لما نزلت الاية «ان الذين امنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية).. قال رسول الله(ص): «انت يا علي وشيعتك»((417)).

ومنها: ما رواه ابن عساكر في تاريخه((418)) عن جابر بن عبدالله، قال: كنا عند النبي(ص) فاقبل علي(ع)، فقال النبي(ص): «والذي نفسي بيده، ان هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة»، فنزل قوله تعالى: «ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية».

ومنها: ما رواه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب عن جابر، قال: كنا عند النبي(ص)، فاقبل علي بن ابي طالب(ع) فقال النبي(ص): «قد اتاكم اخي، ثم التفت الى الكعبة فضربها بيده، ثم قال: والذي نفسي بيده، ان هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة..» (الحديث) ((419)).

اضافة الى هذه النصوص وغيرها اشار ابوحاتم الرازي في كتاب: «الزينة في الكلمات الاسلامية العربية»، بقوله: «ان اول اسم لمذهب ظهر في الاسلام هو الشيعة، وكان هذا لقب اربعة من الصحابة: ابوذر، وعمار، ومقداد، وسلمان الفارسي...»((420)).

كما ان مصطلح «الوصي» ظهر، ايضا، على السنة الصحابة وشاع في كلامهم واشعارهم، ولا تفسير لذلك بالطبع الااحاديث الوصية التي سمعوها من النبي(ص).

فمن ذلك وصف عبدالله بن عباس عليا(ع) لمعاوية بانه «سيد الاوصياء»((421)).

ومنه ايضا قول حذيفة بن اليمان لما بلغه ان عليا(ع) قدم ذا قار: «الحقوا باميرالمؤمنين، ووصي سيد المرسلين»((422)).

وقول ابي الهيثم بن التيهان:
ان الوصي امامنا وولينا
برح الخفاء وباحت الاسرار

وغير ذلك مما جمع بعضه ابن ابي الحديد وافرد له فصلا في شرح النهج((423)).

غير ان مخالفي الشيعة حاولوا، منذ عصور الخلاف الاولى بين المسلمين، ان يربطوا نشاة التشيع ببعض الاحداث المتاخرة عن عصر النبي(ص)، او يردوه الى اصول ومصادر غير اسلامية. ومن اكثر تلك المحاولات امعانا في المخالفة والخصومة، واشدها اغراقا في الخيال ومجافاة لمنطق التاريخ القول: ان التشيع اسسه رجل يهودي من اهل اليمن اسمه عبدالله بن سبا!

وقد اشتهر هذا القول عند معظم باحثي اهل السنة قديما وحديثا اضافة الى بعض المستشرقين، وتلقوه جميعا بالقبول والتسليم من دون نقد لسنده او تدبر في امارات الوضع والاختلاق البادية على مضمونه حتى اضطلع بذلك، منذ اواخر العقد الخامس من القرن الماضي الميلادي العشرين، بعض الباحثين المحققين من السنة والشيعة على حد سواء، حيث كشفوا عن مصدر هذه الحكاية، وبينوا انه محصور براو واحد كذاب معروف عند ائمة الجرح والتعديل بالوضع ومتهم عند بعضهم بالزندقة((424))، وهو سيف بن عمر التميمي. كما كشفوا ان اول من روى عنه ذلك ضمن جملة روايات اخرى تخص حروب الردة واحداث مقتل عثمان بن عفان ومواقف معاوية من الامام علي(ع) وبعض الصحابة الواملين له كابي ذر الغفاري وعمار بن ياسر هو الطبري((425))، وعن هذا الاخير نقل سائر من تاخر عنه من المؤرخين وكتاب الفرق كابن عساكر والذهبي والبغدادي والشهرستاني..

وقد اخضع هؤلاء الباحثون المحققون مرويات سيف، بصفة عامة، لداراسات وبحوث معمقة مستفيضة لم تدع مجالاللشك في وضعها واختلاقها من لدن خصوم الشيعة والعاذرين كذلك معاوية واصحاب الجمل في وضعها واختلاقها من لدن خصوم الشيعة والعاذرين الخليفة الثالث عثمان في موقفه من بعض الصحابة الناقمين على سياسته، والعاذرين كذلك معاوية واصحاب الجمل في مواقفهم من الامام علي(ع) بصفة عامة، وان عبدالله بن سبا نفسه كما يقول احداصحاب هذه الدراسات((426)) لم يكن غير «شخصية وهمية لم يكن لها وجود، فان وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد انه لم يقم بالدور الذي اسنده اليه سيف واصحاب كتب الفرق لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة»((427)).

وتفصيل ذلك موكول الى محله من تلك الدراسات((428)).

ولكن مؤلف كتاب «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه»، الذي طبع قبل بضع سنوات في لندن ومن ثم في بيروت، خرج على الباحثين بزعم شاذ غريب خالف فيه الثابت والمعروف في انحصار مصدر حكاية تاسيس عبدالله بن سبا للاعتقاد بامامة علي بن ابي طالب(ع) والوصية له من النبي(ص) بسيف، فنسب القول بذلك ايضا الى مؤرخي الشيعة الاماية الاوائل!حيث قال: «يسجل المؤرخون الشيعة في عهد الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب(ع) على يدي المدعو (عبدالله بن سبا) الذي يقولون: انه كان يهوديا واسلم، والذي يقول النوبختي عنه: انه اول من شهر القول بفرض امامة علي، بعد رسول الله، واظهر البراءة من اعدائه وكاشف مخالفيه واظهر الطعن على ابي بكروعمر وعثمان والصحابة» ((429)).

وحقيقة الامر ان ما انطوى عليه هذا الكلام ليس الا «توليفة» صنعها مؤلف الكتاب المذكور (احمد الكاتب)، وركبها في خياله من رواية سيف التي اشرنا اليها، ومن فقرة عن ابن سبا وردت في بعض كتب علماء الشيعة الذين ذكر اسماءهم اقتطعها من سياقها، ثم عمد الى تحريفها وصياغتها على هواه وبالنحو الذي يتقق مع رواية سيف.

ومن اجل ان يتبين القارئ ذلك كله بنفسه ويقف على حقيقة ما فعله «الكاتب» بكلام مؤرخي الشيعة سنذكر، اولا، رواية سيف المتعلقة بمحل البحث، كما جاءت في مصدرها الاول، ثم نذكر بعد ذلك الفقرة الاصلية التي حرفها «الكاتب» وتلاعب بها من كلام مؤرخي الشيعة، حسبما وردت في كتبهم، وتقارن دلك كله بما فعله «الكاتب» وولفه منهما معا. ثم نختم اخيرا بذكر النص الذي يمثل الراي الثابت والمعروف عند مؤرخي الشيعة الاوائل بخصوص نشاة التشيع والذي لايمكن افتراض غفلة «الكاتب» عنه لانه مذكور، بوضوح وتفصيل، في كتبهم نفسها التي رجع اليها واحال اليها في الهامش.

