وعلى اساس هذا المبنى نفسه رجع الناس الى علي بن ابي طالب(ع) على اثر فقدان الخليفة الثالث وانتخبوه للخلافة والامامة، وكما يقول الغزالي: «وامامة علي بالتفويض فلاتلتفت الى تجاهل من يدعي انه(ص) نص على علي»((313)).

والمستند لنظرية اهل السنة في استحصال الحكومة العلوية المشروعية السياسية من انتخاب اهل الحل والعقد ومن بيعة عامة الناس، عبارة عن:

أ - ادلة عامة وكلية يشرحونها في تبيين مبناهم، ويعتقدون انه، وبظهور الحكومة العلوية، تحقق مصداق خارجي لهذه الادلة، وصار لها تحقق عيني.
ب - وادلة خاصة.

ان اكثر الادلة العامة المشاهدة في الكتب السنية القديمة عمدة واساسية هو اجماع الصحابة، يذكر القوشجي المتكلم البارز لاهل السنة فيقول: «وتمسك اهل السنة بوجوه:الاول، وهو العمدة، اجماع الصحابة حتى جعلوا ذلك اهم الواجبات واشتغلوا به عن دفن الرسول(ص) وكذا عقيب موت كل امام»((314)).

الاستدلال الثاني لاهل السنة - والملاحظ في الكتب القديمة ايضا -  عبارة عن ان الشارع قد وجه مجموعة من الاوامر الى الناس كاقامة الحدود، حفظ الثغور، تجهيز القوة العسكرية للجهاد، وبشكل عام التكاليف المربوطة بحفظ النظام والدفاع عن اساس الاسلام وبنائه، ومثل هذه التكاليف ليس ميسرا الا في ظل وجود امام وحاكم، ومن هنايجب على الناس وبعنوان المقدمة القيام بهذا التكليف وانجازه((315)).

وبالاضافة الى ذلك كله، ركز المفكرون الجدد على تكثير الادلة لتدعيم مبنى الانتخاب لدى اهل السنة وتقويته وتحكيمه، ومن جملة هذه الادلة آية الشورى (وامرهم شورى بينهم) اذ بقرينة كلمة «امر» في هذه الاية الناظرة الى السياسة والحكومة لا يكون المقصود المشورة في اعمال الولاية فقط بل هي جارية في التصدي ايضا، وهي بذلك ترشدالى ان الولاية تنعقد بانتخاب الناس وشورى اهل الخبرة، فالشخص الذي يتعين ويعرف بعد مشورة اهل الخبرة الكاملة، ومن ثم يبايعه المواطنون يصبح اماما، وبالتالي تكتسب حكومته المشروعية. وهذا المنهج المرضي للشارع كان موردا لعمل المسلمين منذ اليوم الاول لغروب شمس النبوة، وقد تم تطبيقه في انتخاب امير المؤمنين(ع) ايضا((316)).

المستندان الرابع والخامس لاهل السنة هما السنة القولية والفعلية لرسول الله(ص) فقد اكد رسول الله(ص) - أولا - في كلماته على وجوب نصب الامام على الامة، ومنع بقائها بلاامام، كما انه لم يعين - ثانيا - شخصا بعد رحيله، وانما احال الامر الى الناس انفسهم، وهو بتشريع نظام البيعة يكون قد رسخ منهج اكتساب المشروعية للنظام السياسي الاسلامي((317)).

ما تقدم كان عبارة عن المدرك العام لمبنى اهل السنة على الامامة وحكومة الامام علي (ع) ومشروعيتها السياسية، اما الادلة الخاصة التي يمكنها ان تشكل ادلة اهل السنة فهي التمسك ببعض من كلمات امير المؤمنين(ع) واحاديثه والتي تبين المشروعية السياسية للحكومة في موارد متعددة على اساس البيعة، كما وعلى اساسها استدل واحتج الامام(ع) لاثبات حقانية حكومته ومشروعيتها، وذلك من قبيل الرسائل التي كتبها الى معاوية وطلحة والزبير، والتي تجعل ملاك المشروعية قائما على شورى المهاجرين والانصار وبيعتهم((318)) وكذلك ما حدث في اليوم الاول لبيعته(ع) حيث امتنع منذ البداية عن القبول وقال لهم: اتركوني والتمسوا غيري وان الشخص الذي ترونه مناسبا وتنتخبونه للولاية ساكون قبل الجميع مطيعا له، فعلى حد قول ابن ابي الحديد تدلل مقالة الامام هذه في يوم البيعة على انه لم يكن يرى امامته منصوصة، وذلك لانها لوكانت منصوصة فلا يحق للامام ان يقول: دعوني والتمسوا غيري» او يقول: لعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم» وبناء عليه، فاذا لم تكن امامته(ع) منصوصة، ولم تكن ذات مشروعية الهية، فسوف يتم التحول الى الوجه الاخر الذي ذهب اليه قاطبة اهل السنة، الا وهو مبنى الانتخاب، كما ينقل الامام علي(ع) نفسه فيقول: والواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم او يقتل... ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا، ولا يبدؤوا شيئا، قبل ان يختاروا لانفسهم اماما»((319)).

ان تقييم مبنى اهل السنة هذا وبحثه يحتاجان الى مجال كبير خارج عن قدرة هذه المقالة، وسوف نلاحظ بعضا من الامور المهمة والجديرة بالانتباه حول هذا المبنى وادلته اثناء البحث عن النظرية الثالثة.

لكن الامر الجدير بالاهتمام، في ما يتعلق بالمبنى المذكور لاهل السنة، هو:

1- اننا نلاحظ، في مبنى اهل السنة، كما الشيعة، الترابط بين المشروعية السياسية والدينية، ونستنتج من ذلك ان منشاهما ومنبعهما واحد، وهو انتخاب الناس واهل الحل والعقد وبيعتهم. ووفقا لهذه النظرة، فحينما تستقر الحكومة العلوية على اساس هذه الطريقة فانها بالاضافة الى كونها حينئذ موردا لرضا صاحب الشريعة، ومن ثم متلازمة والمشروعية الدينية، فانها تكون ايضا قائمة على الحقانية، وبالاعتماد على ذلك تكتسب المشروعية وحق الامرية والالزام السياسي.

