|
أولا: تؤدي ظاهرة العولمة الى ظهور انموذج متميز لتمركز
السلطة المالية في العالم، ف 358 مليارديرا يمتلكون في ظل
العولمة ما يملكه من سكان المعمورة((498)). ان هذا التمركز
للمال، على هذا الشكل، يؤدي الى تفشي الفقر على نطاق واسع
وما يصحب ذلك من آثار مخيفة على الشعوب الفقيرة، سيما
في القارة الافريقية، كما يؤدي الى اذابة الطبقة الوسطى في
المجتمع وتحويله الى طبقتين: ثرية وفقيرة مدقعة، حتى
داخل المجتمعات الصناعية نفسها، بل حتى داخل الولايات
المتحدة الاميركية كما تؤكده جملة من الدراسات. ثانيا: ان تركز رؤوس الاموال العملاقة في ايدي نخبة قليلة جدا يؤدي بالتاكيد الى غياب الديمقراطية في السياسة العالمية((499)) فاباطرة المال بامكانهم وقف المساعدات عن اي دولة، او فرض نوع من الحصار الاقتصادي عليها، بهدف ارغامها على الاستجابة لمطالبهم، والتي هي بالطبع مطالب اقتصادية براغماتية مفضية تلقائيا وفق - ما تقدم - الى مزيد من افقار الجماعات البشرية واثراء النخب المالية الكبيرة، والتجارب الحاصلة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما شاهد على ذلك.ثالثا: ان انهيار الدولة القومية، وما يحيط بها من محميات الدين والامة واللغة والثقافة والتاريخ، يؤدي الى ذوبان الثقافات في بوتقة اطارثقافي واحد ، الامر الذي يسهم في افناء حضارات وقيم وتاريخ واحداث قطيعة مع الماضي البشري، وفي هذا ما فيه من اضرار خطيرة، بل يؤدي ايضا الى افناء الالاف من اللغات التي تستبطن كنوزا معرفية كبيرة جدا حيث تشير بعض الدراسات الى «ان عدد اللهجات المحكية في العالم يقدر ما بين خمسة آلاف وسبعة آلاف، بينها اربعة آلاف الى خمسة آلاف لشعوب اصلية، الا ان هناك اكثر من 2500 لغة مهددة بالاختفاء فورا، وكثير منها يفقد رويدا رويدا صلاته مع الطبيعة، ويقول الخبراء: ان 234 لغة اصلية معاصرة قد اختفت كليا، وحذروا من ان 90 في المئة من اللغات المحكية في العالم سوف تختفي خلال القرن الحادي والعشرين. واكد برنامج الامم المتحدة للبيئة ان «اختفاء لغة مع مضمونها الثقافي يوازي حرق كتاب عن الطبيعة»، الامر الذي يهدد حتى البيئة وتتحمله بالدرجة الاولى ظاهرة «العولمة» بحسب الدراسة نفسها((500)).رابعا: يثير المناهضون للعولمة، في الساحة العالمية، هاجسا منطقيا من هذه الظاهرة يرجع الى تسببها في ارتفاع معدلات البطالة حتى في الدول الصناعية، فضلا عن الدول النامية، فالتطور التكنولوجي يدفع كما حصل في بدايات ظهور الالة والاستعاضة بها عن اليد العاملة الى اختزال العنصر البشري في عملية الانتاج، ومن ثم، كما يقول جون جيج، الى تحويل اكثرية العاملين في شركته والبالغين 16000 موظفا الى مجرد احتياطيين يمكن الاستغناء عنهم، والحاجة يمكن ان يسدها ستة وربما ثمانية فقط((501)). ويشير شومان وبيترمان الى مقولة عملاق التجارة (Washington) والقاضية بانه لن تكون هناك حاجة الى ايد عاملة اكثر من هذا، بحيث ان خمس القوة العاملة سيكفي لانتاج كافة السلع((502)).وقبل الانتقال للحديث عن عالمية الدين من المناسب التركيز هنا على ان هذه العيوب التي توصف بها العولمة ربما لا تكون العولمة سببا وحيدا لها، بل قد يكون لعوامل اخرى - ترافقت وهذه الظاهرة - دور ايضا في مثل هذه الامور.العالمية الدينية نقصد بكلمة العالمية، في هذا العنوان، هنا، مجرد صيرورة الشيء عالميا من دون اية مضاعفات او ملابسات او اختزانات مفهومية اضافية كالتي تقدمت، وبالتاكيد فان المنظومة المعرفية الدينية على مستوى الديانات كافة تقريبا تستبطن هذا التصور العالمي، لا سيما الديانة الاسلامية التي صرحت نصوصها بالبعد العالمي فيها، فقد جاء في القرآن الكريم: (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) [الانبياء/107] وجاء ايضا: (ان هو الا ذكر للعالمين) [ص/68 والتكوير/27] (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) [آل عمران/86] (وما تسالهم عليه من اجر ان هو الا ذكر للعالمين) [يوسف/104] (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)[الفرقان/1] (وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا) [سبا/28]. كما ان فكرة المهدوية الغارقة في المخيال الديني العام والخاص تؤكد هذه المقولة، وتدعم التصورالقاضي بعالمية الدين، وهو ما يدفع بعضهم الى القول: ان العولمة اذا ما تعدينا صيغتها اللغوية لا تمثل موضوعا جديدا في الحياة البشرية، وانما هي مشروع استهدفته الكثيرمن الامم والحضارات والاديان والقوى السابقة والغابرة، والفروقات التي تبدو انما هي في ميزات الواقع المعاصر، ومن هنا تكون العولمة خيارا اسلاميا في جوهرها((503)). غير ان المسالة المركزية، في المقارنة بين العولمة الغربية والعالمية الدينية، تكمن في البنى القبلية التي انطلقت منها هاتان الظاهرتان، فبحسب العرض المتقدم لظاهرة العولمة الغربية يلاحظ ان المنطلقات التي يراد عولمتها، وكذلك الدوافع التي تحرك هذا المشروع، تختلف في جذرها عن العالمية الدينية في الجانبين المذكورين، لان الجمع بين العولمة ونهاية التاريخ في التصور الغربي يعني ان المراد تعميم الليبرالية بالمفهوم الحديث لها، وهذا يعني نوعا من استبطان المفاهيم الحداثية في داخل المشروع، وهي مفاهيم - بغض النظر عن الاراء فيها بين الحداثيين وما بعد الحداثيين - تقوم على الفردية والنفعية والمادية وغيرها من المفاهيم التي تستوعب الثقافة الغربية والامريكية بالخصوص.
