وقد تجاوزت هذه المنطقة اوروبا في ذلك العصر. فقد سبقتها في مجالات صهر الحديد بعدة قرون. كما كان فنانوها، في القرن الخامس عشر، يسبقون الاوروبيين في تشكيل البرونز.

وكانت النهضة العمرانية متقدمة في مجال بناء المساجد والبيوت، وقد عثر في خرائب كومبي في غانا على فن معماري على قدر كبير من الاتقان.

وقد وجد «فاسكودي غاما»، عندما مر بالشواطىء الافريقية، مدنا رآها كالمدن الاوروبية وملابس زاهية على الناس الذين يخضعون لملوك اقوياء((465)).

هذه العوامل جميعها ادت الى خلق هوية ثقافية واحدة متميزة تشترك افريقيا والعرب وسائر المسلمين في قسماتها العامة وحتى في خطوطها التفصيلية، وهي تقوم على اساس منظومة اخلاقية دينية من القيم السامية التي ترسخ الوفاء والامانة والصدق، وتعضدها المعطيات الروحية عميقة الغور في التربة العربية والافريقية، وفي بقاع المسلمين المختلفة تشعر الانسان انه دائما في كنف الله عز وجل وتحت رقابة عينه الساهرة، الامر الذي يجعل الحاكم والمحكوم متمسكين بتقوى الله، فتزدهر الشورى، وهي الديمقراطية الحقيقية الصادقة النابعة من ضمير الجماعة وليس من قوانينها فقط، وتجعل المجتمع مترابطا متراحما يساعد فيه الغني الفقير، لا منة منه بل قيام بواجب تجاه ذي حق اكيد.

وهكذا قامت شجرة الثقافة مخضرة يانعة الثمار تجود بعطائها على بلاد الاسلام بما فيها افريقيا ومنهما على العالم، لانها شجرة طبيعية في بيئتها المثلى التي تكونت بقوة التفاعل، بقوة التاثير والتاثر المتبادلين.

غير ان هذه الشجرة تعرضت لقطع اغصانها لتستبدل باغصان اخرى لم تكن ملائمة لها وليست من سنخها، تلك هي الاغصان التي حاول الاستعمار ان يحملها للشجرة الاصلية فعوق نموها، وافسد ثمارها، ثم اتت ربيبته الصهيونية لتحاول مسخها وجعلها شجرة زقوم كان رؤوسها طلع الشياطين.

الاستعمار بلاء افريقيا

بدات الشواطىء الافريقية تتعرض للتحرش منذ القرن الخامس عشر، عندما كان البرتغاليون يحاولون استكشاف الطرق حول تلك السواحل، ولكن الافارقة كانوا يصدونهم غالبا، او يطردونهم عندما يتمكنون من الاستيلاء على نقاط استراتيجية. وفي ذلك الحين كانت القوى الاوروبية تحاول اقتسام الاراضي الاميركية المكتشفة حديثا والتي كانت ميدانا للصراع بين الاسبان والانكليز والفرنسيين.

ولم تكن افريقيا بمنجى مما يدور في اميركا، فعندما احتاج المعمرون الاوروبيون في العالم الجديد، لا سيما في المناطق الحارة، الى عنصر يتحمل عوامل المناخ ويستطيع العمل في ظلها، لم يجدوا خيرا من الافارقة. فراحوا يشنون الغارات انطلاقا من شواطىء افريقيا الغربية، متسلحين باحدث الاسلحة ليصطادوا الناس ويشحنوهم بالمراكب الى العالم الجديد. وقد كلفت هذه الممارسات افريقيا عشرات الملايين من الانفس، بين من يقتلون اثناء عمليات الصيد، او يموتون في السفن التي تنقلهم، او بعد وصولهم الى الارض الجديدة. ويقدر عدد الزنوج الذين ابيدوا بهذه الوسائل بما يقارب المئة مليون، الامر الذي ادى الى عملية افراغ رهيبة للقارة الافريقية.

وعندما تفرغت القوى الاستعمارية، بعد استتباب الامور على نحو معين في اميركا، بدات طلائعها تحوم من جديد حول افريقيا مقتفية طريق البرتغاليين، في محاولات لاقامة نقاط ارتكاز على السواحل. اما الداخل الافريقي فكان مجهولا بالنسبة لهذه القوى، ومن هنا بدات محاولات للاستكشاف في البداية.

ففي عام 1788 وبعد طرد الانكليز من الولايات المتحدة الاميركية، شكلت في لندن «الجمعية الافريقية». وفي 20 تموز (يوليو) سنة 1796 توجهت بعثة استكشافية من الجمعية المذكورة، برئاسة طبيب انكليزي يدعى مونجو بارك، الى غربي افريقيا فبلغ نهر النيجر.

وفي سنة 1827 خصصت الجمعية الجغرافية الفرنسية جائزة لاول رحالة يصل تمبكتو في مالي، فقام رينيه كابيه، متنكرا بثياب مصرية ومدعيا الاسلام، برحلته فوصل الى سيراليون الحالية، ثم اتجه مع احدى القوافل الى طنجة وفاس، ولكنه مرض ومات.

وفي سنة 1850 توجهت قافلة انكليزية من طرابلس الى داخل القارة برئاسة جيمس ريتشاردسون والالماني بارت. ومات ريتشاردسون، وتابع بارت الرحلة، وعقد عددامن الاتفاقات التجارية مع حكام المناطق التي مر بها بعد ان ادعى الاسلام، ووصل الى تمبكتو والى بحيرة تشاد، وتابع رحلته ليجمع اكبر قدر من المعلومات.

كما قام الطبيب العسكري الالماني جيرارد رولف، المنتمي الى الفرقة الاجنبية الفرنسية، برحلة معتمدا على الجمال ومتخذا اسم مصطفى الاغاديري، فانطلق من طرابلس متوغلا في قلب الصحراء، فوصل الى بحيرة تشاد، ثم الى نهر النيجر، فالى المحيط الاطلسي((466)).

وبعد هذه الرحلات التجسسية، بدات عمليات غزو القارة السمراء، حيث استفادت القوى الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، من حالات التفكك في الدول القائمة داخل القارة وعلى ابوابها، وكذلك من ضعف السلطنة العثمانية، فراحت جيوشها تتوغل في الداخل الافريقي ممعنة قتلا وتشريدا وتقطيعا لاوصال البلاد، وبعد رحلة دموية ضمخت عبرها رمال الصحراء والاراضي الزراعية والسهول والتلال بالدم وزرعتها بالجماجم، استطاعت ان تحتل القارة احتلالا عسكريا بغيضا عمر في ارجائها ما يزيد على القرن حتى قيض الله ان تتخلص منه.

فقد استولى البرتغاليون، ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، على مناطق في غرب افريقيا وشرقها، فوضعت اليد على جزر الساحل الشرقي وعلى مناطق في الساحل الغربي، ومنها ما يسمى ب«غينيا البرتغالية».