2- ان المشروعية لدى اهل السنة تتشكل من فرعين هما: الالهية والشعبية، فالحاكم والولي المنتخب هو من جهة خليفة ونائب عن الله تعالى يعمل على تنفيذ الاوامر الالهية واجراء الحدود وتجهيز الجيش وحفظ الثغور، وجميع هذه الاعمال يتم انجازها عن طريق مبدا الربوبية التشريعية، ومن هنا تكون المشروعية الهية، ولذلك يرى عامة علماءاهل السنة ان الخليفة ظل الله، ويتصور ابو جعفر المنصور العباسي نفسه سلطان الله على الارض، وقد كان هذا التفكير والتعبير عنه متداولين على السنة الشعراء ايضا((320)). ومن جهة اخرى، وحيث ان انتخاب الشعب يمثل اساس المشروعية، والحاكم انما يقوم بعمله بوصفه وكيلا ونائبا عن الشعب فان المشروعية ستكون شعبية، وكما يقول ابن تيمية: «والولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم»((321)) وكما جاء في نهج البلاغة ايضا: فانصفوا الناس من انفسكم واصبروالحوائجكم، فانكم خزان الرعية ووكلاء الامة وسفراء الائمة»((322)).

يعلل الامام(ع) هذا الامر الذي تجري فيه مخاطبة المسؤولين عن الامور الاقتصادية والمالية في الدولة العلوية بضرورة الانصاف في تعاطيهم مع الناس والتحلي بروح التحمل في سبيل رفع احتياجات الشعب ببيان هذه الحقيقة، الا وهي ان خزان بيت المال هم في الواقع خزان الناس وممثلو الشعب وسفراء الائمة والقادة، وعليه فاذا اخذنا بالنظر كون خزانة بيت المال شعبة من الحكومة والنظام السياسي فسوف تصبح الولاية وتسلم المقاليد في نظر الامام علي(ع) وكالة من طرف الامة ايضا، وفي الحقيقة فان ولاية الامام(ع) التي كانت سابقا قائمة بالشعب اقرت من طرف الشارع، وهذا ما يسمى بالحكم الامضائي قبال الحكم التاسيسي((323)).

3- المشروعية الشعبية للحكومة العلوية

بالاضافة الى النظريتين القديمتين والتاريخيتين لاهل السنة والشيعة في ما يتعلق بالمشروعية السياسية للنظام العلوي، هناك نظرية ثالثة لقيت شيوعا في العقود الاخيرة بوصفها رؤية جديدة، الا وهي نظرية المشروعية الشعبية لحكومة الامام علي(ع).

لقد طرحت هذه الرؤية من قبل بعض المحافل الثقافية الدينية اعم من الشيعة والسنة وجرى تاييدها والدفاع عنها ايضا، وتكتسب هذه النظرية اهمية خاصة على صعيد البحث والدراسة في عصرنا الحاضر نظرا لحساسية مباحث المشروعية السياسية بين المسلمين واهميتها، وبالخصوص بعد الثورة الاسلامية في ايران واستقرار نظام سياسي مبني على التعاليم الدينية، وتباري هذا النظام والافكار المبنية على العلمانية وفصل الدين عن الساحة السياسية، وان الاهتمام والتوجه الى الامور اللطيفة والحساسة لهذه النظرية،والى مبانيها ومبادئها التصورية والتصديقية، وكذلك ملاحظة اللوازم والنتائج النظرية والعملية لها في المجتمع الاسلامي، انما هو جزء من مسؤولية المنظرين في مجال الفكر السياسي الاسلامي، والعاملين في هذا المضمار تاليفا وتحقيقا وانتاجا فكريا.

من ناحية تاريخية، اول شخص في العصر الاخير روج للنظرية الثالثة بين المسلمين وفجر ردود الفعل والصراعات الشديدة في محافل اهل السنة العلمية، لا سيما في اوساط علماء الازهر، هو علي عبد الرازق، مؤلف الكتاب الذائع الصيت: «الاسلام واصول الحكم»، وقد تواصلت هذه النظرية بعده في بعض المحافل الثقافية الشيعية وشكلت محورالدفاع بعض الفئات السياسية وبعض الشخصيات من امثال المهندس مهدي بازركان والدكتور مهدي الحائري اليزدي، وبقطع النظر عن التطابق الكامل، او التفاوت البسيط، في نظرة هؤلاء الى هذه النظرية، فان المطالب التي ستاتي لاحقا تتعلق اولا بذكر النقاط التي تمثل المفاتيح لهذا البحث مع ذكر بعض من الشواهد على هذه الرؤية الثالثة ممايرتبط بالحكومة العلوية، وبعد ذلك سوف يعمد الى تجزئة هذه النظرية وتحليلها.

لدى مواجهة هذا السؤال: هل تصنف الخلافة والامامة جزءا من ذاتيات جوهر الدين؟ واساسا هل يتوقع من الدين الاسلامي التدخل في شؤون السياسة والحكومة والذي على اساسه يجري تبيين مشروعية الحكومة العلوية او ان الدين بذاته ليست له وظيفة سوى الهداية المعنوية والارشاد الى طريق السلوك الاخروي اما السياسة والتدبيروالتنظيم الاجتماعي للمجتمع فانها مقولة خارجة عن الدين ولا ترابط بينها وبينه، ومن ثم لا تلازم ولا ارتباط بين هاتين المقولتين؟ لدى مواجهة هذا السؤال نلاحظ ان جواب النظرية الثالثة هو نفي تدخل الدين في المجال السياسي. وانسجاما مع هذه النظرية يركز علي عبد الرازق بحثه في الجوانب المتعددة للرسالة والحكومة، ويرى ان الرسالة مغايرة للملك، كما يعتقد انه لا تلازم اطلاقا بين هذين الامرين، وانه بمقتضى آيات من قبيل (لا اكراه في الدين) [البقرة/99] (انما انت منذر) [الغاشية/81] (افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس/99] تنحصر رسالة نبي الاسلام كسائر الانبياء والسفراء الالهيين بالوعظ والبيان، وحتى الاثار الحكومية في سيرة الرسول(ص) كجباية الزكاة وتعيين مصارفها، او ارسال الولاة والحكام الى المناطق المختلفة، يطرح فيها هذا السؤال: هل ان تشكيل الحكومة الاسلامية كان جزءا من البعثة او انه كان خارجا عن اطار الرسالة؟ وحتى لو كان الراي القائل: ان الحكومة جزء من الرسالة هو الراي المقبول لدى جمهور المسلمين الا انه يمكن الموافقة على ذلك فيما لو كان الرسول(ص) مبلغا ومنفذا في مكان واحد، في حين ان هذا المدعى ليس له مدرك بل هو مناف لمعنى الرسالة، وعلى تقدير صحة هذا القول فانه يستتبع سؤالا آخر وهو: لماذالم يبين النبي(ص) النظام الحكومي للشعب ولم يضع بين يدي المسلمين قواعد هذا النظام؟

ربما يمكن، في مقام الجواب عن هذا السؤال، القول: ان النبي(ص) حيث كان عنده منهج بساطة وحياة بسيطة غير معقدة وغير متشابكة، فان نظامه كان بسيطا وعاريا عن التعقيد، الا انه على اية حال، فان اية حكومة او نظام سياسي بحاجة الى قواعد وقوانين، وهذه التنظيمات ليست متنافية مع سلامته وبساطته الطبعية((324)).