اذن ما يراد عولمته، في المشروع الحاضر، هو هذه المنظومة
المعرفية والحياتية. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان العنصر
المحرك لظاهرة العولمة هو العنصر الاقتصادي، اماالجوانب
السياسية والثقافية والحضارية واللغوية والاجتماعية الخ...،
فانما هي امور تتبع المركز الذي يصدر عنه المشروع، وتقف في
درجة متاخرة عنه((504)).
اذا اخذنا هذين الامرين بعين الاعتبار يمكننا ان نقرا الفروقات
بين العولمة الغربية والعالمية الدينية، سيما الاسلامية، ويمكن
عرض ذلك من خلال مسالتين هما:
ان ما تقدم يرشدنا الى ان المنظومة الحياتية التي تحملها
العولمة الى اقطار العالم من شانها، اذا ما سرنا وتداعياتها
الطبيعية، ان تولد مزيدا من الانقسام البشري والفوارق
الحادة التي من شانها ان تصنع توترا لا استقرارا وان تولد عنفا
وتازما اينما حلت. ان الاثار المذهلة والمخيفة للعولمة، مما اشرنا اليه او لم نشر، ما هي الا تعبير منطقي عن البنى القبلية التي حملتها وتحملها العولمة معها وتريد من خلالها اصلاح العالم، فاذا مااريد للعولمة ان تدرس في اطار العالم الذي ينتفع بها، اي عالم الاثرياء وامثالهم، فان لها آثارا ايجابية في غاية الاهمية، واذا اريد لها ان تكون في نطاق مجتمعات محدودة على حساب مجتمعات اخرى لربما امكنها ان تحل الكثير من المشاكل التي يعيشها انسان تلك المجتمعات، والتجربة الغربية، خلال القرنين الماضيين، شاهد على ما نقول، الاان المفارقة المهمة هنا تكمن في الشمولية التي تريد العولمة ان تمارسها او تعبر عنها، فقد اعتادت التجربة الغربية ان يكون لها ضحايا قبال كل انجاز او تقدم علمي او حياتي او حضاري تنجزه، فمن يمكن ان يكون اليوم ضحية للعولمة؟ وكيف يمكن ان تنسجم العولمة مع نفسها اذا آمنت بمنطق الضحية لكل تقدم، ما دامت قد ادخلت في حساباتهاالبشر جميعهم؟
المسالة الاساسية في ما نريد الاشارة اليه، هنا، هي ان العقل
الغربي الذي تحمله العولمة هو العقل الغربي الذي حملته
الحملات الاستعمارية على العالم الثالث سابقا وهو مايصحح
التسمية التي ذكرها بعض الباحثين من ان العولمة هي «ما بعد
الاستعمار» باعتبار ان ما بعد في مثل هذه التعابير لا تعني
القطيعة مع «ما قبل» كما نقول «ما بعد الحداثة» او«ما بعد
الكانتيين» من دون التخلي عن الحداثة او عن فلسفة
كانت((506))
وقراءة هذا العقل تؤكد ارتكازه او احتياجه
لمنطق الضحية، لان المفاهيم الليبرالية والحداثية التي ينطلق
منها انما تتطلب مثل ذلك وتستدعيه، فعندما اكون محور
العالم في المذهب الانساني، وعندما تكون «اباليتي» كامنة في
ذاتي وفي عدم «اباليتي» بغيري، وعندماتكون الافاق التي
احملها لا عالم فيها للمعنويات الاخلاقية والروحية... فمن
الطبيعي حينئذ ان اخرج بداروينية اجتماعية ترى في بقاء
الاصلح (الذي يساوق في المفهوم الغربي الاقوى) صلاحا
للبشرية ما دمت انا هو ذاك الاقوى. فعلى سبيل المثال، يرى بعضهم ان العولمة تطرح الديمقراطية وحقوق الانسان، بوصفها اهدافا نبيلة، تسعى لنشرها عالميا من تدويل سلطاتها ونشر قيمها الخاصة، ولكننا نجد ان اباطرة العولمة يضحون بالديمقراطية وحقوق الانسان عندما يتعارض ذلك مع مصالحهم، حيث نلاحظ كيف دقت العولمة اسافين الانهيار في دول شرق آسيا عندماارادت ان تفرض سيطرتها المطلقة على هذه البلاد، فهذه الدول التي يعدها الغرب مثالا لنجاح انتقال العولمة الى المجتمعات غير الغربية ظلت حكوماتها تسلطية او شبه تسلطية رغم انصباغها بديمقراطية مزيفة (اندونيسيا وماليزيا مثلا)، وهذا الامر يدل على حتمية التناقضات في المجتمع الراسمالي الغربي الحديث في ظروف العولمة، فقداثبت الواقع ان الافراط الليبرالي الذي لازم العولمة يمثل تعديا على الديمقراطية نفسها لصالح عمالقة المال، وبخاصة حقوق العمال واحوالهم المتدهورة((507)).