فأولا: طبق مدعى النظرية المذكورة تخرج السياسة عن ماهية الدين وتعاليمه الوحيانية وتؤخذ بوصفها امرا عرفيا، في حين انه - ووفق التعريفات التي يقدمها المتكلمون والمفكرون المسلمون الشيعة والسنة للامامة والتي تقدمت - لم يكن هناك اي شخص ينكر الماهية السياسية لمقولة الامامة((355)) والباحثون المسلمون في تعريفهم للامامة جعلوا عنصر الرئاسة الدنيوية، او السياسة الدنيوية، مترافقا والرئاسة الدينية والتدخل في الامور الدينية، وهم بذلك يبرزون موقفهم من الفكر العلماني، واختلاف الشيعة والسنة انما كان في شرائط الامامة المذكورة ولزوم العصمة وانتخابيتها او نصبيتها.

ثانيا: ان الفرق الثاني الحاصل بين هذه الرؤية والاجماع هو ان الحكومة العلوية - وفقا لها - منفصلة بشكل كامل عن الوحي والمشروعية الدينية، في حين يشهد تاريخ المنازعات الفكرية والسياسية بين الشيعة والسنة لهذه الحقيقة، وهي ان كلا الفريقين كان يرى ان حكومة هذا القدوة الحقيقي هي حكومة الهية وقعت موردا لرضا الشرع وتاييده، والشيعة وحدهم هم من لم يكن يرى لانتخاب المهاجرين والانصار دورا في مشروعيتها السياسية، فيما كان اهل السنة يعتقدون ان المشروعية الالهية قد جرت عبرقناة البيعة والانتخاب من طرف المجتمع.

وبناء عليه، فلا شك في ان الرؤية الثالثة هذه قد طرحت جانبا مقولة الاجماع، وخرق اجماع المسلمين المسلم والقطعي علامة على عدم القيمة وعدم العلمية لهذه النظرية، وذلك لانه وفقا لمسلك اهل السنة ومبانيهم في حجية الاجماع المعتمدة على رواية «لا تجمع امتي على ضلالة»((356)) وسيرهم على الاعتقاد القائل انه كلما اتفقت الامة الاسلامية على امر ما فان هذا علامة صحته واعتباره - وهم في الواقع يرون العصمة للاجماع - فان عدم صحة النظرية الثالثة سيكون حينئذواضحا لا ابهام فيه. اما وفقالمسلك الشيعة فانه بالرغم من ان الاجماع لا حجية ذاتية له، وهو معتبر من حيث كشفه عن قول المعصوم ورايه فحسب، الا انه من الواضح جدا ان اجماع علماء الشيعة على نفي القول الثالث انما هو ناشىء عن الدروس التي تعلموها من العترة الطاهرة(س). وكما تقدم في التامل السابق فان مسالة المشروعية الالهية للحكومة العلوية تعد من قطعيات مذهب الشيعة وضرورياته وانكارها يصنف انكارا لواحد من اصول المذهب الشيعي، وبالتامل والتدقيق في الزوايا المتعددة للرؤية الثالثة يصل الانسان الى ان الاشخاص الذين ينتسبون الى اهل البيت(ع) الا انهم متورطون في هذه النظرية اذا نفينا الاحتمالات الاخرى لا اقل يظهرون علنا عدم اطلاعهم على المبادىء التصديقية والتصورية للامامة الشيعية، وذلك لانهم يعملون على الاجتهاد الحدسي والتخمين، وهم من دون استقصاء كامل للمستندات ومن دون التفحص الكافي والوافي لجوانب الموضوع يميلون الى هذه البدعة الكبيرة، واذا جوز شخص ولو على فرض المحال الاجتهاد في الاصول ايضا فان الاجتهاد لا بد من ان يكون على اساس الموازين المعروفة في المحافل العلمية، واذا قبلنا التعدد في القراءة فلا بد من تحديد الفواصل والحدود بين القراءة والتهجي الخاطىء.

التامل الخامس: النقد الاجمالي للادلة النقلية للرؤية الثالثة
واجهنا في هذه النظرية طائفتين من الشواهد النقلية هما:

الطائفة الاولى: كانت عبارة عن الايات القرآنية التي تدلل على انه لا شان للنبي(ص) في الزعامة السياسية وان وظيفته التذكير وابلاغ الرسالة، ولا بد في ما يتعلق بهذه الايات من التعليق ولو اجمالا ب:

1- ان الحصر الوارد في هذه الايات ليس حصرا حقيقيا وانما هو حصراضافي، وبالتالي فالايات التي استند اليها ليس لها ظهور في اثبات المدعى.
2- في قبال هذه الايات توجد آيات اخرى اذا لم تكن نصا في مدلولها فلا اقل من انها ذات دلالة اقوى في مقام المعارضة من قبيل (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم)[الاحزاب/60] وآية اولي الامر، وآية الولاية وآيات اخرى كثيرة نزلت في شان القضاء والقيادة السياسية للنبي(ص) والائمة المعصومين(ع).
3- اذا تم قبول الايات المذكورة، ولم يكن لها اي معارض، فانه بالاستعانة بالادلة القطعية النقلية والعقلية التي تمت الاشارة الى بعضها في طيات التاملات السابقة سوف يكون ظهور هذه الايات ساقطا عن الحجية.

الطائفة الثانية: من الشواهد النقلية للنظرية الثالثة هي روايات امير المؤمنين(ع) وكلماته التي جاء فيها اعتماد حكومته على بيعة المهاجرين والانصار وشوراهم واعتبارحكومته المشروعة والحقة مبنية على البيعة والشورى.

وفي مقام الاجابة عن هذه الشواهد لا بد من الالتفات الى عدة امور ضرورية:

1- ان هذه الروايات معارضة بروايات اخرى من كلماته(ع) من قبيل جملة مقاطع مختلفة لخطبة الشقشقية يعلن فيها الامام ان(س) حقه مغصوب منهوب.
2- ان ظهور هذه الروايات انما هو ظهور بدوي، فمع الاخذ بعين الاعتبار الادلة القطعية العقلية والنقلية على الامامة العامة والخاصة للشيعة كقاعدة اللطف وحديث الغدير،والمطالب التي تقدمت في التاملات السابقة، سوف نلزم برفع اليد عن ظهور هذه الادلة وبالتالي اسقاطه عن الحجية.
3- ان الكثير من تلك الشواهد انما جاءت مدركا حقوقيا وسياسيا كالمكاتبات لمعاوية او طلحة او الزبير، وكذلك مكاتبة الامام الحسن(ع) لمعاوية او صلحه معه، والامرالذي شكل اساس الحوار في مثل هذه المستندات انما هو ذاك الامر الذي كانت خاصيته القانونية موردا لقبول الطرفين معا، ومن هنا يكون الامام(ع) في مثل هذه المستندات التاريخية في مقام اثبات المشروعية والمنشا القانوني لحكومته والذي يجري قبوله اجتماعيا لدى مجتمع تلك الحقبة، حتى لو لم يكن يرى الامام(ع) صحة ذاك القانون اوتلك المشروعية الحقوقية وصوابيتهما، بل كان يرى مشروعيته السياسية مستمدة من النصب والتعيين الالهيين.
4- اذا نظرنا الى تلك الشواهد بالنظر المنطقي، ومن زاوية مسالة الصناعات الخمس، فاننا سنلاحظ ان هذه الشواهد انما جاءت في مقام الجدل، وفي الجدل يمكن الاحتجاج بمقدمة يقبلها الطرف الاخر حتى لو كان المتكلم غير معتقد بتلك المقدمة.