روى الطبري، في اول اخبار سنة خمس وثلاثين للهجرة: «عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبدالله بن سبا يهوديا من اهل صنعاء، امه سوداء، فاسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدا بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام. فلم يقدر على ما يريد عند احد من اهل الشام، فاخرجوه حتى اتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم في ما يقول: لعجب ممن يزعم ان عيسى يرجع ويكذب بان محمدا يرجع، وقد قال الله عزوجل: «ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد» فمحمد احق بالرجوع من عيسى، قال فقبل ذلك نبي وصي، وكان علي وصي محمد. ثم قال: محمد خاتم الانبياء وعلي خاتم الاوصياء. ثم قال بعد ذلك: من اظلم ممن لم يجز وصية رسول الله(ص) ووثب على وصي رسول الله(ص) وتناول امر الامة؟ ثم قال لهم بعد ذلك: ان عثمان اخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله(ص) وتناول امر الامة؟ ثم قال لهم بعد ذلك: ان عثمان اخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله(ص) فانهضوا في هذا الامر فحركوه وابداوا بالطعن على امرائكم، واظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم الى هذا الامر»((430)).

تلك هي الرواية التي تحدثت عن احداث ابن سبا القول بالوصية لعلي(ع).

اما الفقرة التي اقتطعها «الكاتب» وحرفها من كلام مؤرخي الشيعة الامامية الاوائل، وزعم انهم قد سجلوا فيها «اول تطورظهر في صفوف الشيعة في عهد الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب(ع)»، فقد وردت في المصدر الذي احال اليه، وهو كتاب «فرق الشيعة» للنوبختي ضمن النص الاتي:

«فلما قتل علي(ع) افترقت الفئة التي ثبتت على امامته وآنهافرض من الله عزوجل ورسوله(ص)، فصاروا فرقا ثلاثة:

فرقة منهم قالت: ان عليا لم يقتل ولم يمت، ولايقتل ولايموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملا الارض عدلا وقسطا،كما ملئت ظلما وجورا، وهي اول فرقة قالت في الاسلام بالوقف بعد النبي(ص) من هذه الامة، واول من قال منها بالغلو، وهذه الفرقة تسمى «السبائية»، اصحاب عبدالله بن سبا، وكان ممن اظهر الطعن على ابي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرا منهم، وقال: ان عليا(ع) امره بذلك، فاخذه علي فساله عن قوله هذا فاقر به فامر بقتله، فصاح الناس اليه: يا اميرالمؤمنين اتقتل رجلا يدعو الى حبكم اهل البيت والى ولايتك والبراءة من اعدائك، فصيره الى المدائن. وحكى جماعة من اهل العلم من اصحاب علي(ع): ان عبدالله بن سبا كان يهوديا فاسلم ووالى عليا(ع)، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى(ع) بهذه المقالة، فقال في اسلامه بعد وفاة النبي(ص) في علي بمثل ذلك، وهو اول من شهر القول بفرض امامة علي(ع)، واظهر البرائة من اعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: ان اصل الرفض ماخوذ من اليهودية»((431)).

ونحو ذلك ورد ايضا في كتاب «الفرق والمقالات» للاشعري القمي((432)) ثاني المؤرخين الثلاثة الذين ذكرهم «الكاتب». اما ثالثهم، وهو الكشي، فقد ذكر تلك الفقرة بعد عدة روايات نقلها عن ائمة اهل البيت(ع) تحدثوا فيها عن غلو عبدالله بن سبا في امير المؤمنين(ع) بادعائه الربوية فيه، وقد وردت بهذا النص:

«ذكر بعض اهل العلم ان عبدالله بن سبا كان يهوديا فاسلم ووالى عليا(ع)، وكان يقول، وهو على يهوديته، في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في اسلامه بعد وفاة رسول الله(ص) في علي مثل كذلك... الخ»((433)).

ولدى مقارنة ما ورد في هذه النصوص بما نقله «الكاتب» منها بصفة عامة ومن نص النوبختي بصفة خاصة، يتبين لناوجود تحريفين اساسيين في نقله:

الاول: ان «الكاتب» نسب مضمون الفقرة التي اقتطعها من كتاب النوبختي الى النوبختي نفسه، بينما الصحيح ان النوبختي حكى مضمون تلك الفقرة عن «جماعة من اهل العلم».

الثاني (وهو الاهم): ان ما حكاه النوبختي عن جماعة من اهل العلم هو: «ان عبداللهبن سبا كان يقول، وهو على يهوديته، في يوشع بن نون بعد موسى بهذه المقالة فقال في اسلامه بعد وفاة النبي(ص) في علي بمثل كذلك».

واذ رجعنا الى اول كلام النوبختي عن فرقة «السبئية» الذي نقلنا آنفا نصه والى كلام الاشعري ايضا وجدنا فيهما تفصيل هذه «المقالة» التي احدثها ابن سبا في علي(ع)، وهي: انه «لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت..»، وأنها لم تكن سوى «الغلو» فيه، كما وصفت في هذا الكلام، وكما وصفها بذلك الكشي صراحة في النص الذي حكاه عن بعض اهل العلم، وفصلها وروى ما يتعلق بها من احاديث اهل البيت(ع) في كتبه الذي اختصره الشيخ الطوسي.

فهذا هو القول الذي احدثه عبدالله بن سبا في علي ان صح ما حكاه عنه بعض اهل العلم الذين اشار اليهم النوبختي وغيره من مؤرخي الشيعة الامامية ولكن «الكاتب» خالف الامانة العلمية في نقله وحرف ما حكاه النوبختي عن بعض اهل العلم اولئك ليجعله متفقا مع ما ورد في رواية الراوي الوضاع المتهم بالزندقة سيف بن عمر، من ان ابن سبا هو من احدث القول بالوصية لعلي(ع) فنقله بالالفاظ الاتية:

«وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصيا لموسى، فقال كذلك في اسلامه في علي بعد رسول الله(ص)».

وهذا في الواقع من اشنع ما يمكن ان يفعله باحث يجر النار الى قرصه لان افتضاحه سهل ميسور، ولكن اصحاب الاهواءيعمون عن رؤية اوجه القبح والشناعة في ما يهوون.

