والنفيس، في اللحظة الاعلامية الاسلامية هذه مع ان مسلسل المجازر اليهودية متواصل منذ عام 1948 بالبشاعات نفسها والفضائع عينها هو ذاك النقل النوعي والفوري المباشر الذي لف المعمورة في ومضات بارقة يستجيش، بالمواكبة والتزامن في خصوصية غير مسبوقة، مشاعر السخط العالمي الحاشد وغزير الوعي والتعاطف الكوكبي التلقائي للشعوب في اختراق عابر للقارات لتعتيم الانظمة المتحالفة مع اسرائيل. والملحظ الوجيه ان هذه النوعية الاعلامية الرسالية لا تخلو من نقد صارخ على ملا من الكوكب الارضي لجلمود منظمات الدفاع عن حقوق الانسان((544)) ينتهكها انتهاكا مرئيا، بل فضائي، مدججون يهود يمطرون طفلا فلسطينيا، رديف ابيه، بسيل متهاطل من رصاص الجبن بلغ الاربعين رصاصة حاقدة بشهادة عيان من ملايين المشاهدين عبر الاقمار الصناعية في العالم! وملمس جديد بالتامل ان فورية بث الصورة الكونية، وهي تعتصر واقعية من باحات الاقصى المحتل، من دون سابق علاج او دافع تركيب، بعيدا عن كل تصرف او مراوغة، تقطر صدقا وتتحرى حقائق في التو المنظور.ولا شك في انها كذلك ابلغ في مصداقيتها الخام من كل تعليق. ناهيك عن لالاء نصاعتها اذا هي انبثقت من رحم الحدث مترافقة مع صدق اللهجة الشارحة ونزيه المقابلة الناقدة، تثبيتا للحدث في الضمائر والقلوب. اضف الى ذلك مؤثرات انسانية مفعمة تستدعيها مرامز هادفة او شعارات مواتية كتلك التي تفضح الدعم الامريكي المطلق للكيان الصهيوني بارتسام عبارة: ذخ ححچت آثج باللون الاحمر على مشهد مروحية اسرائيلية مقنبلة، او وصية شهيد يحث عبر الفضائيات على الجهاد وهو في رحلته البطولية الى البرزخ السعيد...((545)).

الخاصية الرابعة: يذهب بعض المراقبين الى ان اسوا ما في العولمة، وهي لا تعني في السعي للاستحواذ على مناطق النفوذ او ما يعرف ب«المجال الحيوي»، نزعة الامركة على معنى صب العالم في قالب واحد واجتياح «الانموذج» الامريكي وتصديره للعالم. الامر الذي جرمته فرنسا مثلا وطالبت بالاستثناء الثقافي((546)) وذلك ان كانت «عولمة» القرية الكونية مطلبا اعلاميا صحيحا فان الاعتماد المتبادل غير متكافىء، لغلبة الاحادية القطبية وهي تهدف الى الاستفراد بالشان العالمي. وهذا اخطر ما في العولمة((547)) ل«ان الذي يقود حركة العولمة، كما يقول «جوناثان فريدمان»، هو قوانين راس المال وآلياته وليس الثورة العلمية او التكنولوجية»((548)) ما حداببعض المحللين الى الحديث عن «حضارة الفوضى» والسعي للتنظير لايديولوجية جديدة تساعد على تقديم الانموذج الامريكي بديلا كونيا((549)).

ومن هنا مثار تساؤلات عن «جدل الهوية الثقافية»، فهل نحن بصدد «ثقافة العولمة او عولمة الثقافة»؟((550)) وهل العولمة مشروع غربي او هي ثقافة عالمية؟ وهل من الممكن اصلا الجمع بين المصطلحين: «عولمة ثقافية»؟ بينما الثقافة تنبثق وتتطور وتتميز في موقع معين؟ هل تقبل الثقافة التعولم؟ واذا ما انتشرت العولمة في مجالات شتى فهل تشمل الثقافة؟((551)) ثم هل العولمة، بنحو او آخر، عملية غسيل حقيقية للادمغة، كما اشار الى ذلك مارتن ولف؟ هل الاشكالية في العلاقة بين الكونية والخصوصية، بين العام والخاص في مجال انتاج القيم الرمزية او هل ان الثقافة باتت تنهل اسباب وجودها وشخصيتها من مصادر فوق وطنية؟((552)). واذا كان نقادالعولمة يزعمون ان الاقمار الصناعية هي بمثابة «نجوم الموت» الثقافية التي ستفضي الى تجريد البشر من هوى تهم وان مقياس التقدم الحضاري في افول التمايزات الثقافية،يرى المدافعون في تفاؤلية كبيرة استحالة ذلك على كوكب يعيش فيه ستة بلايين انسان يتعزز تواصلهم وتفهمهم بشكل متزايد. والمجتمعات الناجحة ما اتسمت فيها الثقافات بالتعددية الثقافية((553)).