ويكشف علي عبد الرازق النقاب عن فكره فيقول، في متابعة بحثه في الباب الثالث، تحت عنوان «رسالة لا حكم ودين لا دولة» بصراحة: مع الاخذ بالنظر المشكلات الخاصة بالرسالة والحكومة فليس هناك مفر من التفكيك بينهما، فالنبي(ص) لم يكن سوى رسول لا ملكا ولا مؤسس دولة، وظواهر القرآن الكريم من قبيل (فما ارسلناك عليهم حفيظا) [الشورى/48] او (لست عليهم بوكيل) [الانعام/8] و(ان عليك الا البلاغ) [الشورى/48] و(ما انت عليهم بجبار) [ق/45] (انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر) [الغاشية/22] وغيرها من الايات صريحة بان النبي ليس حفيظا على الناس او وكيلا، كما انه ليس جبارا ومسيطرا، فاذن ليست لديه(ص) حكومة وادارة، لان لازم السلطة والسياسة هو السيطرة والسلطنة اللامحدودة على الناس((325)).

وبذلك يخطو علي عبد الرازق الخطوات الكبيرة والاساسية في تفكيك الدين عن السياسة وفي علمنة هذا الدين، الا انه لا يواصل تقدمه هذا بعد ذلك، فاذا كانت الحكومة قسما منفصلا عن البعثة والرسالة ومغايرا لهما، وليس هناك شيء باسم الحكومة الدينية في التعاليم الاسلامية، اذن ما هو منشا المشروعية السياسية للحكومة النبوية وكذلك الحكومات التي جاءت بعده الى زمان علي(ع) وكيف يمكن تفسير هذه الحكومات وتسويغها؟... ان علي عبد الرازق لا يملك جوابا صريحا عن ذلك، بيد ان الجواب التكميلي المنسجم مع الخطوات الاولية له يمكن العثور عليه عند سالكي طريقه والمقتفين دربه، ف «حركة الحرية» الايرانية ومع تصويبها نظرية علي عبد الرازق وتاييدها لمسالة ان الرسول(ص) لم تكن لديه اية وظيفة عدا الابلاغ والتذكير والتحذير والبشارة والارشاد تشير لدى بحثها عن نظم المجتمع ونسقه وادارة الامور الى ان ذلك شامل لوظائف الاجهزة العسكرية والعمرانية والسياسية ومسؤولياتها وغيرها، وهذه المؤسسات موجودة في جميع المجتمعات المتمدنة، وهي في حال التطور والتنمية على الدوام، ان القرآن الكريم يضع بشكل بسيط ومختصر عنوان «امر» او «امور» لهذه المجموعة من المسائل، ويرى ان طريقة الاجراء والقيام بها يكون من خلال المشورة والشورى بين الناس انفسهم (وشاورهم في الامر) و(امرهم شورى بينهم) وفي كلا الموردين فالامر الملاحظ وبوضوح هو المنهج الديمقراطي والشعبي، فالقرآن يضع اختيار امور المجتمع وادارتها بيد الناس انفسهم، فالناس انفسهم هم من عليهم اخذ القرارات في ما يتعلق بترتيب امورهم، والانسان نفسه هو الذي يجب عليه تدوين نظام الحكم المناسب والمحتاج اليه عن طريق التجربة والتحقيق والتفحص، ولم تكن (وليست) وظيفة الانبياء والاديان وضع مسودة عمل ومقررات حكومية او اقتصادية او تعليمية للناس، كماانهم لم يعلمونا الطبخ والخياطة وبناء البيوت، ولم يدرسونا العلوم الرياضية والفلسفية والفيزيائية((326)).

وانطلاقا من هذه المقدمات، قبلت «حركة الحرية» علمانية الحكومة وعرفيتها - وبشكل عام - تنحيتها عن ساحة الدين ومجاله.

ويكتب منظر هذه الحركة، في مواصلة ما تقدم، فيقول: انه اذا فسرنا الديمقراطية، من حيث المبدا، على انها حكومة الناس على انفسهم وادارة الامم امورها بنفسها، وراينا ان الطريق الموصل الى ذلك هو اظهار نظر الاكثرية عن طريق الانتخابات او المشاورات الحرة، فان هذا هو بالضبط ذاك النظام الاداري للامور العامة الذي اوصى به القرآن الكريم، وقد عمل علي(ع) والحسن(ع) في زمان خلافتهما بها اي الديمقراطية في مرحلة سابقة جدا على الثورة الاسلامية في ايران((327)).

من وجهة نظر الدكتور بازركان، فان عدم قبول الخلافة، من قبل الامام علي بن موسى الرضا(ع) وعدم تنسيق الامام الصادق(ع) مع ابي مسلم الخراساني، وتنسيق سيدالشهداء(ع) مع الناس بعد دعوتهم اياه امور تدلل على «ان الخلافة والحكومة من وجهة نظر الاسلام والامام ليست من حق يزيد والخلفاء، وليست من حقهم هم، كما انها ليست من حق الله تعالى! وانما هي من حق الامة بانتخابها»، ويضيف فيقول: «اذا كان الامام الحسن(ع) يرى الخلافة ملكا شخصيا ووظيفة الهية او نبوية فانه لا يعطي لنفسه الحق في اعطائها للاخر عن طريق الصلح»، ويكمل الدكتور بحثه بتحليل الحكومة العلوية ليخلص الى ان مشروعيتها شعبية، كما يعتقد بان عليا(ع) لم يكن يرى الخلافة حقا له، ولهذافانه لم يقدم على شيء بغية الوصول الى السلطة((328)).

الشخصية الثالثة البارزة، في النظرية الثالثة والتي يمكن تصنيفها العضو الابرز في هذه الفئة هي الدكتور مهدي الحائري اليزدي، انه يحلل مفهوم الامامة بنظرة فلسفية، ويتحدث عن شعبية المشروعية السياسية للحكومة العلوية على هذا الشكل فيقول: «ان هناك بحثا - بالرغم من انه ليس عميقا - يرشد الى ان القيادة السياسية لرسول الله(ص) لم تكن جزءا من الوظائف النبوية للنبي(ص) كما لم تكن مظهرا من مظاهر امامة الامام علي(ع) فالنبي قبل البيعة لتولي الامور كان نبيا لله تعالى، وكذلك علي بن ابي طالب(ع)كان حائزا على مقام الامامة السامي والالهي قبل انتخابه كقائد سياسي وخليفة رابع»((329)).