التامل السادس: النظرية الثالثة في محك التجربة
اذا تاملنا النظريات الثلاث المرتبطة باساس المشروعية السياسية للحكومة العلوية من البعد العملي، وقراناها قراءة معرفية في الميدان التاريخي ووضعنا نتائجها على منضدة النقد والتشريح، فانه لا بد لنا من الاعتراف بالتاسف على عدم وجود نتائج عملية مقبولة ومشرقة على المستوى التاريخي من طرف مؤسسي المشاركة الشعبية في المشروعية السياسية واتباعها، فلم يحرف الاسلام عن مسيره ويبدل حكومته الاسلامية بعد عدة عقود الى نظام ملكي وسلطاني ويسلط جبابرة العالم من امثال يزيد والحجاج والامويين والعباسيين على الشعوب المظلومة ويعدم الظروف المهيئة لعالمية الاسلام سوى الانحراف عن المشروعية الالهية وغصب مقام الامامة من علي(ع) باسم الانتخاب والبيعة والشورى وامثال ذلك، واذا لم ينخدع الناس بل قبلوا التوحيد بتمام مراتبه لا سيما بعده الربوبي التشريعي واتجهوا بكامل الرغبة الى الولاية السياسية للوصي والخليفة الحقيقي لرسول الله(ص) فان التاريخ البشري كان بلا شك سيتبلور بشكل آخر، ولم تكن لتصب جميع تلك المظالم وكل ذاك الجور على الناس الذين لا يملكون الدفاع عن انفسهم.

وكذلك الحال اليوم فهل ما يرد على البشر والمليارات من بني الانسان نابعا من غير اولئك المدعين والمتولين للمشروعية الشعبية؟ ان الظالمين والراسماليين والمزورين العالميين الذين يسيطرون على السياسة والاقتصاد والثقافة العالمية، يمارسون اليوم بقبضتهم على وسائل الاعلام والاتصال المسيطرة على المجتمعات والبشر وباسم الشعب اكبر عملية نهب وسرقة لمنافع الناس.

ان التاريخ مليء بالغصص والظلمات البشرية، والامر المتلالىء انما هو تلك الايام التي تمركزت فيها المشروعية الالهية. واليوم وبعد قرون، تبقى الحكومة النبوية والعلوية كنقاط مضيئة ومتلالئة من حياة البشرية، فتلك السنوات القليلة المليئة بالاشعاع كانت تعبر عن سني الاستقرار لحاكمية ولي الله تعالى على الناس، ومع تلك العبرة وذاك الدرس من الماضي والحاضر لا بد للناس من الوصول الى هذه الحقيقة وادراكها، وهي ان الطريق الوحيد لنجاة البشرية انما هو تمركز حكومة مبنية على اساس المشروعية الالهية، والسر في وضع اليد على هذه الحقيقة على اساس الحكمة واللطف الالهيين في ادلة الامامة الشيعية هو انه لا وجود لطريق آخر امام البشر لتامين سعادتهم الدنيوية والاخروية.

ان اليوم الذي تشع فيه رؤية المشروعية الالهية وتملا شمس الحكومة المهدوية العالم كله سيحيي في القلوب امل العدالة الاجتماعية والاحترام والكرامة الواقعية للانسان ويرفع سلطة الجهل والفقر والظلم والفساد والشرك العالمي، «اليس الصبح بقريب».

التامل السابع: دور الشعب في الحكومة العلوية وفق مبنى المشروعية الالهية
لاجل تحديد دور الناس في الحكومة العلوية، طبقا لمبنى المشروعية الالهية وازالة توهم الاستبداد وسحق الحقوق والكرامة الانسانية طبق هذا المبنى، نستند الى كلمات الامام علي(ع) التي يخاطب بها شيعته: «وقد كان رسول الله(ص) هد الي عهدا فقال: يابن ابي طالب لك ولاء امتي، فان ولوك في عافية واجمعوا عليك بالرضا فقم بامرهم،وان اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه فان الله سيجعل لك مخرجا»((357)).

تعكس هذه الرواية دور الشعب في الحكومة العلوية طبق مبنى المشروعية الالهية وتبيينه، كما ترفع النقاب عن هذه الحقيقة الكبرى، وهي انه حتى لو لم يكن راي الشعب اساسا للمشروعية السياسية، الا انه على مستوى المنشا التاريخي للحكومة والتحقق الخارجي لها وبالمنظار العلم اجتماعي مهم جدا واساسي ايضا، فبالرغم من ان راي الناس ليس ملاكا لتشخيص الحق والباطل والصلاح والفساد والثواب والعقاب، واذا ما صوت الشعب كله على نفي التوحيد او المعاد او اي واحد من الضروريات الدينية اوالعقلانية فان هذا التصويت يقيم على انه فاقد للقيمة، الا انه مع ذلك فلراي الشعب تاثير محوري، وهذا التاثير لا يمكن البحث عنه في الدور التكويني والظهور العيني لحاكمية الحق فقط بل ان له تاثيرين اساسيين آخرين هما:

أولا: في الموارد التي لم تقبل فيها الفرق والفئات بالمشروعية الالهية لا يحق لاي شخص النقاش في نفوذ حكم ولي الامر او الخدشة فيه، وذلك استنادا الى المشروعية القانونية التي يكتسبها النظام على اساس قاعدة الالزام او الجدال بالتي هي احسن، ان امتياز قاعدة الالزام هو في كونها تمثل في الساحة الاجتماعية ومن ناحية حقوقية نظرية احتياطية وسلوكا قائما على اساس الوفاق الجمعي، فهي لا تجبر الخصم فقط على السكوت والتسليم للنظام بل انها موجبة لتحكيم اسسه ايضا.

