهم على اقل تقدير، ان لم يكن نشا بداعي التحريف، وهو يقص بمقصه عبارات الشهيد الصدر ويقطع اوصالها بساطوره النقدي!

ثالثا: وفي مدى قدرة الشهيد الصدر على بناء اقتصاد نظري اسلامي قادر على النهوض بالمجتمع بعيدا عن النظم الاقتصادية السائدة، سجل عبد الجبار على الشهيد الصدر انه يحاكي النظام الراسمالي بلغة سرية يؤطرها باطار اسلامي. وهذا ما نستنتجه من ملاحظتين سجلهما، وهما:

الاولى: سجل فيها عبد الجبار على الشهيد الصدر انه يتبنى، في بحث ملكية الثروة الطبيعية، رايا اقرب ما يكون الى الراسمالية، وذلك بعناوين فقهية، من قبيل الحيازة، الاحياء،حق الاولوية. ثم يكتشف تناقضا في هذا الصدد فيكتب: «يتبنى السيد الصدر رايين متناقضين بهذا الصدد.. يقول في كتابه صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامي»: ان الاسلام يسمح بالملكية الخاصة لرقبة المال في مصادر الثروة الطبيعية. اما في كتابه الاخر فيقول العكس. لا يؤذن اسلاميا بنشوء ملكية خاصة لرقبة المال.. بل ان رقبة المال تظل ملكا للدولة...»((271)).

وبغض النظر عن مدى صحة صدق الطابع الراسمالي على الاقتصاد الاسلامي فاننا يمكن ان نشير الى ان هذا التناقض المزعوم لا واقع له. وما كان للكاتب عبد الجبار ان يقع في مثل هذا الاستنتاج لولا قراءته المستعجلة او نيته السيئة، وهو ما يكفي للتدليل على ثقافته المتواضعة في حقل ثقافي لم يتعرف اليه ولم يوفق لقراءته بشكل يؤهله لتسجيل ملاحظاته التي يسميها نقدية!

ما ذكره عن التناقض كان وليد خطا مطبعي ورطه في استنتاج من هذا القبيل، والصحيح في الفقرة الاولى: «لا يسمح الاسلام بالملكية الخاصة لرقبة المال في مصادر الثروة الطبيعية»((272)) وقد ورد في سياق حديث الشهيد الصدر عن المؤشرات العامة للتشريع الاسلامي.

وما ورد في الفقرة الثالثة من الكتاب نفسه الذي اشار اليه عبد الجبار يؤكد سقوط «لا» من الفقرة الاولى، اذ ورد فيها: «اذا تلاشى العمل المنفق في مصدر طبيعي وعاد الى حالته الاولى، كان من حق اي فرد آخر غير العامل الاول ان يستثمر المصدر من جديد ويوظفه توظيفا صالحا»((273)) وكذلك ما ورد في الفقرة الرابعة، اذ ورد فيها: «العمل المنفق في احياء مصدر طبيعي كالارض، او في استثماره، لا ينقل ملكية من القطاع العام الى القطاع الخاص، وانما يؤكد للعامل حق الاولوية في ما احياه على اساس العمل»((274)). وهذه الفقرات جميعها تؤكد حقيقة واحدة هي عدم امكانية تملك رقبة المال على نحو يجعلها ملكية خاصة.

ولو كان عبد الجبار يدرك المضامين الفكرية لهذه المؤشراتر الفقرات التي وردت في هذا الكتاب، وفي سياق الفقرة الاولى التي نقلها، لاكتشف التناقض بين الفقرة الاولى - مع افتراض سقوط لا - وبين الفقرة الثالثة والرابعة التي لا يفصلها فاصل عن الفقرة الاولى، وسيكون في غنى عن الاشارة الى التناقض بينها وبين ما ورد في الكتاب الثاني.

على ان ما في «اقتصادنا» من شرح تفصيلي كفيل بتوضيح ما ذكره الشهيد الصدر، وهو تاكيد عدم تملك الثروات الطبيعية ملكية خاصة((275)).

اما ما ذكره من غلبة الطابع الراسمالي على المقولات الاقتصادية الاسلامية تحت عناوين فقهية من قبيل: الاحياء، حق الاولوية..، فانه ان دل على شيء فهو يدل على المنهج الالتقاطي والانتقائي في قراءة عبد الجبار، اذ لم يكلف نفسه الاطلاع على المقولات الفقهية هذه التي وجد فيها الطريق الموصلة الى الراسمالية بعناوين فقهية، لان لهذه العناوين الفقهية شرائط لا تؤدي الى الراسمالية، وهو ما اشار اليه الشهيد الصدر وبوضوح ايضا((276)).