واستولى الفرنسيون على الجزائر وتونس ومراكش وموريتانيا والسنغال ومالي وغينيا والنيجر والكاميرون ومدغشقر والصومال.

واستولت بريطانيا على مصر والسودان وكينيا واوغندا والصومال الذي سمي ب«البريطاني» وزنجبار ونيجيريا وغانا وسيراليون وبتشوانا لاند واتحاد افريقيا الوسطى وجنوب افريقيا. واستولت بلجيكا على الكونغو ورواندي.

واستولت المانيا على جنوب غرب افريقيا، كما استولت على التوغو والكاميرون وشرقي افريقيا، ولكنها اضطرت، في ما بعد، الى التخلي عنها للقوى الاستعمارية الاخرى.

واستولت ايطاليا على ما اسمته «الصومال الايطالي»، كما استولت لمدة قصيرة نسبيا على الحبشة. واستولت اسبانيا على جزر في غرب افريقيا ومناطق في المغرب والصحراء.

جرائم الاستعمار الاوروبي في افريقيا

عندما استولى الاوروبيون على افريقيا، راحوا يقطعون اوصالها، ويفتتون وحداتها ويجتثون مظاهر حضارتها، ويقطعونها عن دورها، ويعملون على الحاقها بالبلدان المستعمرة على شكل ممتلكات.

فكل بلد احتل جزءا من القارة، راح يقيم فيه ما يحلو له من الكيانات، ففرنسا تريد ان تقيم امبراطورية تمتد من المحيط الاطلسي الى البحر الاحمر، وبريطانيا تريد ان تقيم امبراطورية تشمل الاجزاء الجنوبية، والمانيا تريد موطىء قدم، وكذلك ايطاليا، ناهيك عن اسبانيا والبرتغال.

ومن اجل وضع حد لصراعاتها عقدت الدول الاستعمارية «معاهدة برلين» سنة 1884 - 1885. وقد جاء في المادة الرابعة والثلاثين منها:

«تلتزم كل دولة من الدول الاطراف في هذه الاتفاقية، في حال قيامها بوضع يدها او تقرير حمايتها على اي اقليم من افريقيا، بابلاغ ذلك الى الدول الاخرى الموقعة على هذه المعاهدة».

اذا يكفي ابلاغ الشريكات الاوروبيات، اما رغبات الشعوب المغلوبة فهي سلع للتداول، والشعوب اشياء تتملك.

اما الدول التي شاركت في هذه المعاهدة التي دعا اليها بسمارك فكانت: المانيا وانكلترا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال واسبانيا وايطاليا.

كما عقدت هذه الدول اتفاقات ثنائية في ما بينها، وراحت كل منها بعدما ضربت القوى الافريقية الاساسية، تبرم الاتفاقات مع القبائل والشعوب متوسلة الخداع والارهاب.

وكانت جهود المستعمرين المتنافسين تتضافر احيانا في المسالة الواحدة، عندما تجد احدى الدول الاوروبية نفسها مهددة من غير قوة، فتطلب معاونة الدول الاخرى، كما فعلت ايطاليا عندما طلبت من بريطانيا احتلال السودان، كي لا يشكل خطرا عليها في اثيوبيا. او كما فعلت بريطانيا وفرنسا اللتان تساندتا لقتال رابح الزبيري في منطقة بحيرة تشاد.

وبعد ان تم لها ذلك كله الغت الاسماء القديمة للمالك والمناطق، وراحت تطلق عليها تسميات من عندها، كانها حيال عالم خال من السكان ومن الحضارة، فقسمت القارة الى:

افريقيا الغربية الفرنسية، افريقيا الغربية البريطانية، افريقيا الفرنسية الاستوائية، افريقيا الشرقية الالمانية، افريقيا الجنوبية الغربية (الالمانية)، افريقيا البرتغالية.

كما اخذ المستعمرون يطلقون اسماء قادتهم ومغامريهم على المناطق، من مثل جزر سيشل ومدن ليوبولدفيل واستانلي فيل... وبحيرة فكتوريا وبحيرة البرت وروديسيا وغيرها.. على ان ما فعله المستعمرون في افريقيا فعلوه بالبلدان الاسلامية من افريقية وآسيوية، حيث احتل الفرنسيون والانكليز منطقة الهلال الخصيب، بلاد الشام والعراق، واقتسموها اسلابا وممتلكات. كما استولى الانكليز على جنوب اليمن وعلى الساحل الغربي للخليج. وراحوا يمعنون في المنطقة تقطيعا وتفتيتا على غرار ما فعلوا بافريقياغير العربية.

واستولى الروس على الاوراك والحقوه بهم، ثم اعاد ستالين تقسيمه الى جمهوريات سوفياتية ملحقة بموسكو كما استولى الانكليز على الهند، والهولنديون على المناطق الاسلامية في جنوب شرق آسيا اندونيسيا..

كما ادعت بعض القوى الاستعمارية اوروبية بعض البلدان العربية والافريقية، ففرنسا ادعت ان الجزائر فرنسية وايطاليا ادعت ان الحبشة ايطالية وكذلك ليبيا.

ومن هنا بدات عمليات الدمج القسري بين الشعوب الافريقية المعنية والدول الاستعمارية، وكان هذا الامر جليا في الجزائر، حيث بدات النصوص التي تتحدث عن «المسلمين الفرنسيين». وكان اول نص صدر سنة 1885 والحق عام 1938 بقانون آخر يعد اللغة العربية «لغة اجنبية». اضافة الى هذا قامت الدول الاستعمارية بمحاولات جادة لاستقدام «المعمرين الاوروبيين» الى البلدان الافريقية. كما حصل في الجزائر والمغرب وتونس ودول جنوب الصحراء. وقد وصل الامر بهؤلاء المعمرين الى ان استولواعلى الحكم بعد جلاء الاستعمار. كما حصل في روديسيا وجنوب افريقيا.

الاستعمار يغتصب مصادر الثروة في افريقيا

استولى الاستعمار على كل ما يؤمن لقمة العيش للانسان الافريقي، فانتزع التجارات الرئيسية من ايدي الافارقة، واستولى على مناجم الفوسفات والبترول والذهب والفضة والماس وكذلك على الاخشاب والثمار.

كما صادرت الدول الاوروبية الاراضي الافريقية لتوزعها على المعمرين، سواء حملوا جنسيتها ام اي جنسية اوروبية اخرى. بل كانت هذه الدول تستقدم ابناء الامم الاوروبية لتملكهم افضل الاراضي في افريقيا.

ففي الجزائر صدر سنة 1873 القانون العقاري وغيره من القوانين الخاصة بالسكان الاصليين (code d'indigenat)، لتجريد الشعب من ارضه، فاعطى الارض الخصبة للمعمرين الفرنسيين والاوربيين((467)).