جميل ان تحطم العولمة حواجز الاتصال بالاخر. ولكن لاي غرض؟ التقتحم عليه هويته وثقافته ووطنيته ام لتنجده او تنتشله من وهدة التخلف والعزلة والجهل، فتمكنه من مواكبة التطورات العلمية وتدفعه للتفاعل الحضاري وقطف ثمار التقدم؟ الامر مختلف مع خصائص العالمية الاسلامية. فعلى النقيض من هيمنة الامركة (Americanisation) ذات الطابع القهري والنزوع الى التجانس النمطي((554)) تقوم العالمية الاسلامية على اساس بناء القناعة الذاتية والاختيار الحر، بعيدا عن ضروب الاكراه. بل انها لتترعرع في كنف التنوع الذي يثرى بالتبادل وامكانية التوحيد او التوحدالواعي المت آلف في غير ما تكبيل بقيود التنميط السليط المبلد.

ولئن تاقت العولمة الغربية الى انتقال تركيز اهتمام الانسان ووعيه من المجال المحلي الى المجال العالمي، ومن المحيط الداخلي الى المحيط الخارجي، عبر التلفزيون والتليفون، ومن خلال البريد الالكتروني وشبكات الانترنيت، بحيث يزداد الوعي بعالمية العالم وبوحدة البشرية، سيما اذا تابعت بالصوت والصورة الحية حدثا عالميا في وقت واحد كافتتاح الدورة الاولمبية او توقيع اتفاقية السلام في واشنطن، او مراسم دفن ملك او الاميرة ديانا... هذا التواصل الاخباري المباشر يوهم في ظل العولمة بارتقاء في تخيل الافراد بوحدتهم السكانية، وكانها متلاحمة على الكرة الارضية يظللهم قمر صناعي واحد!((555)).

واذا كان مجرد الاشتراك في التفرج على الحدث العالمي الواحد، مهما بلغ التواجد معه، كافيا عولميا لتوحيد البشر وايهامهم بانتفاء فوارقهم واختلافاتهم، فلتتكاثر الشاشات ولتنتصب الاطباق الفضائية في الدنيا كلها لتحل محل الكواكب في السماء ما دامت الوحدة الانسانية الموهومة رهينة نشرة الاخبار والبث المباشر للاحداث في العالم!

لكن العالمية الاسلامية اصدق قولا واعقل واقعية. فهي تربط الوحدة البشرية، في بعدها العالمي، منشا ومصيرا، بلحمة الاعتقاد الراسخ وغاية التعبد لا عبر الاثير والهوائيات. فتقضي التعاليم الاسلامية بوجوب الاهتمام بهموم الاخر ومشاطرته في حل قضاياه. وهذا ما يرشد اليه الحديث الشريف: «من اصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم»((556)). وهي لا تلفي في آليات اممية راس المال ذريعة للتوحد بل سببا في مزيد من التشرذم واتساع الفروق الطبقية، وتعد عولمة اقتصاد السوق مفاقمة وبائية لاملاق الفقراء ومثراة غير عادلة للمترفين والاثرياء. وانما العولمة السليمة ما انبنت على اساس تعميم الانتفاع من الثورة العلمية والثروة العلمية والثروة المعلوماتية من دون استئثار او اقصاء، ليس من جهة اكتساب الحق فيها وحسب، ولكن من باب التحريض على وجوب نشدانها ايضا. فتحذيرات الحديث النبوي بينة: «ويل لمن لم يعلم، وويل لمن يعلم ولا يعمل بما يعلم»((557)) وفيه اشارة عرضا الى نبذ العلم للعلم او الاعلام للاعلام. وبالوسع ان نردف العولمة للعولمة من دون غايات انسانية نبيلة.