الثانية: وقد سجل فيها عبد الجبار على الشهيد الصدر انه، وان كان قد نظر الى كون العمل اساس الكسب وذلك بغية استئصال الكسب من دون عمل، الا انه نظر في الوقت نفسه الى طريقة تتم وفقا لها سرقة قوة العمل تحت عنوان آخر، وذلك بما اسماه اجرة ادوات العمل التي يدفعها الراسمالي الى العامل، وذلك تحت ستار العمل المتراكم والمختزن، اذكتب عبد الجبار: «.. فتحت ستار العمل المتراكم الذي يعمل بالنيابة عن الراسمالي، ينشا لهذا الاخير «حق» في «مكسب» في اجرة، دون تحديد لمقدار هذه الاجرة. ان الاجرة هي الاسم السري الذي يعطيه الاقتصاد الاسلامي لفائض القيمة الراسمالي. وبالطبع فان العلاقة الراسمالية، لا يهمها بشيء ان يتغى ر الاسم، بل ستكون سعيدة في ان تجددرداءها، ودفتر نفوسها!»((277)).

وبغض النظر عن الفوارق النظرية الاساسية بين النظرية الاسلامية وما بين النظام الراسمالي، وكذلك الاشتراكي والشيوعي، وهو ما تكفل بشرحه السيد الشهيد في كتابه «اقتصادنا»، فانه يمكن ان نشير الى ما وفق له عبد الجبار ايما توفيق وهو يفترض افتراضات ينسبها الى الشهيد الصدر ثم يصدقها، بل ويحاول اقناع غيره بتصديقها، وهي لاتتجاوز مخيلته العظيمة المفعمة بالحيوية! لان ما تساءل عنه عبد الجبار، وتحديدا في مقدار الاجرة هذه، والتي عدها الاسم السري لفائض القيمة الراسمالي، يجيب عنه الشهيد الصدر بمنتهى الوضوح، وفي الصفحات نفسها التي نقل عنها عبد الجبار بعض الفقرات عن كتاب الشهيد الصدر.

فقد كتب الشهيد الصدر: «بان العامل اذا كان قد استخدم ادوات ووسائل يملكها الاخرون فلهم عليه اجرة المثل لقاء ما تفتت من عملهم المختزن..»((278)) و«اما ادوات الانتاج ووسائله التي تتدخل في عملية الانتاج الثانوي... جفج لا نصيب لها من السلعة المنتجة.. فلها عليه الاجر المناسب.. واذا كانت اجور رؤوس المال العينية من ادوات ووسائل وغيرها مرتفعة جدا في المجتمعات الراسمالية فهذه نتيجة للندرة الطبيعية التي يخلقها الاحتكار الراسمالي.. ولا بد للدولة الاسلامية... ان تتجه الى الغاء هذه الندرة كعامل لتحديد اجرة تلك الادوات والوسائل... وفي هذا المجال يجب على الدولة ان تتدخل لمقاومة هذا الاحتكار وتحديد الاسعار بصورة لا يتدخل فيها الاحتكار..»((279)).

وكان الشهيد الصدر يستشرف المستقبل، اذ سياتي قوم من الكتاب تثقل عليهم القراءة المتواصلة، فكتب ملخصا ذلك بقاعدة اعطاها رقما بارزا جاء فيها: «تحدد اجور ادوات الانتاج واجور العمل من قبل الدولة مع الاتجاه الى الغاء الندرة المصطنعة التي يخلقها الاحتكار»((280)).

مشروعية الحكومة العلوية
بين الالهية والبشرية

ا. مصطفى جعفر بيشه فرد
ترجمة الشيخ حيدر حب الله

مدخل

يمكن دراسة منشا مشروعية الحكومة العلوية من زوايا مختلفة: تاريخية، علم اجتماعية، حقوقية، دينية، وسياسية، وتتمحور هذه المقالة، بحثا وتحقيقا، حول المشروعية السياسية للحكومة العلوية بعد مرورها سريعا على المشروعيات الاخرى المذكورة آنفا.

نواجه، في ما يرتبط بالمشروعية السياسية للحكومة العلوية، ثلاث رؤى هي: المشروعية الالهية، والمشروعية الالهية الشعبية، والمشروعية الشعبية، وسوف يجري في البداية عرض هذه المقولات الثلاث اعتمادا على كلمات مدعيها. وبعد ذلك ومع الالتفات الى السابقة الطويلة للمقولتين: الاولى والثانية، حيث ترجع احداهما الى انصار الامام علي(ع) فيما ترتبط الثانية بالفرق الاسلامية الاخرى، وكذلك نظرا لغزارة المؤلفات والمصادر التي عالجتهما سوف يتركز البحث الرئيس على المقولة الثالثة ذات الجوانب الاكثر عملية، والتي تعد من المباحث السياسية الحية في المجتمعات المعاصرة، وعقب ذكر مستندات هذه الرؤية سنسلط الضوء على تقييمها من وجهة عقلية، قرآنية، روائية، واجماعية، وكذلك من ناحية المدى العملي لها على امتداد التاريخ... وذلك من خلال ابراز تاملات سبعة في هذا المجال. وفي خاتمة المطاف، سوف تتم الاشارة المختصرة الى دور الشعب في الحكومة العلوية وفقا لمبنى مشروعيتها الالهية.

1- المشروعية التاريخية للحكومة العلوية

عقب مقتل عثمان بن عفان وبقاء الخلافة وادارة الامور من دون تول، تجمعت النخب والخواص، من الشخصيات البارزة للمهاجرين والانصار وبقية الافراد النافذين في المجتمع الاسلامي في تلك البرهة من الزمن، الى جانب عدد كبير من ابناء مدينة الرسول(ص) في مسجد النبي(ص) بهدف التفكير في حل للمسالة والقيام بالاستشارات والمشاورات اللازمة في هذه القضية المهمة والحيوية، وقد غص المسجد بالحاضرين...