واستولى الفرنسيون على اراضي الدولة والمشاعات، وكذلك على اراضي المقاومين والفارين. اما في تونس فقد عمدت فرنسا الى مصادرة الاملاك العامة واملاك من لايثبتون ملكيتهم، وكذلك اراضي القبائل والاوقاف، وسلمتها للفرنسيين وللمتفرنسين((468)).

في هذه الاراضي المصادرة، بدا المستعمرون يساعدون رعاياهم الاوروبيين على اقامة المزارع، فبدات فرنسا سنة 1835اي بعد خمس سنوات على استعمار الجزائر، بانشاء المستعمرات الزراعية وجلب المهاجرين البيض من اوروبا لتملكهم الارض مجانا.

وقد وفد الى الجزائر، بعد هزيمة الفرنسيين امام الالمان في بداية الحرب الاولى، اعداد كبيرة من الفاريين من الالزاس واللورين، الذين مكنتهم حكومتهم من الاستيلاء على الاراضي الجزائرية((469)).

كما اباح الجنرال الايطالي كانيفا لجنوده ضاحية المنشية في طرابلس، وسلمهم الدور والمزارع. وقد وصف فرانسيز ماكولا، في كتاب للجنرال المذكور، جيشه بانه عصابة من قطاع الطرق والقتلة((470)).

على ان ما تميز به الاستعماران الايطالي والبرتغالي هو تدمير اقتصاديات البلدان المحتلة ودفعها الى المجاعة.

اما في مناطق افريقيا الجنوبية فان بعض البلدان لا تزال تعاني من اغتصاب البيض للاراضي الزراعية الخصبة، ففي زمبابوي قامت، مؤخرا، ثورة فلاحية ضد المعمرين الاوروبيين الذين يحتكر اربعة آلاف منهم 80% من الاراضي الزراعية الخصبة. وهذا انموذج لما هو حاصل في تلك المنطقة.

ومع ذلك كله كانت افريقيا ترهق بالضرائب ويتفنن الجباة والقوى القمعية في الارهاب لجبايتها. كما كانت تستنزف قواها في اعمال السخرة التي كانت تصل من خمسة الى سبعة اشهر سنويا((471)). وهكذا اصبحت افريقيا عرضة للمجاعة الدورية، حيث كانت تموت اعداد كبيرة جدا من الاطفال سنويا. وقد ادى ذلك كله الى انهاك قوى الانسان الافريقي الذي راح الاوروبيون يتهمونه بالكسل وانعدام المبادرة بعد ان حرموه لقمة العيش.

الاستعمار والتشويه الحضاري

لقد حاول الاستعمار ان يقطع افريقيا عن جذورها التاريخية، فيعلن ان تاريخها بدا منذ استعماره لها، وقبل هذا التاريخ كانت مناطق متوحشة بربرية. وهكذا راح يطلق على مناطقها المختلفة تسميات جديدة للحؤول بينها وبين تذكر الامبراطوريات والممالك المزدهرة التي كانت تسود فيها، فلم نعد نسمع بممالك صنغي وكانم وبرنو، ولم تعد غينيا غينيا القديمة نفسها ولا مالي الحالية مالي القديمة. وراح المستعمر يدرس تاريخه للشعوب المغلوبة وكذلك ثقافته، وراح يقدس عندها ابطاله ويلقن الصغار تقديسهم((472)).

وبعد هذا راح يقطع اوصال الوحدات الطبيعية والبشرية، فيفصل السودان عن مصر، ويفتت المغرب، ويفصم الوحدة ما بين موريتانيا والسنغال اللتين كانتا تشكلان دولة «فوني»، ويبعثر غانا والصومال. وقد بلغ به الامر ان شتت القبيلة الواحدة في عدد من الدول، فقبائل الايوي تتوزع بين غانا وتوغو، والمازاي في كينيا وتنزانيا، والصوماليون يتوزعون بين اثيوبيا والصومال وكينيا، وقبائل البديات والمساليط تقاسمت كلا منها السودان وافريقيا الوسطى، والازندي تشرذمت بين السودان والكونغو، وقبائل الهوسا انتشرت من تشاد حتى المحيط الاطلسي في دول متفرقة. وقبائل التوتسي والهوتو بين الكونغو ورواندا وبوروندي، وقبائل البشاريين بين مصر والسودان.

اما الدول التي اقيمت فقد روعي ان تكون عاجزة عن الاستمرار من دون مساعدة المستعمر. فمنها ما تفتقر الى السواحل كتشاد والنيجر ومالي وجمهورية افريقيا الوسطى وزامبيا وزيمبابوي وبوتسوانا واوغندا واثيوبيا ورواندا ومالاوي. ومنها ما تقوم داخل دولة اخرى مثل دولة غامبيا في قلب السنغال، ومنها دول فقيرة من دون موارد. كما عمدالاستعمار الى منع طرق المواصلات احيانا ان تجمع بين دولة واخرى، كما فعل بسكك الحديد السودانية التي لم يوصلها الى مصر، وهكذا...

ومن اجل تسهيل شل الدول التي اقيمت، جعل عواصمها اما على ساحل المحيط ليسهل احتلالها، او على اطراف البلاد في الدول غير الساحلية، الامر الذي يعوق سيطرتهاعلى الاقاليم البعيدة في الكثير من الاحيان. كما اثار الاستعمار، بل وخلق، النزاعات الاثنية والقبلية والاقليمية.

الاستعمار يثير النعرات الدينية

حاول الاستعمار ان يستخدم بعثات تبشيرية تاتمر باوامره، كما حاول استغلال جهود بعثات اخرى قائمة، وكان يدرك ان من شان ذلك ان يحد من انتشار الثقافة الاسلامية وتفاعلها الايجابي مع الثقافات والحضارات الافريقية.

وكانت المسيحية قد دخلت من مصر الى سائر افريقيا عبر بلاد النوبة وصولا الى اثيوبيا، الا ان المسيحية التي استخدمها المستعمر هي مسيحية اخرى تختلط بالثقافة الاستعمارية، فكان المبشرون لا يبشرون بمبادىء الدين المسيحي الحقيقي السمحة المتواضعة، بل بخليط مكون من مبادىء المسيحية الاوروبية((473)). كما كان بعضهم يقوم بمهمات تسويغ الاسترقاق وتلقين الخضوع للاسياد، وهم عادة من البيض((474)). وقد تكثفت محاولات التنصير في مختلف انحاء القارة، وطاولت الشمال الافريقي. وكانت حينا تستهدف السكان عامة، وحينا اثنيات معينة لخلق الانقسامات.

فقد وضع الكاردينال لافيجيري برنامجا لتنصير الجزائر، معلنا انه «يجب ان نجعل من الامة الجزائرية مهدا لامة مسيحية كريمة، وان نضيء ارجاءها بنور مدنية وحيها الانجيل، وان نربط مصير افريقيا بحياة الشعوب المسيحية»((475)).

