احيانا توجد لجملة ما اضافة الى معناها اللغوي الحرفي واقعية
اخرى ايضا، بحيث يكون استعمال هذه الجملة حاكيا عن تلك
الواقعية، فتلك الحقيقة الخارجية ليست بنفسها
مدلولا افراديا
للجملة، وانما اثر تلك العبارة ونتيجتها هما الاشارة اليها،
ولاجل المثال، عندما يقول شخص لاخر: «اروني». ان هذه
الجملة تستمد منبعها من طبيعة الانسان وذاته، تلك الطبيعة
التي تنزع نحو البقاء، وهو يعرف انه، ولاجل تحقيق هذا الهدف،
محتاج الى الطعام والشراب وهو لذلك يطلب الماء، وذلك كله
يحصل مع عدم كون الطبيعة الانسانية ولا طلبها للبقاء
مدلولين لجملة «اروني»، الا ان هذه الجملة حاكية عن هذه
الواقعيات جميعها.
ان طريقة الامثال الشعبية تقترب كثيرا من موضوعة التاويل، فعندما نستخدم مثلا من
الامثلة العامة والشعبية فاننا لا نطبق معناه اللفظي على المورد الذي نعينه ونستعمله فيه،
وانما نهدف الى الاشارة الى واقع آخريرشد ويحكي عنه هذا المثل بشكل مغاير للمنهج
الحكائي اللفظي، ولاجل ذكر انموذج
نستعين بالمثل العربي القائل: «في الصيف ضيعت اللبن»، ان
هذا المثل يجري استخدامه بحق الشخص الذي يريد انجاز
عمل ما الا انه يقوم سلفا باعدام كافة مقدماته، وهنا اذا قيل هذا
المثل لشخص لم ينجح في الامتحانات مثلا، اي لماذا لم تسع
الى تحصيل المقدمات اللازمة للمشاركة في هذه الامتحانات
والنجاح فيها، فان هذا لا يعني افساد اللبن اصلا، وبالتالي عدم
امكانية شربه،وانما المقصود هو انك قد جهزت نفسك الى حد
غير كاف، فعليك تحمل نتائج المقدمات التي قمت بها والتي لا
مفر منها، فهذا المثل يشير بنفسه الى واقع ما هو
الحقيقة الخارجية عينها، وذلك من دون ان يكون
المدلول الحرفي للعبارة مفيدا لمثل ذلك او انه يراد تطبيقه
على مورده.
لقد استفيد في القرآن الكريم من الامثال، ايضا، فعندما يتكلم
عن المراة التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا، او عندما
يتحدث عن الماء والزبد مشيرا الى ذهاب الزبد جفاء ومكوث ما
ينفع الناس في الارض، انما ى لفت بذلك الى علو مرتبة القرآن
الكريم عند الله تعالى وانه امرسام ومحكم وعلي وحكيم، بحيث
ان العقول لا يمكنها الوصول من دون وسيلة الى عمقه وباطنه،
فالله تعالى، انطلاقا من المحبة والعظمة، جعله كتابا مفصلا
وانزله ببيان عربي حتى يتفكر فيه الناس، وهذا هو عين ام
الكتاب الذي لا يمكن لغير المطهرين الوصول اليه، وهنا يبين
العلامة الطباطبائي لب نظريته واساسها على الشكل الاتي:
«فالمحصل من الايات الكريمة ان وراء ما نقراه ونعقله من
القرآن امرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد، والمتمثل
من المثال، وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم، وهو الذي
تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه، وليس من
سنخ الالفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها.
وهذا بعينه هو التاويل المذكور في الايات المشتملة عليه
لانطباق اوصافه ونعوته عليه، وبذلك تظهر حقيقة
معنى التاويل، ويظهر امتناع التاويل عن ان تمسه الافهام
العادية والنفوس غير المطهرة»((373)).
ولصدر المتالهين، في هذا المجال، رؤية مشابهة، ذكر ما يتعلق
بها في تفسيره لاية الكرسي مما يشتمل على نكات مفيدة
وقيمة((374)).
وهنا ننقل جملة من الشواهد النقلية ايضا تاكيدا لكون القرآن
الكريم كتابا حاكيا عن الواقع الخارجي دائما، لكن وقبل ذلك
نشير الى طائفتين من الروايات تريان القرآن كتابا واقعيا معتمدا
على العالم العيني، وليس فقط مجرد مواعظ وقصص مفيدة. الطائفة الاولى: الروايات التي تسمي القرآن نورا ومرشدا وهاديا ومحررا، ونحن ننتخب من بين هذه الطائفة من الروايات روايتين اثنتين معتبرتين هما: 1- عن ابي عبدالله(ع): ... فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع وماحل مصدق، ومن جعله امامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل... ينجي من عطب ويتخلص من نشب، فان التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور...»((375)).2 - الرواية الاخرى المعتبرة، سندا، والتي جاءت في هذا الصدد ايضا تقول: ان العزيز الجبار انزل عليكم كتابا وهو الصادق البار، فيه خبركم وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم وخبر السماء وخبر الارض...»((376)).في هاتين الروايتين المعتبرتين، سندا، قدم القرآن على انه كتاب تبيين للواقع ونور للظلمات ومشتمل على اخبار السماوات والارض ومحرر للقلوب والارواح، وهنا نسال: هل ان هذه الخصائص منسجمة مع ما استنتجناه من نظريات الهرمنيوطيقيا الجديدة؟
المسالة الاخرى، في هذه الروايات، هي ان اعتبار القرآن الكريم
مشتملا على الاخبار الحقيقية عن العالم، وان الواقع يمكن
استخراجه من متن هذا الكتاب الكريم، وانه لا شك في كونه
كتابا يعرض العالم الخارجي في طياته... ان ذلك كله، بحسب
ما ترشد اليه هاتان الروايتان، ليس من مبتكرات المفسرين
المسلمين التي قد تكون نابعة من عمق علاقتهم ومحبتهم لهذا
الكتاب الالهي، بل ان الذين اتوا بهذا الكتاب لنا والقادة
الاساسيون لهذا الدين والذين يعد كلامهم رديفا للكلام الالهي
وللوحي يؤكدون هذه الحقيقة ايضا، واولهم الرسول(ص) الذي
يعد القرآن كتاب حكاية عن الواقع ومبين ومبين ايضا، وبالتالي
فان ذلك كله ليس نتيجة الانبهار والمحبة اللذين ربطا
المفسرين بهذا الكتاب طوال تاريخ الاسلام. الطائفة الثانية: الروايات التي ذمت التفسير بالراي، وهذه الروايات معروفة في اوساط الشيعة والسنة الى حد لا تحتاج معه الى دراسة سندية ، فبالرغم من تعدد العبارات الواردة هنا في هذا المجال الا انه يمكن استنتاج هذا المضمون الجامع بينها، وهو انه من غير الممكن تفسير القرآن من زاوية الاراء الشخصية الضيقة.