وعلى أثر اقتراح بعض الخواص والسابقين في ساحات الايمان والجهاد، من امثال عمار بن ياسر وابن التيهان وابي ايوب الانصاري، وارشادهم، وكلماتهم المضيئة في مايتعلق بفضل امير المؤمنين(ع) وسابقته وجهاده وقرابته، تبلورت الاستعدادات المتراكمة بفعل احداث خمس وعشرين سنة الماضية، فاتفقت كلمة الجميع على علي(ع)لقد تدفق الناس من الخواص والعوام الى منزل امير المؤمنين(ع) كسيل جارف من العواطف والاحساسات، وتجمع هذا الحشد الكبير على باب منزله واضعين الامام(ع) بكلمتهم الواحدة تحت الضغط ليقبل بتولي منصب الحكومة والولاية... تلك هي الحادثة التي حصلت للمرة الاولى والاخيرة في تاريخ الخلافة((281)).

يقول الامام(ع) في وصف هذه البيعة: «وبسطتم يدي فكففتها ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطىء الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم اياي ان ابتهج بها الصغير وهدج اليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت اليها الكعاب»((282)).

ان الخطوة الاولى للامام(ع) تمثلت في رفضه اقتراح البيعة والخلافة له، فقد كان(ع) مطلعا على الاوضاع، ولم يكن يرى الارضية الاجتماعية مهياة للقيام باصلاحات والرجوع الى الخطوط الاصلية المرسومة في الكتاب الالهي والسنة النبوية، وكان يعلم ان تغيرات المجتمع قد بلغت من كثرة التبدلات والتنوعات ما بلغت... وغطت الفتنة كل مكان،وبدا مصير الحركة مجهولا غامضا، اذ فقد المجتمع قدرة تحمل القيم العلوية والعودة الى مرحلة الرسول(ص) لقد قال(ع) في بيان رفضه هذا: (دعوني والتمسوا غيري... وان تركتموني فانا كاحدكم، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم، وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا)((283)).

الا ان ذلك لم ينه ضغط الشعب، ما جعل الامام مضطرا لقبول البيعة والحكومة، الا انه قال: فان بيعتي لا تكون خفية ولا تكون الا في المسجد»((284)).

ووفق نقل بعض المؤرخين تمت البيعة يوم السبت الواقع فيه التاسع عشر من ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين للهجرة، لقد كانت بيعة علنية وواضحة للخليفة الرابع بعد رسول الله(ص) حيث اتجه الجميع من شبان وشيوخ، رجال ونساء، مهاجرين وانصار، الى المسجد، لقد جرت البيعة بمشاركة سياسية منقطعة النظير ولا سابق لها، ممزوجة بالعشق غيرالموصوف وامام اعين الجميع، واستقرت من ثم قواعد الحكومة العلوية مع هذه المشروعية التاريخية انطلاقا من الانتخاب الحر ومن ارادات الشريحة الكبرى في المجتمع، لتتلالا وتبعث بنورها الوضاء الى كل مكان((285)).

ان النقولات الحاكية عن مبدا شرعية الحكومة العلوية في التاريخ ومشروعيتها لا تحكي عن اختلاف بين الفرق الاثنين والسبعين للمسلمين، بل ان التاييد العام كان هوالدعامة لهذه الخلافة.

2- المشروعية العلم اجتماعية للحكومة العلوية

المقصود بالمشروعية العلم اجتماعية هو مبدا القبول والاعتراف بالسلطة والاقتدار السياسي لدى مختلف شرائح المجتمع، فطبقا لفكر ماكس فيبر، عالم الاجتماع الالماني المعروف، فان الحكومات التي تريد ان تحوز طاعة المواطنين لها، تسعى لتسويغ سلطتها وابرازها على انها سلطة مشروعة، وبحسب رؤية «فيبر» العلم اجتماعية، تمنح السلطة نفسها المشروعية عن طريق احد امور ثلاثة هي: الطريق التقليدي، الطريق الكاريزمي والطريق العقلاني - الحقوقي.

والمسالة المهمة في تحليل العنصر المشترك، في كلمات فيبر، هي ان نظرته لمسالة المشروعية انما هي نظرة علم اجتماعية، اي انه يرى «المشروعية» بنحو لا تختلف فيه كثيرا عن «المقبولية»، فقد كان فيبر بصدد العثور على جواب لهذا التساؤل، وهو: كيف تكتسب السلطات المختلفة القبول لدى الشعب؟ وما هو الطريق الذي تتبعه في هذاالصدد؟ وما هي التسويغات التي تقدمها لذاتها امامهم؟ انه يرى ان هذه الطرق الثلاثة المذكورة هي الجواب عن اسئلته هذه((286)).