من اسباب التفاوت عند الحائري بين الامامة وادارة البلاد واللذان يملكان رابطة كالرابطة بين الخطين المتوازيين (بالرغم من امكانية تحقيقهما الانسجام والتناغم من الناحية العملية) هو انه اذا كانت النبوة والامامة توامين ومهمة التنفيذ وتحقيق الاوامر الالهية والتي تحصل عن طريق القوة القهرية من جانب السلطة الحاكمة فانه لن تتصور حينئذ اية مسؤولية على المكلفين، ومع انتفاء اصل المسؤولية هذا، فان التكاليف والاوامر والنواهي سوف تبقى عقيمة وبلا اثر، كما ان الثواب والعقاب سوف يتم تعطيلهما، بل ان الايات التي من قبيل (وما على الرسول الا البلاغ، وانما انت مذكر لست عليهم بمسيطر، وما انت عليهم بجبار) تعلن وبشكل متواصل عن العلاقة الوطيدة جدا بين الوحي والنبوة من جهة وبين الناس من جهة اخرى بحيث لا تبقي اي مجال للشبهة والتردد((330)).

اما قضية ان بعض الانبياء، كالنبي محمد(ص) كانوا متولين للشؤون السياسية ايضا، كما ان الامام علي(ع) قد نال منصبا سياسيا عن طريق البيعة وانتخاب الشعب، فلا بد لنامن ان نعرف ان هذه المناصب السياسية انما جاءتهم عن طريق الناس اضافة الى مقامهم الالهي السابق، وقدمت اليهم نظرا لضرورات الزمان والمكان، وليست جزءا من الوحي الالهي، فهذه الامور تمثل فرصا استثنائية ونادرة على امتداد التاريخ، بحيث ان الناس عندما يصلون الى حد الرشد والبلوغ السياسي والاجتماعي فان عقلهم العملي سوف يهديهم الى انتخاب الاصلح والاحسن، وبناء عليه لا يمكن ملاحظة اي عنصر دال على البعد السياسي مهما كان صغيرا لدى تحليل عناصر النبوة والامامة حتى يجري استخراجه، والتغاير بين هذين الامرين هو تغاير بين الامور الالهية والامور البشرية((331)).

من وجهة نظر مؤلف كتاب «الحكمة والحكومة» فان منصب القيادة السياسية للنبي الاكرم(ص) انما كان منذ البداية بانتخاب الشعب وبيعته، وبعد ذلك كانت هذه البيعة الشعبية مرضية ومقبولة وممضاة من جانب الباري تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة) [الفتح/18] كما ان الاية المباركة (وامرهم شورى بينهم)[الشورى/38] تدل على هذه الحقيقة ايضا((332)).

وفي تحليل الكاتب المذكور لمفهوم الامامة يظهر انها من شرائط النبوة القبلية، وهي جزؤها التحليلي الذي لا ينفك عنها، فاي نبي ورسول امام، الا انه ليس كل امام رسولاونبيا، فمقام الامامة انما هو مقام محض الهي وليس مرتبطا بانتخاب الشعب وبيعته، اما الخلافة التي تعني القيادة السياسية فهي ظاهرة دنيوية ليس لها اية واقعية من دون الانتخاب، غايته ان الناس تنتخب احيانا النبي او الامام لتولي امورهم، كما هو الحال في بيعة الشجرة وانتخاب علي(ع) في المرحلة الرابعة للخلافة، واحيانا لا يوفق الانبياء والائمة(ع) - ونتيجة عدم الرشد السياسي او لاسباب تاريخية - لانتخابهم من قبل الناس((333)).

ان الدكتور الحائري، ولدى عرضه لنظريته الخاصة في ما يتعلق بالامامة والسياسة وتوازيهما، يمنح قاعدة اللطف رؤية خاصة، ويعتقد ان التفسير الحقيقي لهذه القاعدة انما هوفي كون الشريعة مرشدا حقيقيا للرفاهية والسعادة العقلية، ويتمثل دورها الاساسي في ايصالها البشر، ومن خلال تعاليمها الالهية، الى الرشد والكمال العقلانيين.

ووفق هذا التفسير، يكون الامر الذي نفهمه من قاعدة اللطف في دائرة النبوة والامامة هو ان الانبياء والائمة معلمو العدل والقسط العقلانيين، اما انهم بالاضافة الى مقام التعليم هذا لا بد من ان تكون وظيفة تنفيذ العدالة وادارة شؤون البلاد في عهدتهم ايضا وان ذلك بمثابة جزء من وظيفتهم الالهية، فهذا مما لا يمكن استفادته لا من محتوى قاعدة اللطف ولا من المدلول المطابقي او التضمني او الالتزامي للادلة الاخرى للنبوة والامامة((334)).

ان من جملة الادلة التي يمكن ان تساعد على تدعيم النظرية الثالثة وتقويتها وتشكل اساسا لها هو التمسك بظهور بعض من كلمات امير المؤمنين(ع) فعلي(ع) في هذه الخطب والكلمات يشرح اساس مشروعية حكومته وملاكها، وهو يبين بشكل عام ان البيعة والشورى هما الاساس الحقيقي لاي حكومة او ولاية، من قبيل انما الشورى للمهاجرين والانصار»، و«لعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم» اللتان تقدمتا قبل ذلك، وكذلك ما قاله(ع) بعد البيعة له في مسجد المدينة: ايها الناس عن ملا واذن ان هذا امركم ليس لاحد فيه حق الا من امرتم»((335)) اصحابه يسالونه عن البيعة للامام الحسن(ع):لا آمركم ولا انهاكم انتم ابصر»((336)).

ومن هنا ايضا كتب الامام الحسن(ع) بعد البيعة له رسالة الى معاوية: ولاني المسلمون الامر بعده»((337)) كما جاء في معاهدة الصلح مع معاوية ايضا النص الاتي: صالحه على ان يسلم اليه امر المسلمين على ان يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله(ص) وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية بن ابي سفيان ان يعهد الى احد من بعده عهدا، بل يكون الامر من بعده شورى بين المسلمين»((338)).

ويمكن استنتاج الامور الاساسية الاتية في اطار تقسيم نهائي لمجموع الشواهد والكلمات المذكورة حول النظرية الثالثة، وهي:

1- ليست السياسة من الاجزاء الذاتية للدين، وبناء عليه ففي التحليل الماهوي لامامة علي(ع) لا يمكن مطلقا التوصل الى قيادته السياسية وادارته الاجتماعية.