والسؤال هنا هو: لماذا كان الامر كذلك؟ فاذا لم يكن للقرآن
الذي يمثل كلام خالق العالم والكون نظرة سامية وعميقة
للواقعيات العينية، وانما جاء لامر آخر اذن، فلماذا كل
هذاالتهديد والوعيد والتحذير من هذه المسالة؟ ان ذلك لاجل
عدم سلامة تطبيق الايات الكريمة على المصاديق والموارد
الخارجية من دون اطلاع ومعرفة بالعالم الخارجي، ومن هنا
فعلى الذين يريدون التعرف الى المراد الالهي من اسرار الوجود
ان يكونوا عالمين بالتاويل. وللعلامة الطباطبائي هنا كلام
رائع يتمحور حول ابراز النكتة الدقيقة لمسالة النهي عن
التفسير بالراي حيث يقول: «النهي في الروايات انما هو متوجه
الى الطريق، وهو ان يسلك في تفسير كلامه تعالى الطريق
المسلوك في تفسير كلام غيره من المخلوقين، وليس اختلاف
كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الالفاظ وسرد
الجمل واعمال الصناعات اللفظية، فانما هو كلام عربي روعي
فيه جميع ما يراعى في كلام عربي... وانما الاختلاف من جهة
المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام»((377)). التمايز بين رؤية المسيحيين في الغرب وعلى اية حال فالهدف من الكلام حول التاويل هو تقديم توضيح جيد
للجذر الاساسي والمنبع الرئيس للتمايز بين رؤية المسيحيين في الغرب وعلماء الدين
المسلمين، فبنظرنا تمثل هذه النقطة العنصر البنيوي في هاتين النظريتين المعرفيتين
الدينيتين، اي ان هذه النقطة هي التي فصلت الدين عن الواقع العيني في الغرب،
فاوكلوا العالم الى العلم نفسه، اما الدين فمنحوه مهمة تقديم المواعظ والقصص
المفيدة البانية للاخلاق.
اما في الشرق الاسلامي فلم يكن ليحصل تصور او ظن من هذا
القبيل لدى اي من المتدينين والباحثين ايضا، فباستثناء بعض
من المطلعين على الجهود والنظريات الغربية لم يكن احد
ليستسيغ هذا النوع من النظرة اطلاقا، وليس من البعيد
افتراض ان المسيحيين التقليديين ما زالوا على رؤاهم، بحيث
انهم لم يوافقوا على ما طرحه في اوساطهم بعض العلماء في
القرون الاخيرة، ما استتبع، ولا يزال يستتبع، يوميا، تلك النزعة
التي تحاول الفرار من الواقع. ان ظهور مباحث من قبيل نظريات نسبية المعرفة البشرية - لا سيما في المجال - الديني وكذلك التعددية على صعيد القبول بالمعتقدات الدينية جميعها تنبع من هذا الاساس، فبالرغم من الاعتقاد بجزمية العلوم التجريبية وقطعيتها والعمل وفاقا لها ينظر في المجال الديني والاخلاقي لمثل هذه النظريات، وطبعا هناك ايضا كلمات كثيرة جدا تتمحور حول عدم جزمية نتائج العلوم التجريبية وقطعيتها وكذلك عدم تعينها، الا ان ذلك بقي محصورا في اطار جمع قليل من الباحثين الفلسفيين ومن علماء الفيزياء النظرية، بحيث ان بقية العلماء والباحثين في هذه العلوم نفسها كانوا يعتمدون على العلوم التجريبية ويعتقدون بها.الجائز وغير الجائز في التاويل
يجدر بنا، هنا، تحويل الكلام الى النطاق الديني الداخلي، وطرح واحدة من اهم مسائل
البحث القرآني، فبعد اتضاح مفهوم التاويل لا بد من تمييز الحدود ما بين الجائز
وغيرالجائز منه، وبالتالي معرفة هل يمكن وضع معيار معين لنقد التاويل؟ ما هو ميزان
الحسن والقبح والجودة والرداءة في عملية التاويل؟ وتبرز اهمية هذه المسالة من حيث
امكانية تقييم عدد كبير جدا من التاويلات العرفانية والتفسيرية والحديثية على
اساسها.
وهنا بالضبط تختلف المذاهب الاسلامية في الرؤية الى هذه
المسالة، ففئة تقصي العقل عن هذا المجال بالكلية مانحة امورا
اخرى الصدارة والاولوية، وفئة اخرى تتشبث بالنقل الى درجة
عدم قبولها حجية ظواهر الايات الكريمة ايضا.
وبشكل عام يلاحظ وجود معيارين وملاكين كليين في كلمات
العلماء المسلمين في هذا المجال يمكن بيانهما، وهما: 1 - النقل والتاويللا شك، ولا تردد، في انه لو ورد كلام عن احد المعصومين(ع) في ما يتعلق بالتاويل فان الجميع يذعنون له، واذا كان ثمة كلام بين الفرق الاسلامية في ذلك فانما هو:
يرى المتكلم الشيعي الذي يساوي بين احاديث النبي الاكرم(ص) والائمة
المعصومين(ع) ان وظيفته السعي والبحث في حجية الروايات، وبالتالي فاذا عثر على نص
معتبريتعلق بتاويل آية او آيات امكنه الاستناد اليه في ذلك.
ان هناك الكثير من الاثار القيمة للمفسرين الشيعة في ما
يخص العلاقة بالاحاديث والروايات الواردة في باب التاويل
والتي تكشف اي الدراسات عن اهميتها. والحقيقة هي ان هذا
النوع من الروايات يجعلنا نقف امام مطالب مثيرة للتعجب
والاستغراب، بحيث تبدو للوهلة الاولى غريبة وعجيبة، بل ان
بعض مضامين هذه الروايات لا ينسجم وظواهرالايات القرآنية
ابدا، بيد انه حيث كانت هذه المعاني السامية واردة وبدليل
قاطع عن مقام العصمة الرفيع، فلا بد من ان تكون مقبولة،
الامر الذي يستدعي المزيد من التفقه في هذا الارث الثمين
عنهم(ع) والذي هو بحق الفقه الاكبر.