ووفقا للمقدمة السابقة، كيف يمكن تفسير قبول المسلمين للحكومة العلوية؟ ومعرفة انه عن اي طريق جرى اكتسابها للمشروعية العلم اجتماعية؟ اذ ان الجواب عن هذا السؤال ليس بهذه الصعوبة، ويمكن الادعاء بان الرؤى - من ناحية علم اجتماعية - متوحدة ومتفقة ايضا في ما يتعلق باساس مشروعية الحكومة العلوية، فبالاضافة الى ان الخصوصيات الشخصية والفردية لهذا الامام(ع) من حيث العلم والشجاعة والتدبير والتقوى، ومن حيث السوابق التاريخية لا سيما ما يعود الى زمن رسول الله(ص) قبل الهجرة وبعدها، وما يتعلق ببروزه في معارك بدر واحد وخيبر وفتح مكة من جهة وقرابته وقربه من رسول الله(ص) وكونه من قريش حيث تروي مصادر اهل السنة ان «الائمة من قريش»((287)) من جهة اخرى... بالاضافة الى ان ذلك كله قد هيا الارضية المناسبة للاعتراف التقليدي والكاريزمي به(ع)الا انه على اية حال فان الشيء الذي يمثل محور المشروعية الاجتماعية لحكومته هو تلك البيعة والموافقة من جانب الشعب لا سيما من شورى المهاجرين والانصار.

من وجهة نظر علم الاجتماع السياسي، فان ما حدث مع الامام(ع)في يوم البيعة، في الساحة السياسية للمدينة المنورة، كان الى حد معين من نوع المقبولية العقلانية - الحقوقية، وهو امر استثنائي ولا مثيل له خلال مئات السنين من عمر الخلافة سواء في ذلك قبله ام بعده كما هو الحال في اعتماد الامام(ع) ومرارا على هذه المشروعية الاجتماعية لحكومته، فقد اعلن وبالصوت العالي في قبال الناقضين للبيعة من امثال طلحة والزبير، قائلا لهم: اما بعد فقد علمتما، وان كتمتما، اني لم ارد الناس حتى ارادوني، ولم ابايعهم حتى بايعوني، وانكما ممن ارادني وبايعني، وان العامة لم تبايعني لسلطان غالب(غاصب) ولا لعرض حاضر...»((288)).

يسوغ الامام(ع) في هذا النص المتقدم، سلطته وحاكميته ببيعة الناس وتقديمهم اياه لتسلم الولاية، ويعرفها بوصفها نوعا من المقبولية العقلانية الحقوقية، الا انه وعقب الخطبة الاولى للامام(ع) بعد البيعة، هبت رياح المعارضة له، كما ان الاشخاص الذين شعروا بان منافعهم غير المشروعة مهددة بالخطر قاموا بالعمل على الفتنة لدى سماعهم الخطوط العامة لحكومة الامام(ع) ليحدثوا بذلك ازمة مقبولية لهذه الحكومة((289)).

3- المشروعية القانونية للحكومة العلوية

ان البحث عن المشروعية القانونية انما يعنى بالاجابة عن السؤال الاتي: هل الحكومة مطابقة للقانون او لا، وهل يجيز القانون مثل هذه الحكومة؟ مع غض النظر عن حقانية النظام القانوني الحاكم على المجتمع او عدم حقانيته والاعتقاد بصحته او عدم صحته، فانه، ولاجل الحيلولة دون وقوع الهرج والمرج، وبهدف تامين الامن والاستقرار والهدوءوالمصالح العليا، على جميع الاشخاص الذين قبلوا الحياة داخل المجتمع ان يرتبطوا بالنظام القانوني الحاكم وان يكون لهم ازاءه التزام عملي، حتى لو كانوا يرونه من الناحية النظرية والفكرية غير صحيح، ومن هنا يطالب الكفار الذميون الذين وافقوا على العيش داخل المجتمع الاسلامي بالتدليل على التزامهم العملي بشرائط الذمة والقوانين الحاكمة على المجتمع الاسلامي حتى ينعموا بالاستفادة من العطاءات القانونية للمجتمع والاستظلال بمظلة الهدوء والامن والاستقرار والدفاع عن حقوقهم، حتى لو كانوا غيرمعتقدين في تصوراتهم الخاصة بهذه القوانين، والشيء الذين نلاحظه اليوم ايضا في دساتير البلدان المختلفة انما هو انموذج آخر لهذا الواقع، فان كافة الفئات والاتجاهات - وبقطع النظر عن الرؤية الكونية والبنى الفلسفية والمدرسية التي تؤمن بها - ملزمة بالاعتراف بالدستور وبالتدليل على ارتباطها به حتى لو لم تكن قد وافقت عليه.

وطبقا لهذه المقدمة، لا بد في مقام الاجابة عن التساؤل المتقدم، وهو: ما هي المشروعية القانونية للحكومة العلوية؟ من القول: انه بعد رحيل رسول الله(ص) تم الاعتراف بشكل معين للخلافة كما تم منحه الاعتبار والقانونية، الا وهو انتخاب الخليفة عن طريق شورى المهاجرين والانصار، وذلك بالرغم من ان هذه الطريقة لم تكن محل قبول الكثير من الصحابة واعيان المهاجرين والانصار ولم يكونوا يرونها حقة ومشروعة، الا انها كانت تعد المنشا الوحيد للمشروعية القانونية للحكومة والخلافة، اي ان الحكومة التي كانت تتم عن طريق شورى المهاجرين والانصار كانت تتسم بالمشروعية القانونية، وهذا المبنى القانوني قد تمت الموافقة عليه من قبل الجميع طوعا او كرها.