ان البديل الذي تقدمه العالمية الاسلامية - وقد نقول العولمة الاسلامية الهادفة لو تاتت لنا وسائلها - ليس بشريا، او هوية تفرضها قوانين السوق وهيمنة شرسة للاحادية القطبية وافتراسية الامبراطوريات الشريرة((558)) ونهم العولميين او الاخباريين الجدد. بل ان بديلها الرحيم تمليه قيم السماء لاهل الارض جميعا من دون غمط ولا احتكار اوقصد، بدليل التوعدات المانعة في مثل قوله(ص): من كتم علما الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار»((559)). ويعجبني، في هذا السياق، تفسير الشيخ الشعراوي للاية الكريمة: (والارض وضعها للانام) [الرحمن/10] يعني الارض، الارض كلها، للانام، الانام جميعهم. بينما تحدد النظم السياسية الحدود في الخرائط وتندلع الحروب على شبر واحد، فتكون ارض بلا رجال ورجال بلا ارض. ومن هذا المعنى نستلهم المنظور الاسلامي للعولمة: وهو ان يعم خير الارض كلها الانام جميعهم، فضلا عن التفتح وحق الاختلاف الثقافي المكفول. وبعبارة مختصرة: ان العالمية الاسلامية تستوعب العولمة وتخدم ترشيدها لفائدة الانسانية قاطبة وليس لصالح فئة «اوليغرشية»((560)) معينة، بحيث تنقلب العولمة الى «فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات (او الى) رديف الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالتقانة فيهدر سيادة الثقافة في سائرالمجتمعات التي تبلغها عملية العولمة»((561)).

الخاصية الخامسة: مركانتيلية((562)) الافكار واستهداف الالهاء في القرن المعولم الجديد((563)) علما بان «مرحلة الاممية المالية مرتبطة ارتباطا وثيقا باممية عصر الاتصالات عبر الاقمار الصناعية وعصر الدعاية والاشهار، وهو الجانب الثقافي في القضية وذو علاقة متينة بكل مشروع يهدف الى التجديد الفكري او السياسي. فلا بدمن ان نعلم، في هذا الصدد، ان ميزانية صناعة الدعاية والاشهار تبلغ في الولايات المتحدة الامريكية وحدها مئتين وخمسين مليارا من الدولارات.. وهكذا انتصرت ثقافة شركات «والت ديزني» و«ماكدونالد» عبر الاشهار الدولي، واصبحت الافكار مثل السلع ترتدي جلبابا موحدا واقتلعت الاطباق المستقبلة، لما ترسمه الاقمار الصناعية من صور واشارات، ملايين البشر من بيئاتهم الحضارية من انماط عيشهم ليصبحوا يحلمون بمستوى معيشة اثرياء الارخبيل العالمي الجديد، ويدرك قادة العولمة ان هذا اللحاق مستحيل، فجاؤوا في اجتماع فندق فيرمونت باهل الاختصاص للتصدي لانتفاضات الشعوب وغضبها لينظروا لضرورة تسليتها بوضع «الاثداء المخدرة»((564)). وواضح في التحليل الاخير ان ما يصفه بعضهم «باحزان العولمة» اوخم من الاستعمار في تكريس التبعية والبؤس والاستلاب الحضاري.

على حين ان العالمية الاسلامية التي لا تحركها اغراض تجارية وليس وراءها سدنة اممية راس المال، تعنى بالمضامين النوعية وروحية الفعل المؤثر بمناى عن اساليب التغريراو الاغواء، ما يخولها قدرة كبيرة على التجنيد واستيعاب قدسية الهدف المرتسم للاعتناق والتبني العريض، سيما ان الاعلام الاسلامي في توقانه العولمي الحديث يحاول ان ينقل المثل الاعلى مجسدا في انموذج تطبيقي حي عمليا لا نظريا ما امكن، لان التصوير التاريخي وحده لا يكفي للتحريك الفوري الا لدى المثقف، من دون آنية وعائه الاجتماعي والظرفي.