بقي اخيرا ان نذكر نص كلام مؤرخي الشيعة الاوائل الذين اشار اليهم «الكاتب»، والذي يمثل رايهم الصحيح في نشاة التشيع والقول بالوصية لعلي، وهو موجود في المصادر التي زعم «الكاتب» انه نقل رايهم منها:

قال الاشعري القمي وكذلك النوبختي:

«فجميع اصول الفرق كلها الجامعة لها اربع فرق: الشيعة والمرجئة والمعتزلة والخوارج.
فاول الفرق «الشيعة»، وهي فرقة علي بن ابي طالب، رضوان الله عليه، المسمون شيعة علي في زمان النبي(ص) وبعده معروفون بانقطاعهم اليه والقول بامامته، منهم المقداد بن الاسود الكندي، وسلمان الفارسي، وابوذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمار بن ياسر المذحجي، المؤثرون طاعته، المؤتمون به، وغيرهم ممن وافق مودته مودة علي بن ابي طالب، وهو اول من سموا باسم التشيع من هذه الامة، لان اسم التشيع قديم، شيعة نوح وابراهيم وموسى وعيسى والانبياء(ع) فلما قبض الله نبيه(ص) افترقت فرقة الشيعة فصاروا في المامة ثلاث فرق:
فرقة منهم قالت: ان علي بن ابي طالب امام ومفروض الطاعة من الله ورسوله بعد رسول الله(ص) بوجوب على الناس القبول منه والاخذ منه لا يجوز لهم غيره، من اطاعه اطاع الله، ومن عصله عصى الله لما اقامه رسول الله علما لهم واوجب امامته وموالاته وجعله اولى بهم منهم بانفسهم، والذي وضع عنده من العلم ما يحتاج اليه الناس من الدين والحلال والحرام، وجميع منافع دينهم ودنياهم ومضارها، وجميع العلوم كلها جليلها ودقيقها، واستودعه ذلك كله واستحفظه اياه، وانه استحق الامامة ومقام النبي(ص)، لعصمته وطهارة مولده وسبقه وعلمه وشجاعته وجهاده وسخائه وزهده وعدالته في رعيته، وان انبي(ص) نص عليه واشار اليه، باسمه ونسبه، وعينه وقلد الامة امامته، واقامه ونصبه لهم علما، وعقد له عليهم امرة المؤمنين، وجعله وصيه وخليفته ووزيره في مواطن كثيرة، اعلمهم ان منزلته منه منزلة هارون من موسى، الا انه لا نبي بعده، واذ جعله نظير نفسه في حياته، وانه اولي بهم بعده، كما كان هو(ص) اولى بهم منهم بانفسهم، اذ جعله في المباهلة كنفسه، بقول الله: «وانفسنا وانفسكم»، ولقول رسول الله(ص) لبني وليعة: لتنتهن بابني وليعة او لابعثن اليكم رجلا كنفسي يعصاكم بالسيف، ومقام النبي(ص) لا يصلح من بعده الا لمن هو كنفسه،والامامة من اجل الامور بعد الرسالة، اذ هي فرض من اجل فرائض الله. فاذا لا يقوم الفرائض ولا يقبل الا بامام عدل.
وقالوا: انه لابد مع ذلك من ان تكون تلك الامامة دائمة جارية في عقبه الى يوم القيامة، تكون في ولده من ولد فاطمة بنت رسول الله، ثم في ولد ولده منها يقوم مقامه ابدا، رجل منهم معصوم من الذنوب، طاهر من العيوب، تقي نقي، مبرامن الافات والعاهات في الدين والنسب والمولد، يؤمن منه العمد والخطا والزلل، منصوص عليه من الامام الذي قبله مشار اليه بعينه واسمه. الموالي له مؤمن ناج والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه وليجة ضال مشرك، وان الامامة جارية في عقبه على هذا السبيل ما اتصل امر الله ونهيه ويزم العباد التكليف»((434)).

وصفوة النتيجة التي نريد ان نخلص اليها ونؤكدها في ضوء جميع ما تقدم، ان «الكاتب» قد صرف كلام مؤرخي الشيعة الاوائل الذين ذكرهم، وساقة على نحو يفهم منه عبدالله بن سبا هو اول من قال باستحقاق الامام علي بن ابي طالب(ع) للامامة على اساس التعيين والوصية له من النبي(ص)، وبهذا يكون التشيع لعلي(ع)، بهذا المعنى، امرا مستجدا في عهده ولم يكن معروفا في عهد النبي(ص) ولا في عهد صحابته الاولين. غير ان النص الصحيح لكلامهم، وعلى وجه التحديد نص كلام النوبختي الذي استشهد به «الكاتب» وزعم انه ينقله عنه بلفظه، وكذلك نص كلامه الاخر الذي امردناه آنفا والذي ارخ فيه لنشاة «فرقة الشيعة»، يثبتان عكس ذلك من عدة جهات:

الاولى: ان النص الصحيح لكلام النوبختى يتضمن ان ابن سبا هو اول من غلا في حق علي(ع) وقال فيه بالرجعة بوصفه وصي النبي(ص)، تماما كما كان يقول ذلك في حق يوشع بن نون وصي موسى(ع) حينما كان على دين اليهودية قبل ان يسلم.
فالقول بالرجعة هو الحادث وليس القول بالوصية.

الثانية: ان واقعة ابن سبا هذه على فرض صحتها تدل على ان ابن سبا استفاد من فكرة الوصية، وآنهاكانت معروفة في زمنه فوظفها في مقولته الحادثة، ورتب عليها لازمها بحسب عقيدته اليهودية السابقة التي غلا فيها يوشع بن نون، وصي موسى، فقال برجعته.

الثالثة: ان كتاب النوبختي الذي رجع اليه «الكاتب» يتضمن وجود التشيع قبل زمان ابن سبا ويؤرخ لظهور القول بامامة علي وابنائه(ع) في عهد النبي(ص) نفسه، ويشير الى حادثة ابن سبا وغلوه في علي(ع) بوصفها انشقاقا وخروجا على الخط العام للتشيع.

والحمدلله رب العالمين، وصدق حيث يقول في كتابه الكريم: «فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» [الحج/46].

تاسيس تيار الزهد الاسلامي
في الثقافة العربية الاسلامية

د. زهير غزاوي

نشاة التيار

الزهد في الدنيا تاسس تيارا فكريا عقلانيا في الثقافة العربية منذ الف واربعمئة عام، فقد نشا على يد الامام علي بن ابي طالب(ع) ليصبح عنده، وعند النخب الثقافية العربية الاسلامية، فلسفة متكاملة الاركان، اصيلة الانتماء للمؤسس، وبخاصة ما امكن اعتباره قاعدة لهذا الفكر مما ورد في كتاب «نهج البلاغة»، هذا الكتاب الذي يمكن عده الاعمال شبه الكاملة للامام علي(ع) ووصفه الجامع (الشريف الرضي، المتوفى عام 406ه) بانه مختارات من نتاج الامام علي(ع) يحتوي على الاسس العقلية للزهد بما يجعل منه فكرا قبل ان يكون سلوكا في الحياة.