ومن هنا فليس ثمة اختلاف بين المشروعية القانونية للحكومة العلوية والمشروعية القانونية لحكومة الخلفاء السابقين، نعم هل ان الامام(ع) وكذلك الموالين له كانوا يعدون هذا النظام القانوني، سالف الذكر، حقا او لا؟ وهل انهم كانوا يرون له المشروعية القانونية او السياسية او لا؟... ان هذه مسالة اخرى...، الا ان هذه الطريقة كانت هي الطريقة الجارية والمعترف بها، كما ان الامام(ع) كان يحتج بها على مخالفيه من امثال معاوية، فان معاوية لم يكن من اولئك الذين حضروا يوم البيعة في المدينة كما انه لم يبايع الامام(ع) الا ان الامام كان يدعوه - مع ذلك - في رسالته اليه - والتي يشير فيها الى المشروعية القانونية المتقدمة لحكومته - الى اتباعه واطاعته: انه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكروعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد، وانما الشورى للمهاجرين والانصار»((290)).

نعم، هل كان احتجاج الامام هذا برهانيا او جدليا؟ ان ذلك موكول لمباحث اخرى، الا انه على اية حال كاشف عن المشروعية القانونية لدولته(ع).

ان من النقاط المثيرة للتعجب، في ما يتعلق بالحكومة العلوية، ان حقانية هذه الحكومة مؤم نة ومضمونة طبقا لكافة المباني، وهي معدودة من اجماعيات كافة الفرق الاسلامية،ومن هذه الجهة يمكن مقايسة الحكومة العلوية بالحكومة النبوية فقط لا غير، وعلى خلاف حكومة الخلفاء الثلاثة السابقين والتي لم تحز على اجماع من هذا القبيل في مايتعلق بحقانيتها لم تتمكن التساؤلات والاستفهامات من مواجهة حقانية الخليفة الرابع، لانها كانت عميقة ومستحكمة على مستوى مشروعيتها القانونية، لا سيما بالنسبة لاولئك الذين كانوا يرون حقانية الحكومة قائمة على الشورى.

4- المشروعية الدينية للحكومة العلوية

المقصود بالمشروعية الدينية كون الحكومة موردا لتاييد الشريعة الدينية، واعترافها بالسلطة وتصرفاتها في اموال الناس ونفوسهم. ليس ثمة اختلاف نظري بين المسلمين في ما يتعلق بالمشروعية الدينية لحكومة الامام علي(ع) وفي ان دولته قد اقرت من قبل الشرع او لا؟ فقد قبل السنة والشيعة متفقين مشروعيتها الدينية، الا انه ومنذ صدر الاسلام وحتى اليوم طرحت رؤيتان متفاوتتان الى تفسير هذه المشروعية انطلاقا من الاختلافات البنيوية بين الشيعة والسنة في مسالة الامامة، والنزاع التاريخي القديم بين هاتين الطائفتين ينبعث متبلورا من هذه النقطة بالذات، فباستثناء بعض من الخوارج الذين يرفضون مبدا لزوم الامامة توافق بقية الفرق الاسلامية على اصل ضرورتهاووجوبها((291)) وذلك مع تفاوت يتمثل في ان الشيعة يرون وجوب النصب والتعيين على الله تعالى((292)) وحيث ان وجوب شيء على الباري تعالى يعني الضرورة الوجودية وظهورها من ناحيته فان الامامة سوف تصبح وفق ذلك من المسائل الكلامية((293)) وذلك بخلاف قاطبة اهل السنة فانهم يعدونها من المسائل الفقهية((294)) ويرون وجوبها تكليفيا يتحقق بانتخاب الشعب وتعيينه((295)) وطبعا فان اهل السنة الذين يعدون المشروعية الدينية للحكومة شعبية ينقسمون الى فئتين اساسيتين هما: (1) اتباع الوجوب الشرعي للامامة، (2) واتباع الوجوب العقلي لها.

يرى اكثرية اهل السنة، من الاشاعرة وبعض المعتزلة، ان وجوب نصب الامام على الناس انما هو وجوب تكليفي شرعي تعبدي، ويثبت الغزالي هذا الوجوب بالاستعانة بمقدمات ثلاث هي:

1- ان نظام امر الدين مقصود لصاحب الشرع(ص).
2- ان نظام الدين لا يحصل الا بنظام الدنيا.
3- ان نظام الدنيا لا يحصل الا بامام مطاع.

والمقصود بالدنيا، في تصور الغزالي هنا، هو تلك الامور التي يحتاجها الانسان قبل الموت وتوجب سعادته الاخروية، لا الدنيا التي تعني التنعم واللذات الزائدة عن الحاجة((296)).