اما في العالمية الدينية فان الامر مختلف، اذ تنطلق المنظومة الحياتية التي يطرحها الدين من قاعدة اما انكار الذات كما تفعل الديانة المسيحية، او من نوع من الموازنة بينها وبين الاخر كما هو الحال في الاسلام، وتنطلق من افتراض هذا العالم هو نهاية كل شيء لتصبح نتائجه حاسمة ونهائية الى اعتباره ممرا لكل شيء بشري، ومن ثم ليتشكل من ذلك مجال واسع لمنح الاخر ما هو دنيوي في سبيل الافق الاخروي الاخر، ما يعني فتح المجال امام الاخر ليقوى بدل اعتبار قوته افناء لي، او لتنطلق من اعتبار الالم مصدر القوة والقيمة كما في سانتاغراها غاندي بدل افتراضه رمزا للفشل والنهاية وتعبيرا عن اللغوية والعبث.وليس الدين - بالمعنى الواسع له - بحاجة الى من يثبت له هذه الميزات، فالشعوب والقبائل التي لم تمر بمرحلة الراسمالية، ولم تعرف النظام الغربي، تحكي بوضوح عن تجارب في غاية الاهمية لو جرى تعميمها لربما غيرت الكثير من اوضاع الانسانية، فقرى افريقيا والعالم الاسلامي واريافهما وسفوح همالايا الهند جميعها تعابير واضحة عن رسوخ روح التعاون بدل التصارع المادي، وروح التضحية والتقديم للاخر بدل روح الاحتكار والابتزاز المادي والاقتصادي. وهذا الواقع يمثل شهادة حاكية وكافية من دون الحاجة الى الرجوع الى آمال العقل الديني في النهاية الشديدة الروعة التي يصوغها للتاريخ البشري، والتي على اي تقدير تحكي عن الافق الذي يحمله التصور الديني لشبكات العلاقات التي عوقت تشكيل الكثير منها الانماط الحياتية التي فرضتها طبيعة النظم الغربية.
ولا نريد هنا الدخول في نوع من الطوباوية واعتساف الكلام في
مثالية الانا وشيطانية الاخر؛ لان المشكلات الناجمة عن
التطبيق الديني ليست قابلة للتجاهل بهذه البساطة اوبخطاب
تعبوي ثوروي يتجاوز الحقائق والوقائع احيانا ليتصل بالمثل،
ويحكي عنها اكثر من الواقع والميدان، بل نريد ان نشير الى ان
الدين كجوهر لا يختزن بصورة كاملة اوشبه كاملة على الاقل
الاحداث المؤلمة التي تجري المعاناة منها بسبب العولمة في
وضعها الراهن، فالتصورات التي يحملها الدين عن المفهوم
الاقتصادي والمالي - بقطع النظرعن فرص التطبيق - هي
تصورات يفترض بحسب بنيتها النظرية ان تخفف من الانقسام
الطبقي البشري ومن ارتفاع معدلات الفقر الخ...، ان القيم
الدينية المالية لا تسمح بتمركز راس المال (كي لا تكون دولة
بين الاغنياء منكم) [الحشر/7] (.. والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم)
[التوبة/34] ولا تقبل التجاهل الخلقي للفقير، بل تصر - وفي
مختلف المجالات وحتى على المستوى العبادي الشخصي
(الصوم والحج انموذجا) - على تضييق الهوة الاجتماعية
والمعنوية بين الفقيروالغني، وهو امر يعد من اهم اساسيات
الدين بحسب دراسة نصوصه وتاريخه، هذا فضلا عن ان البنية
المفاهيمية للضرائب في الاسلام مثلا يعد الفقير والمسكين
ركنان من اركانها، فالمسلم عندما يمارس دفع الضريبة فانه لا
يمارسها على الطريقة الغربية وانما تعبيرا حيا في نفسه عن
عمليات اغاثة الفقراء والمساكين لا مجرد
عملية ميكانيكية اقتصادية استدعتها طبيعة الظروف والاوضاع،
او مخافة الخسارة الفادحة في نهاية المطاف من خلال التوتر
الذي يؤدي اليه تدهور احوال الفقراء والمساكين في طبيعة
العقل الغربي الكمي غالبا، وهذه العناصر النفسية والسلوكية،
ومن ثم المظاهر الاجتماعية والاقتصادية، لا تسمح في حدود
نمط تركيبتها بسيطرة مفاهيم ومقولات تفتخر براس المال
وتسحق حقوق الطبقة الفقيرة او العاملة في لذة الاقصاء للاخر
الضعيف عن نعمة العمل الداعم لابسط اشكال الحياة.
ان الرفض العالمي لظاهرة الدين الموالي للمال والسلطة، سواء
في التجربة الكنسية او في تجربة وعاظ السلاطين المسلمين،
دليل واضح مرتكز في اعماق التصور البشري على ان الدين
نصير البائس لا الغني، من دون ممارسته نوعا من احتقار الغنى
والرفاهية سيما الدين الاسلامي، وهذا شاهد على شكل العلاقة
التي يحملها الدين في ما يتعلق بموضوع المال.