ولما كانت المضامين النوعية مساقة عبر قنوات الدعوة الاسلامية في احدث اشكالها وارقاها، واجهزتها العصرية تتوخى خير الانسانية جمعاء، تعين رساليا انتداب انتقائية رفيعة في اخلاق الاعلام لانتقال الافكار والاتجاهات والمعلومات وشتى البيانات والاذواق بمنخل معيارية عالية لا تحد من الحريات الثقافية الا اذا كانت بهيمية سائبة،تحدث صدوعا في الانساق القيمية وشروخا مؤلمة في الهويات. هذا التحفظ الوقائي هو ما يعرف في اوروبا بالاستثناء الثقافي، او بقيود الانفتاح في آسيا، او العولمة المضادة ذات البعد الانساني((565)) في التحليل الاسلامي، سواء في نقل الانسان الى العالم ام نقل العالم الى الانسان من دون احزان العولمة((566)).

خاتمة

وصفوة القول: ان انجازات الثورة الرابعة لهائلة في مجالات الاتصال! وهي كذلك لتنهض بمطالب الدعوة الاسلامية، اي الاتجاه الدعائي لرسالة الاسلام فيما اذا احسنا توجيه ارقى تقنيات العصر الحديث. ذلك ان الاسلام الذي هو في الاساس دعوة عامة بالمفهوم الديني، او دعاية بالمفهوم الاعلامي النظيف، والاصح انه يجمع بينهما في آن واحد،تنتعش حركية منهجه الانتشاري وتزداد بتطور وسائل الاتصال والتواصل الاخباري الحي المباشر بين الشعوب وتهاوي الوسائط التبليغية المشوهة... الامر الذي يجعل العالمية الاسلامية تستوعب العولمة الاتصالية وتحتويها. ولعل قرن الاقمار الصناعية هذا هو اكثر القرون خدمة للدعوة الاسلامية، اذ يضع التقنية الاعلامية الكوكبية العالية في خدمة قدسية المبدا الالهي الاصح والتوعية الممكنة به، ليكتسح اغوار المعمورة في الخطفة البارقة ويرسله بتلقائية بلاغية صافية امام ضمير العالم تحقيقا لمنصوص الاية الكريمة:(لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة/143] ((567)) والا فاية روعة ابهر وابهج من رؤية شهيد برزخي يخطب في الاحياء من اعماق رمسه عبر الفضائيات يستنهض بشهادته الهمم لتحرير القدس الشريف مثلا! وعليه، فالعالمية الاسلامية، كما اتضح من المقارنة، هي عولمة انسانية ايجابية مضادة للعولمة السلبية المتوحشة، وهي اكثر رحمة واستيعابا وانسانية، بل واكثر فاعلية على بعث الحضارة الانسانية السمحاء التي ترقى بالانسان الى الكمال، وادعى للانتشار والتعايش السلمي، واصلح للبقاء واكثر قدرة على بعث قابلية التعولم الصحيح والانفع.

العولمة في المجال الثقافي

الشيخ حبيب آل جميع

العولمة: من الغزو الى الاختراق الثقافي

قبل عدة سنوات كان الحديث منصبا، بشكل كبير، على تداعيات الغزو الثقافي وما يسببه من تحديات حضارية شاملة، وتاثيرات سلبية على المجال الثقافي بخاصة، داخل العالم العربي والاسلامي.

وخلال تلك الموجات المتتالية لما اطلق عليه «غزو ثقافي»، تحركت اقلام المثقفين العرب والاسلاميين للوقوف في وجه هذا الغزو المنظم، الذي يهدد الهوية الحضارية للامة العربية والاسلامية، ويعمق حالة الاستلاب الثقافي. وعلى الرغم من تلك المناداة ونواقيس الخطر التي دقت، والاتهامات التي وجهت لعدد من المؤسسات الحكومية والاهلية،وللنخب المتغربة، باعتبارها تشجع هذا الغزو الثقافي وتعمقه بطرق غير مباشرة، وذلك باهمال اتخاذ التدابير الوقائية من جهة، ومباشرة في بعض الاحيان، خصوصا ما تقوم به تلك النخب من التبشير بعدد من النظريات والقيم التي تقوم عليها الحضارة الغربية، فتقدمها بوصفها قيما انسانية توصل اليها الانسان الغربي من طريق التطور التاريخي الحتمي، فان هذه الموجات لا تزال تتتالى.