ثانيا: بالرغم من ان ولاية الامام علي(ع) وامامته وفق مباني الامامة الشيعية انما قامت على اساس النصب ولا حاجة لها لا في اصل مشروعيتها السياسية ولا في فعاليتهاللبيعة، لكن هل ان بيعة الناس بعد مقتل عثمان كان لها تاثير ونفوذ تكوينيان فحسب او انه كان لها تاثير آخر ايضا؟ من وجهة نظرنا لا بد من الاعتراف بدور آخر لبيعة الشعب، وهو انه اذا لم يقبل الناس على البيعة كما حصل في السنوات التي اعقبت رحيل الرسول(ص) فهل كان لامير المؤمنين الحق في اعمال ولايته حينئذ؟ وهل كان اعماله الولاية امرا مشروعا بالنسبة اليه؟ وفي الحقيقة ما هو المبنى الشرعي الذي دفع الامام(ع) للسكوت والتزام المنزل؟ هل كان ذلك لاجل غض النظر عن حقه فحسب ولذلك لم يكن له حضور في الساحة وهل ان احقاق الحق كان عملا مباحا حتى يغض الامام الطرف عنه؟ او انه كانت وظيفته الشرعية والالهية هي السكوت واغماد السيف؟

ان الامر الذي يخطر في الذهن هنا هو ان الامام كان يرى، بشكل جيد، ان اعمال ولايته والسعي للحصول على حقه المغتصب سوف يؤدي في النهاية الى ذهاب الاسلام وشيوع الهرج والمرج وعدم الاستقرار للدين الفتي باسسه الجديدة، ومع هذه الظروف هل كان من الجائز للامام(ع) الدخول في الدماء لاجل التصدي لولايته المشروعة؟ ان الجواب سلبي بلا شك من الناحية الفقهية وعلى مستوى قواعد باب التزاحم الملاحظة هنا ضرورة، وذلك لان ولي الامر مسؤول - من خلال ترجيحه للمصالح الاهم وحفظ المصالح الاسلامية العليا - عن التجاوز والتغاضي عن حقه، وهذا السكوت لا يمكن تقييمه على انه عمل مباح بل انه تكليف شرعي، اما عندما اقدم الناس على البيعة فان الحجة اصبحت بذلك تامة، وسيكون الولي مسؤولا عن التصدي حينئذ: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر... لالقيت حبلها على غاربها»((358)).

اذن، وفقا لمبنى المشروعية الالهية، فسواء كان هناك انتخاب واقبال شعبي ام لم يكن فان الولاية مجعولة وفعلية للامام(ع) الا ان مشروعية اعمالها والتصدي لها منوطان برضاعامة الناس، فاذا لم يقبلها الناس فان موضوع اعمال الولاية لن يكون له تحقق، ومع عدم تحققه وسيطرة خطر الهرج والمرج والاضطراب الشديد لاسس الاسلام فان الوظيفة حينئذ هي السكوت، والمسالة الاساسية والدقيقة للبحث التي يمكنها ان تثير الكثير جدا من الشبهات الواردة على مبنى المشروعية الالهية والامامة الشيعية هي عدم التفكيك بين اصل مشروعية الولاية وبين اعمالها، فعلى اساس مبنى المشروعية الشعبية او المشروعية الالهية الشعبية يكون اصل الانشاء وفعلية الولاية مبنيان على رضا الشعب وانتخابه وما لم يكن هناك راي من طرف الشعب فانه لا يقال لاي انسان انه «ولي»، اما طبقا لمبنى الامامة الشيعية فان اصل الولاية متوقف على النصب والتعيين سواء في مرحلة الانشاء ام في مرحلة الفعلية، وبالجعل والنصب يطلق على المنصوب انه «ولي»، الا ان جواز اعماله لولايته متوقف على تبلور الارضية الاجتماعية المناسبة وترحيب الناس بها، ودليل لزوم الاجتناب عن الفوضى وعدم النظام وتقوية المصالح الدينية حاكم على دليل جواز اعمال الولاية((359)).

وبناء عليه فبين المشروعية الالهية المنظورة هنا في الحكومة العلوية والمشروعية الالهية المعاصرة التي يجري تدوينها في الانظمة الحقوقية تفاوت جذري وعميق، ففي الفكر السياسي السائد في الغرب يعبر عن المشروعية الالهية للدولة كما ياتي: «اي حاكم منصوب من جانب الله، وهو من هذه الجهة مسؤول امام الله فقط لا اي شخص آخر،ومن هنا يكون هذا الحاكم فوق القانون وفوق الناس»((360)).

وتعود جذور هذا الفهم للمنشا الالهي للنظام السياسي الى الفكر المسيحي والحكام المستبدين في التاريخ، حيث كانوا يعدون انفسهم ظل الله تعالى وممثليه، وهم من هذه النقطة بالذات يقفزون على الرقابة وعلى مساءلة الشعب، وقد شكلت هذه المسالة منشا لظهور النظريات المنافسة كرضا الشعب وارادته او العقد الاجتماعي، اما في المشروعية الالهية المنظورة لنا هنا فالملاك فيها - كما تم الاستنتاج من «لك ولاء امتي» - عبارة عن الرضا والارادة الشعبية العامة، وفي هذا الطراز الفكري يتحول الحاكم الى خادم للشعب كما تكون السلطة مؤطرة باطار القوانين الشرعية، وتستقر الحقوق المتبادلة بين الوالي والرعية، فالشعب بممارسته وظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لقادته يمارس الرقابة والاشراف بهدف ارادة الخير والحيلولة دون انحراف اجهزة الدولة، كما ان النظام مطالب بتقديم الاجوبة عن تساؤلات الناس، وحتى الحياة العادية واليومية للحاكم لا بد من ان تكون في حداضعف شرائح المجتمع، وقد دو نت النماذج الواقعية لهذا الامر في السيرة الحكومية للامام علي(ع).

لماذا تاخرت الحكومة العلوية 25 سنة؟ ولماذا اقبل الناس عليها بعد هذه السنين؟ ولماذا لم تتمكن من مواصلة المسيرة؟ ان ذلك كله يرجع الى ارادة المجتمع نفسه،والحكومة التي تستمد مشروعيتها من الجانب الالهي لا يمكنها ابدا الاستيلاء على السلطة بالقهر والغلبة والقوة رغما عن الميول الشعبية العامة، لان ذلك لا ينسجم مع اهداف مثل هذه الحكومة، فمكان ولاية ولي الله تعالى هو قلوب الناس والهدف من ذلك هو رشد الانسان وتعاليه وحفظ حرمته وكرامته، والدفاع عن الحقوق الالهية للناس والحيلولة دون حصول الظلم والسحق للمنافع والحقوق المادية والمعنوية لهم، ذلك كله من الاهداف الاساسية للمشروعية الالهية، كما شهد بذلك التاريخ في زمن حكومة علي(ع)الا ان آلهة القوة والحيلة الذين لا يعرفون اي حرمة للانسان قاموا بمواجهته(ع) بالفتنة والمكر والخديعة، مشكلين جيوش الناكثين والمارقين والقاسطين، وهذه الحقيقة هي سر ماينقل في الرواية عن رسول الله(ص): «ان تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا»((361)) وكذلك ما ينقل من كلام له(ص) لعلي(ع): «انت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تاتي، فان اتاك هؤلاء القوم فسلموها اليك يعني الخلافة فاقبل منهم، وان لم ياتوك فلا تاتهم حتى ياتوك»((362)).