الامر الاخر الذي يمكن ان تجري ملاحظته في المنظومة
الدينية هو عناصر التمايز الاجتماعي في التصور الديني، فاذا
كانت الليبرالية باشكالها القديمة والحديثة لا تتمكن من
الاستغناء عن عمالقة المال لانها تصنفهم تلقائيا ارقاما متقدمة
في المجتمع فان الدين باعطائه القيمة للعلم والتقوى كمائز
تفضيلي في المجتمع يقصي المال عن تحوله الى عنصر تمايز
ذا اعتبار اجتماعي تفضيلي الا من حيث توظيفه كما تقتضي
التقوى، وان لم يكن يرى فيه شرا مطلقا (يا ايها الناس انا
خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير) [الحجرات/13].
وهذا يعني فرز المجتمع على اساس مغاير للفرز الغربي، فليس
العالم فقيرا او غنيا فقط حينما يتجاهل الفقير كليا بل هو عالم
وجاهل وتقي وغير تقي... وهذا التقسيم الجديد يقلص من
تدخل رجال المال من حيث هم رجال مال في اتخاذ القرار
ويضع لمواقفهم ونفوذهم حدودا تقتضيها الابعاد العلمية
والايمانية، وهي ابعاد من شانها ان تمنع راس المال واصحابه
من تدمير الديمقراطية وممارسة ارهاب وفرض وقمع من
نوع آخر.
بهذا العرض السريع والموجز نتوصل الى ان العولمة ذات
المضمون الغربي وما تجره على الشعوب الاخرى من ويلات
تنشا اشكالياتها من هذه الخلفية التي انطلقت منها، وهي خلفية
يعارضها الدين معارضة شديدة ، ومن ثم فالعالمية الدينية
يمكنها، اذا ما احسنت استخدام مفاهيمها، ان تتجاوز هذه
المخاطر نحو صيغة شمول اكثر سلما واقل ضررا،وهو ما ترشد
اليه النصوص الاسلامية المتعلقة بمسالة المهدوية والتي
تكشف، بشكل او بآخر، عن التصو ر الديني لنهاية التاريخ
الانساني من هذه الزاوية.
وارى انه من المناسب عرض بعض هذه النصوص على مستوى
الدائرة الاسلامية هنا اشارة الى هذا الامر، فمن جملة هذه
النصوص التي تحكي عن تنعم مشترك بين ابناءالانسان ما جاء
في الرواية:... يقسم المال صحاحا، فقال له رجل: ما صحاحا؟
قال: بالسوية بين الناس»((508)) وفي رواية اخرى: اذا قام قائم
اهل البيت قسم بالسوية وعدل في الرعية»((509)) وفي رواية
ثالثة: يجمع اليه اموال الدنيا من بطن الارض وظهرها فيقول
للناس: تعالوا الى ما قطعتم به الارحام، وسفكتم فيه الدماء
الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله، فيعطي شيئا لم يعطه احد كان
قبله»((510)) وفي خبر رابع: ...يطلب الرجل منكم من يصله
بماله وياخذ من زكاته لا يوجد احد يقبل منه ذلك،استغنى
الناس بما رزقهم الله من فضله»((511)) وهي نصوص صحت،
ام لم تصح، قبلت ام لم تقبل، وهو ما لا يعنينا فعلا، تحكي عن
هذا التصور النافذ في العقل الديني. ان المسالة الاساسية التي نريد التركيز عليها هي ان المسار الميداني للعولمة والدافع العملي لها انما هو البعد المالي غالبا لا غير، ومن هنا يصح لنا عدم اعتبارها مشروعا حضاريا او ثقافيا او اخلاقيا او معنويا او علميا... انها بالدرجة الاولى مشروع مالي اقتصادي يسخر جوانب الحياة الاخرى بالعرض وبالتبعية لنفسه من دون ان يكون لقيم الفكر والحضارة والثقافة والايمان اي اهمية سوى من حيث توظيفها في السياق الانتاجي العام، فتسويق العولمة لثقافات معينة ليس بالضرورة قناعة بانموذجية هذه الثقافات، وانما لابرازها انموذجا على الصعيد العالمي باي شكل من الاشكال، نظرا لكونها اكثر تناسبا مع المصالح العامة لرؤوس الاموال.
والمفارقة الجوهرية التي تحصل هنا هي في تراجع سلطة الفكر
والمعرفة والثقافة والقيمة والاخلاق لصالح سلطة المال،
فالمثقفون والعلماء يوضعون حينئذ في الدرجة الثانية من سلم
صانعي القرار وحتى رجال السياسة، بل انهم على الاساس نفسه
سوف يتحولون تدرجيا الى مجرد موظفين لخدمة هذا النوع
من السلطة كما هو الحال في وعاظ السلاطين في القرون
الغابرة. وينجم عن ذلك صنع العولمة، بقوتها الاقتصادية،
طبقات خاصة من المثقفين والعلماء ممن يؤمنون بها ويؤمنون
لها تغطية علمية وثقافية دائمة لينفذوها الى اعماق
المجتمعات، وهذا ما حصل ويحصل فعلا سواء قصد المثقفون
ذلك ام لم يقصدوا.
اما على الصعيد الديني فالقضية مختلفة، فعندما يريد الدين
تعميم ذاته فان هدفه الاول لا يتمثل في سلطة المال والربح،
وانما في المعرفة والقيمة مهما كان موقفنا من هذه المعرفة او
من تلك القيمة، اما المال فيمكن على ابعد تقدير ان يشكل
وسيلة لهذا الهدف لا هدفا بنفسه (المؤلفة قلوبهم انموذجا)،
وهذا معناه قيام نوع من حاكمية القيمة والفكرة على المال
والربح، وهذا الانقلاب في السلطة، او هذا التداول، له مداليله
العديدة وآثاره ايضا.