وبالتالي، فقد تعومل مع هذا الغزو الفكري والقيمي الغربي، على انه احدى موجات الحداثة الفكرية التي يجب على العالم العربي والاسلامي ان ينخرط فيها، ويستوعب معطياتها، ان اراد ان يواكب العصر ويساير التطور الحضاري الانساني.

لكن بالرغم من كثافة هذا الغزو الفكري الغربي، والتشجيع المباشر وغير المباشر الذي يلقاه، داخل العالمين العربي والاسلامي، من طرف مؤسسات ونخب، الا ان شرائح عريضة من المجتمع، ومن بينها قطاعات نخبوية، لم يؤثر فيها هذا الغزو الا بمقدار تنبيهها لخطورته، وضرورة ايجاد ردات فعل، تبلورت فعلا في محاولات حثيثة للبحث عن وسائل وآليات تدعم الممانعة الثقافية والحضارية بشكل عام.

وقد ادت ردود الفعل هذه، والحديث عن بلورة آليات للمانعة، الى انفجار النقاش حول جدوى الانفتاح على قيم الغرب وثقافته، ما اثار اسئلة منها: هل يعد ذلك ضروريا بحكم الغلبة الحضارية، وان كان الامر كذلك فما مقدار هذا الانفتاح؟ وما هي حدوده القصوى؟ كما تناولت الاقلام التداعيات السلبية للتغريب والاستلاب الثقافي، باعتبار ان النهضة العربية والاسلامية المنشودة لن تقوم على قاعدة جماهيرية مستلبة، ومشوهة الهوية، ومهجنة فكريا وثقافيا.

وقد اسهم الصراع الايديولوجي بين الشرق والغرب، وانقسام دول العالم الثالث - ومن بينها الدول العربية والاسلامية - بين مناصر او مناهض للشرق او الغرب، في دعم الجهود التي كانت تبذل لمواجهة بعض عناصر الغزو الثقافي ومقاومتها، لان ذلك كان يصب في دعم الدولة الوطنية واختياراتها الايديولوجية في السياسة والاقتصاد خصوصا. وبالتالي فقدكانت بعض العناصر التي تعدها فئات من النخب (الاسلاميون خصوصا) غزوا فكريا وقيميا غربيا (الغرب هنا بشقيه: الراسمالي والاشتراكي) اختيارا ايديولوجيا للدولة اوالحزب الحاكم. لذلك فقد كان الصراع الفكري داخل الدول العربية والاسلامية بين النخب، يدور حول تحديد مفهوم هذه الاختيارات الايديولوجية، وهل يمكن اعتبارها من قبيل الغزو الفكري الذي يمس الهوية الفكرية والحضارية للامة او يندرج ضمن التطور السياسي والاقتصادي والفكري، الذي جاء نتيجة طبيعية للتطور الحضاري الذي تعرفه الانسانية، واستجابة ضرورية للاحتكاك الحضاري الذي نعيشه، والذي لا يمكننا تجنبه بحال من الاحوال؟

الا انه في هذه المرحلة التي كثر الحديث فيها عن الغزو الثقافي وتداعياته السلبية، لم تكن وسائل الاعلام ووسائط الاتصال قد بلغت من التطور والانتشار ما وصلته الان.وهذا التطور الثقافي في وسائل الاعلام، واكبته احداث سياسية واقتصادية مهمة عرفتها الساحة العالمية. فالمعسكر الاشتراكي تعرض للانقسام السياسي والتجزؤ، بفعل الازمات الاقتصادية الخانقة التي عرفتها دوله خلال السنوات الاخيرة، ما عجل بسقوطه وتفكك كتلته السياسية والاقتصادية والايديولوجية، في المقابل نجد ان المعسكر الغربي والراسمالي يعد هذا التفكك والانهيار انتصارا له ولايديولوجيته السياسية والاقتصادية. ومن ثم انطلق الحديث داخل اوساطه الفكرية عن انتصار الانموذج الغربي الليبرالي بوصفه الانموذج السياسي والاقتصادي الاخير والافضل الذي وصل اليه تطور البشرية، وان على الدول التي كانت تقف البارحة منه موقف المعارض والرافض، ان تسرع لركوب قطاره وسلوك طريقه، وبدا الحديث عن القطب الواحد الذي يتحكم بتسيير قطار الاقتصاد العالمي، حيث العمل على قدم وساق لتحرير الاسواق العالمية والغاء الحواجز الجمركية بين الدول لاستقبال السلع. ترافق ذلك دعاية واسعة النطاق للترويج لقضايا حقوق الانسان والديمقراطية، وضرورة تبني الايديولوجية الليبرالية جملة وتفصيلا.