تفسير النصوص المقدسة في قراءتين
 دراسة في «الهرمينوطيقيا» المعاصرة((363))

 الدكتور محمد تقي فعالي
ترجمة الشيخ حيدر حبَّ الله

تمهيد

عقيب عصر النهضة، وخصوصا بعد ظهور الفلسفات الحديثة، صارت الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة مدينتين للابحاث التي جرت في مجال النصوص المقدسة، لقد استحكمت جذور المذهب المثالي، وبصورة تدريجية ، في الافكار الفلسفية في القرون الاخيرة، فامتد نشاطه حتى الى دائرة فلسفة العلوم، ومن ثم اخذ بالظهور قبال النصوص المقدسة.وفي نهاية المطاف، خسرت آيات الكتاب المقدس ومقولاته موقعها، بوصفها «مظهرا للواقع» في القرن العشرين، واصبحت في الانطباع العام مجرد مجموعة من المواعظ المفيدة، وذلك تماما كالرؤى التي تعتقد ان العلوم التجريبية هي مجموعة من القواعد المفيدة التي يمكنها ان تمنح الانسان الاستقرار والطمانينة.

وفي هذه الاجواء، يطرح التساؤل الاساسي نفسه، وهو: ما هي المناهج الرئيسية لتفسير الكتاب المقدس؟ ولماذا جرت الامور في الغرب على هذه الشاكلة؟

مناهج تفسير القدماء

ان مناهج تفسير الكتاب المقدس، في الديانتين اليهودية والنصرانية، على اربعة انواع هي:

1- التفسير اللفظي (الاتجاه الظهوري)
يسلط الضوء، في هذا المنهج، على معنى المفردات وعلى البنية القواعدية للنص، كما يعترف لكل واحدة من المفردات الواردة في الكتاب المقدس بمضمونر مدلول سماوي مختزن فيها، ويعد القديس «جرم» (عاش في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وقام بنقل الكتاب المقدس الى اللغة الانكليزية، ووافقت على ترجمته هذه الكنيسة الكاثوليكية) من ابرز شخصيات هذا المنهج التفسيري، اذ دافع عنه قبال افراطات التفسير التمثيلي. وقد جاءت بعد القديس «جرم» مجموعة من الشخصيات البارزة التي ناصرت هذا المنهج ايضا، من امثال القديس توما الاكويني، ونيكولاس ليرا، وجون كولت، ومارتين لوثر، وجان ماكوين.

2- التفسير الاخلاقي
لقد كان تركيز التفسير الاخلاقي للكتاب المقدس قائما على وضع اصول تفسيرية للدروس الاخلاقية التي جرى رسمها في مواضع عديدة ومتنوعة من الكتاب المقدس،
ونذكر انموذجا لذلك تفسير الاغذية المحرمة الواردة في رسائل برنابا: «القذارات الروحية» المتوهم وجودها في بعض الحيوانات لا في لحم تلك الحيوانات نفسها.

3- التفسير التمثيلي
ينظر الى الكتاب المقدس، في المنهج التمثيلي المجازي للتفسير، على انه ذو مستوى آخر من المعنى، بحيث يستتر هذا البعد الاخر خلف الاشخاص والاحداث والاشياء،ومثالا على هذا المنهج نذكر ما يطلق على سفينة نوح من انها مظهر الكنيسة المسيحية والتي كانت منذ البداية محلا للنظر والعناية الالهيين.
ويمكن ذكر العالم اليهودي المعاصر للمسيح(ع) «فيلون»، بوصفه شخصية من الشخصيات البارزة في هذا المنهج التفسيري. وقد تابع منهج «فيلون» «كلمنت» الاسكندراني،وبحث عن معان تمثيلية كثيرة في الكتاب المقدس، وقد نجح في الكشف عن حقائق فلسفية عميقة في هذا الكتاب. ثم قام احد اتباعه، من بعده، وهو «اوريغن»، بتنظيم هذه الاصول التفسيرية، واعاد معرفة المستويات المتنوعة للمعاني الظاهرية والاخلاقية والروحانية بشكل منفرد، معتبرا ان المعاني التمثيلية الروحانية اعلى هذه المعاني.

4- التفسير العرفاني (الباطني، الاشراقي)
وفي القرون الوسطى حصل تقسيم فرعي آخر للمعاني الروحانية الى تمثيلية وباطنية (عرفانية)، وادى ذلك الى بروز تقسيم رابع يضم ثلاثية اوريغن المتقدمة مع التقسيم الفرعي المذكور.

يسعى هذا النوع من التفسير للكتاب المقدس الى ربط الاحداث الموجودة فيه بالحياة الاخرة، ويمكن العثور على هذا المنهج التفسيري في طريقة القبالة اليهودية التي تعبرعن تفسير سري وعرفاني.

ويعد «زهر» احد المفسرين اليهود البارزين، في القرون الوسطى، الذين سلكوا هذا المنهج التفسيري، كما ان الكثير من المفسرين المسيحيين الذين ركزوا جهودهم على «المعرفة المريمية» واجهوا هذا النوع من المنهج ايضا.

لقد كان لهذه المناهج الاربعة التي يمكن العثور عليها في اوساط علماء الدين والمفسرين المسيحيين واليهود دور في اتساع العلوم البشرية الحديثة لا سيما في الغرب، الامرالذي ادى الى حدوث تغيرات مثيرة فيها.

ومن النقاط البارزة، على هذا الصعيد، صيرورة الفرار من الواقع السمة البارزة والشاخصة في تفسير النصوص المقدسة في المرحلة المعاصرة، وهي سمة نفذت الى البحث الديني الى جانب المثالية الفلسفية، فالقضايا الدينية وآيات الكتاب المقدس ليست كلمات حاكية عن واقع ما، بل انها، على ابعد تقدير ، مجرد توجيهات اخلاقية ومفيدة، اوانها مجموعة من الالعاب اللفظية.

وتعد المناهضة للمذهب الواقعي ثمرة الفكر الغربي في القرون الاخيرة وحصيلته، ويمكن القول بشكل عام: انه قد جرى تصوير اربعة انواع من العداء للواقعية في علم المعرفة المعاصر، وهي عبارة عن لا محورية غيري او المحورية الافراطية للذات الانا، المثالية، العينية والظاهراتية، رفض المذهب الواقعي بالحد الاعلى((364)).

يدعي اي منتم الى الاتجاه الاول ان كافة القضايا الدينية انما ترقب تجارب شخصية، اي انها تنظر الى الانسان نفسه، والتجارب الانسانية الباطنية ليس لها اي طريق للنفوذالى الاخرين والى العالم الخارجي، فنحن مساوون للانا المتعددة، وكل فرد منا وحيد بذاته، اي انه ليس هناك سوى اصالة الانا فقط.