ان هذا الانقلاب يجعل الفكر والثقافة والمعرفة والقيمة في
الواجهة بحسب سلم الاولويات، كما يرفع من شان التضحية
والتفاني والاخلاق، ومن قيمة اهل هذه الخصال في الوسط
الاجتماعي. وفي المقابل يفرض على رؤوس الاموال التراجع
خطوة الى الوراء في موضوع الصنع الفاعل للقرار من دون ان
يعني ذلك سلب المشاركة لان هناك فرقابين المشاركة
والتحكم.
وبعبارة اخرى، فالشريحة التي تقود حركة التغيير والاصلاح في
المجتمع الديني (ومنه العالمي) انما هم العلماء والمتدينون،
اي انهم الذين يقودون المسيرة ويوظفون رؤوس اموالهم، او
اموال الاخرين، في خدمة مشروعهم الذي هو بحسب طبيعة
شخصيتهم مشروع علم قيمي، اما العولمة المعاصرة فان
السياسة نفسها تصبح دمية فيها بيد اصحاب الاموال. ان هذه المسالة بالذات تقودنا الى القول: ان جوهر الدين، لما كان عبارة عن الاعتقاد القلبي والفعل الباطني، لم يكن ليتمكن من النفوذ الى السيطرة والحكم الا عن طريق الرضاالقلبي العام (لا اكراه في الدين) [البقرة/256]. وهذا يعني ان الفعل الديني والايماني هو دائما فعل ارادي نابع من الذات الانسانية في قناعاتها وميولها الفكرية والقلبية.ومن هنا فاذا لاحظنا هذا العنصر فاننا لن نستطيع الجزم بالمشابهة بين العولمة وبين عالمية الدين، لان العولمة الغربية تمتد الى العالم كله عن طريق الاقتصاد وسلطة المال،وهذا الطريق لا يرتبط بالفعل القلبي والعقدي للبشر، اي انهم يستقبلونه من دون ان يمارسوه سيما الفقراء الذين يشكلون الغالبية العظمى في العالم المتعولم حسب الفرض، امافي الدين فالقضية مختلفة، فان عالميته لا تتم من دون ادخال دور الفعل البشري العام عن ارادة ورغبة، والا فان ما سيحصل ليس سوى سيطرة قوة لا دين من دون ان نمارس نوعا من الفصل غير المستساغ بين هذين الامرين، فان يكون الدين عالميا هو كما الحب ان يعتنقه الناس ويؤمنوا به، والا فاذا سيطر على العالم بقوة السلاح او المال مثلا فهذا لا يعني انه قد اصبح عالميا بالمفهوم القرآني والفلسفي للكلمة بل مجرد قوة مسيطرة على العالم، وهناك فرق شاسع بين الامرين.
اذن ادخال خصوصية الفعل القلبي في الدين يحيل المسالة الى
واقع ارادي لا خارجي، وبالتالي يمنع من اي صيغة شمول من
دون هذا الفعل الارادي الذي يعبر بالتالي عن قناعات الامم
والشعوب وافراد الناس. والامر المهم، في هذا المجال، هو النصوص الدينية التي تحكي عن العلاقة بين المخلص والناس، فهذه النصوص تشير بوضوح الى اجماع عام وارادة جمعية على هذا المخلص، وعلى حد تعبير بعضهم: «تتميز الحكومة المهدوية بانبثاقها عن اجماع عام ويصح التعبير عن قائدها بانه محبوب القلوب»((513)) ومن جملة هذه النصوص ماجاء في كتاب منتخب الاثر: فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا احد ممن يعبد غير الله الا آمن به وصدقه...»((514)) ويقبل الناس على العبادات والشرع والديانة والصلاة في الجماعات»((515))... يرضى بخلافته اهل السماوات واهل الارض...»((516)).
ولا نريد هنا حصر العولمة بالبعد الاقتصادي، بل اننا نوافق على
انها اكثر تعقيدا من ذلك كما يذهب اليه بعض
الباحثين((517)) وذات صلات بالسياسة والاجتماع وبالانظمة
الحقوقية والمؤسسات الانسانية والبيئية والاجتماعية العالمية
وغيرها، الا ان هذا لا ينفي الفعالية الجوهرية التي يلعبها المال
في قيام هذه الظاهرة ولا يختزل هذاالمحرك او يتجاوز غرقا
في الابعاد الاخرى التي قد تكون متفرعة وليست اصيلة، وحتى
لو كانت العولمة مظهرا لجماع الاقتصادي وغيره فان العامل
الاقتصادي يمثل الروح المحركة فيه تبعا لموقعيته في الفكر
الغربي عموما.
والمشكلة المؤسفة التي حصلت وتحصل، سيما بفعل تاثير المد
الغربي، هي في اعادة رسم شبكة العلاقات الاجتماعية في
المجتمع الاسلامي على اسس يمكن القول ان النصوص الدينية
لا توافق عليها، وقد نفذت هذه المنظومة الجديدة الى عمق
الكيان الاسلامي فحولت الواقع الى محتوى غربي ذي اطار
ديني، وقد كانت عملية افراغ المضمون المعنوي والعاطفي
للاداء والنشاط والفعالية الاجتماعية والاسلامية لصالح
بيروقراطيات حاسمة واحدة من افرازات هذا الواقع بنظر
الكاتب.
ان اصعب مهمة يحملها الباحث والمثقف الديني اليوم تكمن
في مهمة التاصيل والتجذير التي تمارس دور الفعل لا ردة
الفعل، ومن ثم تجنب المنهج التوفيقي ببعده السلبي
مع الاعتراف بالابعاد الايجابية الاخرى له الذي يحاول الهروب
من الواقع اي واقع سواء كان تقليديا قديما ام حديثا من دون ان
يمتلك جراة ترشيده او اصلاحه، وهو ما يدفع تارة الى افراغ
المقولات الدينية واخرى الى التنكر للجهود البشرية والعقلائية
حتى الغربية.