ان كون كلمات المعصوم(ع) معيار تاويل الايات القرآنية ليس
مجرد امر مقبول لدى المفسرين فحسب، بل انه قد جرى بيانه
ايضا من طرف الائمة(ع) انفسهم. وبالاضافة الى ذلك نرى في
تعاليم اصحابهم معاني عميقة للقرآن الكريم، كما ان كلماتهم
المباشرة تشهد على ان الكلام الالهي ليس سهل التناول، وهو
ما يرشد الى مدى الحاجة للارتباط بمخازن العلم الالهي
الخفي.
ولا باس هنا بالاشارة الى بعض الاحاديث المناسبة والمعتبرة
في هذا المجال، فواحدة من الروايات المرتبطة بباب الحج
وهي بحسب الظاهر بعيدة عن ظهور الاية الكريمة هي هذا
الحديث المعتبر: «روي عن عبدالله بن سنان قال: اتيت ابا
عبدالله(ع) فقلت له: جعلت فداك، ما معنى قول الله عز وجل:
«ثم ليقضوا تفثهم»، قال: اخذ الشارب وقص الاظافير وما اشبه
ذلك، قال: قلت: جعلت فداك فان ذريحا المحاربي حدثني
عنك انك قلت: ليقضوا تفثهم لقاء الامام وليوفوا نذورهم تلك
المناسك، قال: صدق ذريح وصدقت، ان للقرآن ظاهرا وباطنا،
ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟»((378)).
اننا نلاحظ، في هذه الروايات، تفسير التنظيف من الاوساخ بلقاء
الامام المعصوم(ع) وهو معنى ليس فقط غير قريب بل هو بعيد
عن المعنى الظاهري للاية، وبالرغم من ان هناك ما هو مشترك
بين تفسير الاية الكريمة وتاويلها في كلمات الفيض
الكاشاني((379)) الا ان مقتضى الانصاف هو العكس، فاذا لم
تكن هذه الرواية موجودة فان هذاالمفهوم من الاية اي اللقاء
بالامام(ع) لم يكن لينسجم والاية، بل لم يكن ليطرا على
الذهن اصلا.
ونورد هنا رواية معتبرة اخرى حول الموضوع نفسه لا يتناسب
التاويل الوارد فيها مع المعنى الظاهري، وهي: «الشيخ المفيد
في الاختصاص... عن زيد الشحام عن ابي جعفر(ع) في قوله
تعالى: (فلينظر الانسان الى طعامه) قال: علمه الذي ياخذه
عمن ياخذه»((380)).
وهنا يمكننا - وبنظرة شاملة لهذه الاحاديث وللكثير جدا من
الروايات الاخرى - الاستنتاج بان مسالة التاويل عبارة عن قضية
معقدة، فصحيح ان كلام المعصوم(ع) في اصل هذه الموارد
حجة في قبول هذه المعاني، الا انه مع ذلك كله هناك مجال
للتوقف ايضا، لا سيما ان طريقة الابلاغ القرآنية يمكن اقتناصها
من بين هذه الموارد، وذلك كله يحتاج الى تدبر كبير حتى لا
يتم حرف التاويل عن مساره السليم، او تجاهل التاويلات
الاخرى للمفسرين، وهو امر ادق من الشعرة. هل للعقل طريق الى تاويل الايات القرآنية؟ الى اي مدى يمكن للعقل التقدم في خطواته على طريق اكتشاف الرموز والاسرار الموجودة في كلمات الحق تعالى؟
في الواقع - وفي مقام الاجابة عن هذا التساؤل - ليس هناك اتفاق بين علماء
المسلمين في ذلك، وبالرغم من هذه الاختلافات جميعها امتاز علماء الشيعة ومنذ القدم
بكونهم الاكثرشهرة في القبول والاعتراف بالعقل، كما كانوا السباقين الى منحه القيمة
والاعتبار، فقد كانت آراء الشيعة عقلية دائما، وكانوا يوظفون العقل ويعتمدون عليه
مع تركيزهم على صعوبة طريقه ووعورتها.
والذي يبدو هو انه ينبغي عدم التردد في اصل القبول بالرؤية
التكاملية للايات الكريمة، فاذا كانت اهم الاسس الاعتقادية
الدينية قد قبلت على اساس العقل، واذا كان اصل حجية ظواهر
القرآن الكريم، او عدم تحريفه، قد جرت الموافقة عليه من
خلال الاستدلال العقلي، واذا كانت عشرات الاستدلالات
العقلية مختزنة في مطاوي الايات القرآنية،فان ذلك كله يمثل
تاييدا واضحا وتصديقا بينا لحجية العقل حتى في اطار تاويل
الايات القرآنية.
بالرغم من عدم تصنيف الشيخ الانصاري عارفا او فيلسوفا او
مفسرا، الا انه يرى لدى تحديده موقعية العقل في
الاستنباطات الدينية ان «الذي يقتضيه النظر، وفاقا لاكثر
اهل النظر، انه كلما حصل القطع من دليل عقلي فلا يجوز ان
يعارضه دليل نقلي، وان وجد ما ظاهره المعارضة. فلا بد من
تاويله ان لم يمكن طرحه...»((381)).
والحقيقة هي انه - وعلى مدى قرون - كانت هناك افراطات
وتفريطات على صعيد ما هو الجائز وغير الجائز في تاويل الايات
القرآنية، كما ان التاويلات غير المنظمة والتي تحاول فرض
الرؤى الخاصة وتحميلها بشكل غير صائب على النص القرآني
قد زادت من هذا الافراط ايضا، والتوقف لدراسة الاسباب
والعوامل التي ادت الى بروز مثل هذه الاتجاهات يمكنه ان يدلنا
على المنهج السليم اللازم اتباعه هنا، فاخذ العبر من التجارب
العلمية القديمة في مجال البحث القرآني يدفع الباحثين الى
المزيد من الاحتياط والدقة في خطواتهم في هذا الاطار.