ومحورية الانا هذه ذات انواع عديدة اهمها:
1- ان الانسان هو الموجد لتجاربه الفعلية.
2
- انه الموجد لتجاربه الفعلية والماضية.
3
- انه الموجد لتجاربه الفعلية والماضية والاتية.

ان مدعى المثالية، وهي الاتجاه الثاني المتقدم، هو تبلور كافة القضايا القابلة للفهم في التجارب الشخصية للانا او للاخرين، والانواع الاربعة المتقدمة لاصالة محورية الذات تجري هنا ايضا.

اما اصحاب الاتجاه الثالث فانهم يعتقدون ان كافة القضايا القابلة للفهم ناظرة للتجارب الفعلية الشخصية للانا او الاخرين، او لتلك التجارب التي يمكنني، او يمكن للاخرين،التوفر عليها ضمن شروط مختلفة.

ومن هنا فهم يتحدثون عن التجربة الفعلية او الممكنة، بيد ان فكرهم يقع مؤطرا بالتجربة الفعلية، لقد ظهر هذا الاتجاه المعرفي كما هو الحال في القسمين المتقدمين في انواع واقسام اربعة ايضا.

اما الاتجاه الرابع فهو قائم على الاعتقاد القائل بتحقق بعض القضايا القابلة للفهم ووجودها، بحيث تكون ناظرة الى الحقائق المغايرة للتجارب الفعلية او التجارب الشخصية الممكنة للانا او للاخرين، وهذه القضايا يمكن ان تكون صحيحة، بيد اننا لا نتعقل هذه الصحة ولا ندركها.

ولا يقبل هذا الاتجاه - كالاتجاهات الثلاثة المتقدمة - امكانية صدق الحقائق ما فوق المشهودة، اي تلك الحقائق التي لها شاهد، بيد انه في غير مستوى التناول او انه فوق الطبيعي، ومن هنا فهي لا تقبل صدق هذه الحقائق التي ليس لها شاهد او التي لها شاهد في غير مدى التناول او ما فوق الطبيعي، الا انها وعلى خلاف الاقسام الثلاثة الاخرى تعترف بوجود حقائق مادية مثلا بالرغم من انها ليست من سنخ التجربة، كما لا يمكن تاويلها وتحويلها الى حقائق تجريبية.

وعلى اية حال، فان ما يلقي بظلاله ويبسط تاثيره الشامل على الفكر الغربي المعاصر - ومن جملته علم تاويل الكتاب المقدس - هو ايجاد فاصل بين محتوى هذا الكتاب وبين الواقع، فالمثالية مذهب مقبول من جانب اغلب المدارس والاتجاهات، ولذلك يرى المفكرون ان العهدين (الانجيل والتوراة) ليس لهما حكاية عن الواقع، وان تاثيرهما على ابعد حد انما هو في رفع المستوى الاخلاقي للمجتمع من طريق التوجيهات الاخلاقية والتاكيدات الوعظية.

مناهج التفسير الحديثة

علاوة على مناهج التفسير «الكلاسيكية» والقديمة، طرحت مجموعة من الرؤى الجديدة في مجال تفسير الكتاب المقدس، ويمكن تقسيم هذه الرؤى، وبشكل عام، الى اربعة هي:((365))

1- نظرية ابراز الاحاسيس
يجري، في هذا المنهج، فهم التعاليم الدينية على انها مجموعة احاسيس يظهرها المتدينون، ولا ارتباط لها بالواقع، فمثلا من يقول: ان الله تعالى هو خالق السماوات والارض انما يبين شكلا من اشكال الخوف والحيرة والرهبة الناجمة عن هيبة الطبيعة.

2- نظرية التفسير الرمزي
تتحول المفردات، في هذا المنهج، الى مجرد جسر يمنحنا تجاوز المعاني اللفظية، وانموذجا على ذلك، تمثل مسالة «التجسد والموت الفدائي لعيسى وقيامة المسيح» وسيلة لبيان المطلب التالي، الا وهو ان التضحية من اجل الاخرين ذات قيمة اخلاقية عالية.

3- التفسير الديني
لا يجوز لنا، في هذا المنهج، مقايسة القضايا الدينية مع العالم الخارجي لنكتشف مدى صدقها او كذبها، ذلك لان هذه القضايا لم تات لتخبرنا عن العالم الخارجي، انها منبعثة عن الفضاء العبادي، وهي بالتالي قابلة للفهم في ذاك الجو فقط، ومن هنا لا يجري استعمال المفردات بغية توضيح شيء ما، وانما بهدف القيام بعمل ما مغاير لذلك تماما.

4- التفسير الاسطوري
هناك بيانات متعددة ومتنوعة لدى المعتقدين بهذا المنهج التفسيري في ما يرتبط بشرح منهجهم هذا، فبعضهم، ك آرنست كاسيرر، يرى ان الكلام الديني انموذج حصري من اللغة الرمزية، الا وهو «الاسطوري»، اما بعضهم الاخر، من امثال استيس، فانهم يعتقدون ان القضايا الدينية هي تجارب عرفانية، وانموذجا على ذلك، جملة «الله حق»، فان هذه الجملة انما تبى ن احساس الكشف والالهام، وكذلك جملة «الله عشق» تبعث في النفس خصلة الجذب والهيجان.
ويرى عالم آخر، وهو «باول تيليش»، ان هذا النوع من القضايا يكشف عن «الواقع الغائي» الذي لا يمكن الحديث عنه الا من ناحية الميتافيزيقا النهائية، حيث يبرز على شكل رمزي وشعاري.

عوامل ظهور القراءات الجديدة

هناك العديد من العوامل التي هيات الارضية لاثارة مباحث اللغة الدينية والمناهج الجديدة لتاويل الكتاب المقدس وكذلك المذهب التجريبي الديني، ولعلنا بهذا التقسيم الكلي نقدر على تصنيفها على الشكل الاتي:

1- ظهور المذهب الرومانطيقي
وصل الفكر الفلسفي، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، الى طريق مسدود، فقد جرى توهين الاستدلالات العقلية الجافة غير ذات الروح، وفقدت بذلك اساسها
وقاعدتها، وفي هذه الظروف والاجواء برزت النهضة الرومانطيقية((366)).
لقد وضعت هذه النهضة الاطلاقية العقلية على طاولة النقد والانتقاد، مؤكدة على عنصر الاحاسيس والعواطف والامور الذوقية، فعلى الرغم من تاكيدات «كانت» على عدم معلومية «الوجودات»، ابرز الرومانطيقيون اعتقادهم بامكانية الوصول الى الامور غير القابلة للشرح او المعرفة عن طريق الاحاسيس والعواطف.
وقد جرى الاهتمام، في هذا العصر، بشكل كبير بالامور الشعورية كالشعر والرسم والموسيقى، كما كان ظهور المذهب الشعوري الرومانطيقي واحدا من الارضيات المناسبة والمساعدة لتبلور منهج التفسير الاحساسي والشعوري وبروزه في الكتاب المقدس.