اما في المغرب فقد قام التبشير بمحاولات جادة. وقد صرح نائب كنيسة الرباط في مؤتمر المبشرين، الذي عقد في لورد Lourdes سنة 1930 بقوله: ستقوم في المغرب اعظم حملة قام بها المبشرون لتنصير برابرة الجبال((476)). وقد وصل عدد مراكز التبشير في المغرب الى 138 مركزا سنة 1932 ((477)). وقد سخرت لعمليات التنصير المستشفيات وكذلك المدارس، فكان المبشرون يلقنون الاطفال العقائد الجديدة في المدرسة.

ومن اجل تسهيل التحول الى المسيحية الاوروبية، راح الاستعمار يدمر المؤسسات الاهلية الاسلامية، فضم الاوقاف الى املاك الدولة، وعمد الى تدنيس المساجد ونبش المقابر. اضافة الى هذا، فقد جاء في تقرير لجنة التحقيق التي شكلت في عهد الملك لويس - فيليب سنة 1833: لقد وصل بنا امتهان الدين الاسلامي واحتقاره الى درجة ان اصبحنا لا نسمح بتسمية المفتي او الامام الا من بين الذين اجتازوا سائر درجات التجسس، واصبح لا يمكن لموظف ديني ان يترقى الا اذا اظهر للادارة الفرنسية اخلاصا منقطع النظير»((478)).

وقد ادت هذه الممارسات جميعها الى حسبان المسيحية ديانة البيض، وعندما اخذ بعض المسيحيين الافريقيين يعترضون على ممارسة الكنائس الاوروبية، اخذوا يتعرضون للمضايقة. فالمسيحي الكيني «كايلا» (Kayyla) الذي دعا لكنيسة افريقية ضد الكنيسة الاوروبية، تعرض للملاحقة بمساعدة بريطانيا((479)).

الاستعمار يثير النعرات العنصرية والاثنية

وحتى يمكن الاستعمار لنفسه راح يثير النعرات بين العرب وسائر الافارقة وبين القبائل الافريقية الواحدة في مواجهة الاخرى، ما لا نزال نلمس آثاره حتى اليوم في الكونغو ورواندا وبوروندي.

وكان من جملة ما تفتقت عنه عبقرية الفرنسيين، في هذا المجال، المحاولات الخبيثة لفصل العرب عن البربر في الشمال الافريقي، اذ اخذ الحكام الفرنسيون يصدرون النصوص، رغم معارضة السلطة المحلية حيث توجد، والتي تعطي البربر اوضاعا خاصة، فظهر في المغرب ما سمي ب«الظهير البربري» في 18/أيلول (سبتمبر) 1913. ثم صدر «ظهير» آخر في 16 ايار (مايو) 1930. وقد حرمت هذه النصوص تعليم اللغة العربية للبربر، لتحل محلها الفرنسية، واحيانا البربرية المكتوبة بحروف لاتينية. كماحرمت النصوص المذكورة تطبيق الشريعة الاسلامية في الاحوال الشخصية لدى البربر واخضعتهم للاعراب القبلية.

وقد علق السيد علال الفاسي على هذه السياسة بوصفه النصوص المذكورة بانها «تعبير صارخ عن سياسة فرنسا الهمجية، هذه السياسة التي هي آخر ما اهتدى اليه الفكر الفرنسي للقضاء على مقومات المغرب ودمجه بالحظيرة الفرنسية»((480)).

على انه لا بد من القول: ان هذه النصوص لم تكن تلقى الاستجابة من عموم البربر الذين اعلن زعماؤهم، في تموز 1955انهم يشكلون جزءا من الكل، وهو الشعب المغربي، وانكار هذه الحقيقة قد يؤدي الى خلق احلام واوهام((481)). كما شارك البربر على اوسع نطاق في الثورة ضد الفرنسيين.

اما في السودان فان الاستعمار وسوء الادارة استطاعا خلق مشكلة جنوب السودان التي ما زالت تستنزف الدماء والاموال منذ مدة طويلة جدا. كما ان هناك مشكلات طائفية في نيجيريا تتفجر من حين الى حين. وقد ادت الى انفصال احد اجزائها الذي سمي «بيافرا» ثم اعادته الى الوطن الام بعد حرب طويلة استنزفت الكثير من الارواح والمواردوما زالت الحوادث تعوق ارساء وحدة وطنية في هذا البلد حتى اليوم.

الاستعمار ينشر لغته

كانت اللغة العربية لغة الثقافة جنوب الصحراء، وقد كتب بها المفكرون والعلماء في مختلف تلك الاصقاع، ومن هؤلاء الكتاب عثمان دان فيديو، واخوه عبدالله، وابنه احمد بل، وعبدالله الالوري وغيرهم الكثيرون.

وهذه اللغة لم تفرض فرضا، بل ان الافارقة سعوا اليها وتعلموها واستعملوها. وقد تاثرت بها لغاتهم المحلية كلغات الهوسا والسواحلية وغيرها من لغات الساحل الافريقي، كما وصل تاثيرها الى الكونغو. ولما اتى المستعمرون راحوا يحاربون هذه اللغة ليحلوا لغاتهم محلها، كما حاربوها في عقر دارها في دول شمال افريقيا، وبخاصة في الجزائروالمغرب، وذلك بطريقتين: باحياء اللهجات المحلية ومحاولة تدوينها من جهة، او بفرض اللغة الفرنسية من جهة اخرى((482)). ففي الجزائر منع قانون 24 كانون الاول 1904 تعليم اللغة العربية الا بترخيص، واجبر المعلمين على التعليم باللغة الفرنسية تحت طائلة الغرامة والحبس واقفال المدارس((483)).

وفي المغرب، وضع المستشرق غودفروي، مستشار التعليم في مراكش، مشروعا مفصلا لكتابة اللغة البربرية باحرف لاتينية((484)).

ومن اجل تعزيز لغة المستعمرين، على حساب اللغات المحلية، راح الانكليز يخصون بالوظائف من يعرفون اللغة الانكليزية في نيجيريا وغانا وكينيا وتنجنيقا واوغنداوجنوب افريقيا. كما حصر الفرنسيون الوظائف بمن يعرفون اللغة الفرنسية في مالي والسنغال وغينيا وتشاد((485)).

وقد كان من نتائج فرض اللغات الاوروبية ان لحق التشويه باللغات المحلية، فجرت محاولات لمسخها وجعلها على شاكلة لغات المستعمرين، لا سيما حيث عمد المبشرون الى ترجمة اللغات الافريقية الى الفرنسية او الانكليزية، اللتين لا تستطيعان احتواء التراث الروحي الافريقي، ولا تملكان من المفردات ما يوازي العديد من المفردات التي تعبر عن حالات خاصة لدى الانسان الافريقي، ومن هنا كان يفرض عليه ان يتخلى وبشكل تدريجي عن تلك الالفاظ وعن المعاني المرتبطة بها. وهذا ما حصل في مدغشقر ولاحظه علماء الالسنية بوضوح.