ان رعاية الامرين اللذين سنذكرهما قريبا وجعلهما نصب
العينين دائما يمكن ان يمنحنا نظرة عقلانية للايات القرآنية،
وان ينظم عملية التاويل بالتوافق مع العقل والتناغم معه،
وهذان الامران هما:
واليوم لا نرى اي ميل جاد للمنهج الاخباري، والتدقيقات
العميقة جدا في علم اصول الفقه وكذلك الاصوليون الفلاسفة
جميعهم يمثلون شهادة عالية على مكانة العقل عندالفقهاء،
وهو امر مرتهن بالمزيد من استقلال للبحوث الفقهية والفقاهة
المستقلة. منهجية صدر المتالهين في التفسير القرآني د. محسن صالح مقدمة
القرآن الكريم هو الكلام الالهي الموحى به الى رسوله الاكرم(ص) وهو الكتاب الذي
يحوي بين دفتيه كل ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وهو ايضا دستور المسلمين
والمؤمنين في كل زمان ومكان. لهذا فقد عكف المسلمون الاوائل، وعبر القرون، على
قراءته وترتيله والتبحر في معانيه، فاستخرجوا الاحكام الشرعية، وعمقوا النظر في
تفسيره وتاويله فنظروا في الدفاع عن العقائد السماوية في التوحيد والنبوة والمعاد
وغير ذلك.
واهتم العلماء الاوائل بتفسير القرآن، كل حسب توجهاته
وميوله: الفقهية، الكلامية والسياسية... او المعرفية، وذلك
لايجاد التسويغ الشرعي الملائم لخطابه ولسلوكاته تجاه
ربه ونفسه وامته، او اتجاه الكون والحياة والعالم. ولما كان
القرآن الكريم اول مصادر التشريع الاسلامي اجتهد المفسرون،
والفقهاء منهم بخاصة، في تطوير استنطاقاتهم لهذا
الكلام الالهي كلما استجد لهم من العلوم والحوادث ما لم يتم
التطرق اليه في ما سبق. واصحاب النزعات العقلية الفلسفية،
كالشيخ الرئيس ابن سينا، وفي اول محاول لمطابقة، اومواءمة،
ما هو قرآني مع ما هو حكمي انساني ولجوا الى القرآن من باب
بعض الايات ليجدوا تسويغا فلسفيا لمقولاته في العقل والنفس.
سمحت طبيعة النص القرآني، بما فيه من آيات محكمات
وآيات متشابهات، لوجود هذا التنوع في التفسير. ومما ساعد
في تطور اساليب التفسير ومنهجياته وجود مدارس وتيارات
فكرية وسياسية وفقهية، تماما كصور العقول عن الحياة. طرق التفسير ومنهجياته قبل صدرالدين الشيرازي
منذ بزوغ فجر الاسلام وبدء الوحي والرسالة الشاملة كان على الرسول(ص) شرح الايات
المنزلة وتفسيرها من النواحي المتعددة: اللغوية والحكمية والعملية.
نشا من هذه السيرة والتفسير والهداية ما يعرف بسنة
النبي(ص): الاقوال والافعال والتقريرات.
سار التابعون والصحابة، قريبو العهد من النبي(ص) ومن كان
معروفا منهم بصلته وقربه من النبي(ص) على هدى سنته،
وبما ان المسلمين قد آمنوا بالكتاب والسنة، بوصفهما مصدرين
من مصادر المعرفة والتشريع لحياتهم هذه، ولحياة ما بعد
الموت، فقد عكفوا على دراسة القرآن وتفسيره، والعودة الى
السنة عندما تنغلق على افهامهم بعض الايات، وتطرا على
حياتهم حادثة لم يسبق لهم ان واجهوها اثناء وجود
الرسول(ص) بين ظهرانيهم.
كان من الطبيعي ان تتعدد التفسيرات تبعا لطريقة تناول
المفسر، فان كان لغويا فانه يفسر القرآن من الناحية اللغوية،
وان كان متكلما فانه يشرح العقائد الالهية ويفسرها، وبخاصة
من الوجهة الكلامية التي تناسب نزعته، فان كان اشعريا او
معتزليا حاول ان يثبت معتقداته الاساسية من خلال الايات
التي تدعم فلسفته الكلامية وتؤسس لها، وان كان متصوفا نزع
نحو التفسير الصوفي. وهكذا وجد العديد من التفسيرات للقرآن
الكريم: التفسير بالماثور المستند على الحديث والسنة
المتواترة، وتفسير القرآن بالقرآن، والتفسير الصوفي، والتفسير
اللغوي.. الخ.
وقد عرف التفسير بانه ايضاح لمعاني آيات القرآن الكريم
واماطة اللثام عن اغراضها ودلالاتها((384)). ولعل من اكثر
التفاسير الباقية والمعتمدة والشاملة هو تفسيرالطبري: جامع
البيان عن تاويل آي القرآن»((385)) هذا التفسير حاز اعجاب
المفسرين ممن فسر بالماثور ومن فسر بالراي. السيوط ي
وغيره ابدوا اعجابهم بهذا التفسيرعلى انه «احسن التفاسير
واكبرها»((386)).
جمع الطبري العديد من الاحاديث المروية عن كل آية وكافة ما
قيل بصددها. وناقش كل شهادة وقول بشكل نقدي. فهو يدون
الاية ويضع الروايات ويناقشها، اولا في مابينها، ثم يذكر
الاعتراضات عليها، وبعد ذلك يبدي رايه بكل تجرد وموضوعية.
واحيانا يقول: «وهم يقولون (كذا) وهذا موافق لراينا». بالاضافة
الى ذلك فهو يفسر الاية من الناحية اللغوية مع شواهد دلالية
لغوية من الشعر الجاهلي، مع عدم اغفاله لبعض الاراء الكلامية
والفقهية((387)).
اما ابن كثير فوضع كتابا في التفسير اسماه تفسير القرآن
العظيم»((388)) واتبع فيه طريقة التفسير بالماثور، حيث
عارض التفسير بالراي. يشرح ابن كثير الاية من الناحية اللغوية
ويستشهد ب آية اخرى اكثر وضوحا ليؤيد رايه حول الاولى،
وبعد ذلك يسند تفسيره بقول ماثور من السنة. وكذلك يفعل
السيوط ي في تفسيره «الدر المنثور في التفسير بالماثور» الذي
يشير اليه في اتقانه((389)) حيث يدون الاية وما يتعلق بها من
احاديث من السنة عبر سلسلة من الرواة((390)).
التفسير بالراي، وقد ابتدا، كما يقال، مع المعتزلة، يفترض
استعمال العقل في استخراج المعاني والدلالات للايات
القرآنية. ولهذا، فان المعتزلة، وانسجاما مع نظريتهم في
الوحدة المطلقة ر التنزيهر لله تعالى عن معاني التشبيه فسروا
مجازيا بعض الايات التي يبدو معناها الظاهر متضمنا لمظاهر
تجسيدية (كالابصار، واليد: يد الله فوق ايديهم، لا
تدركه الابصار)((391)).. وقد سمى العلامة الطباطبائي هذه
المنهجية بانها «تطبيق لا تفسير»، اضافة الى قوله: انهم
يفسرون القرآن وينطقون آياته ولا يجعلون الايات
تتكلم بنفسها((392)). تفسير الزمخشري: الكشاف، وتفسير
الرازي: مفاتيح الغيب، مثلان لهذا النوع من التفسير((393)).