2- النزعة النقدية للكتاب المقدس
تعرض الكتاب المقدس للمسيحيين لانتقادات شديدة في القرن الاخير((367)) وقد دفعت هذه الانتقادات المتنوعة والمتزايدة، بصورة يومية بعضهم، من امثال شلايرماخر، الى القول: ان مركز ثقل الايمان يتم نقله من الكتاب المقدس الى باطن قلب المؤمن حتى يتمكن، بحسب اعتقاده، من تحرير جوهر الدين من الافات، والرسالة الاساسية للكتاب المقدس تكمن في احياء التجربة الدينية للانسان لا القاء مجموعة من القضايا والاخبار غير القابلة للخطا عن طريق الانبياء.

3- فلسفة كانت
اخرج «كانت» الدين عن دائرة العقل النظري في فلسفته النقدية، وذلك انطلاقا من معارضته للالهيات الطبيعية وللمقولة القاضية بامكانية اثبات المسائل الدينية من طريق الاستدلالات العقلية والفلسفية، ومن ثم ادخله اي الدين في نطاق العقل العملي((368)).
وقد جعل «كانت» التعاليم الدينية تابعة للقوانين الاخلاقية، ووفقا لذلك سيصبح الدين المنبثق من الاخلاق دينا اخلاقيا، وبالتالي سيكون الدين الاخلاقي هذا دينا عاطفياوتجربيا وشهوديا، اي انه سيجري تحويل الدين وفق هذا التصور الى اخلاق، وبعبارة اخرى لا ترى نظرية التطور الديني في فلسفة كانت اي اصالة للدين، ومن هنا فان اللغة الدينية هي لغة الاحاسيس والتوجيهات فيما اللغة العلمية لغة الوجود والواقع.

4- تعارض العلم والدين
مع ظهور العلوم الحديثة والتطورات المتزايدة اتضحت للبشر المجهولات والمبهمات الواحدة تلو الاخرى، والى ذلك الوقت كانت الساحة العلمية والاجواء الدينية هادئة، اذ لم تكن هناك اية مؤشرات على تفوق الغرب في المجال العلمي، بيد انه وبمجرد اتضاح بعض من رموز العالم الطبيعي طفا عدم التناغم الى السطح، فمن علم الفلك الى علم الارض ساحات للمواجهة بين التحقيقات العلمية والمعتقدات الدينية للبشر. والجدير بالذكر هنا ان هؤلاء الباحثين كانوا من المسيحيين المؤمنين، ومن هنا كانوا يسعون للخلاص من هذا الحمل الثقيل عليهم، وهو ما يمكن تمثله في مقولة غاليلو المثيرة للكلام وهي: «ان الطبيعة منبع المعرفة العلمية فقط بحيث يمكنها ان تكون طريقا لمعرفة الله، لقد كان من اللازم تفسير متشابهات الكتاب المقدس بمحكمات العلم الحديث»((369)).

ويمكن ملاحظة الخطوات الاولى في التفكيك ما بين المعرفة والواقع في تلك الحقبة، ففيها وقع التعاكس ما بين نظرية مركزية الشمس والعقائد الرسمية الكنسية، وقد تركت المحاكمات التاريخية للعلماء ذكريات مرة لعصر مظلم من التصارع بين العلم والدين في الغرب، لقد قدم الكاردينال بلارمينو اقتراحه القائل: «ان انموذج الشمس المركزية يمكنه ان يكون وسيلة مناسبة لتوظيف بعض التنبؤات المسبقة، شريطة عدم الدفاع عنها على انها التصوير الصحيح للواقع»((370)).

ومن هنا نرى انه في الوقت الذي مارس فيه العلم تقدمه بسرعة مذهلة لم يتمكن المتدينون من فعل شيء ، او احراز اي تقدم، ومن هذه النقطة بالذات اندفعوا للتوصل الى حل يمكنه ان يزيل هذه المعارضة، وحيث ان العلم لا يتقبل اي تفسير غير علمي فقد شرعوا بتفسير الدين والنصوص الدينية، وهو ما ادى الى بروز تفسيرات متعددة ومتنوعة لتاويل هذه النصوص.

النتائج

ان ظهور المناهج الجديدة في تاويل الكتاب المقدس وتفسيره لا يمكن اختصاره بتاويل العهدين فقط، وانما ينبى ذلك عن تحولات وتغيرات في نمط الرؤية للدين والوحي، فقد فجرت هذه الرؤية الجديدة مجموعة من النتائج واللوازم((371)) التي تمكن الاشارة الى بعضها هنا على الشكل الاتي:

1- ان الايمان اعتقاد وتعبد، انه تسليم واطاعة وخضوع للحقيقة ونوع من المواجهة الشخصية، فليس الايمان وفق هذا التصور امرا معرفيا، ولا معرفة القضايا والاخبار الواردة في الكتاب المقدس، كما انه ليس الاعتقاد بوجود الله تعالى، وانما هو الاعتقاد باله لم يحجب نفسه.
وهذا التوجه الذي يعرف بالمذهب الايماني او النزعة الايمانية (
Fideism) لا محل فيه للمعرفة، وبالتالي يمكنه ان يختلط بالشك، كما ان هذا التصور يقدم استنتاجات مختلفة عن الالهيات، ففي هذا الفكر يجري نفي الالهيات الطبيعية، وهي عبارة عن مجموعة من الجهود البشرية لمتعلق الايمان، والالهيات النقلية ايضا، وهي عبارة عن مجموعة من الاحكام والقضايا الكلامية.
ان هذين النوعين من الالهيات يتنافيان والحضور الالهي في التاريخ البشري، ذلك ان الايمان
- وفق هذا التصور - انما يعني صيرورة الانسان وتبدله، ودخوله في نوع من المواجهة والتجربة الشخصية الذاتية، فاذا تمكن شخص ما من مشاهدة الحضور الالهي في الحوادث التاريخية، ولم تمنعه من ذلك العوامل الاخرى، فانه يمتلك الايمان،حينئذ، بصورة حقيقية.

2- النتيجة الثانية لنظرية عدم لغوية الوحي والدين عبارة عن انه حيث كان الوحي نوعا من التجربة الدينية الباطنية - والتجربة من وجهة نظر بعض العلماء الغربيين متلازمة دائما والتعبير - فانه لا يمكن وجود وحي عار عن التعبير والبيان.
من الخصائص المهمة لهذا النوع من التفكير عدم اعتبار الوحي تجربة عارية ومجردة، وحتى الاحداث التاريخية الخطيرة الماضية لا يمكنها الانفكاك عن التعبير البشري السابق والحاضر. وهنا، ايضا، لا يمكن تجاهل دور العالم والفاعل المعرفي، وبناء عليه فان ارتباطاته وتوقعاته تصبح مؤثرة جدا في تفسير الوحي، فالوحي الذي يمثل انكشاف ذات الله تعالى كواقع تاريخي تجري ممارسة عملية تفسير له بما للكلمة من معنى.