2- ان تشكيل الحكومة العلوية، على غرار سائر الامور العرفية الاخرى، تابع لرغبة الشعب وارادته وللشروط الاجتماعية الخاصة.

3- ان منشا المشروعية السياسية للنظام العلوي هو البيعة وانتخاب الناس، والامام(ع) في الحقيقة وكيل عن الشعب الا انه لم تكن لديه ولاية شرعية والهية للحكم والقيادة السياسية.

4- مع الاخذ بعين الاعتبار الغاء دور التدخل الديني في الامور السياسية، واعتبار الدين والسياسة خطين متوازيين، فان البحث عن المنشا الديني للحكومات سوف يكون منتفيا ايضا، وذلك لان الشارع لا يمكنه ان يعطي وجهة نظر ايجابية او سلبية بها، ان راي الدين في ما يتعلق بالنظام السياسي للمجتمع سيكون وطبقا للفكر العلماني بلااثرولا شرط، وفي النتيجة فان اية مقولة باسم منشا المشروعية الدينية للحكومة العلوية ستكون بعيدة عن دائرة الامضاء او الرد الشرعي وخارجة تخصصا عن المجال الذي تبدي فيه الشريعة رايا لها، وهذا على خلاف النظريتين: الاولى والثانية اللتين لاحظنا فيهما الترابط بين هذين النوعين من المشروعية.

تاملات في النظرية الثالثة

ان المسائل المتعلقة بالنظرية الثالثة تحتاج الى مباحث موسعة ومفصلة سيما مع ملاحظة اصولها ومبانيها التي من جملتها فصل السياسة عن البناء الديني وتهميش الشريعة بالنسبة للحياة الاجتماعية، وهذا امرخارج عن قدرة هذه المقالة، الا انه سوف تجري الاشارة الى بعض المباحث التي تمثل مفتاحا اساسيا لتشكل اسس البحث، وذلك في حد الضرورة، وبحسب ما يفسح به المجال، نعم ان بعضا من المسائل المشار اليها يمكنها ان تفيد في تقييم النظرية الثانية ودراستها ايضا، فتكون من المشتركات بين النظريتين.

التامل الاول: النظرية الثالثة من منظور العقل العملي والفلسفة السياسية
السؤال الاساس في المشروعية السياسية والذي يمثل مركز ثقل هذا البحث ومركز تامل العقل العملي، وهو ما يتطلب ايضا جهدا نقادا هو: هل يمكن حقيقة اعتبار الرضا
والراي العام، او انتخاب الناس، اساسا للمشروعية، سواء بعنوان العلة التامة للمشروعية كما هو الحال في النظرية الثالثة ام بعنوان جزء من العلة لها، كما في النظرية الثانية؟

كما تقدم سابقا فان المعطى المهم الذي يمثل كنه جوهر المشروعية السياسية هو حق الزام الحكومة للمواطنين واجبارهم على اطاعتها واتباعها في اوامرها، ومع اخذ هذاالتعريف بالنظر يطرح السؤال الاتي: كيف يمكن للرضا والارادة العامة، او اكثرية الناس، انتاج الحقانية والصحة والصواب من ذاتها، او ان تكون كاشفا عن صحة انتخاب الشعب حتى يقبل عقل الانسان وتفكيره بلزوم التسليم والاعتراف لها بحق الحاكمية المنتخب؟ والوجه في تامل الفكر هنا يمكن تلخيصه بالامور الاتية:

1- ان الاقلية التي لم تكن مستعدة لسبب او لاخر للبيعة والانتخاب ولم تقبل راي الاكثرية ما هو الدليل العقلاني على لزوم اتباعها للاوامر الحكومية؟ كيف يمكن للدولة ممارسة حق الالزام السياسي على الاقلية والحال انها لم توافق على مشروعية الحكومة؟ وطبعا فهؤلاء سيقضون حياتهم، مجبورين، في تلك الارض التي لم يقبلوا الحكم فيها، وهم بملاحظة التفكير المصلحي والترجيح للملاكات ملزمون باتباع الحاكم، اذ لا يمكنهم مثلا ترك ارض آبائهم واجدادهم، لكن هل ان ذلك موجب لثبوت حق الالزام السياسي عليهم؟ والمشكلة نفسها ايضا تبرز بحق اولئك الذين لم يكونوا حائزين على شروط المشاركة في الانتخابات زمان اجرائها، وكذلك بحق بعض من الاكثرية الذين اعرضوا عن رايهم الاول، وذلك لان العقل لا يرى ان هناك حقا في الزامهم السياسي من قبل الدولة، وعندما لا نتمكن من التوصل الى اثبات الالزام السياسي للدولة في حق هذه الفئات من الناس فانه لن يلف المجتمع حينئذ غير الفوضى والهرج والمرج.

2- لنفرض ان مواطني المجتمع ليس الاكثرية فقط بل الافراد جميعهم قد اعطوا الموافقة على الحكومة بحيث انهم يعرفون انهم بذلك يطرحون القيم العقلانية والاخلاقية تحت اقدامهم، ويقدمون بذلك على ترويج الفساد والفحشاء والظلم، هل ان لمثل هذه الحكومة بالرغم من انبثاقها عن الرضا والارادة العامين حق الالزام السياسي؟ هل يمكن القول بوجوب تقديمهم الطاعة للاوامر غير الاخلاقية التي تصدرها هذه الحكومة؟ انه من المقطوع به عدم وجود مثل هذا الوجوب الاخلاقي من ناحية الحكمة العملية.

3- مع الاخذ بعين الاعتبار عدم وجود اطلاع على المسائل السياسية او تخصص كاف بها بالنسبة لاكثرية الشعب لا سيما الشباب والافراد قليلي التجربة، وعدم وصولهم الى مرتبة الوعي الكامل في ما يتعلق بهذه الامور، كما ان المسائل العاطفية والقضايا الخيالية نافذة في مثل هذه الشريحة وبشكل كبير، وهي بالتالي عرضة للمزيد من المخادعات من طرف وسائل الاعلام التي تقوم على دعم راس مال الراسماليين واصحاب الثروات... مع هذا كله هل يمكن قبول هذه المقولة المنقولة من جهتين والتي تقول: «ان ارادة الاكثرية دائما على حق»((339)) او لا اقل اعتبار درجة كشف الواقع فيها اكبر منها في راي الاقلية وتصور ان راي الاقلية يشتمل على اخطاء اكثر؟ وذلك في حال ان ارباب القوة والتزوير يمكنهم توجيه الافكار العامة الى الجهة التي يريدونها فيما الاكثرية الجاهلة هي ايضا وبفعل التاثر الشديد بذلك قد وضعت نفسها في طريق لا يضمن سوى المنافع الواقعية للاقلية المقتدرة. هل يمكن لدولة ما اعتبار نفسها مالكة لحق الامر والطاعة والقول ان لها المشروعية السياسية ووصولها الى سدة الحكم عن هذا الطريق؟

يكتب هارولد لاسول، احد مؤسسي العلوم السياسية الامريكية الحديثة، عن تاثير اجهزة الاعلام في توجيه الراي العام، فيقول: «لا يجوز ان نقع في القطعيات الديمقراطية في ما يتعلق بتمكن البشر بانفسهم من تحديد الامور في المسائل التي تكون موردا لرغباتهم، لا، انهم لا يقدرون، انهم اكثر حماقة وعجزا وجهلا من ذلك، اننا نحن الافضل والاصلح في ما يرتبط بالمسائل التي تهمهم، وطبعا فانهم يملكون حق ابداء رايهم ظاهريا، بيد انه لا بد لنا من ان ننتبه الى انهم لا يستفيدون من حقهم هذا»((340)).