الزمخشري (ت. 1144م) ينتمي الى فرقة المعتزلة التي عرفت
باعتمادها على الراي في تناولها للقضايا العقدية والفقهية
والكلامية، وكان لغويا. هذان المظهران وظفهمافي تفسيره، او
تحليله للايات القرآنية. لهذا فهو لم يعر اهتماما كبيرا للروايات
والاحاديث ودقة اسانيدها((394)). فقد اتهم الزمخشري
بالبدعة وعدم الاخلاص للسنة((395)).
الرازي، من جهته، جمع اكبر كمية ممكنة من الاحاديث،
القواعد والمعاني اللغوية، علم الكلام، الفلسفة، والادب
الصوفي، عند تناوله للايات الخلافية. فهو يناقش ويدافع ويؤيد
ويعترض متنقلا بين كافة هذه الحقول المعرفية. وهو، بوصفه
متكلما، يستعمل المقدمات المنطقية والقواعد الفلسفية في
الدفاع عن النبوة والوحي. ولهذا، فقد انتقدلانحرافه عن سياق
الايات المفسرة((396)). اما المنهجية الشيعية التقليدية في التفسير فلم تختلف كثيرا عن التفاسير الاخرى عند اهل السنة، سوى ان الشيعة اعتمدوا في تفسيرهم على الروايات المنقولة عن ائمة اهل البيت(ع) ((397)).
المفسرون الاوائل من الشيعة كانوا من الائمة(ع) وبخاصة
الامام الصادق(ع) (ت 765م). وبعضهم ينسب للامام
الصادق(ع) تفسيرا صوفيا((398)).
هناك تفاسير شيعية اخرى كتفسير الكوفي((399))
والقمي((400)) تؤيد ما ذهب اليه العلامة الطباطبائي، فهذه
التفاسير تدون الاية وتفسرها بالماثور عن اهل البيت(ع). وهكذا
فقد تجنب هؤلاء المفسرون الاجتهاد واستعمال الراي، اما
المفسرون المتاخرون، كالطوسي وملاصدرا، فقد استعملوا
الاجتهاد والراي((401)).
التفسير الفلسفي الذي باشره ابن سينا (ت 1037م) باشاراته
لاية النور، لم يكن شائعا ولا كان في نية الفلاسفة الدخول في
تفسير للايات المحكمات بخاصة. فالفلاسفة راوا ان هذه
المهمة موكلة للفقهاء((402)).
اما التفسير الصوفي فانه يرتكز على المعنى الباطن للنص
القرآني. فقد راى اهل التصوف ان هناك اربعة مستويات لمعاني
الايات: العبارة، الاشارة، اللطائف والحقائق، فالاولى تختص
بعامة المسلمين، والثانية تختص باهل التصوف، والثالثة
بالاولياء والرابعة بالانبياء.
اول هذه التفاسير الصوفية واقدمها تفسير سهل التستري (ت
896م). يركز التستري على مقاطعر آيات منتقاة من القرآن
الكريم، ويسترعي الانتباه للعمق والتحذير اللذين تنطوي
عليهما الاية. وهذه الطريقة كانها التاثر والتاثير اللذان
يمارسهما الشيخ الصوفي على المريد السماع
والسلوك((403)). التفسير الفلسفي / العرفاني
1- ومع تطور الحياة وتشعبها وظهور التيارات الفلسفية والصوفية والعرفانية برز
التفسير الفلسفي، بوصفه منهجية من المنهجيات الوافدة، وقد حاول اصحابه اظهار
التوفيق مابين النص الديني - من مصدره الاول - والتاويل الانساني لانماط التعقل
الانساني، وبخاصة ما سمي بالحكمة، او التوفيق ما بين الفلسفة والدين.
ومنهجية التفسير الفلسفي تختلف كثيرا عن المنهجيات
الاخرى في التفسير. ابتدا هذا الاتجاه مع ابن سينا (ت
1037م)، كاشارات للتفسير العرفاني، وتطور مع الشيخ
ابن عربي (ت 1240م). آراء هذين المفسرين التي ابدياها
والمفاهيم التي وصلا اليها، وبخاصة في الوجود «والانسان
الكامل» ، والحقيقة المحمدية، كان لها الاثر البالغ على تفسير
اخوند صدرا العرفاني. والعرفان، كما هو واضح من نصوص
الملاصدرا، يعني افتراض ان هناك معنى باطنا للقرآن الكريم.
وهذا يفترض ايضا الغوص في معاني النص ومفاهيمه الاولية،
وهو ما يعني، في ما يعنيه، التاويل.
والتاويل، او العودة بالنص الى مفاهيمه ومعانيه الاولى، او
الاصول التي انطلق منها من حيث الدلالة والابعاد والغايات، لا
بد من ان ينشغل به اصحاب العقول والادراكات الذين وصلت
عقولهم الى مستوى الص فوة ر العقل المستفاد. هذه المرحلة،
يرى الشيخ الغزالي (ت 1111م) انها محصورة في طبقة خواص
الخواص، وفيها يصبح العقل قادراعلى المعرفة الشهودية
المباشرة من «المبدا الفعال» ومن دون وساطة((404)) وهذا
براي صدر الدين الشيرازي لا يتناقض مع النص الصريح. وهو
يقول: «فاعلم ان مقتضى الدين والديانة ان لا يؤول المسلم شيئا
من الاعيان التي نطق بها القرآن والحديث الا بصورها وهيئاتها
التي جاءت.. اللهم الا ان يكون ممن خصصه الله بكشف الحقائق
والمعاني والاسرار، واشارات التنزيل وتحقيق
التاويل...»((405)).
وتمشيا مع اعتقاده هذا، فقد الف صدر المتالهين العديد من
الكتب التي تفترض هذا المعنى العميق والباطن لايات القرآن
الكريم. من هذه الكتب، اضافة الى تفسيره الذي حققه محمد
خواجري مؤخرا في قم، اسرار الايات، ومفاتيح الغيب وشرح
اصول الكافي.