وهكذا، فبين عشية وضحاها، بدات عناصر الايديولوجية الغربية الليبرالية تعرف طريقها نحو اوسع انتشار عرفته عبر العالم، مستفيدة من قوتها الاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها بالدرجة الاولى، ومستغلة وسائل الاعلام المتطورة جدا لتسويق هذه الايديولوجية والتبشير بها. وفعلا، فقد بدا الحديث عن العولمة الاقتصادية بوصفها ظاهرة ملموسة، تتبلور كل يوم لتشمل جميع القطاعات الاقتصادية داخل العالم الثالث، فليس هناك الان حديث الا عن الخصخصة، وتقليص دور الدولة في تسيير الاقتصاد الوطني،وتحرير الاسواق المحلية وفتحها امام الانتاج العالمي، وربطها من ثم بعجلة الاقتصاد العالمي الذي تتحكم فيه، بالطبع، الشركات العابرة للقارات والمؤسسات المالية والتمويلية الغربية العملاقة.

وعليه، يمكن ان نقول: ان العالم في طريقه ليصبح سوقا واحدة مفتوحة على جميع الاسواق والاقتصاديات، تتحكم فيه، الى جانب رؤوس الاموال الغربية، قوانين الاقتصاد الليبرالي المعمول بها في الغرب بشقيه: الاوروبي والامريكي. ثم بدا الحديث عن العولمة بوصفها ظاهرة جديدة برزت على السطح. فانطلقت الاقلام وعقدت المؤتمرات والندوات لعلاجها ومناقشة ابعادها وتداعياتها الايجابية والسلبية، ليس على المستويين الاقتصادي والسياسي فقط، وانما على المستوى الثقافي ايضا. لان العولمة الثقافية بالخصوص بدت كانها كاسحة ستجرف جميع الخصوصيات الحضارية لجميع الشعوب الغربية وستقضي عليها. بل ان شعوبا اوربية شعرت بمخاطر هذه العولمة لانها في حقيقة الامر، عولمة تحمل في طياتها مشروعا لامركة العالم. لان القيم النفسية والسلوكية والعقدية الامريكية هي المهيمنة على هذه العولمة الثقافية. فالولايات المتحدة الامريكية تهيمن على الاعلام وتمتلك النسبة الاكبر من وسائل الاعلام العالمية، ومن ثم فهيمنتها ليست اقتصادية فحسب وانما ثقافية كذلك، وهذا اخطر ما في هذه العولمة او«الامركة». لان الذوق والسلوك والعرف... الامريكية، ستعرف طريقها نحو العالمية، مشكلة ضغطا وتحديا لباقي الاذواق والسلوكيات والاعراف التي تشكل، بالاضافة الى الاديان والعقائد، المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لباقي الشعوب في العالم.

وبما ان اجهزة الاستقبال والتقاط البث الاذاعي والتلفزيوني الفضائي قد استطاعت، في الاونة الاخيرة، الدخول الى معظم المنازل والبيوت، بسبب انتشارها وكثافة تسويقها العالمي ورخصها كذلك، فان المادة الاعلامية الغربية والامريكية بدات فعلا تصل الى المتلقين في العالمين: العربي والاسلامي من دون حواجز تذكر. بل بسهولة ويسر، وهذا ماجعل الحديث عن الاختراق الثقافي يحل محل الحديث السابق عن الغزو الثقافي، لان وسائل مقاومة الغزو كانت متيسرة واكثر فاعلية. بحيث كان بمقدور المؤسسات الحكومية والاهلية ان تقاوم هذا الغزو او تقف في وجهه، او على الاقل، تخفف من آثاره السلبية، كما كان بامكانها في بعض المجالات ان تصد هذا الغزو. الا ان الوضع الان قداختلف كثيرا، فلم يعد بامكان المؤسسات الحكومية او الاهلية ان تقوم بالدور نفسه. ومما يزيد الوضع خطورة، ارتباط هذا الاختراق، او العولمة الثقافية، بتبني الخيارات الاقتصادية والسياسية الغربية. ومما لا شك فيه ان وسائل الاعلام الغربية والامريكية تؤكد على ترابط هذه الخيارات في المجالين الاقتصادي والسياسي مع ما تروج له من قيم ثقافية وسلوكيات وانماط عيش غربية، واذواق في الملبس والماكل، وصولا الى صياغة تفاصيل الحياة اليومية وكل ما يتعلق بها من شؤون تخص الفرد او الاسرة اوالمجتمع.