3- النتيجة الثالثة للتفسير التجربي للوحي ظهرت في الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس لم يعد كتابا تلقينيا معصوما وبعيدا عن الخطا، بل انه، من اوله الى آخره، انما هو تدوين بشري حاك عن وقائع الوحي تلك، وفي هذه الصورة ستكون عقائد الكتاب ذات جانب واحد ومحدودة ايضا، اي ان هناك مواجهة قد تمت بوساطة المدد الالهي، وبتوسط البشر الذين يمكن ان يخطئوا جرى التعبير عنها وتوصيفها، فاذا كان النص المقدس جزءا من التاريخ البشري فانه يمكن بحثه وفق المناهج والطرق التحقيقية والبحثية التاريخية والادبية.

4- نتيجة اخرى لهذا الاستنتاج للوحي هي انه اذا كان الوحي بمثابة انكشاف تاريخي للذات الالهية، فانه لن يكون آحاديا دائما ولا مثيل له ابدا، ولم يعد يمكننا الحديث عنه بوصفه واقعا لا نظير له، فعندما يكون الوحي نوعا من الظهور والانكشاف لله تعالى وظاهرة مرتبطة بالتجربة البشرية، فلا يمكنه ان يكون مرشدا اوحديا ذا انموذج حصري، هذابالاضافة الى انه عندما يعمد المتكلم الى تفسير الحوادث فانه يكون مضطرا للاستعانة بمعارفه وافكاره المسبقة، ومن هنا يصل دائما الى الكلية والشمول ويخرج عن دائرة الفرد ونطاقه الخاصين. وفي نهاية المطاف، يمكننا ان نضيف هذه النقطة، الا وهي انه حيث كان الوحي تعبيرا عن تجربة باطنية كانت لغته لغة عاطفية وشعورية، اما اللغة العلمية فانها ناظرة الى عالم العين وراجعة الى امرواقعي، وبناء عليه فان اللغة العلمية واللغة الدينية مختلفتان، فتمتاز احداهما من الاخرى، في نقطة محددة، ومن هنا لا ترابط بينهماحتى تعارض احداهما الاخرى.

تفسير النصوص المقدسة عند المسلمين

قبل الشروع في هذا البحث لا بد لنا، بداية، من التذكير بمسالة، الا وهي ان المسلمين يملكون، بالاضافة الى القرآن، نصوصا مقدسة اخرى ايضا، وهذه النصوص ذات حجم اكبر بكثير من النص القرآني نفسه، فالروايات او الاحاديث التي ينقل معظمها عن النبي(ص) او بقية المعصومين(ع) تصنف بوصفها نصوصا مقدسة، وهي في اغلب الاحيان بحاجة الى توضيح وشرح، وذلك بالرغم من ان كلمة «تفسير» يختص تداولها في نطاق النص القرآني في ما يستفاد في مورد الروايات من كلمات من قبيل «الشرح» و«البيان».

ان حجم النصوص هو الاخر متفاوت في ما بين الفرق الاسلامية، فالشيعة الامامية، ونظرا لاعتقادها باربعة عشر معصوما، تمتلك، في ما تملكه من الموروث الثقافي، حجمااكبر بكثير من الاحاديث.

ولكننا، هنا، سوف نركز نظرنا على ما يرتبط بتفسير آيات الكتاب الالهي، وانما نعرض للروايات لمناسبة من المناسبات.

لم يفارق العلماء المسلمون على امتداد التاريخ المليء بالنجاحات والاخفاقات على المستوى الثقافي الاسلامي في ما يتعلق بالقرآن معطيين قبليين ابدا، كما لم يترددوافيهما، الا وهما:

1- يعتقد اغلب المسلمين ان هذا الكتاب، من اوله الى آخره، انما هو من الكلام الالهي المباشر بلا اي نقيصة، كما انه لم يتعرض للتحريف، بمعنى انه لم ينقص في اية مفردة اوحرف كما لم تجر عليه اية زيادات، ان تلك المفردات هي ذاك الوحي الالهي الذي انزله الرسول جبريل الامين على النبي(ص) وقراه النبي على الناس، وهذه الخصوصية غير موجودة على هذا النحو في الرؤية المسيحية للانجيل.
لقد ضاعف هذا الاعتقاد، مئات المرات، من حجم اهمية هذا النص الديني، وكثف من الاقبال الشديد على التعمق فيه، كما رسخ من اسس الارتباط به ايضا.

2- يتحدث القرآن دائما عن الواقع الكوني والعالمي، كما يعرف نفسه بمصطلحات تحكي عن هذه الخصوصية من قبيل: حق، بيان، نور، تذكرة ومبين... وبالرغم من تصنيف القرآن في اعلى مراتب الجمال الادبي الا انه يطرق الاسماع دائما مؤكدا انه ليس شعرا، ذلك ان مزية الشعر تكمن في انه كلما كان اكثر اغراقا في الخيال واكثر اتساما بعدم الواقعية كان اكثر عذوبة وتاثيرا في القلوب، فهذا الكتاب ليس مغايرا للشعر فقط بل الشعر نفسه لا يليق به، وعلى حد التعبير القرآني نفسه (وما علمناه الشعر وما ينبغي له)[يس/49].

ومآل ذلك كله الى ان كتاب الله تعالى انما يسوق كلماته على اساس شرح حقائق الواقع، وهو - بآياته - انما يقوم بتقديم رؤية كونية، وليس مجرد قصص مفيدة فقط لاثارة الاحاسيس والعواطف او الالتزام بنهج معين للحياة من دون النظر الى الواقع والواقعيات، وهذه الطرق انما كانت محاولات للتخلص لاذ بها الغربيون من دون ان يمارسوا في النهاية نوعا من التقييم الذكي للفعالية الدينية.

لقد تسبب وجود هذين المعطيين المتقدمين، في الوسط الاسلامي، في القيام بجهود مقدسة لتفسير اسرار الكون وكشفها في كلمات الله، تعالى، وجعل ذلك الهدف الاساسي. ومن الطبيعي اننا لا نهدف هنا الى القول: انه لم تكن توجد اتجاهات افراط وتفريط في هذا المجال، بل ان الامر على العكس من ذلك تماما، فقد كان هناك من حمل الايات الكريمة على النظريات الفلكية التي كانت سائدة في زمانه، الا ان تغير هذه الرؤى العلمية لم يؤد اطلاقا الى اي نوع من انواع القلق، ذلك ان الكلام الالهي في سهولته عينها ووضوحه نفسه قابل لتفسيرات متعددة، وقد تنبه المفسرون الى انه لا يجوز تفسير الايات على اساس النظريات السائدة بسرعة، ومن دون تان.