يرتبط الزهد بالعقل، ولهذا تحول الى فلسفة لها جانباها: النظري والتطبيقي.

الجانب النظري

فالجانب النظري، لدى الامام، يتمثل في نصوص محورها تحليل طبيعة الحياة الدنيا، والحب بالله سبحانه، لانه المرجع الاخير والاكمل. وهذه النصوص ترقى الى الذروة العليافي البلاغة الادبية، وقد انتقلت الى تلاميذه واتباعه لتثمر شعرا ونثرا.

في نهج البلاغة نجد ابرز ما قدمه الامام(ع) حول الزهد في الدنيا، في ما اشتملت عليه خطبتاه (62 و63) ونقتبس منهما ابرز ما يميز منهجه العقلي في هذا المجال. يقول الامام(ع) عن الدنيا: «ابتلي الناس بها فتنة فما اخذوه منها لها اخرجوا منه وحوسبوا عليه، وما اخذوه منها لغيرها قدموا عليه واقاموا فيه، فانها عند ذوي العقول كفيء الظل، بينما تراه سابغا حتى قلص، وزائدا حتى نقص»((435)).

تشبيه الدنيا بالظل، وتكوين صورة شفافة حوله للمقارنة وترسيخ فكرة النقصان الدائم والسريع الذي يتصف به، هو ما اتصف به نثر الامام في دمجه للمنطلق العقلي الجامدبالصور الشعرية، ليكون اقرب الى الاقناع، يلامس القلب والعاطفة والعقل جميعا. وعندما يصر الامام(ع) على مخاطبة اصحاب العقول، فهو يقارب النخب غالبا، لهذا ظل الزهد عمليا فكر النخبة نظرا وسلوكا. اما لماذا النخبة تحديدا رغم انه يتوجه في مجال السلوك والحكم الى غالبية الناس، فلان العقلنة وثقافتها هي بالقطع منهج هذه الشريحة الاجتماعية التي تقود المجتمع وتصبح بفكرها وسلوكها القدوة الصالحة، وهو ما سعى اليه الامام علي بن ابي طالب(ع) في مجمل نصوصه الفكرية.

تطور التيار

فلسفة الزهد كان لها ان تتطور الى ما عرف بتيار التصوف الاسلامي الذي تاسس انطلاقا من النصوص نفسها ايضا، وحملته نخب من كبار المفكرين، ولكن ذلك لم يتح له الوجود الا بعد نضج تيار الزهد بزمن، ناهيك ببروز عصر الترجمة عن التراث العالمي: هنديا ويونانيا. اما الزهد فقد استمر طاغيا، طوال القرن الاول الهجري، تيارا عربيا في بواكير النهضة الفكرية العربية. وفي الخطبة (64) التي يحث فيها المرء على المبادرة الى صالح الاعمال، يقول الامام واصفا اصحاب العقول:

«وعلموا ان الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فان الله لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى، وما بين احدكم والجنة والنار الا الموت ان ينزل به. وان غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة، لجديرة بقصر المدة، وان غائبا يحدوه الجديدان: الليل والنهار، لحري بسرعة الاوبة»((436)).

لا يسعى هذا الفكر الى صرف الانسان عن الدنيا، ولا يدعو الى الانسحاب والسلبية، وانما يوضح الغائية الكامنة وراء الحياة نفسها، ويصر على ان تكون في اطار اعتقاد بجدوى القيم الاخلاقية في بناء المجتمع، ومن خلال التاكيد على الغائية، يتحول الزهد الى تيار سياسي وتكون له مدارسه اللاحقة وشهداؤه، وهنا يمكن الاشارة الى بعض الاتجاهات الفكرية التي برزت في هذا التيار، بما في ذلك ما تحول منها الى التصوف:

اتجاهاته

الكيسانية - القدرية، نشات اواخر القرن الاول الهجري، واسسها كل من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي وعمرو المقصوص - الجهميّة - اشراقيَّة السَّهْرَوَرْدي - وحدة الوجود لابن عربي - اخوان الصفا في القرن الثاني الهجري - ابن سينا في القرن الرابع الهجري ونظريته حول الوجود والماهية... وغيرها.

على قاعدة التاسيس نفسها تميزت فلسفة الزهد من مدرسة علم الكلام والفلسفة العربية الاسلامية المحضة وتياراتها. ورغم الجذور الاجتماعية للفكر الفلسفي العربي، فانه،في بواكيره، لم ينبت من رحم تلك الظروف، بل انه كان مدرسة معرفية تعود للمؤسس (علي بن ابي طالب) في فهمه للايديولوجيا الاسلامية وعقلنة اصولها، حتى ان علم الكلام نفسه استند الى فهمه ذاك عبر نصوص الامام(ع) الشهيرة في النهج، وباعتراف اساطينه المشهورين كواصل بن عطاء والنظام وابن ابي الحديد والقاضي عبد الجبار الهمذاني في كتابه «طبقات المعتزلة».

من عناصر رؤيته:

جوهر الدنيا
في جوهر تحليله لمكونات الحياة الدنيا معرفيا، دفعا باتجاه الزهد فيها لغاية انتهاج سلوك اخلاقي عبر السمو عن التفاهة والاعتيادي فيها، بما لا يوائم عظمة العقل الانساني، يقول الامام في خطبته (82): ما اصف من دار اولها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاهافاتته، ومن قعد عنها واتته، ومن ابصر بها بصرته، ومن ابصر اليها اعمته..»((437)).

جوهر الدنيا يستند الى التناقضات التي هي اسس التفكير العقلاني المستند الى الجدل الذي اصبح، في ما بعد، اساسا لفلسفات عصر النهضة الاوروبية. هذا الجدل، بوصفه عملية تعقل في التفكير والتامل معا، يؤدي الى فهم الطبيعة وغاية الحياة الدنيا، وهو ما اراد الامام(ع) التعبير عنه في مجمل نصوصه حول الزهد.

ترويض النفس والايجابية
يتجلى الزهد في الذات حالة فردية تنحو الى ان تتحول تيارا اجتماعيا من خلال الفلسفة التي يستند اليها، وفي حالة تبني شرائح اجتماعية واسعة لهذا الفكر يمكن لها ان تتبلور في جهد اصلاحي يتمثل في السلوك المجتمعي باكمله، وهذا ما سعى اليه عندما قال، في الخطبة (81):

«الزهادة قصر الامل، والشكر عند النعم، والتورع عند المحارم، فان عزب ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم، ولا تنسوا عند النعم شكركم، فقد اعذر الله اليكم بحجج مسفرة ظاهرة، وكتب بارزة العذر واضحة»((438)).