ملا صدر الدين الشيرازي، مجدد الفلسفة الاسلامية، كان الاول
من بين الكثيرين من اقرانه من الفلاسفة المسلمين، الذين
كرسوا عددا من كتبهم للتفسير الذي حاول التوفيق مابين
الحكمة والشريعة. هذه المنهجية الجديدة، في تناول النصين:
الفلسفي والديني المقدس، انتجت نمطا جديدا من الحكمة،
وقد اتيح له ان يحقق نجاحا، في هذا المجال، لم يتوفر لغيره
من الفلاسفة. فعلى يديه نضجت الفلسفة المتعالية، وبخاصة
عبر نظريتيه: اسبقية الوجود على الماهية، والحركة الجوهرية،
واخذ التفسير عنده شكلا ومنهجا جديدين لم يعرفهما من قبل،
فكان بذلك سباقا في الحقلين. هذا اضافة الى مزجه، الى ابعد
الحدود، بين المفاهيم الحكمية والنصوص القرآنية، بحيث لم
تعد تميز بين ما هوتفسير للدين الالهي الاصيل وبين ما هو
فلسفي شامل في الكون والحياة والانسان.
فالانسان الكامل والعارف والمتاله هو الفيلسوف الحكيم
المتعالي والموجود والجوهر. فلا النص اصبح بمعزل عن
النفس العاقلة ولا النفس العاقلة اصبحت خالية من
النص المفطور الانساني الاول. فالخلق والخليقة، والعقل
والمعقول، والصورة والموجود، ثنائيات تعانقت وحضرت في
الذهن والواقع، فاصبحت كيفا بلا آلات حسية، فضاع
الحسي المتغير والمتبدل والفاسد، وبقي المعقول الجوهري
والنفسي الابدي. منهجية صدر المتالهين في التفسير
منذ البداية لا يمكننا فصل تفسير صدر المتالهين عن التفسير الشيعي، من حيث ركونه
الى سنة اهل البيت(ع). فهو، اضافة الى القرآن والسنة النبوية الشريفة المنقولة عن
ائمة اهل البيت(ع) يستند الى تفاسير العارفين وآراء الفلاسفة في النفس والوجود،
ويناقشها، ويهفت ما ثبت ضعفه، ويثبت ما حسن شانه. ولقد كان شيخ الاشراق السهروردي
حاضرا في آرائه، وبخاصة في تفسيره لاية النور، على الرغم من مخالفته له في بعض
جوانب فلسفته بما يتعلق باسبقية الوجود. كما اشرنا، فان تفسير ملا صدرا الفلسفي ينتمي الى التفسير الشيعي الذي يفترض معنى باطنيا للنص القرآني، وهو لذلك يستند الى سنة اهل البيت(ع) بالاضافة الى المقولات الفلسفية والعرفانية. فالجانب العرفاني هو الصيغة الغالبة على تفسيره بشكل عام، وعلى باقي كتبه التي تتناول عمق هذه الموضوعات التاويلية((406)). ولهذا ايضا دلالة كبرى على عدم تناول ملا صدرا للايات المحكمات، تاركا ذلك لاصحاب التفسير «القشري»، كما يسميه، الذين يهتمون بشرح ظاهر النصوص، بينما اهل العرفان يهتمون بالجانب الباطني للنص. ملا صدرا لا يترك القارىء في حيرة من امره، فهو يوضح هذا الامر في بداية تفسيره:«اعلموا، ايها المعتنون بفهم معاني الكتاب، هداكم الله طريق الصواب، ان هاهنا ابحاثا لفظية، بعضها متعلق بنقوش الحروف وهيئاتها الكتبية وصور الالفاظ وصفاتها السمعية...وبعضها متعلق بمعرفة اوائل مفهومات اللغات المفردة والمركبة... وهذه كلها دون المقصد الاقصى والمنزل الاسنى... فاعلموا ان الكلام مشتمل على عبارة واشارة كما ان الانسان متالف الوجود من غيب وشهادة، فالعبارة لاهل الرعاية والاشارة لاهل العناية، فالعبارة كالميت المستتر في ط ي الاكفان، والاشارة كاللطيفة الذاكرة العارفة التي هي حقيقة الانسان، والعبارة من عالم الشهادة والاشارة من عالم الغيب. والشهادة ظل الغيب كما ان تشخص الانسان ظل حقيقته»((407)).
ملا صدرا لا يشغل نفسه بالعبارة انما بالاشارة، ويبتعد عن
الحروف ويذهب الى اعماق المعاني. في ما يتعلق بالاسم، عند
تفسيره للسورة الاولى (الفاتحة)، يقول: «اسم الاسم موضوع في اللغة للفظ دال على
معنى مستقل، لانه مشتق من السمة وهو العلامة، فكانه كان منقولا لغويا، نقل من مطلق
العلامة للشيء
الى علامة خاصة، وهو اللفظ الدال عليه بالاستقلال. ولما كان نظر العرفاء الى اصل كل
شيء وملاك امره من غير احتجابهم
بالخصوصيات ومواد الاوضاع كان الاسم عندهم اعم واشمل
من ان يكون لفظا مسموعا اوصورة معلومة او عينا
موجودا»((408)). وبما ان القرآن الكريم يحتوي كافة علوم الاوائل والتابعين، فان الله تعالى جمع في هذا الكتاب حال الانبياء(ع) واحوال الاولياء والسالكين. لهذا فان السر في نزول القرآن هوهداية العباد السالكين بالسمو نحو الكمال والعرفان، وافضل الطرق هو معرفة التاويل، لان فيها كمال معرفة كلمة الله العليا((409)). هذا بسبب العلاقة الخاصة بين الاولياءوالبيان القرآني، ولا يصدق هذا على الذين يعتقدون بالكلام الظاهر، فهؤلاء يهتمون بالقشور، بينما نور الله يضيء صدور اوليائه المخلصين وعقولهم. «والقرآن نور من انوار الله والحبل المتين»، وبه هداية السالكين لمن اراد الارتقاء من هذا «العالم الدنيوي» الى «عالم اليقين». واصدق مثال على تفسير ملا صدرا العرفاني هو تفسيره للايات (35:2-38)؛ حيث يتناول هبوط آدم وتعليمه الاسماء.
يؤول ملا صدرا هذه الايات بالحديث عن الخلق وغاية ايجاد
النفس ووظيفتها في هذا العالم والطريق الذي يلي في عملية
الصعود، فيذكر اربعة مقامات تمر النفس بها، وهي مرسومة
لحركتها في هذه الدنيا لنيل الفيض الالهي. الثالث: مقام التعلق، تعلق الروح بالبدن في عالم السماء الذي ياتي بعد عالم الاسماء. الرابع: مقام الهبوط، هبوط النفس الى العالم الارضي وتعلق النفس بالبدن المركب والثقيل. هذا العالم ركب من اضداد تولد العداوة والفساد.