الاستعمار يحل قوانينه الاوروبية محل القوانين الوطنية

عمد الاستعمار، من جملة محاولاته لتدمير الشخصية الافريقية، الى احلال قوانينه التي نبتت ونشات في بيئته الاوروبية، محل القوانين المعتمدة في البلاد التي استولى عليها، وراح يمارس الضغوط على السكان لاجبارهم على تنفيذ خططه.

ففي الجزائر، كما في انحاء مختلفة من افريقيا، جرى فرز السكان على اساس موقفهم من القوانين الفرنسية الى ثلاث فئات:

الاولى: الفرنسيون والافارقة الذين يتعاملون وفقا للقوانين الفرنسية في جميع المجالات بما فيها مجال الاحوال الشخصية ذي الصلة المتميزة بالدين.
الثانية: الافارقة الذين يقبلون التعامل وفقا للقوانين الفرنسية في المجالات المختلفة، ما عدا مجال الاحوال الشخصية.

الثالثة: الافارقة الذين يرفضون التعامل بالقوانين الفرنسية.

وكانت الفئة الاولى تحظ ى بالوظائف شريطة اجادتها اللغة الفرنسية.
اما الفئة الثانية، وكانت تضم 90% من الناس، فقد اعطيت فقط حق انتخاب ممثل لها شريطة ان يكون فرنسيا.
اما الفئة الثالثة فكانت محرومة من حق الوظيفة وحق الانتخاب((486)).

تدهور الفنون

كان من نتائج استعمار افريقيا ان تدهور العمران الذي عرف في القرون السابقة، وراح المعمرون الاوروبيون يقيمون الابنية على الطرز الاوروبية، كما اخذت الفنون تضمحل وتتلاشى، لا سيما الاعمال البرونزية والحفر على الخشب وسائر الصناعات المتميزة، التي عرفت بها الممالك والامبراطوريات في افريقيا.

وهكذا راحت تختفي الروح الافريقية المتمثلة في الاعمال الابداعية، تلك الاعمال التي تظهر فيها نفسيات الشعوب وتراثها الانساني مصبوبة في قوالب جميلة او منقوشة اومرسومة، لتسهم في العطاء الانساني فيتكامل ويسمو وتسمو به الشعوب.

تحرر افريقيا

لم ترضخ افريقيا للاستعمار منذ وطات رجلاه ارضها. وبقيت في حرب مستمرة ضده. وكانت تحركها، علاوة على هويتها وتراثها وتمسكها بحريتها، غطرسة الاستعمار وظلمه، فهو مارس قبلا صيد الافارقة، ثم استمر بتجارة الرقيق مدة طويلة من الزمن، وكان يحس بعقد التفوق الناجم عن تفوق اسلحته، وكان التمييز العنصري من اهم ما وسم تصرفاته في القارة السمراء وكذلك عمليات النهب والافقار، اضافة الى احتقار المقدسات وغيرها.

راحت افريقيا، من اجل استعادة هويتها، تخوض ثورة تحررية بداتها منذ وطىء الاستعمار شواطئها.

فقد ثار الساحل الشرقي لافريقيا ضد البرتغاليين سنة 1650وفي سنة 1698 تم طردهم من ذلك الساحل.

وعلى الساحل نفسه قامت ثورة بوشيري بن سالين ضد الالمان سنة 1886واستمرت حتى سنة 1888.

وفي سنة 1905 نشبت ثورة ماجي ماجي ضد الالمان ايضا.

وفي السودان قامت، في نهاية القرن التاسع عشر، الثورة المهدية ضد الانكليز، كما قامت في الصومال الثورة المهدية بقيادة محمد بن عبدالله بن حسن (الملا) بين سنة 1897 حتى 1921 ضد ايطاليا وفرنسا المتحالفتين مع بريطانيا واثيوبيا ومع بعض القبائل المحلية. اما في الجزائر فقد قامت الثورة منذ الدخول الفرنسي، وكانت تخبووتشتعل الى ان توجت بثورة 1954 (ثورة المليون شهيد) التي ادت الى طرد الفرنسيين الذين مارسوا جميع انواع الارهاب التي فاقت ما فعله اكثر الغزاة بربرية في التاريخ.

وكذلك الحال في المغرب وفي تونس ومصر.

وبقيت افريقيا تقارع الاستعمار حتى الامس القريب، فاجبرته على الانسحاب العسكري من اراضيها، لتقيم حكومات وطنية.

وقد عرف تاريخ القارة ضد الاستعمار قادة عظاما من امثال عمر المختار وعبد الناصر ونكروما وسيكوتوري ونيريري ومانديلا.

لكن الجلاء الاجنبي ترك وراءه مشاكل عرقية وعنصرية واقتصادية وثقافية، الامر الذي يطرح مهمات جساما على القارة السمراء التي اغرقت بالديون حتى لا تقوم لها قائمة ولا تستطيع استعادة هويتها.

لقد ابتليت افريقيا، كما ابتليت البلاد الاسلامية بعامة، بالامبريالية والاستعمار الجديد، الذي حل محل القديم، والذي تعزز بعد دخول اميركا من الباب العريض وحلولها محل بريطانيا وفرنسا في معظم مناطق نفوذهما القديمة. وقد كان دخولها في البداية مموها بتاييد ما للشعوب الثائرة. ولكنها ما لبثت ان كشرت عن انيابها، وراحت تنهش اجساد الشعوب الضعيفة. ولولا وجود الجبار الثاني (الاتحاد السوفيتي السابق) لعانت الشعوب اضعاف ما عانته.

اما بعد ان زال القطب العالمي الثاني واستفردت اميركا بالعالم، فقد راحت تملي ارادتها سياسيا واقتصاديا، متذرعة بحقوق الانسان حينا، وبالمبدا الغربي لحرية التجارة حينا آخر، وبمصالحها وبشكل مكشوف حينا ثالثا.

وهكذا تفرض على المسلمين وعلى افريقيا اليوم مشكلات ومعوقات من نمط خبيث، الامر الذي يطرح اكبر التحديات في وجه شعوبها.

الصهيونية عامل مكمل للاستعمار

منذ انشاء الكيان الصهيوني في ارض فلسطين سنة 1948لعبت الصهيونية دورا مدمرا في افريقيا وما زالت تلعبه. فقد شاركت في الفتن المختلفة، ولا تنفك تعمل جاهدة من اجل الدخول الى افريقيا ومحاربة الاسلام المندمج بالقارة منذ تاريخها القديم.

وكانت مشكلة السودان ارضا خصبة للتدخل الصهيوني المباشر وغير المباشر، ومنذ وقت مبكر. ففي آب 1971 قبض على المرتزق الالماني ردولف شتايز، واعترف ان الكيان الصهيوني يدرب بعض المتمردين ويمدهم بالاسلحة، كما ان بعض الكليات العسكرية الصهيونية، كمدرسة ونجي كابول، تخرج الضباط لقيادة بعض تلك الفصائل، وقدكان احد كبار مسؤولي جهاز الموساد يقيم في اوغندا للاشراف على المساعدات الصهيونية لبعض الفصائل في جنوب السودان.