وهنا تكمن الخطورة فعلا، لان وسائل الاعلام، وخصوصا الانتاج السينمائي الهوليودي، يسعى بجد وقوة لنشر قيم المنافسة وترويجها وتمجيد القوة، والتاكيد على الفردانية، ونشر ثقافة الاستهلاك، والدعوة الى تحرير الرغبة الانسانية من مختلف القيود، وابعاد كل ما هو غيبي عن حياة الانسان، ومن ثم تقدم للانسان اهدافا جديدة، تتمحور حول السعي الحثيث لتحقيق الرغبات الشخصية من دون اعتبار لقيم الحق او العدل كما بشرت بها الاديان.

وبما ان هذه المادة الاعلامية بدات تطرق باب الانسان وتشاركه خلواته من دون رقابة او تمحيص، فان آثارها المدمرة بدات تظهر وتنتشر داخل الاوساط الاجتماعية فعلا. فظواهر التفسخ الاخلاقي والتفكك الاسري، وظهور جرائم لم يكن المجتمع العربي والاسلامي يعرفها، وغيرها من الظواهر الغربية، دليل على ان هذا الاختراق بدا يؤتي اكله.

وبما ان الاجراءات لوقف هذا الاختراق، او مواجهته، اكثر صعوبة واشد تعقيدا، فان المادة الاعلامية والثقافية الغربية لا تجد حتى الان، صعوبة في الوصول الى عقل المتلقي في العالمين العربي والاسلامي، وقد بدات فعلا صياغة الاذواق والاهتمامات والاهداف، ومن ثم فنحن امام عولمة او «امركة» حقيقية في طريقها للتوسع والتغلغل والانتشار، ولااحد يعرف الى اين ستصل، وما هو الحجم الحقيقي الذي ستاخذه تداعياتها السلبية على الهوية الحضارية للامة العربية والاسلامية.

تاثير العولمة الثقافية على الهوية العربية والاسلامية

من المعروف ان مشكل الهوية كان قد طرح للمناقشة والتداول والمعالجة مع بدايات الاحتكاك بين الحضارتين الغربية والعربية الاسلامية، خصوصا بعد شمول السيطرة العسكرية الغربية العالمين العربي والاسلامي، لان الغرب شرع في نشر لغته وانموذجه الحضاري داخل الاوساط الاجتماعية، مستغلا الضعف الذي كانت الثقافة العربية والاسلامية تعاني منه، فعمل الاستعمار الغربي على زيادة تهميش عناصر الثقافة العربية والاسلامية، واهمها اللغة العربية، بوصفها اداة فاعلة لنقل الثقافة والمحافظة عليها،وباعتبارها الوسيلة الوحيدة للارتباط بالموروث الثقافي للاجداد، هذا الموروث الذي كان ولا يزال يغذي امكانات التحدي والبقاء ويعمقها، ويمكن من الاستمرارية ويقاوم الذوبان الحضاري.

لذلك فمن بين اهم الشعارات التي رفعت في وجه الاستعمار وساعدت بشكل حاسم في اخراجه وتحقيق الاستقلال، كان شعار، الدفاع عن الهوية.

ثم مع الغزو الثقافي المنظم، لم يتوقف الحديث عن الهوية التي يجب ان تحصن امام هذا الغزو. وعليه فخلال المئة سنة الماضية تقريبا والى الان، لم يتوقف الحديث عن الهوية التي تتعرض لمخاطر الغزو والاحتكاك، ومن ثم الى خطر الذوبان.