مهمة النفس، في هذه الحال، تحرير ذاتها من هذه العلائق
لتعود الى طبيعتها الاولى((410)). ذلك ما تتوق اليه النفس،
وهذا ما امرت به قبل هبوطها: معرفة الاسماء قبل ان تهبط الى
هذا العالم. وفي هذا العالم عليها التقاط تجليات حقائق هذه
الاسماء ومعرفة كلام الله تعالى. تظهر تجلياتها للاسماء في عالم
الموجودات بوقوع الامر والنور الالهيين.ومن خلال القرآن،
الذي هو التجلي الواضح، يمكن معرفة الاسماء واشاراتها.
وهذا يتم بالذهاب الى ابعد مما يظهره هذا العالم المحسوس
للحواس الفانية، واشاراته التي تظهر ما وراء الحروف والكلمات،
وليس من خلال العقول ولا الحواس، انما من خلال الوجدان
والحدس تصل النفس الى كمالها وقدسيتها. عندها فقط
يستحق هذا الخليفة - الانسان - الثقة التي اكرمه الله بها.
ومنهجية ملا صدرا التعليمية هذه لا ترتكز على الحياة اليومية
العملية، بل تتعامل، وبمقدار كبير، مع العالم المخلوق وحقيقة
المعاد. بناء عليه، فانه ينغمس في تبيان الحقيقة الباطنة التي
تتجاوز حقيقة معتقدات الانسان العادي. ذلك ان العامة ترى
خيالات الموجودات الحقيقية وظلالها. لهذا فان الانفس يجب
ان لا تتعلق بما تعقله من طريق الحواس. المشاهدة الوجدانية التي تاتي عبر النور
الالهي، والتي تضيء قلب الانسان المؤمن،
بها يجب ان تتعلق ارواحنا حيث تعود لاصلها وتجد
ملاذها النهائي((411)). 2- ولعل اصدق مثال على منهجية ملا صدرا في التفسير والتاويل هو تناوله لاية النور، حيث يضع كافة عناصر فلسفته ومعارفه اللغوية الشفافة، الفلسفية، الكلامية، ومعرفته في العلوم الطبيعة، الجغرافيا والاقاليم، والتصوف وما بعد الطبيعة، باسلوب متميز عارضا فلسفته ومقولاتها الرئيسية في الوجود وتشكيكه ووحدته، والوجود الرباني النوراني. وتظهر الارسطية، وبخاصة في ما يتعلق بعلم النفس، والعرفانية المتاثرة بابن عربي، يدل هذا على غزارة علم ملا صدرا ومعرفته بعلوم القدماء ومعاصريه ايضا، علوم الدين والمعارف العقلية.
يقسم ملا صدرا تفسيره لاية النور الى مقدمة وستة فصول
وخاتمة. في المقدمة يتحدث عن التعريفات المتعددة للنور:
آراء العامة، آراء المحجوبين، وراي اهل الاشراق وكبارالصوفية. ملا صدرا يصرف النظر عن راي اصحاب التفسير الظاهري اللغوي، الذي يعتقد ان النور عرض حادث: كنور الشمس وغيره، وغيره من الاراء التي تتعامل مع الكلمة من ناحية المحسوسات والاجسام، وهو يعط ي مثالا على ذلك تفسير الزمخشري الذي يقول: ان «الله مثل نور». بالنسبة لملا صدرا ليس هناك من مكان لكلمة ان «الله مثل نور». هو النور، النور الحقيقي. ونور الانوار، كما يقول اهل الاشراق((412)). وهذا التعريف الاشراقي ابتدا مع الغزالي في تناوله للاية نفسها في كتابه مشكاة الانوار. ذلك ان الله تعالى هوالنور بذاته والذي يجعل الاشياء ترى. ملا صدرا، كاهل الاشراق، يقسم النور الى اربع كيفيات: النور الغني بذاته، المجرد والمحض. وهذا النور هو المسبب لباقي الانوار العرضية التي تصب على الاجسام.
كبار اهل التصوف مع انهم يوافقونه على ان النور حقيقة بسيطة، الا انهم يرون ذلك
جوهرا، وحجتهم هذه مستندة الى حديث منقول عن الصحابي ابن مسعود يساوي نورالسماوات
والارض بالنور الذي يضيء في قلب المؤمن. ملا صدرا لا يوافق
على هذا التفسير، وجميع الاستعارات والاستعمالات لا تقنعه
سوى ان الله هو «النور». فحقيقة الوجود وحقيقة النور واحدة.
والحقيقة تعتمد على هذا النور وتشككها (مراتبها ودرجاتها).
الموجودات التي نراها متغيرة وليست حقيقة. والمعنى
الباطني ان هذه الاجسام هي ظلال وتشخصات لصور محددة.
وهنا يتفق مع راي افلاطون بالنسبة لنظرية «المثل»، والتي
تقول بالوجود الاولي للصور الثابتة وغير الفاسدة((413)).
في الفصل الاول يشرح ملا صدرا نسبة الضوء للسماوات والارض. وجود اي شيء هو بنسبة تجليه من ناحية الماهية
والذات. الله تعالى انشا الانوار بذاته المنورة. هذا معنى الانشاء
البسيط. هناك مقابلة بين ذات اي موجود وذات الصانع. في
هذا الفصل يعرض ملا صدرا لنظريته في اسبقية الوجود على
الماهية. حيث يرى ان الماهية انشاء عقلي وليس لها وجود
حقيقي سوى في الذهن.
في الفصل الثاني يتابع ملا صدرا تاويله بالتركيز على الرموز
الاتية: «المشكاة»، «المصباح» و«الزجاجة». يقارب هذه الرموز
بالتاكيد على اهمية «الشهود»، «والحقيقة المحمدية» و«الاسماء
الالهية». فالنور هو الوجود الذي اضاء واحاط «بالانسان الكامل»،
محمد. والشهود لا يكون الا عبر الحقيقة المحمدية والضوء
المحمدي، وفي هذا التاويل مصداق لماذهب اليه المفسرون
الشيعة من ان المقصود بالمصباح والزجاجة والكوكب الدري،
حقيقة آل محمد(ص) وسنتهم، ثاني الثقلين. التوحيد المطلق
لا يمكن الاحاطة به وفهمه لامن خلال الكلمات (التعبير) ولا
من خلال التجربة. يعرف الله فقط من خلال اسمائه وتجلياتها.