هذا التبشير الاخلاقي يسعى الى جعل القيم الاخلاقية قانون المجتمع، وذلك عبر توصيف المال والسعي اليه، ومعه متع الدنيا، بانها تؤدي الى انتهاك تلك القيم، وان افضل مايسلكه العاقل هو ضبط نفسه امام الاغراء الذي يؤدي الى الفساد الاجتماعي. الصبر شعار ضبط النفس وشكر المنعم (وهو الله) يؤدي الى استخدام المال والسلطة (وهو مالخصه الامام بالنعم) في مجالهما الصحيح، خدمة للمجتمع. وبهذا يكون الشكر حالة ترويضية لتقوية الارادة، فالصبر والشكر اساسا هذا الترويض، لهذا لم يكن التيار في جوهره اعتزاليا للدنيا ولممارسة اداء الواجب المنوط بالانسان فيها.

تحقيق الغاية من الدنيا
فهم الدنيا اذن هو عقلنة ربطها بالغاية منها، ويصبح الهدف من السلطة ومن السعي اليها، بهذا الاعتبار، مجرد تحقيق الغاية الرئيسية، وهي خدمة الغالبية العظمى من الشعب. هواذن فكر ايجابي يتمثل في غاية اساسية ذكرها الامام(ع) في «الخطبة الشقشقية» عندما قال: «اما والذي فلق الحبة وبرا الن سمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجودالناصر، وما اخذ الله على العلماء ان لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لالقيت حبلها على غاربها...»((439)).

الوصول الى سدة الحكم، بالنسبة للزاهد، وهو ما عليه ان يسعى اليه، هدفه منع الظالم من ممارسة ظلمه وتلبية حاجة المظلوم، لهذا كان الزهد في الفكر العربي الاسلامي ترويضا للنفس على تمثل قيمة العدالة، بكل ما تعنيه من جهد ومحاربة للنزعات الانسانية باتجاه الثروة والسلطة باعتبارهما الغاية بحد ذاتهما وليس خدمة الجماهير.

وقد فسر الامام علي بن ابي طالب(ع) ذلك بوضوح (في الخطبة 131) قائلا: «... اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، فيامن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك...»((440)).

حالة ثورية
من هنا يبدو الزهد حالة ثورية في زمن تدفق الثروة على المجتمع العربي عقب الفتوحات الكبرى، تتمثل في ان تستخدم السلطة والمال في مكانهما الصحيح، عبر تولي الزهاد السلطة والقيام على تربية المجتمع على فهم الغاية من ثنائية الحياة (المال والسلطة) في جوهر الايديولوجيا الاسلامية، وبهذا يمارس الفرد في المجتمع كماله الانساني وسموه العقلي بفهم الواقع سعيا لممارسة تغييره، وليس التكيف معه بافرازاته الانحرافية التي تؤدي الى تعميم الظلم الاجتماعي.

من هذا المنطلق، رفضت فلسفة الزهد، كما اسسها الامام علي(ع) جميع مظاهر الانسحاب والاتكالية وترك العمل والانتاج، وتمثل ذلك بجلاء من خلال صياغات بارعة للدعاءالمنسوب اليه، والذي اصبح (اي الدعاء) صنفا ادبيا رائعا في الفكر العربي، احتوى فلسفة الحياة بابعادها جميعها، ووجدناه لدى جميع رموز هذا التيار الشهيرين في القرون التالية: «اللهم صن وجهي باليسار، ولا تبذل [تبتذل] ج جاهي بالاقتار، فاسترزق طالبي رزقك [رفدك]، واستعطف شرار خلقك، وابتلى بحمد من اعطاني، واُفْتًتًن بذم من منعني، وانت من وراء ذلك كله ولي الاعطاء والمنع»((441)).

بل ان الامام يقول: «افضل الزهد اخفاء الزهد»((442)) ليحدد باجلى صورة طبيعة هذا السلوك الايجابية وربطه بترويض الذات على العدالة والعمل لصالح الفرد من خلال الجمهور.

الجانب التطبيقي
في المجال التطبيقي لتيار الزهد، في ايجابيته وجانبه الترويضي والمعرفي ايضا، يمكن لنا تقديم نماذج مهمة برزت في التاريخ العربي، وكانت مثالا لتحول التيار الى رافعة حضارية حقيقية بمختلف اقنيته. فقد تاسس في القرن الثالث الهجري تجمع نخبوي من الزهاد المفكرين اطلقوا على انفسهم «اخوان الصفا»، ومارس هذا التجمع تاثيره في المجتمع سلوكيا ومعرفيا وتحول انتاجه المعرفي - رغم سرية التنظيم - الى ابرز معالم ذلك القرن.

اما بالنسبة للقرن الاول الهجري (اي في زمن المؤسس الامام علي(ع) ) فقد قسم الباحثون، ومن ابرزهم «النوبختي»، اتباع هذا التيار الى قسمين، وجمعيهم مشهورون بالفكر والزهد معا.

القسم الاول: اصحاب السلوك السلبي
اتصف اتباع هذا القسم بالتشوش امام المشكلات السياسية الطارئة في المجتمع العربي بعيد رحيل رسول الله(ص) واختاروا السلوك السلبي وعدم المشاركة في التغييرالاجتماعي، وهم الذين وصفهم الامام علي في حكمته الشهيرة: «خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل»((443)).

ويقدم المؤرخ نماذج من اسمائهم عبر افكارهم مثل: عبدالله بن عمر ومحمد بن مسلمة الانصاري واسامة بن زيد وحسان بن ثابت (شاعر الرسول) وعبدالله بن سلام وسعد بن ابي وقاص.. وغيرهم.

استند اشهر ممثلي هذا التيار (سعد بن ابي وقاص)، في تسويغه للحيادية، الى حديث نبوي يقول: «اذا اختلف الناس اخرج بسيفك فاضرب به عرض الجدار، فاذا انقطع آت منزلك لا تبرحه حتى تاتيك يد خاطية او منية قاضية». ومع ذلك فان الانقسام بحد ذاته ابرز جانبا ايجابيا على صعيد النتاج الفكري، وجعل من السلبية نفسها فلسفة طغت على الزهد حتى انها حرفته عن الاتجاه الذي سعى اليه المؤسس الامام علي(ع) واشتهر من ابرز فلاسفته الزاهد الشهير الحسن البصري، صاحب فلسفة ذم الدنيا ورفضها، بنصوصه الشهيرة عن الحزن والفجيعة ترضيا لحال المجتمع العربي في تلك المرحلة.

القسم الثاني: اصحاب السلوك الايجابي
ضم هذا القسم عددا من الصحابة والمحدثين يمثلهم عمار بن ياسر، ومعروف عن هذا المناضل المثابر حتى استشهاده انه عندما قتل، في معركة صفين، كان قد تجاوز التسعين من عمره، مقدما خلال مسيرة حياته اجمل ما قيل من نصوص عن الزهد والايجابية والعمل في سبيل نصرة الحق.