مع الالتفات الى المناقشات الجادة المتقدمة يشكل الامر من ناحية منطقية على العقل الانساني في اعتماد الارادة العامة للشعب اساس المشروعية السياسية لحكومة نظيرحكومة الامام علي(ع)وافتراض ان حق الالزام والامرية السياسية لعلي(ع) انما كان عن هذا الطريق.

التامل الثاني: النظرية الثالثة من منظور القرآن والسنة
وكما كان اعتبار المشروعية الشعبية، من وجهة نظر العقل العملي، موردا للتردد والتساؤل، كذلك على مستوى الكتاب والسنة كانت هذه الابهامات والمناقشات منعكسة باشكال متنوعة ايضا، فمن جهة يخطىء القرآن الكريم في آيات كثيرة الاكثرية المجتمعية، وهو باستخدامه تعابير حادة، من قبيل (اكثرهم لا يعقلون) (ولكن اكثر الناس لايعلمون) (ولكن اكثر الناس لا يؤمنون) (ولكن اكثر الناس لا يشكرون) التي وردت مكررا في القرآن الكريم يقلل من قيمة راي الاكثرية على نطاق عام، ومن جهة اخرى وفي الاية الكريمة (وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون) [الانعام/116] يجعل ملاك عدم اعتبار الاكثرية وعدم التبعية لها وسبب ذلك اتباعها للحدس والظن والتخمين، وبناء عليه فان رضا الاكثرية العددية وآراءها مع الاخذ بعين الاعتبار كون قراراتها مبنية على الحدس والتخمين لا يمكن اعتباره مطلقا ومن دون قيد او شرط اساس المشروعية وعلامة الحقانية للحكومة المنبثقة عنها، الا في الموارد التي يثبت فيها ان نظر الاكثرية قد ابرز على اساس الموازين العلمية والتحقيقية ووفقا للتامل والتفكير، وانه لم يكن مبناه الظن او التخمين الصرف، وذلك من قبيل اظهار نظر اكثرية الخبراء في فرع علمي معين او في فن خاص.

وقد طرح هذا البيان القرآني بوضوح اكثر على مستوى الروايات الشيعية تطبيقا على واحد من المصاديق، اي المشروعية السياسية. وكان ثبوت الامامة السياسية الحقة والمشروعة على اساس الانتخاب العام وتحققها موردا للسؤال والنقد، فقد اكدت الروايات على ان الامامة لا تكتسب المشروعية الا عن طريق النصب الالهي، فعندما يسال سعد بن عبدالله القم ي الامام القائم(عج): «اخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار امام لانفسهم» يجيبه الامام: «مصلح او مفسد؟ قلت: مصلح، قال: هل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد ان لا يعلم احد ما يخطر ببال غيره من صلاح او فساد؟ قلت: بلى، قال: فهي العلة...»((341)) كما يصرح في هذه الرواية بانه «لا خطر لاختيارالمهاجرين والانصار» فهي تدلل على انه لا يمكن تامين المشروعية للحكومة العلوية عن طريق راي الشعب، وفي رواية اخرى ينقلها الشيخ الكليني عن الامام الثامن(ع) جاء: «هل يعرفون قدر الامامة ومحلها من الامة فيجوز فيها اختيارهم؟ ان الامامة اجل قدرا واعظم شانا واعلى مكانا وامنع جانبا وابعد غورا من ان يبلغها الناس بعقولهم اوينالوها بآرائهم او يقيموا اماما باختيارهم...»((342)) كما ورد في رواية ثالثة اعتبار انتخاب الامام من قبل الشعب امرا غير منطقي ولا يخلو من تناقض، حيث ان ذلك بمنزلة شراء شخص ما لعبد ليكون هذا العبد مولى لذاك المشتري ويتولاه((343)).

ان المسالة الجديرة بالتامل، في ما يرتبط بالروايات المتحدثة عن الامامة، هي ان الامامة، وفق القراءة الشيعية لها، بالرغم من انها مقام الهي رفيع وعالي الرتبة، بعيد عن ادراك الافراد العاديين، لا يمكن حصرها اطلاقا بالمقام القدسي لها وفرز القيادة السياسية لدى تحليل محتوى الامامة عن بنائها المتكامل، ان ما يقوله الدكتور مهدي الحائري في مايتعلق بالمقام الالهي للامامة صواب، وهو كلام متطابق والفكر الشيعي بحيث يكون علي بن ابي طالب(ع) حائزا على مقام الامامة قبل البيعة ايضا وان هذا المقام غير مرهون لانتخاب الشعب((344)) الا ان الامر المثير للتعجب هو تفكيكه الامامة عن القيادة السياسية وتصوره واحدة منهما من الامور الالهية وثانيتهما من الامور البشرية الشعبية، وذلك في حين ان اي مفكر او محقق حتى لو لم يكن شيعيا او مسلما يطالع الروايات المتعلقة بالامامة والولاية المنصوصة عن ائمة الشيعة المعصومين ويدرس هذه الروايات التي لا تحصى، وهي تفوق حد التواتر، فانه لن يسمح لنفسه بالتشكيك في ان مسالة السياسة والادارة الاجتماعية تعد واحدة من مناصب الامامة، ومن محاسن الصدف ان النزاع الواسع والشامل بين الشيعة والسنة والدفاع الذي قام به اهل البيت(ع) عن امامتهم كان قبل كل شيء عن هذه المرتبة من الامامة، حتى لو كانت هذه المرتبة من المراتب النازلة لمقام امامتهم ومصنفة مرحلة ناسوتية لها، الا انه حيث كانت امكانية غصبها ميسرة ويد التعدي لم تكن لتصل الى المقامات الارفع كانت هذه المرحلة من الموارد التي وقعت فيها المعارضة والتعدي التاريخيين.