بين العالمية الاسلامية والعولمة الغربية د. محمد البشير الهاشمي مغلي تمهيد في اعقاب اندثار الحرب الباردة يرتسم عصر جديد لم تتحدد بعدمعالمه النهائية، يثير فيه مفهوم العولمة جدلا متفاوتا في ارجاء العالم، يتحول، في الاوساط الفكرية العربية، الى مخاوف من «الاختراق الثقافي» المداهم، والى ارتياب كبير من «الغزو الحضاري» العنيف. وكلاهما يهدد ما يمت الى الوطنية بصلة، من اله وية الى الشخصية والثقافة والمصالح، وصولا الى الامحاء بغرض «تنميط العالم» بل و«امركته» بعد انتفاء القطبية الثنائية... اذ «من المصلحة العامة للولايات المتحدة ان تشجع تطوير عالم يتم فيه تجاوزحدود الصدوع التي تفصل بين الامم عبر المصالح المشتركة. ومن المصلحة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة ان العالم اذا كان يتحرك باتجاه لغة مشتركة، فان هذه اللغة ستكون هي اللغة الانجليزية، وان العالم اذا كان يتحرك باتجاه معايير مشتركة، في مجال الاتصالات والامان والنوعية، فستكون هذه المعايير امريكية. وان العالم اذا كان سيصبح مترابطا من خلال الاذاعة والتلفزيون والموسيقى، فان البرامج ستكون امريكية. واذا كان يجري تطوير قيم مشتركة، فانها ستكون قيما يرتاح اليها الامريكيون»((518)). وفي ذلك كله تمهيد لتصدير الانموذج الامريكي، وعمل من اجل ذلك.
في مقابل هذا التهيب العربي والافريقي من شبح العولمة التي
قد تاخذ دلالات ثلاثة: «الخروج من حالة التهميش، والمزيد
من التحرر الاقتصادي والسياسي، والتكيف مع انماط الحياة
ذات النفوذ الكوني»((519)) فان القارة الاسيوية لا تعبا بها
كثيرا من موقع استحكام اقتصادياتها وثبات اركان ثقافتها. هذه
المناعة الواقية سلفا حدت بصاحب مقال: «نعم للعولمة... لا
للغربنة» الى القول: «بالنسبة لنا، نحن الصينيين، فالظاهرة
التي يسميها الغربيون «العولمة»، او «الكونية»، لا تعني شيئا غير
الاهمية المتنامية لاسيافي التجارة العالمية، وبالمحصلة تؤكد
وضعها المركزي في قلب العلاقات الدولية»((520)). وليست اليابان اكثر اكتراثا، حيث يصرح صاحبا مقال: «اليابان هي العالم الان» بهذا الاستعلاء: «من جانبنا، نحن اليابانيين، لا تهمنا كثيرا مشكلة العولمة، فلدينا اقتصاد كوني هوفي القلب من الاقتصاد العالمي. وهذا التوجه يتنامى بمرور الاعوام. وبالاحرى فان مشكلتنا هي في معرفة اين سيكون «مركز» هذا الاقتصاد (الذي نسميه نقلا عن برودل «البحر المتوسط الاسيوي»)؟ فهل سيكون هذا المركز على سواحل الصين او في اليابان؟»((521)). اما تايلاندا، تلك القوة الاقليمية من الطراز الاقل، والتي اصبحت صناعية منفتحة على العالم، فلا تعير اهتماما للعولمة، بل لا تتوجس منها، وقد اقتحمتها بغير مقتحم حتى غدا هذا التعولم جاريا في لغتهم باصطلاح: «لوكانوات Lokanwat» اي التماشي مع العالم، دونما تنكر للانموذج الثقافي التايلاندي، او مزاحمة للاقلمة التي هي الترجمة العصرية للتطور على اساس اعتبارات اقتصادية ورمزية لا سياسية اوايديولوجية. «فالعولمة عندهم لا تستطيع ان تمثل رهانا، لانه ليس «العالم»، الذي يظل في ذاته تجريدا، هو المجال الملائم، وانما مجموعة ماهرة من العلاقات الاقليمية، فالغربيون يفكرون في العالم لان دبلوماسيتهم تعمل على قاعدة من الاستراتيجيات العسكرية العالمية، لكن التايلانديين على العكس فهم يريدون الاقليم»((522)).
ازاء هذا كيف يتموقع العالم الاسلامي في مضمار «القرية
الكونية الصغيرة»؟ ما موقفه من «فتوحات العولمة ومزق
الهوية»، ومن الدخول الى الواقع العالمي الجديد؟
كيف سيتعامل مع ثورة المعلومات وسلطة الانترنيت؟ ثم ما
مصير الدعوة الاسلامية حيال شبكات الاتصال المعقدة الهائلة؟
كيف سيتخاطب او يتنافس الانسان الداعية المسلم في خضم
عالم متسارع في الفعل والتاثير مع الانسان التواصلي الذي
تتيح له الادمغة الالية والتقنيات الرقمية ضروب التفكير
والعمل على نحو كوكبي، وبصورة عابرة للقارات والمجتمعات،
بل وللثقافات؟((523)). هل ستشكل ظاهرة العولمة، وهي تتجه الى تشييد مستقبل يستوعب حضارة واحدة وثقافات متميزة، صدمة للمثقفين المسلمين، سيما انها تتوافق مع ظهور فاعل بشري جديد؟ هل الرؤية الاسلامية الناقدة للعولمة وللثقافة الغربية تابى الانسياق نحو التعولم بانكفاء على الخصوصيات، من موقع الدفاع الشرعي عن الذات، او انها ستدعو، اخذابالاعتدال الى انسنة العولمة او اسلمتها او روحنة الغرب، من خلال الرؤية الانسانية للعالم؟ وفي هذه الحالة هل ستتخلى، بحكم المواكبة الجديدة غير الاختيارية، عن منهجها في اضفاء العالمية الاسلامية على خلائف الارض، وان هي اشرابت مع ذلك الى تنشيط قيمها ومبادئها الانسانية العادلة؟ صحيح ان «موسم العولمة» حديث العهد، فلم يتبلور مفهومها، ولا اتضحت ابعادها حتى نصدر عليها حكما نهائيا وقطعيا.. «فمياهها لم تستقر في مجراها بعد حتى نحدد هل هي اعصار قد عبث بقيم العالم وتراثه او هي غيث نافع؟»((524)).