وفي نيجيريا يتدخل الصهاينة لبث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وقد زار الاقليم الانفصالي (بيافرا) اثناء الحرب وزير الخارجية الصهيوني ابا ايبان. وما زالت التدخلات الصهيونية قائمة على قدم وساق مخابراتيا بشكل خاص واقتصاديا بشكل اعم، ويحاول العدو ان «يشرعن» دخوله تحت ستار المساعدات الفنية الزراعية وغير ذلك من الحجج.

افريقيا والاسلام وحدة تاريخ ومصير مشترك

لقد كان الاختلاط الافريقي العربي قديما قبل الاسلام. واتى الاسلام ليعززه بثقافة موحدة وحضارة متميزة ادتا الى خلق منظومات قيم موحدة في الخطوط العامة روحياوماديا، تميزت بالعلاقة المخلصة بالخالق عز وجل وبالوفاء والصدق والامانة واحترام العهود كما راينا.

وقد تعرض المسلمون جميعهم، كما تعرضت افريقيا، لاساليب الغدر والخداع الاستعماري، ثم للقرصنة، ثم للاحتلال الذي راح ينسف الحضارات والثقافات مدمرا المنجزات المادية والقيم الروحية، مستنزفا الخيرات وناشرا الجهل والثقافات الغربية، التي استطاعت ان تكون شرائح محدودة منفصلة عن اعماق مجتمعاتها، تدعو الى القيم الغربية المادية البعيدة عن روح افريقيا الاسلامية وعن عاداتها وتقاليدها. وهكذا فقد جمع التحدي افريقيا، بعربها وزنوجها وشعوب الاسلام الاخرى فقارعوا الاستعمار وطردوه من الارض، الامر الذي زاد من اللحمة بين المسلمين، والافارقة سواء الذين شملهم الاسلام ام اولئك الذين اشتركوا مع المسلمين في المصيبة يوم غزاهم الاستعمار، كما اشتركوابالانتصار يوم تحرروا من جيوشه، ليبقى الشجر الخبيث الذي مهد له وزرعه، واذا الفقر يعم والثروات ترتهن والمجاعات تتواتر، بعد ان اصبحت افريقيا وسائر البلدان الاسلامية اسواقا استهلاكية لكل ما يفيض عن حاجات مستعمري الامس لا من سلع ضرورية وحسب، بل ومن سلع كمالية مدنية وعسكرية، فاذا اريد القضاء على ازمة اقتصادية، راحوا يروجون لبضائعهم الكاسدة في اسواق العالم الثالث، وبخاصة في الاسواق الاسلامية والافريقية منها بشكل خاص، واذا شاخت منظومة دفاعية راحوايخترعون الاخطار في هذه المنطقة او تلك لبيع ما كانوا مضطرين لان يلقوه خردة ونفايات، واذا اخفق سلاح في اداء مهماته قصدوا المناطق اياها ليوهموها بما يدعون انه ينتظرها من الويل والثبور من جيرانها.

وهكذا اصبح على المسلمين وعلى افريقيا بخاصة لا ان يتخلصوا من تركات الاستعمار من المشكلات الاقتصادية والاثنية والثقافية بل ومن الفئات التي ارتبطت به قصدا اوبطريق التغرير.

على ان ما يزيد الامر خطورة ويعقد المشاكل اكثر فاكثر ظاهرة العولمة الحديثة، التي اشتدت شيئا فشيئا منذ الثمانينات، وهي تهدف الى دك الحدود اقتصاديا، فتصبح جميع الدول مكشوفة لجريان السلع والاموال من دون قيود، بشكل يضع العالم في قبضة الشركات الكبرى متعددة الجنسية، لا سيما المالية منها، فتسحق المؤسسات الوطنية غيرالقادرة على المنافسة، وهي شركات العالم الثالث جميعها، وبخاصة الشركات الافريقية، فتصبح اقتصاديات الدول تحت رحمة المضاربات المالية، التي يمكن ان تدفعها الى الافلاس عندما تقضي مصالحها بذلك. وهي لا بد من ان تقضي به اذا كان يؤمن لها اي قدر من الربح مهما كان صغيرا.

لقد استفادت الدول المتقدمة صناعيا اليوم من الاسوار الجمركية يوم كانت تحتاجها، واليوم تدك الشركات العملاقة هذه الاسوار التي اثرت من امتصاص دماء الشعوب، والتي لا تقوى على الوقوف في وجهها، في السوق المفتوحة، لا الشركات الوطنية، ولا حتى الدول، الا اذا رفضتها باصرار وعناد، وقدمت التضحيات على هذه الطريق.

وهكذا فان النار التي تلت حالة الرخاء في افريقيا بعد توطيد علاقاتها الداخلية بين العرب وسائر المسلمين والزنوج، تلك النار التي اشعلها الاستعمار صهرت الجميع في بوتقتها لتخلق وحدة ممانعة رافضة مقاتلة معادية للاستعمار وللامبريالية والصهيونية، آخر صرعة من صرعات الاستعمار في العالم الثالث.

هذه الوحدة سوف ترسخها وتؤكدها المشكلات الواحدة التي يعيشها الجميع والتي لا يمكن حلها الا بوعي الذات والت آزر والوحدة في مواجهة مسببيها. وهكذا فان القدرالذي صهر العرب وافريقيا وسائر المسلمين في بوتقة واحدة، هو الذي يفرض عليهم مصيرا مشتركا لا فكاك لاي منهم منه، اذا اريد لهذه الشعوب ان تتقدم وتزدهر، بل ان تستعيد هويتها وتحقق ذاتها وتنعم بخيراتها وتؤدي رسالتها الانسانية الروحية والمادية، لتصحح الخلل الحضاري العالمي القائم اليوم بطغيان قيم قلة من الشعوب على قيم الانسانية الاصيلة، التي انبثقت من حضارات آسيا وافريقيا واميركا الاصلية.

فهل سنكون على قدر التحدي؟

ان الجواب بالايجاب، ولكن تحقيقه ليس بالسهولة واليسر.
 