ان تجميع الروايات المذكورة يحتاج الى دراسة واسعة جدا، لكن نظرة سريعة واجمالية لكتاب الامامة من بحار الانوار وكتاب الحجة من اصول الكافي ومطالعة بعض من هذه الروايات، ومن بينها الروايات الواردة في ابواب من قبيل: باب فرض طاعة الائمة، باب ان الائمة ولاة امر الله، باب التفويض الى رسول الله والى الائمة في امر الدين، باب ان قول الله تعالى ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها فيهم نزلت، ان نظرة اجمالية لذلك كله تبين هذه الحقيقة المذكورة.

ان بحث روايات الامامة والولاية التي جمع بعضها الحر العاملي، في الباب الاول من ابواب مقدمات العبادات من كتاب وسائل الشيعة، والكثير منها غير قابل للمناقشة من حيث السند مطلقا... يقدم الموقعية الحساسة للولاية السياسية في البناء الرفيع للمعارف الدينية، فطبق هذه الاحاديث بني الاسلام على خمس: الصلاة والزكاة والحج والصيام والولاية، الا ان الولاية ارفع من الجميع وتمثل الركن الركين من بينها: «الولاية افضل، لانها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن» ((345)) هل يمكن حمل الولاية المطروحة في هذه الروايات على غير التدبير السياسي؟

اذا اراد محقق ما ان يعرف الامامة فقبل ان يرجع الى اجتهاده في تعريفها من المناسب ان يعود الى النصوص المعتبرة في هذا المجال وان يحصل منها على تحليل المفادالواقعي للامامة ومعرفته، فالامام الثامن(ع) يعرفها كما ياتي: «ان الامامة خلافة الله وخلافة رسول الله(ص) ومقام امير المؤمنين وميراث الحسن والحسين(ع) ان الامامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين. ان الامامة اس الاسلام النامي وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيءوالصدقات وامضاء الحدود والاحكام ومنع الثغور والاطراف»((346)).

وعلى خلاف الاجتهاد بالراي الذي مارسه الدكتور الحائري، والذي فكك فيه بين الامامة والخلافة، ترى الرواية الشريفة المذكورة الامامة خلافة الله تعالى والنبي(ص) عينهاومقام الامام علي(ع) وميراث الامام الحسن(ع) والامام الحسين(ع) هل انه مع نظرة هذه الرواية الى الامامة التي تعرفها على انها زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنياوعزة المؤمنين، وترشد الى ان الامامة دخيلة في الفروع والاصول معا، وان الاسلام المتحرك والحيوي الشامخ في رفعة السماء بفروعه وتمامية الصلاة والزكاة والحج والجهادانما تكون بها، هل انه مع هذه الاوصاف يمكن تحديد الامامة بالمقام الالهي بحيث لا يكون لها اي علاقة بالنظام الاجتماعي وباجراء الفرائض الالهية في حياة الناس؟ ان الاستدلال الفلسفي للدكتور الحائري على توازي خطي الامامة والسياسة هو انه اذا كانت الامامة تواما والوظائف الاجرائية ومسؤولية تنفيذ الاوامر الالهية فانه لن تكون هناك اية مسؤولية على عاتق الشعب، ومن ثم سوف تتعطل التكاليف والاوامر والنواهي والثواب والعقاب، ولن يبقى هناك اي غرض لبعثة الانبياء(ع).

من المناسب قراءة الجواب عن هذا الاستدلال على لسان الامام علي بن موسى الرضا(ع) حسبما ينقل ذلك الفضل بن شاذان، فعندما يساله الراوي عن دليل جعل اولي الامروالاولياء الالهيين ونصبهم ولزوم الطاعة لهم من قبل الشعب (اي المشروعية السياسية للائمة(ع) وحق الامرية والالزام من قبلهم من جهة والاتباع والاطاعة لاوامرهم من جهة اخرى)، يشير الامام(ع) الى بعض اسباب الامامة النصبية والجعلية((347)) والادلة الثلاثة التي يذكرها الامام الرضا(ع) في هذه الرواية والتي تنتظم جميعها على اساس البراهين العقلائية ولم تؤخذ امورا تعبدية هي: «منها ان الخلق لما وقفوا على حد محدود وامروا ان لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم الابان يجعل عليهم فيه امينا يمنعهم من التعدي والدخول في ما حظر عليهم، لانه لو لم يكن ذلك لكان احد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والاحكام، ومنها انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا الا بقيم ورئيس ولما لا بد لهم منه في امر الدين والدنيا فلم يجز في حكمة الحكيم ان يترك الخلق مما يعلم انه لا بد منه ولا قوام لهم الا به فيقاتلون به عدوهم ويقسمون فيئهم ويقيم لهم جمعهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم، ومنها انه لو لم يجعل لهم اماما قيما امينا حافظا مستودعا لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنن والاحكام ويزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبهوا ذلك على المسلمين، لانا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف اهوائهم وتشتت انهائهم».

طبقا للادلة المذكورة لا يطرح في الامامة السياسية باي وجه من الوجوه بحث نفي التكليف وانعدام فائدة الثواب والعقاب، فالناس مكلفون، وعليهم ان يعملوا بوظائفهم عن ارادة واختيار، لكن حيث ان جعل القانون من دون وجود ضمان تنفيذي له سوف يصيره فاشلا لا يحقق للناس السعادة المرجوة منه، وبالتالي سوف تبقى اهداف المقنن منقوصة ومبتورة، فلاجل اجراء القوانين الالهية والحيلولة دون وقوع الفساد وهجوم انواع الافات المزمنة والامراض الفكرية والاخلاقية والدينية على المجتمع والحفاظ على الناس الذين لا ملاذ لهم امام كل هؤلاء الاعداء المرئيين وغير المرئيين تقتضي الحكمة الالهية بارسال افراد للقيام بهذه الوظائف، ومن اهم تكاليف الناس هو تهيئة الارضية وعن ميل منهم ورغبة لظهور حاكمية مثل هذا الامام المنصوب من قبل الله تعالى وبروزه، نعم ان بحث دور الشعب والمشروعية العلم اجتماعية هو بحث آخر تقدم سابقاوسوف تاتي الاشارة اليه لاحقا، وعلى اية حال ففي مسائل من قبيل اجراء الحدود والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في مرتبة الاقدام العملي له تكون هذه الحقيقة من الضروريات الفقهية، وهي ان المنفذ هو الامام المنصوب من قبل الله سبحانه، وبالتالي فالاجتهاد مقابل النص في مثل هذه الموارد امر خارج عن منهج التحقيق العلمي.