لهذا نجد في قول احد ابرز المستشرقين تلخيصا للمرحلة من خلال هذا النص: «ان الميل الى الزهد كان مرتبطا بالثورة على السلطة القائمة او اعتزالها».

الزّهد والسعادة

يحلو لبعض الباحثين مقارنة نتاج فكر الزهد العربي بالتيارات المشابهة في الفلسفة اليونانية (الابيقورية، الرواقية، الافلاطونية الجديدة)، ذلك انهم وجدوا تقاطعات في المضامين مثل ان ترويض النفس عبر المعرفة والحكمة هو مصدر السعادة الحقيقية.

ولكن التراث العربي اختلف جذريا، في منحاه ومضامينه، رغم اتحاد الاطراف جميعها بالمثال الاعلى للغاية النهائية من الحياة...

يقول الامام علي(ع): يا اسرى جيا اسارى ج الرغبة اقصروا، فان المعرج على الدنيا لا يروعه منها الا صريف انياب الحدثان. ايها الناس، تولوا من انفسكم تاديبها، واعدلوابها عن ضراوة عاداتها»((444)).

يستبدل الامام علي(ع) في تلخيصه المبدع لربط الدنيا بالرغبة، باعتبار تحقيقها (اي الرغبة) الوصول الى السعادة، بسعادة الضبط والارادة القوية وعقلنة مفهوم العيش وطبيعته، ومن هنا تتحول السعادة الى ناحية كونها تنطلق من لجم الشر والوصول الى الخير المطلق. حتى ان ما تخلفه احداث الدنيا من حزن عميق وهو ما اتسم به الزهاد جميعا بمن فيهم الامام لم يكن حزنا سلبيا بقدر ما كان في ذروة الايجابية، انتظارا للجزاء، المتمثل بالمعرفة للمطلق، او كما قال عامربن قيس، احد ابرز اتباع الامام(ع): احببت الله حباسهل علي كل مصيبة»، بل ان الامام نفسه عبر عن مفهوم السعادة باتباع هذا الطريق عندما قال: «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة اهله..»((445)) والوحشة عنوان الياس وعكسها دليل السعادة بالقرب من المطلق وفهمه وادراكه كنه الزمان.

ايديولوجيا جماهيرية

فكر النخبة العاقلة هذا، في التراث الفكري العربي، يتانسن بتقريب مفهوم السعادة عبر الزهد بتصعيده الى سعاده المعرفة والعقلنة، ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا، كماورد في آثارهم، ومن ثم قارب السعادة الحقيقية من خلال الذات والمجموع، فاصبح بذلك ايديولوجيا جماهيرية رغم فردانيته، وقدم للحضارة العربية اروع النصوص الادبية شعرا ونثرا ليحتل مكانته في الذروة من هذه الحضارة.

افريقيا والاسلام:
وحدة تاريخ ومصير مشترك

د. محمد طي

بين العرب وافريقيا علاقات تفاعل ايجابي عبر التاريخ رسخت القربى المادية والروحية ووحدت المصير، رغم ما شابها من عوامل معوقة داخليا وما تعرضت له من ت آمرخارجيا. فقد استوعبت افريقيا هجرات وافدة من الشرق، ثم من الشمال، وقامت بينها وبين هذين (الشرق والشمال) علاقات تجارية وثقافية وروحية قبل الاسلام وبعده،حتى ان المسيحية دخلتها منهما. فلما غزاها الاستعمار الغربي حاول فصم العرى الروحية والمادية التي تربط العالمين: العربي والافريقي ليستاثر باشتات كل منهما بعدما بث الفتنة فيهما واضعفهما، وحاول نسف اسس حضارتهما لاقامة حضارة هي الوجه السلبي لحضارته، المنفعل بها والموفر لها حاجاتها. ولم يقتصر استعمار افريقيا على نمط واحد، بل ان الاستعمار بمختلف انماطه قد غزاها، من الاستعمار المباشر الى الاستعمار الاستيطاني، الى الاستعمار الجديد والامبريالية، الى الاستعمار الاقتصادي والثقافي،الى الصهيونية، وهي نسخة حديثة متميزة من الاستعمار.

حضارات افريقيا والتقاؤها مع حضارات الشمال والشرق قبل الاسلام

من بلاد العرب، ومن مصر وكنعان، انطلقت القبائل وانطلق التجار الى افريقيا باتجاهين: شرقي غربي وشمالي جنوبي.

في المدى الاول قامت الامبراطورية الكنعانية القرطاجية، التي لم تزل الا بعدما اصطدمت بروما في زمن صعودها، فانهارت في النهاية، ولكنها كانت قد اقامت، من العلاقات، بعد ان انتشرت غربا وجنوبا، ما ادى الى اختلاط شعبها وتزاوجه من الشعوب الافريقية المجاورة، مع ما رافق ذلك من تاثير على الحضارة في المنطقة كلها.

وفي المدى الثاني كان هناك محوران:
محور وادي النيل: الذي انتشر عبر وادي النيل باتجاه الجنوب الى السودان، وانعطف غربا ليصل الى قلب افريقيا جنوب الصحراء، فترك آثاره في السودان واثيوبيا والصومال ورواندا وبوروندي. فقد كانت البعثات المصرية تتوالى، اذ ارسل الملك «سحو رع»، من الاسرة الخامسة، بعثة الى الصومال وجنوب خليج عدن للتجارة. كما توغل الملك بيبي الاول (حوالى 2500 ق.م) الى النوبة وراء الشلال الاول على النيل. ثم حفر احد ملوك الفراعنة مسالك في الصخور عند الشلال ليكمل السير الى جنوب السودان((446)).
كما ترك هذا المحور تاثيرا في دول افريقيا الغربية. وقد كشف علماء الاثار بعض هذا التاثير((447)). كما وجد الاوروبيون، في رواندا بخاصة، نظاما سياسيا دقيقا لايختلف عن نظم الحكم في مصر الفرعونية((448)). والمعروف ان استكشافات الفراعنة وصلت الى بحيرة تشاد((449)). وان المسيحية، القائمة في اثيوبيا اليوم،امتدت اليها من الكنيسة المصرية في الاسكندرية.

محور البحر الاحمر: الذي اجتازه العرب، من اليمن بخاصة، الى مناطق شرقي افريقيا منذ اقدم العصور. كما كانت تجارة قريش تصل هذه المناطق عبر اليمن، وبخاصة الى بلادالحبشة التي كان للعرب صلة واضحة بها تجلت في هجرة المسلمين الاولى اليها.

على ان هذه الهجرات لم تكن تجد مناطق خاما دائما، بل كانت تستقرفي دول قائمة كاثيوبيا في الشرق ومملكة غينيا العظمى في الغرب التي عرفت حوالى نهاية القرن الثالث الميلادي((450)).