لكل اسمر من اسمائه تعالى ر مظهران: الاول وجود محض
والثاني انعكاس وجودي للاول. فاذا كان المصباح هو النور
الحقيقي المحض اسم الجلالة، فالحامل لهذا النور الاسم
المحيط والكامل والذي يتمثل بالنبي(ص).
في هذه الحال، يصبح النور مساويا للوجود وحامله مساويا
للماهية. بناء عليه، يصبح المصباح الرمز المشترك ل «الله»
و«النبي». والفرق بين الاثنين في العلاقة كالفرق بين السيد
والعبد في العلاقة. والنبي يتلقى النور الرباني كالمرآة التي
تعكس ضوءها على الامة. وهذه حقيقة الشفاعة المحمدية. مع
هذا، فان ملا صدرا يحذر العرفاء من الخلط بين الوجود العرضي
والله.
وفي هذا السياق بالذات، يحضر ملا صدرا جميع المفردات
والاسماء! الرحمن، عالم الملكوت، القلم، الملاك جبرائيل، عالم
البرزخ، الاعراف، الجنة والنار، العقل المستفاد،والعقل بالفعل،
الاجسام المفارقة والفاسدة، والعرش، الملك، المعاد.. الخ.
وعند تفسيره ل «شجرة مباركة زيتونة»، يستبعد ملا صدرا ان
تكون هذه الشجرة من هذا العالم، لا من الشرق ولا الغرب؛
فلهذه الشجرة ابعاد فيزيقية وما بعد فيزيقية، وهي مجموع
عالم الاجسام. وهنا يتعمق ملا صدرا في تاويله حتى النهاية،
فيستعمل كل ما لديه من علم طبيعي، وبخاصة علم التشريح،
فيتحدث عن القلب وموقعه من جسم الانسان وتركيبه
واهميته. ومن ثم ينتقل الى النفس الانسانية والنفس الحيوانية
والعقول.
بعد هذا، يضع ملا صدرا آراء ابن سينا في «اشاراته»، حول
الموضوع نفسه، فيوردها كما هي: «واما التاويل الاخر فهو الذي
افاده الشيخ ابو علي بن سينا واوضحه شارح اشاراته (يقصد
العلامة الطوسي) وموضح تنبيهاته (قدس سرهما) منزلا على
مراتب النفس الناطقة في ارتقائها الى عالم الربوبية... فكانت
المشكاة العقل الهيولاني لكونها مظلمة بالذات... و«الشجرة
الزيتونة» هي القوة الفكرية ولا فكر لانها قابلة للنور بذاتها،
وكونها لا شرقية ولا غربية لكون الفكر يجري في المعاني الكلية
والمفهومات الذهنية، والقضاياالمعقولة ليست من غرب
الموجودات الحسية الهيولانية، ولا من شرق العقول الفعالة
القائمة بانفسها((414)).
و«الزيت» هو الحدس، و«نور على نور» هو العقل المستفاد، فان
الصور المعقولة «نور» والنفس القابلة لها «نور آخر». و«المصباح»
«العقل بالفعل» لانه منير بذاته، و«النار» هي «العقل الفعال لان
المصباح يشتعل منها».
وفي «كشف اشراقي» يؤول ملا صدرا كافة الرموز الواردة في
الاية بالقول: «ويمكن حمل «الشرق» و«الغرب» على الوجوب
والامكان، فان ذات الباري سبحانه مطلع انوارالوجودات وعالم
الامكان مغيب تلك الانوار، وفيه افول كواكب الحقائق
الاسمائية، فحينئذ ينبغي ان يراد ب«المشكاة» الطبيعة الكلية
السارية المختلفة في الاجسام، و«الزجاجة» النفس الكلية
المشفة في ذاتها القابلة للنور العقلي اتم قبول، و«الشجرة
الزيتونة» هي القدرة الالهية المتشعبة الى فنون ايجادات
الحقائق المختلفة حسب اقتضاءالاسماء الحسنى، وصور علم الله
المتقدمة على مظاهرها المختلفة وموجوداتها
المفصلة..»((415)).
وفي هذا التاويل / الفلسفي الرائع نجد مصداقا للفيلسوف الالهي
صاحب الحكمة المتعالية. فلم تغب عن ذهن ملا صدرا كافة
المعارف المتنوعة الا وصفها في تفسيره هذاموصلا العرفان
والفلسفة، الحكمة والشريعة، التصور والتصديق، الفيض
والاشراق، والعقول الارسطية المشائية. وبهذا يصح ان يسمى
صدر المتالهين مؤرخ الفكر الفلسفي والحكمي العام. ذلك انه
تميز بقدرته الفائقة على التعليم وعلى انتاج نظام فلسفي
شامل تجاوز فيه اقرانه من الفلاسفة والعرفاء ممن تقدم ومن
تاخر. فالبحث في طبيعة الاشياء واصولها لم يجعله دنيويا ولا
البحث في التاويل والتفسير جعله حروفيا. فهو قد فاق كانط في
نقده للعقل الخالص، كما انه تجاوز النظريات الحديثة في
الهرمنيوطيقاالتي اخذت شكلها العميق مع غادامر في
«الحقيقة والطريقة»((416)).
التشيع..، وحكاية ابن سبا الشيخ خالد اباذر العطية يستند الشيعة الامامية، في ايمانهم بالنص على امامة علي ابن
ابي طالب(ع) الدينية وتعيينه وصيا للنبي(ص)
وخليفة للمسلمين ووليا عليهم من بعده، الى نصوص كثيرة
يتفق المسلمون جميعا على روايتها، وان كان غير الشيعة
يتاولونهاعلى غير المعنى الذي تعتقده الشيعة فيها.
وبناء على ما تعتقده الشيعة الامامية، في هذه النصوص، يكون
من الطبيعي ان تظهر عقيدة التشيع والقول بوصاية علي(ع)
وامامته في عهد النبي(ص) نفسه، ويؤمن بذلك من الصحابة
من كانوا يوالون عليا(ع) ويعتقدون باستحقاقه وجدارته
لمنصب الامامة والوصاية ويعرفون لاجل ايمانهم هذا بانهم
شيعة علي(ع).
وتؤكد هذه النظرية الصحيحة في نشاة التشيع وولادة مصطلح
«شيعة» بعض النصوص المروية عن النبي(ص) في كتب اهل
السنة، منها: ما رواه الطبري، في تفسيره، عن محمد بن علي، ونحوه ابن حجر في الصواعق المحرقة عن ابن عباس، والسيوط ي في الدر المنثور عن علي(ع)، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن علي(ع) ايضا، قال محمد بن علي: |