التامل الثالث: النظرية الثالثة وفق الادلة الخاصة بالحكومة العلوية
لقد كانت التاملات السابقة تدور حول اصل مدعى النظرية الثالثة، وكبراها الكلية في ما يتعلق بمشروعية الامامة العامة، ونقصد في هذا التامل الى البحث في تطبيق تلك الكبرى الكلية على الحكومة العلوية، فهل ان الادلة والشواهد الخارجية تؤيد تبلور المشروعية السياسية للحكومة العلوية عن طريق بيعة الناس؟

بالاضافة الى الادلة الكلية في ما يرتبط بالامامة العامة والبراهين العقلية والنقلية الكثيرة المدونة في المباني الكلامية للشيعة، نواجه في ما يخص امامة امير المؤمنين(ع) كما هائلا من الادلة النقلية الروائية وغير الروائية - يؤيد وفاقا للمباني الشيعية - عدم كون مشروعية الامامة السياسية له(ع) مرتهنة بالبيعة عقب مقتل عثمان، وان البحث عن الامامة السياسية له كان مطروحا منذ ولادة نبوة النبي الاكرم(ص) في غار حراء، فعندما نزل ملك الوحي على النبي الاكرم(ص) كان علي(ع) يسمع انين الشيطان، وقد ايده الرسول(ص) وقال له: انك تسمع ما اسمع وترى ما ارى غير انك لست بنبي، «ولكنك لوزير وانك لعلى خير»((348)).

وعندما نزلت آية: (وانذر عشيرتك الاقربين) [الشعراء/214] جمع النبي(ص) اهل بيته وقال لهم: «ايكم يوازرني على هذا الامر على ان يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم» فاجابه الامام علي(ع) بجواب ايجابي، فقال له الرسول(ص): «ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا»((349)).

هل هذا غير المشروعية الالهية للحكومة العلوية؟ فحتى لو كان الانسان غير شيعي لا يمكنه - من وجهة نظر تحقيقية وخبرية - انكار هذه المستندات او ان يورد عليها اشكالا سنديا او دلاليا، والاهم من ذلك كله بحث رواية الغدير والايات النازلة حولها وكلمات الامام علي(ع) نفسه وكذلك الصحابة وائمة الشيعة في ما يرتبط بتجزئة ذلك كله، بحيث انه مع الاخذ بعين الاعتبار المصادر الكثيرة التي دونت فيها لا حاجة الى تكرارها مجددا، وانما نكتفي بهذه الاشارة وهي: ما هي تلك المسالة المهمة التي وقعت والتي يمثل عدم ابلاغها للناس عدم ابلاغ الرسالة والوحي؟ كما ينبه القرآن الكريم الى ذلك (وان لم تفعل فما بلغت رسالته) [المائدة/67] انه ابلاغ لاي حادثة مهمة ونداءضروري بحيث يحتاج الى اعطاء الضمانات من طرف المولى سبحانه (والله يعصمك من الناس) ما هي هذه الفئات والاحزاب التي كانت ترى منافعها مهددة بالخطر ومن اي موضوع كان قلق النبي(ص)?

على أية حال فمسالة الغدير وقرائنها الداخلية والخارجية جميعها وتقديرها من حيث الزمان والمكان، وخوف وقوع الفتنة التي احتملت في نصب علي(ع) للخلافة بعد الرسول(ص)((350)) وترحيب الصحابة في يوم الغدير بالامام علي(ع) وبيعتهم له في ذلك اليوم واطلاق كلمات: «بخ بخ لك يا علي»((351)) الى جانب تواتر هذه الحادثة والاستنتاجات التي خرج بها الشعراء والادباء والمفكرون منها، ذلك كله يثبت بالحتم المشروعية الالهية للحكومة العلوية.

ان من النقاط الجديرة بالانتباه في ما يتعلق بحديث الغدير هو الاحتجاجات والمناشدات التي اريد منها اثبات الامامة السياسية لعلي (ع) فاول مستدل بهذا الحديث هوالامام علي(ع) نفسه في مسجد الرسول(ص) بعد وفاته، كما استند اليه بعد ذلك ايضا مرات عديدة لاثبات ولايته السياسية كما في يوم الشورى، ايام عثمان، يوم الرحبة،يوم الجمل، يوم الركبان ويوم صفين، هذا اضافة الى احتجاجات الصديقة الطاهرة(س) والامام الحسن(ع) فقد اماط عبدالله بن جعفر، عمروبن العاص، عماربن ياسر، الاصبغ بن نباتة، قيس الانصاري، عمر بن عبد العزيز، المامون العباسي التردد والشك عن هذه الحقيقة وان حقه(ع) كان قد جرى غصبه((352)).

وفي المناظرة التي وقعت بين الامام علي(ع) والاشعث بن قيس يعاتب الاشعث بكلمات نابية وبذيئة الامام(ع) فيقول له: يا امير المؤمنين! لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق الا وقلت: والله اني لاولى الناس بالناس، وما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله(ص)! ولما ولي تيم وعدي الا ضربت بسيفك دون ظلامتك؟! فقال له امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: «يابن الخمارة! قد قلت قولا فاستمع، والله ما منعني الجبن ولا كراهية الموت، ولا منعني ذلك الا عهد اخي رسول الله(ص)» وهنا يتذكر الامام(ع) ماحصل بعد وفاة الرسول(ص) فيقول: «ثم اخذت يد فاطمة وابني الحسن والحسين، ثم درت على اهل بدر واهل السابقة، وناشدتهم حقي ودعوتهم الى نصري فما اجابني منهم الا اربعة رهط: سلمان وعمار والمقداد وابو ذر»((353)).

والسؤال المهم: ما هو الحق الذي جرى نهبه من الامام(ع) من وجهة نظر مقترحي النظرية الثالثة والذي لاجله قام بمثل هذا السعي الكاشف عن مظلوميته من دون توفيق؟ فاذا كان حقا ان الامام(ع) قد اكتسب مشروعيته السياسية من خلال البيعة ولم يكن قبل ذلك ذا حق سياسي فلماذا يقول في خطبة الشقشقية: والله لقد تقمصها فلان وانه ليعلم ان محل ي منها محل القطب من الرحى... فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ارى تراثي نهبا»((354)).

التامل الرابع: النظرية الثالثة من زاوية اجماع الفريقين
اذا اردنا تقييم النظرية الثالثة وتاييدها من زاوية الاجماع فان هذه النظرية تقع مخالفة ومن جهتين لاتفاق الشيعة والسنة، فهي
- اصطلاحا - متضمنة لخرق الاجماع المركب، وبذلك يمكن عدها بدعة فكرية.