الا ان هناك فريقا آخر من المعتزلة كان يرى ايضا نصب الامام والمشروعية الدينية للحكومة امرا شعبيا، بيد انه كان يعده حكما عقليا، وذلك لان وجود القائد يختزن منافع كثيرة جدا، كما انه مانع عن المفاسد والاضرار ايضا. وبناء عليه فعلى الشعب عقلا القيام بانتخاب شخص لمقام قيادته (اي الشعب) وحاكميته((297)).

واستتباعا للتفاوت، في المبنى، بين الشيعة والسنة، في ما يتعلق بالمشروعية الدينية للنظام السياسي مثلت الحكومة العلوية مصداقا لهذا الاختلاف. فاهل السنة كانوا يرون المشروعية الدينية للحكومة العلوية نتاجا لشعبيتها وانتخابيتها، وفي نظرهم فان المجتمع الاسلامي في تلك المرحلة الزمنية قام بواجبه الشرعي، او العقلي، يوم البيعة بانتخابه عليا(ع) وقد وقع عملهم هذا مرضيا للشارع ومتطابقا والمقررات الدينية.

وفي المقابل يعتقد الشيعة القائلين بالنصب الالهي لعلي(ع)((298)) ان مبايعة الناس ام نت الاستقرار للحكومة الالهية للامام(ع) وهم بذلك يكونون قد ادوا - وبعد سنين - تكليفهم الشرعي المبني على الطاعة للامام المنصوب من قبل الله تعالى.

وعلى هذا الاساس، فقد كان هناك على امتداد تاريخ المناقشات الاعتقادية والكلامية بين الفرق الاسلامية نظريتان في ما يتعلق بالحكومة العلوية ومشروعيتها الدينية، وهما:المشروعية الالهية والمشروعية الشعبية، ولم يلحظ وجود اية نظرية اخرى مع الاخذ بالاعتبار المباني المذكورة في اي كتاب من الكتب الكلامية والعقدية او الكتب الفقهية.

ان المسالة المهمة، في هذا البحث، تتمثل في الالتفات الى المباني المشتركة والاصول الموضوعية المقبولة في الرؤيتين المتقدمتين، فمن جملة المباني المشتركة بين هاتين النظريتين، في ما يرتبط بالمشروعية السياسية للحكومة العلوية، والتي سيشار الى اهميتها لاحقا، القبول بالحكومة ونظام الامامة السياسي بوصفه امرا دينيا، واعتبارها من الاجزاء التي لا تنفك عن جسد الشريعة الاسلامية، فعلى امتداد تاريخ المنازعات الكلامية والعقدية لم يحصل ابدا اي اختلاف او شقاق بين المسلمين في ما يتعلق بتعريف الحقيقة السياسية للامامة والولاية وقبولها وضرورتها ولزومها بوصفها امرا دينيا باستثناء بعض من الخوارج((299)) لقد اندرج تصور المسلمين للامامة والخلافة ضمن هذا النوع من التعريفات من قبيل «الرئاسة العامة في امور الدين والدنيا»((300)) او «الامامة موضوعة لخلافة النبوة وحراسة الدين وسياسة الدنيا»((301)) ويعرف ابن خلدون، في مقدمته، حقيقة الخلافة بانها نيابة عن صاحب الشرع في مجال حفظ الدين وسياسة الدنيا، وعلى اساس ذلك يصنف تصرفات صاحب الشرع الى نوعين:تصرفات دينية واخرى دنيوية، ويعتقد ان التصرفات الدينية نابعة من التكاليف الشرعية التي يجب على صاحب الشرع ابلاغها للناس وتوجيههم وهدايتهم على ضوئها. اماالتصرفات والسياسات الدنيوية فهي نابعة من متطلبات رعاية مصالح الناس في مجال العمران والبناء((302)).

ويقول ابو حامد الغزالي، في مجال العلاقة بين الدين والسلطان: «الدين والسلطان توامان، والدين اس والسلطان حارس»((303)).

بيد ان الشيعة والسنة - ومع قبولهم بهذه الرؤية المشتركة واعتبارهم لها امرا دينيا - قدموا رؤيتين مختلفتين في ما يرتبط بحقيقة الحاكمية السياسية وكيفية الوصول الى السلطة والمشروعية الدينية، وهاتان الرؤيتان هما: الرؤية الالهية والرؤية الشعبية، وطبعا فان نظرية المشروعية الشعبية، حيث انها تنتهي الى رضا الشارع تعالى، فانها سوف تكون مشروعية الهية ايضا، ومن هنا يمكن التعبير عنها بالمشروعية الالهية - الشعبية.

5- المشروعية السياسية للحكومة العلوية

تعد مسالة المشروعية السياسية من اهم المباحث المرتبطة بعلم السياسة والفلسفة السياسية واعمقها، وهي تنفرد من بين انواع المشروعيات التي تقدمت حتى الان بانهااكثرها بنيوية، والمقصود من تعبير المشروعية السياسية الرائج هو الجواب عن هذا التساؤل: من هو الشخص الذي له الحق في الحاكمية والالزام السياسي؟ وفي الواقع فان مسالة المشروعية السياسية ومسالة حق الحكم والزام الناس بالطاعة والتبعية تعني: لماذا يحق للحكومة ممارسة الحكم والالزام؟ ولماذا يجب علينا اتباع اوامرها؟ ان هذين السؤالين متفاوتان، بيد انهما في الحقيقة سؤال واحد الا وهو البحث عن المشروعية السياسية.