 منتدى المنهاج

بين العالمية الاسلامية والعولمة الغربية-1

المشاركون:

الشيخ حيدر حب الله
د. محمد البشير الهاشمي مغلي
الشيخ حبيب آل جميع

العولمة وعالمية الدين

 الشيخ حيدر حب الله

مدخل منهجي

في خضم العَوْلَمة الاقتصادية والثقافية والسياسية الجارية في العالم، اليوم، تطرح، انطلاقا من طبيعة العلاقة بين الدين بوصفه انموذجا وبين العولمة بوصفها ظاهرة ، الاسئلة الاتية نفسها: هل هناك عولمة في الاطار الديني؟ هل يقدم الدين مشروعه للخلاص وتصوره لنهاية التاريخ على اسس «عولمية» لتشكيل عالم جديد على مرتكزات دينية؟هل ان فكرة المهدوية، في اطارها الديني العام الذي تلتقي عليه كافة الديانات تقريبا، تعبر عن مشروع والاهم عن عقل عولمي يريد الدين في اطاره تحقيق صيغة من صيغ كوننة العالم كله، او ان القضية هي ان هناك فرقا بين العولمة والعالمية وفرقا بين الشمولية والالغاء وفرقا بين نشر ثقافة التوحيد وبين افناء الثقافات الاخرى وبالمطلق؟

من الطبيعي ان الاجابات عن هذه الاسئلة تتطلب تقديم صياغات متكاملة لموضوعات جوهرية في الدين يمكن، من خلالها، تحديد المسافة التي تقع بين الدين وبين العولمة بمفهومها السائد، فهناك مثلا فكرة الخاتمية التي يؤمن بها الاسلام، ويرى من خلالها انه الصياغة الكاملة للدين، وانه ليس ثمة صياغة اكمل، وهناك فكرة «الجامعية والشمول الديني» التي ترى ان الاسلام ليس مكتملا من حيث تركيبته الدينية فقط - اذا اخذنا قياس الوحي الى مصدره - بل ان هذا الاسلام مكتمل حتى من ناحية طبيعة المتطلبات البشرية التي يرى انه جاء ليسد الفراغ فيها، بحيث ان اي حاجة بشرية، مهما كانت، واينما كانت، يمكن ان تجد جوابا لها في الدين نفسه. وهناك ايضا فكرة المهدوية بماتحمله من توليفة كبيرة وممتدة من التصورات القائمة على مفاهيم بنيوية. في موضوعنا هذا: ما هو التصور الموجود عن موضوعة المهدوية؟ اشكالية الحرب في تصور فكرة المهدوية في العقل الشيعي مثلا؟ نهاية التاريخ المتبلورة دينيا على ضوء فكرة المهدوية؟ وكذلك هناك ايضا التاريخ الديني في ما يتعلق بالتفاعل بين الاديان والحضارات... وقضية استخدام القوة في فرض الدين، الى غير ذلك من النظريات الفلسفية والكلامية والتاريخية وحتى الحقوقية التي لا يمكن تجاوزها اذا اريد لموضوع العلاقة بين الدين والعولمة ان يكتمل.

وحيث انه من الصعب الدخول في هذه التفاصيل جميعها، في هذه العجالة، فاننا نقتصر في منهجة بحثنا على ابداء نوع من المقارنة بين الصيغة الدينية للعولمة - ان صح التعبير - وبين الواقع الموجود حاليا لها والذي يتجه الى السيطرة على العالم كله، وهذا يعني ان هذه المقارنة مفتقرة الى عنصر مهم جدا من عناصر الملاحظة المزدوجة، لان العولمة الفعلية عبارة عن واقع، اي صيغة نظرية لا نقراها في الكتب وفي التصور الذي قدمه مؤسسوها ومنظروها على كافة الصعد فحسب، وانما نطالعها في الميدان الخارجي في مااستدعته من نتائج وآثار حقيقية على العالم كله، لكننا من جهة اخرى نحاول ان نقرا العنصر الثاني من المقارنة قراءة نظرية، اي نحن لم نجرب بعد ذاك النوع من العالمية والشمولية الدينية، او فقل: احكام السيطرة الدينية على العالم وان كان في التجربة الاسلامية الحضارية مؤشرات مهمة على هذا الصعيد وانما نحاول استشرافه في النظرية نفسها، وهذه مفارقة حقيقية لا يمكن التغاضي عنها بهذه السهولة، لان المفترض ملاحظة التجربتين او النظريتين حتى تتكامل المعطيات، لا الفصل بينهما، وبالتالي محاكمة مرحلة داخل مرحلة اخرى.

بيد ان الامر الذي يمكنه ان يخفف من حدة هذا الازدواج هو دراسة المنطلقات التي قامت عليها العولمة بواقعها الحالي ومقارنتها بالمنطلقات المفترضة للعالمية الدينية، سيماتلك المختزنة في التصور الديني لنهاية التاريخ، واخذ هذه المنطلقات يمكنه ان يخفف من حدة التباعد في الفضاءين اللذين تجري ملاحظتهما.

وحتى يتركز البحث حول المقارنة من المفترض، ايضا، ان نكون قد فرغنا سلفا من النقاشات الكثيرة الدائرة حول العولمة، بوصفها واقعا مدروسا موجها، وحول التصور الديني للحكومة العالمية، او لنهاية التاريخ، من حيث التفاصيل والمواقف المتعددة في هذين الاطارين، فنحن هنا لا نريد ان نتخذ موقفا من ظاهرة العولمة الحالية ومدى تاثيرها الايجابي او السلبي على شعوب العالم، كما لا نريد ان ناخذ قضية المهدوية، مثلا، مادة للبحث حتى ندخل في تفاصيله، وانما ناخذ القاسم المشترك العام الذي تقبله غالبا الديانات جميعها في المهدوية وغيرها من دون الحديث عن اسماء او ارقام او تصورات مؤطرة سلفا في اطار ديني او مذهبي، وهو ما يستدعي جعل الملاحظة محض اولية ونظرية وفلسفية قد تمثل منطلقا لمراحل بحثية اخرى، ومن ثم لتعبر عن نتائج غير نهائية على كافة الصعد.

وهذا يعني ان عمل المقارنة سوف يتخذ طابع القراءة المحايدة الى درجة معينة، فكاننا نعد انفسنا قراء محايدين لظاهرتين مهمتين، ومن ثم نحاول ان نضع الفروقات ونرسم صورة للمفاضلات الحاصلة بين هاتين الظاهرتين.

العولمة المعاصرة واقعا ومفهوما

يعد تقديم مفهوم واضح ومنقح لمصطلح العولمة امرا صعبا، نظرا لاكتنافه بشيء من الغموض الناجم عن النظر الى هذه الظاهرة من زوايا مختلفة، نابعة من اختلاف المواقف والرؤى، وهو اي عدم الاتفاق على مفهوم واحد للعولمة ما تكاد تتفق عليه كلمة الدارسين لها((487)) والذي يزيد المشكلة تعقيدا، على صعيد فهم هذا المصطلح، شيوعه في الصحافة ووسائل الاعلام من دون ان ينحو منحى المصطلح الاكاديمي((488)) ويضاعف من هذه المشكلة ايضا كون هذا المصطلح وليدا غربيا لم تصنعه الثقافة العربية، او الاسلامية، بهذا البعد له، وهو، من ثم، يعبر عن دوامة استهلاك المصطلح وبتواصل في الفكر العربي المعاصر((489)).