ولما قامت الحضارة الهللينية، ثم الرومانية، فالبيزنطية، لم تعق علاقات التفاعل القائمة على الشكل المبين اعلاه، وان تكن مدته بعناصر جديدة ذات طابع ثقافي خاص لم يكن ابناء المنطقة الكنعانية والمصرية غائبين عنه، بل هم اسهموا فيه اسهاما اساسيا، وكان على راسهم فلاسفة وعلماء من الاسكندرية وصور والشمال الافريقي، وذلك كله مثبت في كتب الفلسفة والتاريخ والرياضيات.

التقاء افريقيا مع العرب بعد الاسلام

مثل الاسلام حركة تحرير كبرى في التاريخ الانساني، لذلك كانت الشعوب تستجيب له عندما يدق ابوابها. وكان يكفي ان يهزم الحكام وجيوشهم حتى يندفع الناس الى اعتناقه.

وكما جد الاسلام ارضا خصبة في الهلال الخصيب، وجد الارض نفسها في مصر، ثم في الشمال الافريقي، ولعل ما ساعده في ذلك كله القربى الاثنية والثقافية مع شعوب هذه المناطق التي سمحت بتعريبها في مدة قصيرة. وهكذا انفتحت ابواب افريقيا امام العرب على مصراعيها، وانخرط الشعب الشمال افريقي في الدين الجديد، بل تبناه وحمله الى اوروبا وباقي مناطق افريقيا، ففتح طارق بن زياد، وهو من ابناء الشمال الافريقي، الاندلس، كما راحت القبائل البربرية تنشر الدين الجديد جنوب الصحراء الكبرى سواءبالجهاد ام بالتجارة. فقد كانت القبائل المغربية «تجتاز الصحراء الكبرى الى افريقيا الغربية بقصد المتاجرة... وكانت تلك القبائل تروح وتجيء آمنة مطمئنة حاملة السلع المختلفة، واهمها الملح والاقمشة والاوعية الفخارية والمعدنية والحبوب. وكانت هذه القبائل، وفي مقدمتها الطوارق الصنهاجية وقبائل لمتونة وغيرها، تحمل هذه المنتجات العربية الاسلامية الى قلب السودان القديم والنيجر والسنغال وغانا وغينا وغيرها من الاقطار الافريقية، ثم تعود محملة بالذهب والفضة والمعادن والاحجار الكريمة والريش والطيور الجميلة والقردة والحيوانات الداجنة والمفترسة احيانا»((451)).

اما الطرق التي كانت تصل بين الشمال والجنوب، وتسمح بنقل السلع والافكار، وتسهل الانتشار الثقافي، فكانت متعددة، واهمها:

أ - طريق تلمسان - النيجر عبر وجدة وتندارة وحاسي الحرك وعين غاريت.

ب - طريق شمال المغرب الى مالي مرورا بتزنيت وفم الحصن وبئر الخزايم الى تمبكتو.

ج - طريق الساحل من سبتة الى السنغال مرورا بطنجة الى طرفاية الى العيون الى نواكشوط الى دكنة.

د - طريق سرطة - كانو مرورا بغدايس.

ه - طريق طرابلس - تشاد مرورا بحرسوف الى بحيرة تشاد.

و - طريق الاربعين يوما من اسيوط الى بورنو، وتسمى طريق الايمان، لان الحجيج كان يسلكها((452)).

وقد كان من شان هذه الطرق، بين الشمال الافريقي وجنوب الصحراء، ان تسهل عمليات التواصل والتبادل، وهي طرق لم يخترقها الا العرب الافارقة؛ ذلك ان الوجود البيزنطي اقتصر على السواحل ولم يتوغل الى الداخل الافريقي.

والى جانب الحركة التجارية والنقل، استقرت هجرات عربية واسلامية داخل القارة الافريقية. ففي الشرق كانت الهجرة الاسلامية الى الحبشة، حيث بقي هناك بعض المهاجرين يترددون ما بين اثيوبيا الحاضرة والصومال.

ثم اتجهت حركة ثانية كانت من الزيديين في العصر الاموي عبرت البحر الاحمر بعد اخفاق ثورة زيدبن علي بن الحسين. واستقرت هذه الحركة على ساحل البحر الاحمرلتتوغل في المناطق الاخرى في ما بعد. كذلك دخلت افريقيا حركة هجرة ثالثة لدى قيام حركة القرامطة في العصر العباسي، فدفعت عناصر الهجرة السابقة الى الداخل.

وكانت جماعات من الامويين قد فرت الى قلب افريقيا بعد ان طاردها العباسيون، وتلتها جماعات اخرى ابان تساقط امارات الاندلس.

هذا كله، الى جانب هجرات اسلامية اخرى، سواء من شيراز في القرن العاشر، حيث استقرت في الصومال ام من الملايو والهند الى مدغشقر وجنوب افريقيا.

وفي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) توجه بنو هلال وبنو سليم الى الشمال الافريقي ايام المستنصر العباسي، وراحو يغيرون على قبائل المنطقة التي انزاحت بطون منها الى الداخل الافريقي لتختلط بسكانه وتسهم في اقامة الدول والممالك.

وكانت حركة «المرابطين»، التي قامت في احدى جزر ما يسمى «السنغال»، اليوم، قد سبقت الى التوطن في تلك المناطق وراحت تنشر الدعوة في محيطها.

وهكذا دخل الاسلام الى افريقيا دخولا طبيعيا من دون مقاومة تذكر، ليصبح الثقافة المحلية المقبولة من اهل البلاد، الذين تمثلوها، اولا، واسهموا فيها في ما بعد.

وقد اكد هذا الراي القادة الغربيون الذين تسلطوا على المنطقة في ما بعد، وكذلك المفكرون. فقد راى «هوبير ديشان»، حاكم المستعمرات الفرنسية في افريقيا، ان الاسلام انساب انسيابا الى افريقيا من دون اكراه((453)).

فهو انتقل من العرب الى الشعوب الاخرى، فكان كل شعب يحمله الى الشعب المجاور، وهذا ما يؤكده الدكتور احمد شلبي بقوله: «ان الاسلام في شمال افريقيا كان يسير بقوى من الداخل، فالعرب اسلموه الى البربر، والبربر اندفعوا به في غربي افريقيا حتى تسلمه منهم السودانيون، وراح هؤلاء يحملونه الى ارض الزنوج، وهذا ما جعل نموه طبيعيا غيرمرتبط بقوى من الخارج»((454)).

ولم يقتصر حمل الثقافة الاسلامية على اللغة العربية، بل اسهمت في ذلك اللغة السواحلية ولغة الهوسا ولغة الماندجو((455)). على ان لغة العلم والثقافة، حتى في المناطق غير العربية، اصبحت اللغة العربية التي كتب بها كبار المفكرين الافارقة كما سنرى.