هناك اتجاهات مختلفة في ما يتعلق بالمشروعية السياسية للحكومة العلوية يمكن ملاحظة ابرزها في هذه الرؤى الثلاث، وهي:

1- الرؤية الشيعية القديمة الا وهي المشروعية الالهية.
2- الرؤية السنية القديمة الا وهي المشروعية الالهية الشعبية.
3- الرؤية التي يراها بعض المثقفين المعاصرين وهي المشروعية الشعبية.

وفي البداية، لا بد لنا من تبيين هذه الرؤى الثلاث، لا سيما الرؤية الثالثة نظرا لجدتها، وعقب ذلك ونظرا لعدم وجود المجال الكافي للبحث الموسع ومن كافة الجوانب لهذه الرؤى الثلاث من حيث الادلة والمستندات ومن حيث نقاط التمايز في ما بينها سوف يقتصر على ابراز تقييم موجز للرؤيتين الثانية والثالثة بصورة مشتركة وفي وقت واحد.

1- المشروعية الالهية للحكومة العلوية

بعد رحيل النبي الاكرم(ص) تخلف بعض من كبار الصحابة، من امثال سلمان وابو ذر والمقداد وعمار، عن مبايعة الخليفة الاول متبعين الامام عليا(ع) وقد شكلت هذه المجموعة النواة الاولى لمدرسة الاتباع للعترة الطاهرة(س) معتبرة ان الخلافة والولاية حق الهي للامام علي(ع) وعلى امتداد خمس وعشرين سنة بعد وفاة الرسول(ص) وبالرغم من وفاة ثلاثة من هؤلاء غير عمار بن ياسر الا ان جمعا من الصحابة وعددا كبيرا من التابعين من الحجاز واليمن والعراق انضموا الى اتباع علي(ع) وقد اتجهوا جميعامن كل حدب وصوب الى الامام عقب مقتل الخليفة الثالث وانتخبوه لمنصب الخلافة((304)) لقد قبل هؤلاء المشروعية السياسية للحكومة العلوية على اساس النص والنصب الالهي فقط، وقد كانت هذه النظرية على امتداد التاريخ ايضا من الرؤى الخاصة بالشيعة ولم تنسب اليهم اية نظرية اخرى((305)) فالبارزون من علماءالشيعة ووفقا لتعاليم العترة الطاهرة(س) التي بلورت وبنت جذور التشيع واسسه على مفهوم الامامة كانوا يرون الدولة والحكومة حقا، كما كانوا يعدون اوامرها ملزمة الاتباع، وبالتالي فهي تتمتع بحق الالزام السياسي وفقا لما جعله الخالق تعالى لها من الحق في اصدار الاحكام((306)).

ووفقا للرؤية الشيعية للتوحيد والربوبية التشريعية، لا يرى الانسان الموحد غير الله تعالى اهلا للطاعة واعطاء الاحكام، بل ان مشروعية اي سلطة سياسية واي قانون لا بد من ان تكون مستمدة من مبدا الربوبية، والا فان الجهاز السياسي او الحقوقي الذي يقع في عرض النظام التشريعي الالهي سوف يكون معارضا بشكل واضح لنظام التوحيد ويعد بالتالي طاغوتا، وطبقا لهذا المبنى سوف نلاحظ الترابط بين المشروعية الدينية والمشروعية السياسية على اساس النصب الالهي في النظرية الشيعية، فالحكومة التي تحوزعلى المشروعية السياسية حائزة بالتبع على المشروعية الدينية، ومنشا هاتين المشروعيتين لا بد من ان يكون مبدا جعل الولاية والربوبية التشريعية الالهية.

وعلى اساس المبنى المذكور فان حكومة الامام علي(ع)كما كانت حائزة على المشروعية الدينية ومحلا لتاييد الباري تعالى، فقد كانت حاصلة على المشروعية السياسية وحق الالزام والامرية ايضا، واساس هذين الامرين كان هو النصب الالهي لعلي(ع) للامامة.

ان المستند الشيعي للمشروعية السياسية والدينية للامير(ع) بالاضافة الى الادلة العامة لبحث الامامة كقاعدة اللطف والحكمة الالهية هو النصوص الخاصة المدرجة في الكتاب والسنة والدالة على نصب الامام علي(ع) للتولي والخلافة بعد الرسول(ص) ففي قاعدة اللطف يقال: ان «الامام لطف فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض»((307)) اي ان اللطف من فروع الحكمة الالهية، فعباد الله تعالى لا يعرفون الكثير من مصالحهم ومفاسدهم في امور دنياهم وآخرتهم والخالق الحكيم لم يخلق الخلق عبثا وانما خلقهم للكمال والعبادة، وهو امر غير ممكن من دون ارسال الرسل والانبياء والتكاليف، اذن فمن الواجب عليه تعالى ارسال الرسول، وحيث ان الرسول ايضاكبقية الناس مفارق للدنيا كما تقتضيه الحكمة الالهية احتاجت الناس الى الامام المعصوم حيث لا خليفة للرسول نظرا لحب الشهوات والرياسة الغالب على الناس وقلة العلم واليقين الاقل من الكبريت الاحمر((308)) ومعه فوجود الامام لطف، واللطف واجب على الله تعالى، وبناء عليه فلاجل تحقق الاغراض الدينية والدنيوية للشارع لا بد من نصب امام لرئاسة المجتمع دينيا ودنيويا.