هل الخطاب الديني الاسلامي على وعي كاف بمواجهة نظرية
«الكونية الثالثة» بلغة القرن الحادي والعشرين وهل هو قادر
على ذلك، او انه لا يزال يتلكا في امر القوالب الفكرية والمذهبية
التي افرزها الصراع على السلطة والاقتتال على
الزعامة؟((525)).
تلك جملة اسئلة حيوية لا تحتمل التاجيل او الارجاء. والاجابات
الصحيحة عنها كفيلة بمدنا بعناصر الموازنة بين العالمية
الاسلامية والعولمة من منظورنا الثقافي. تباشير الكونية الثالثة منذ امد غير بعيد، اطلق «داروين» نظرية النشوء والارتقاء، ثم اعقبه «او بنهايمر» بتفجير نظرية الفناء، وخلالها تحول العالم «الاول» من زراعة الارض الى زراعة الفضاء باقمارالبحث العلمي والعسكري، مختزلا الثورات الاجتماعية والفلسفية والثورة الصناعية والتقنية الى ثورة المعلومات.. وفي النصف الاخير من هذا القرن، وبعد السقوط الحر للايديولوجيات، ومع عجز المجتمعات عن تفسير تناقضاتها وعوامل انحلالها، تطالع النظرية «الكونية الثالثة» ابواب الشرق الموصدة بالمصالح الراسمالية المهيمنة، ويغدوقانون الس وق سنة حتمية لعالم لم يعترف الغرب برشده بعد((526)).
هنا، في هذا المنعرج الثقافي النفسي التاريخي المعاصر، تتحتم
على المجتمعات الاسلامية، تحديدا، ردة فعل مصيرية في
مضايق اختيارات محدودة تمليها ارادة تستقي محفزاتها من
موروثها الحضاري، صيانة للتلاشي واتقاء من الذوبان الذي
تشير اليه بلاغة التعبير القرآني: (وتذهب ريحكم..)
[الانفال 43]. وامام الحاح ضرورة تغيير جوهر الانموذج الغربي للتنمية((527)) الذي تفاقمت ويلاته في افقار العالم بشكل متزايد، وازاء شعور علماء السياسة بفقدان البدائل السابقة وعدم العثور على طريق جديد، رغم انهمار الاصلاحات، وحيث بدا لبعضهم ان السوق سوف تحل جميع المشاكل وانها بشير نظام دولي قائم على اساس التقدم الاجتماعي، تجلت خيبة ان الحرية الحقيقية سراب وان الليبرالية الغربية بنمطها الديمقراطي الذي يعد قمة الفكر والنشاط البشري حمالة كوارث، ولن تعتم ان تكون قطعة الدومينو العظيمة التي ستتحطم، في تقدير الفيلسوف الياباني الشهير «تاليش اوميهار» في المرة المقبلة((528)).
في هذا المنعطف المفصلي الحائر بالذات الذي يسري فيه
جدل اسبقية الديمقراطية او السوق، بعد مرحلة الحرب الباردة
وما آلت اليه من مجتنيات الفساد في الغرب((529)) والولع
بالفضائح بعد انهيار حائط برلين، كما يخبرنا «تشارلز ماير» عن
تحليله للازمة الاخلاقية((530)) التي سبقت احزان العولمة
المداهمة، يندرج مبحثنا النظري في الموازنة بين العولمة
والعالمية من منظورنا الثقافي. وخير مدخل، في منهج
المقارنة، هو البدء بتناول المفهومين بالتحليل والتعريف. التحليل المفاهيمي لئن كانت العولمة ترمي الى انتشار المعلومات وتذويب الحدود وتعميم التشابه المتزايد بين الجماعات والمؤسسات، فان ذلك لم يكن ليساعد على تحديد مفهومها او تحقيق اجماع على تعريف المصطلحات التي تستحدثها الطفرة الاعلامية. من ذلك انبثاق مصطلح النظام العالمي الجديد ( New World order)، ثم مصطلح (Globolization) الذي تعددت اقتراحات تعريبة من العولمة والكوكبة الى الكونية والشمولية. ولقد غلب استعمال العولمة لوشيجتها بمفردة العالم الواردة في الاصطلاح الاول. فماذا تعني العولمة؟
1-
فمن قائل: انها «حركة تستهدف تحطيم الحدود الجغرافية
والجمركية وتسهيل نقل الراسمالية عبر العالم كله كسوق
كونية»((531)).
2-
اما صندوق النقد الدولي الذي يتبنى المفهوم فيذهب الى
انها: «التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم، والذي
يحتمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر
الحدود، اضافة الى تدفق رؤوس الاموال الدولية والانتشار
المتسارع للتقنية في ارجاء العالم كله»((532)).