وقد يسرت عملية الدخول الديني والثقافي واللغوي عوامل، منها تفوق العرب المسلمين في البداية، وكذلك موقف الاسلام الرحوم بالنسبة الى الرقيق وحضه على تحريره، وبعد المسلمين عن التمييز العنصري الذي كان يسهل اندماجهم بالشعوب الافريقية، ويسهل عمليات التزاوج بين الشعوب.

وقد زكا هذا كله الموقف التحريري المناهض للاستعمار في البلدان العربية وفي افريقيا. وبعد هذا كله كان الاسلام يلبي حاجة مادية وروحية لدى الشعوب الافريقية، كما كان لدى الشعوب العربية، فدخل مجتمعات متعطشة ومهياة لتمثله ثقافة دينية وحلا لمشكلات اجتماعية معقدة.

الحضارة الاسلامية في افريقيا: حمل العرب المسلمون الى افريقيا مظاهر الحضارة المختلفة، فقامت في القارة السمراء ممالك واسعة مزدهرة سادتها انظمة حكم سمحة متميزة.

ففي غانا كانت تقوم مملكة قديمة تطورت في ظل الاسلام، وكان ملوكها في العصر العباسي ينتسبون الى صالح بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي. ولعل هذه الاسرة الحاكمة متفرعة من الاسرة الحسنية التي حكمت في المغرب. وعاشت هذه الدولة، في المنطقة المسماة اليوم ساحل الذهب، منذ القرن الاول حتى سنة 1240.

كما قامت جنوب الصحراء امبراطورية مالي، وكانت مترامية الاطراف، وعرف من ملوكها، في القرن الرابع عشر، الملك منسى موسى حوالى سنة 1330 الذي حج البيت وحمل مقادير كبيرة من الذهب والفضة تصدق بها، وعاد ومعه البناؤون والحرفيون فشيدوا المساجد والمساكن في البلاد، وبخاصة في مدينة تمبكتو.

ثم قامت امبراطورية صنغي التي تحولت الى الاسلام سنة 1009 والتي استطاعت ان تبسط سيطرتها على المنطقة الواقعة شمال نيجيريا ومالي والنيجر، والتي ما زالت تسود بعض مناطقها العادات العربية حتى اليوم((456)).

وقامت في المنطقة امارات لقبيلة الهوسا (او الحوصة) التي تتكلم لغة قريبة من البربرية. وكانت تنتشر في شمالي نيجيريا، وكانت هذه المنطقة متطورة منذ القدم، وقد دخلها الاسلام حوالى سنة 1300 في زمن الملك عثمان زمنقاوي، وذلك عن طريق مملكة صنغي من الغرب، وكذلك عن طريق مصر والسودان من الشرق.

كما عرفت مناطق جنوب الصحراء مملكة «يوربا» التي امتدت من جنوب نهر النيجر الى بنين الى المحيط الاطلسي، وقد تاثرت هذه المملكة بالكوش المتاثرين اصلابالمصريين، وقد اسلمت هذه المنطقة في القرن التاسع عشر على ايدي قبائل الفولانيين((457)).

كما عرفت امبراطورية برنو (800 القرن 17) حول بحيرة تشاد. وقد تكونت من خليط من المصريين وابناء الجزيرة العربية والبربر. كما قامت الى شرقها امبراطورية كانم بين النيجر والنيل (القرن 8 القرن 13). وقد هاجر اليها بعض الامويون هربا من العباسيين. اما ملوكها فيدعون الانتساب الى سيف بن ذي يزن. وقد اسلمت سنة 1090.

وفي ظل الاسلام سادت هذه المناطق انظمة حكم كانت افضل من مثيلاتها الاوروبيات واكثر تقدما. فالحكم يقوم غالبا على اساس البيعة والشورى((458)). ومحاسبة الحاكم واستشارة الشعب ((459)). والسلطة القضائية كانت منفصلة عن التنفيذية((460)). وفي غانا كان هناك نظام قضائي متطور يقوم على وجود محاكم بداية واستئناف يمكن الاعتراض على احكامها لدى الحاكم((461)).

اما على الصعيد الاجتماعي فقد كان للثقافة العربية الاسلامية تاثير واضح. فقد كانت الجماعة في افريقيا تقوم على اساسين: القبيلة والارض التي تعيش عليها، وكانت العصبية القبلية على اشدها، كما كان التعصب للبقعة الجغرافية قويا. فلما جاء الاسلام حلت الوحدة الاسلامية محل القبيلة، واصبحت ديار الاسلام للمسلمين جميعهم، ما خفف من النزعتين السابقتين وهيا لقيام الدول القوية. وقد عززت ذلك كله المراسم الجماعية للاسلام، كصلاة الجماعة والاعياد الاسلامية في الداخل ورحلات الحج التي تشعر الانسان بالاخوة مع الاخرين وتنقله الى اجواء روحية ومادية غاية في الرحابة.

وهكذا، فرغم وجود الدول المتفرقة، شكلت منطقة جنوب الصحراء متحدا حضاريا متميزا، كما لاحظ ذلك رولاند اوليفر (Roland Oliver)، الذي يقول: «ان شعوب المنطقة الممتدة من مصب نهر السنغال غربا، والمتجهة نحو الشرق حتى النصف الجنوبي لشاطىء البحر الاحمر، تتميز بحضارة خاصة بها، لان شعوبها الافريقية المختلفة تتبع نظما ودساتير متشابهة كانها منبثقة من مصدر واحد»((462)).

وقد كان من تاثير هذه الحضارة، على الصعيد الانساني، ان اختفت العادات والتقاليد الفجة، وتوارى العري، وانتشرت الملابس الفضفاضة النظيفة، وفشا الشعور بالكرامة واحترام الذات، وساد التكافل الاجتماعي، الذي يعتمد على الزكاة التي تجعل للفقير حقا في مال الغني، واقيمت بيوت المال. وكذلك انتشرت القراءة والكتابة وسادت القيم الاخلاقية، كرد الامانات والامر بالمعروف والنهي عن المنكر((463)). وعلا شان المراة.

اما على الصعيد الاقتصادي فكانت ملكية الارض مشاعا، وقد ادخل العرب المسلمون زراعات متعددة، منها زراعة جوز الهند وقصب السكر والارز والقطن والمانغو((464)). على ان الزراعة كانت معروفة سابقا في الممالك التي اشرنا اليها، كما كانت الادوات الحديدية منتشرة، وكان البرونز يستعمل لصناعة ادوات جميلة، كما كانت شعوب المناطق المذكورة تقوم بصناعات حديدية وبالصناعات الجلدية وتعرف الحياكة.