وليس البحث في ظاهرة العولمة من اختصاص الكاتب، وانما يميل - اي الكاتب سلفا الى تفسير وموقف دون آخر، بيد انه وكمقدمة تعريفية مختصرة تمثل اعدادا لشخص غير مختص لفهم كلام المختصين على حد تعبير بعضهم((490)) تعني العولمة (Globalization) نوعا من بلورة العالم في صيغة واحدة ضمن اطار واحد محدد، اي انها تستبطن نوعا من الغاء الصيغ المتعددة لواقعيات العالم او تقليصها مقابل الحفاظ على وحدوية بسيطة في الترسيم، او فقل: هي نوع من تنميط العالم((491)) وهذا مايرجعها الى جذرها اللغوي في جعل الشيء بفعل خارجي لا بدفع ذاتي على نطاق عالمي((492)) وتقابلها الخصوصية((493)) او «الخوصصة» القائمة على الاعتراف بواقعية التمايزات والافتراقات ومنطقيتها((494)).

تبلورت العولمة، في صورتها الحالية، في بادىء الامر، على اسس اقتصادية، وتبدو الخلفية الاقتصادية لها محل توافق الباحثين حولها((495)) اي ان التنامي الاقتصادي هو الذي اوصل البشرية الى نوع من «الامركة»، او العولمة التي تقودها الولايات المتحدة الاميركية، فيما تمثل الظروف السياسية والتطورات التكنولوجية والمعلوماتية اطراومجالات ومساعدات لتسارع الوتائر نحو هذه العولمة. وبعبارة اخرى فان الجذور والمسوغات الاولية لتولد الواقع الفعلي للعولمة، من حيث المنطلق والدافع، هو في النزوع المالي نحو خلق الشركات متعددة الجنسية اسواقا استهلاكية جديدة، بغية تحصيل فرص استثمار اكبر، ومن ثم زيادة العوائد المالية لهذه الشركات.

ان التداعيات الاخرى التي رافقت هذا التوجه الاقتصادي انما هيات الفرصة التي دعمتها مسبقا هذه الشركات نفسها لتوليد واقع عالمي يمكنه ان يؤمن هذا المطلب المالي،ومن ثم ايجاد نوع من الضمانات الحازمة لرؤوس الاموال العملاقة في عدم حدوث ازمات مكلفة.

ان القفزة الاولى التي يحدثها هذا الامر هي ان تعمد امبراطوريات المال الضخمة الى فتح الاسواق، اي الى تدمير الجدار الصامت الذي يحول دون نفوذ هذه السلع الى الاسواق العالمية، والمشكلة الاساسية التي تبرز هنا هي في وجود الدولة القومية التي تسعى، بحكم تركيبتها، الى ايجاد توازن اقتصادي داخلي يعتمد الانتاج المحلي والثروات الداخلية اساسا له، وهذا يعني الحد من اختراقات غير مدروسة لقوى المال الخارجية، الامر الذي يؤدي، على المدى البعيد، الى تدمير الاقتصاد الداخلي، ومن ثم الى تعريض الدولة القومية نفسها لخطر الانهيار.

ومن هنا تقف الدولة القومية معوقا اساسيا امام العولمة بهذا المفهوم، وبالتالي فهناك ضرورة لتجاوز هذه الدولة، اي لحدوث، او احداث، نوع من التواصل بين افراد الشعب داخل حدود هذه الدولة وبين عمالقة المال، اي نوع من تخطي الدولة القومية لايجاد شكل من اشكال الاتصال المباشر بين هذين الطرفين.

لقد عاشت العولمة ومنذ حوالى القرنين تقريبا واقعا صعبا غير مقدورعلى تجاوزه، نتيجة ترسخ الدولة القومية في اماكن العالم جميعها، فكانت عمليات النفوذ تجري بصورة قنواتية، اي من خلال قنوات الدولة نفسها، ومن هنا كانت هذه الدولة تتعرض باستمرار لضغوط راسماليي العالم، وذلك بغية تخفيف القيود المفروضة على التجارة الحرة، وقدادت هذه المسالة الى تولد الحروب الداخلية او الاقليمية، بدعم من قوى المال الحاكمة، بوصفها وسيلة من وسائل الضغط لتمرير عملية التجارة الحرة ولو من خلال تجارة الاسلحة نفسها.

وخلف الدولة القومية كانت تقف الامة واللغة والعرق والدين الخ... حماية متينة للحيلولة دون نفوذ الاخر الذي يحمل مع بضائعه المادية بضائع الفكر والثقافة والفن والادب والعادات والرسوم الخ...، وهو ما تتحسسه الاديان والامم والاعراق جميعها.

ويمكننا ان نعبر عن حصيلة هذه المكونات جميعا بالعقد الايديولوجي النافذ في الصميم، والذي كانت الدول تعتمد عليه وتستعين به وتبني عليه جميع مشاريعها وخطواتها امام الراسمال الزاحف، اي انها الايديولوجيا التي كانت تفرض نفسها بديلا عن سلطة راس المال، ومن هنا كانت طبيعة الصراعات والمدافعات تاخذ طابعا ايديولوجيا بين الاشتراكية والشيوعية والراسمالية والدين وغيرها...

بيد ان سقوط الاتحاد السوفياتي، ومعه اكثر دول المعسكر الاشتراكي في نهايات الثمانينات، ادى الى تبدل الوضع، فلقد منيت الايديولوجية بنكسة قوية وفقدت الثقة بها اساسا للانطلاق لتحصيل الاهداف المرجوة، وقد اثر سقوط ايديولوجية عملاقة، كالفكر الماركسي ومستتبعاته، الى توجيه ضربة قاسية للغاية لبقية الايديولوجيات الاخرى،ومنها الدين والامة والقيم والتقاليد الاجتماعية، واصابتها بنوع من ضعف المناعة الفكرية والثقافية والحضارية الخ...، وقد جعل ذلك الوضع اكثر مناسبة لعمالقة المال لتجديد الحملة المتواصلة وغير المنقطعة على اصقاع الارض بغية تامين اسواق جديدة.

لكن الحدث الاهم الذي عزز من فرص العولمة هذه هو التطور المعلوماتي المذهل الذي سبق سقوط الاتحاد السوفياتي ورافقه، لقد نجحت شبكة المعلوماتية، من التلفزيون والراديو والانترنت والتلفون والفاكس الخ...، في تخطي حاجز الدولة القومية لتجد مخاطبين لها داخل العالم كله وبالاتصال المباشر، ومن دون وساطة الحكومة المركزية، وكمايقول جون جيج (John Gage) مدير شركة الكمبيوتر الاميركية «ميكروسيستمز»: «اننا لا نحتاج الى الحصول على تاشيرات السفر للعاملين لدينا من الاجانب»، «اننا نتعاقد مع العاملين لدينا بواسطة الكمبيوتر، وهم يعملون لدينا بالكمبيوتر، ويطردون من العمل بواسطة الكمبيوتر ايضا»((496)).

وقد خلقت هذه الاوضاع جميعها نتائج عدة على المستوى الاقتصادي والسياسي العالمي يمكن ايجازها في مسائل اساسية ابرزها((497)):