3-
وبمسبر الخلفيات يتجلى:
4-3: ولئن كان صموئيل هنتنغتون المتاثر ب آراء «برنارد
لويس»((536)) اليهودي المهندس الحقيقي لفكرة العولمة
والهيمنة الغربية، فانه لم يال جهدا في بعث الافكارالصهيونية
واعتقاداتها، باعتبارها توجها متطورا مستمرا في فرض الهيمنة،
ولكن بوسائل اخرى. «فكما استبدل الاستعمار القديم اساليبه
باساليب الاستعمار الحديث،واستبدلت قوات الاحتلال باساليب
التبعية الاقتصادية والعسكرية والتقنية، فان اسرائيل تريد ان
تحدث هذا التغيير وتستبدل سياسة العسكرة والاحتلال
بسياسات الهيمنة الاقتصادية»((537)). وبهذا تحاول الحركة
الصهيونية، في عهدها الجديد، احلال الاختراق الاقتصادي
والعلمي محل التوسع الجغرافي والامتداد الحدودي، عبر
معادلة «عولمة الصهيونية» او «صهينة العولمة» في سبيل
تحقيق اهدافها «ومواجهة الكم العربي بكيف
اسرائيلي»((538)).
وبهذا يتبين، مما سبق، ان العولمة بضاعة الحضارة الغربية التي
تحركها هيمنة رساميل الاقتصادانية بسلاح الانفجار
المعلوماتي وقوة الاختراق الثقافي للقرية الكونية المتصاغرة.
اما العالمية الاسلامية، المتوخاة في ديننا الحنيف، فعلى غير
المنوال المتقدم، بل وعلى طرف نقيض منها تماما، اذ هي
تعرف ابتداء بكونها «رحمة للعالمين» في استمدادها من السماء
دونما تفرقة ولا تمييز ولا اكراه ولا عنف.. تخلو من الاختراق
الوحشي والهيمنة المادية.. تجعل الناس جميعا سواسية،
اكرمهم عند الله اتقاهم.. ثم انها ليست ايديولوجية مرحلة
تاريخية معينة، ولا هي استراتيجية «الاوليغرشية» ولا تعبر عن
الافتراسية السوقية للامبراطوريات الشريرة((539)). دوافع النشاة يتمثل الباعث على نشاة العولمة، باختصار، في بلوغ السوق مرحلة «الكونية» باضمحلال الدولة القومية وتحجيم تاثيرها وظهور «مواطنة عالمية ( Comopolitaine) ويتجسد مستقبلها، حسب (Mc world) في «تلك الصورة المفعمة بالحركة لقوى اقتصادية وتكنولوجية وايكولوجية مندفعة تطلب التكامل والتناغم، وتغرق وعي البشر في كل مكان في طوفان الموسيقى السريعة والكومبيوترات السريعة والوجبات السريعة، دافعة الامم باطراد نحو «حديقة ملاه» عالمية واحدة متجانسة التكوين»((540)).
واذا «حوصلناها» من جانبنا بدت لنا العولمة تكنولوجية حديثة
للاسترباح واستراتيجية عريضة للاثرة المتزايدة وسياسة
للهيمنة الاقتصادية والثقافية على العالم.
اما دوافع الاسلام، فاستكمال الديانات السماوية وتتويجها
بالخاتمية العالمية، وتصحيح الشرائع والمعتقدات، ونشر قيم
السلام والحرية والعدل في مجتمعات مت آخية فوق المعمورة
تعمل في انسجام كلي مع الكون المسبح لله تعالى.
وبهذا يتقرر ان هدف العالمية الاسلامية تكريمي غيري
حضاري عمراني.
على حين ان هدف العولمة افتراسي اناني نرجسي وحشي
ابادي، يحتم اللهفة على «فن البقاء في شريعة السوق» بين
التناقضات وموازنات الكتل الكبرى والقوى الدولية((541)).
وليس مثل استجلاء الخصائص فيهما وتحليل الوظيفة لكليهما
بمبين لابعادهما ومراميهما. الخصائص
العمدة في استخلاصها باقتضاب الاقتصار فيها على الابعاد الثقافية والفكرية
والعقدية، تاركين النواحي السياسية والاقتصادية لاولي الاختصاص في هذه النواحي.
بديهي ان تستقي العولمة خصائصها من الثقافة الغربية،
وتعكس تصوراتها وتسوق قيمها ومعاييرها. ومن هذه
الخصائص:
في المقابل، تتميز العالمية الاسلامية، فضلا عن قابليتها
لاستخدام القنوات والوسائل الاعلامية التي يتيحها كل عصر
استخداما حكيما راشدا، بحيث يمكن من تجنيد اقبال واسع
على رسائل المضامين التي تبثها في ارجاء العالم، بميزة
الانتشار النوعي الهادف الذي لا يلهث وراء مغنم دنيوي عاجل،
بل يتقصد تقويم مسلك الانسان في حياته الفردية
والاجتماعية، اي انه يهفو الى ترقية اساليب الحياة المتحضرة.
لذلك يتفرد الاعلام الاسلامي بحضور وجداني متميز غالبا ما
تكون المنافسة معه عسيرة. ومثال ذلك منتزع من واقع انتفاضة الاقصى الشريف، حيث نقلت الفضائيات العربية بروعة فنية وتضامنية عالية مشاهد حية مباشرة للجرائم الصهيونية المتستر عليها، وهي تمارس في الحال على اطفال الحجارة، بل وترتكب على الابرياء منهم لو اذا. |