ومن هنا لم تقم في الاسلام محاكم للتفتيش على الاطلاق، وذلك بالرغم من ان قرب العلماء المسلمين من الحكومات - لا اقل في بعض الفرق الاسلامية - لم يكن اقل من نفوذرجال الكنيسة في قصور الملوك والسلاطين، واساسا لم تاخذ النظريات العلمية بمعنى العلوم التجريبية القابلة للاختبار اي بعد ديني مقدس حتى تصنف الابداعات على انها كفر او ارتداد.

والملفت للنظر، هنا، هو ان المسلمين وطوال عدة قرون كانوا السباقين في المجالات العلمية بما في ذلك العلوم الطبيعية والتجريبية، وفي تلك الازمنة لم يظهر اي عالم مسلم على الاطلاق ينكر البعد الحكائي القرآني عن الواقع، فالموعظة المهمة والحكيمة للمحصلين من العلماء المسلمين، والتي كانت تنهي عن التسرع في تطبيق النظريات العلمية على الايات الكريمة، كانت نابعة من هذه النقطة، ذلك انه لا بد من استحضار هذين الامرين دائما لدى مواجهة النص القرآني، الا وهما: ان هدف المولى في القرآن الكريم لم يكن تبيين العالم من طريق مناهج العلوم التجريبية، الا ان ذلك لا يعني ان تلك الايات لم تكن ناظرة الى الواقع اصلا وليس لها اي مصداق خارجي، فان بين هذين الامرين فاصلا واضحا وكبيرا.

والان لنر كيف يفسر المسلمون بما يحملون من هذه المعطيات المسبقة الكلام الالهي؟ هل يكتفون بالمعنى اللفظي والمنهج النصي الحرفي او انهم يرون ان هذه المفردات ترشد الى معان ابعد؟

والحقيقة هي ان العلماء المسلمين لم يكن لديهم منهج واحد ومتساو في هذا المضمار، فبعض منهم كان يتجنب السعي وراء المعاني السامية للقرآن الكريم الى حد القول بنفي حجية ظواهره، معتبرا ان الحصول على مقصود المولى تعالى انما يتم عبر الاشخاص الذين يعرفون ذلك فقط، ممن لهم طريق الى خزانة الاسرار الالهية، وبالتالي فالمخاطبون الحقيقيون بالقرآن انما هم اولئك الاشخاص، وبعض آخر منهم بلغ به التشدد في الجمود على ظاهر الكلمات بحيث كان يرى الله تعالى جالسا على عرشه وانه لا اقل يوم القيامة قابل للرؤية بالاعين المجردة، ان هذا الفهم المنحرف والخاطىء للقرآن انما كان يحصل من جانب الاقلية دائما ولم يكن له انصار كثيرون، الا انه وعلى اية حال لم يتجاهل احد المعطيين القبليين المتقدمين.

واذا تخطينا هذه التوجهات، قليلة الانصار، نرى ان اكثر الباحثين في مجال الكلام الالهي يعتقدون ان الايات القرآنية - بالاضافة الى المعاني الظاهرية للمفردات ذات الظهور العرفي الحجة - تحتوي على صفحات اعمق ايضا.

ان الجهود القيمة للمفسرين في مجال كشف هذه الصفحات المخفية وتحليلها ادت الى ظهور علم واسع النطاق من ضمن مجموعة العلوم الدينية باسم علم التفسير، وطبعا فان البحث عن المناهج التفسيرية الموجودة وطرق عمل المفسرين خارج عن هدف هذه المقالة ويتطلب مجالا خاصا به.

لكن المقصود هنا انما هو معرفة الرابطة بين النظريات التفسيرية وتاويل القرآن والكلمات الرمزية للوحي من جهة والواقع العيني من جهة اخرى، فهل يرى فلاسفتنا وعرفاؤنا مع جميع هذه النظريات التي تبدو غريبة وعجيبة ظاهريا الكلام الالهي غير مرتبط بالواقع؟ ويتجاوزون بالتالي هذا النفق بكل راحة بال؟

في الحقيقة ما هو هذا المهرب السهل الذي انتخبه الغربيون عندما جمعوا بين قداسة الايمان بالكلام الالهي في اعماق القلب فيما كانوا ينظرون الى الواقع الخارجي والعالم العيني بالعين، مبتلين بنوع من التناقض!؟ في هذه الارضية سيصبح الايمان مرتبطا بما صار اكثر ايغالا في عدم المفهومية! انني اؤمن حيث لا افهم! و... ويمكن القول على نحواليقين هنا: انه لا يمكن العثور على مثل هذا الكلام في ابحاث اي من علمائنا.

مفهوم تاويل الايات

لاجل ايضاح موضوع التاويل وعلاقته بالواقع الخارجي سنعالج كلام واحد من كبار المفسرين العلماء ممن له مقام رفيع في مجال التفسير ويد مقتدرة في ميدان الفلسفة، الا وهو العلامة الطباطبائي (رض) كاتب التفسير القيم: «الميزان»، فقد بحث في الجزء الثالث من هذا الكتاب مسالة التاويل وتشابه الايات، مما سنستمد منه هنا في هذا البحث.فبعد توضيحه التقسيم المعروف للايات القرآنية الى محكمة ومتشابهة، وانه يمكن تفسير الايات المتشابهة بارجاعها الى الايات المحكمة وبالتالي رفع اجمالها وابهامها، يشير(رض) الى وجهة نظر ترى ان التاويل منحصر في الايات المتشابهة ولا يشمل الايات المحكمة، ثم يناقشها ويرفضها، ويصرح بشمول التاويل للايات المحكمة والمتشابهة معا. ويعقب ذلك ببيان رايه في الموضوع، فيقول: «الحق في تفسير التاويل انه الحقيقة الواقعية التي تستند اليها البيانات القرآنية من حكم او موعظة او حكمة، وانه موجود لجميع الايات القرآنية محكمها ومتشابهها، وانه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالالفاظ بل هي من الامور العينية المتعالية من ان يحيط بها شبكات الالفاظ، وانما قيدها الله سبحانه بقيد الالفاظ لتقريبها من اذهاننا بعض التقريب، فهي كالامثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع، كما قال تعالى: (والكتاب المبين انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وانه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم) [الزخرف/2-4]. وفي القرآن تصريحات وتلويحات بهذا المعنى»((372)).

وبناء عليه، فان جميع الايات الكريمة تمتلك خاصية التاويل، وليس التاويل مقيدا ومختصا بدائرة المفردات، وانما هو حقيقة عينية وواقعية، ومن هنا ينفصل طريق العلماءالمسلمين في نظرتهم للمفاهيم والمقولات الدينية عن الغربيين، وبالتالي يصبح الكتاب السماوي عند المسلمين حاكيا عن الواقعيات المتحققة في العالم الخارجي، لا انه مجرد مجموعة من النصائح والمواعظ والتوصيات المفيدة، او سلسلة من الحكايات المثيرة فقط.