وبالاضافة الى دليل اللطف الذي يثبت الامامة العامة، هناك في ما يتعلق بالامامة الخاصة لعلي(ع) آيات ك آية الولاء وآية اولي الارحام واحاديث، كحديث الغدير وحديث المنزلة تمثل دليلا على نصبه(ع)وتدلل على ان الحكومة العلوية سواء في مجال المشروعية السياسية ام في مجال المشروعية الدينية منبثقة عن المبدا المتعالي والحكيم على الاطلاق سبحانه((309)).

وفقا لهذه الرؤية يصبح انحصار دور راي الناس وبيعتهم في ابراز الارضية لاعمال الولاية واضحا، وبعبارة اخرى دور الانتخاب لا يكمن في المشروعية الدينية او السياسية وانما يبرز تاثيره بشكل شفاف وواضح على مستوى المشروعية الاجتماعية وعنصر المقبولية والاعتراف العام، وطبعا لا يوجد اي تلازم منطقي ولا تكويني بين المشروعية السياسية والمشروعية العلم اجتماعية، فكم من حكومة حائزة على المشروعية السياسية بيد انها من ناحية علم اجتماعية ونظرا لعدم ترحيب المواطنين بها تواجه ازمة مشروعية، او العكس بحيث انها حائزة على المشروعية العلم اجتماعية وعلى عنصر المقبولية الى حد كبير بيد انها تعاني من مسالة الحقانية والمشروعية السياسية، وعليه فالرابطة بين هذين الامرين هي العموم والخصوص من وجه، والمثال على مادة افتراق الاول منهما هو حكومة الامام المجتبى(ع) اذ انها بدليل عدم المقبولية لم تستطع الاستمرار في الحياة، وذلك بالرغم من كونها ذات مشروعية سياسية ودينية، اما المثال على مادة افتراق الثاني فهو حكومة بعض من خلفاء صدر الاسلام او الحكومات المدعية للديمقراطية الحالية، فان هذه الحكومات بالرغم من حيازتها على الاعتراف العام الا انها في نظر الكاتب فاقدة للمشروعية السياسية، وبعض منها ثابت بوضوح انه ليس لديه ولم تكن لديه مثل هذه المشروعية.

2- المشروعية الالهية - الشعبية للحكومة العلوية

لا تختلف الرؤية القديمة والتاريخية لاهل السنة، في ما يرتبط بتفسير المشروعية السياسية للحكومة العلوية وتبيينها، عن رؤيتهم للمشروعية السياسية للخلفاء الذين سبقوه،ان من الاهمية والحساسية بمكان الالتفات الى مسالتين مهمتين ترتبطان بالمشروعية في فكر اهل السنة الا وهما:

الاولى: ان اهل السنة بالاتفاق يرون في الخلافة والامامة جزءا ماهويا للدين ويعدونها من الذاتيات الجوهرية الداخلية للشريعة الاسلامية، وقد جرت الاشارة الى هذه المسالة في بحث المشروعية الدينية آنفا.
الثانية: ان الطريق المشروع لاحراز هذا المنصب انما يكون وفق النظرية السنية من خلال النص والنصب من طرف الرسول الاكرم(ص) او الامام السابق. وفي غير هذه الحالة،فان الاختيار والانتخاب من قبل اهل الحل والعقد وبيعة عموم الناس سوف تمنح الحكومة المشروعية السياسية.

يرى السيد شريف الجرجاني في شرح المواقف في المقصد الثالث «في ما تثبت به الامامة»، ولدى بيانه طرق تعين الامامة ان مجرد اللياقة وتوفر جملة مميزات في فرد ما ليساموجبين لامامته وقيادته، بل انه بالاضافة الى ذلك لا بد له من توفر امر آخر يكون هو المظهر والموجد للامامة ومانح المشروعية للحكومة: «وانما تثبت بالنص من الرسول ومن الامام السابق بالاجماع، وتثبت ايضا ببيعة اهل الحل والعقد عند اهل السنة والجماعة والمعتزلة والصالحية من الزيدية، خلافا للشيعة»((310)). والفخر الرازي ينقل شبيه هذا الكلام ايضا((311)) وطبعا فان بعض اهل السنة يبرزون طريقا ثالثا لاثبات المشروعية بالاضافة الى الطريقين المتقدمين، الا وهو «الثالث: القهر والاستيلاء»((312)) اي الحصول على السلطة من طريق القهر او الاجبار والاستفادة من الضغط والقوة، وبناء عليه فعندما لا نعثر على نص ونصب من طرف القائد السابق فان التكليف الشرعي او العقلي لاهل الحل والعقد وعامة الناس يتمثل في اقدامهم على تعيين امام جديد.