لكن ما يلاحظ هو ان معالجة هذا الموضوع قد تطورت بشكل ملفت، لان مجموعة من التداعيات كانت قد استوعبت بطريقة ايجابية، وذلك لان المفكر العربي والاسلامي تعامل معها على انها لا تمس جوهر الهوية، وانما هي عناصر تتعلق بالجانب المتحول في حضارتنا وقيمنا واعرافنا، وبالتالي فاي تاثير عليها، سواء بالتطور ام بالالغاء والنسخ، ليست له مدخلية حقيقية في العناصر الاساسية المكونة لهويتنا العربية والاسلامية.

وقد دعم هذا الاتجاه ضعف تماسك عدد من العناصر التي تروج لها الثقافة الغربية، باعتبارها غير عقلانية او مناوئة لقيم دينية راسخة وسليمة ومنسجمة مع الفطرة الانسانية،لذلك لم تجد الثقافة العربية والاسلامية صعوبة علمية وعملية في نقد هذه العناصر والكشف عن تهافتها والرد عليها بشكل مقنع ومؤثر، وقد استوعبت هذه الردود قطاعات واسعة من الامة (نخب وعوام) واعتقدت بموضوعيتها وقوتها، ما جعل تلك العناصر الثقافية الغربية (كالالحاد مثلا) تتراجع وينحسر انتشارها بشكل كبير، بل ان موجات مناهضة للثقافة الغربية شكلا ومضمونا قد عرفت طريقها نحو الانتشار الواسع داخل الاوساط الثقافية والاجتماعية بشكل عام، ومن ثم تعززت مكونات الهوية في الوقت الذي تصاعدت فيه موجات الدعاية للثقافة الغربية.

ومن المظاهر التي سجلت وارخ لها، بوصفها ظاهرة ميزت العقود الثلاثة الماضية، ظاهرة المد الاسلامي، او الاصولية كما يسميها الاعلام الغربي، التي انتقد دعاتها بشدة الحضارة الغربية وحملوا على ثقافتها وقيمها، ودعوا الى رفضها ومقاومتها والتشبث بالقيم العربية والاسلامية والعناية بالموروث القيمي الحضاري لامتنا. وقد لاقت هذه الدعوات استجابة عريضة داخل الاوساط الاجتماعية والنخب الثقافية بدرجات متفاوتة.

وقد عُدَّ انتشار هذا المد من الصحوة الاسلامية بمثابة رد فعل طبيعي على عقود من التغريب ومحاولة اللحاق والاستتباع الحضاري الذي حاولت بعض النخب السياسية التابعة ثقافيا للغرب ان تفرضه. كما عددليلا على احقاق مشاريع التحديث الثقافي التي مست الهوية في عدد من عناصرها، والتي كانت تستمد مكوناتها الايديولوجية من الحداثة الغربية وتتغذى من انتاجها الثقافي.

ومما لا شك فيه ان ظاهرة الصحوة الاسلامية قد عززت مفهوم الهوية الحضارية وعمقته وكشفت عن امكانات ضخمة تختزنها ذاكرة الامة الثقافية ووجدانها الداخلي، وان الضربات المتتالية التي تعرضت لها هذه الهوية لم تكن قاتلة، بل ساعدت على نفض الغبار عنها وتفعيل عناصرها ومد ها بدماء وحيوية جديدة.

وقد سجّل كذلك تراجع لعدد من رموز النخب التي كانت تجعل من نفسها وسائط لنقل الثقافة الغربية، بل اصبحت مجموعة منهم من الدعاة لرفض الثقافة الغربية ومقاومتها والتشبث بعناصر الهوية العربية والاسلامية.

واذا كانت هذه الظاهرة الداعية الى التشبث بالهوية واحيائها، قد كشفت عن مواقف متطرفة، تدعو للانغلاق ورفض الاخر بشكل نهائي وقاطع، فان مواقف اكثر نضجا وفهماللصراع الحضاري وللموقف الحرج الذي تعاني منه الامة العربية والاسلامية، ليس على المستوى الثقافي فحسب، ولكن على المستوى الحضاري العام، كانت قد تبلورت، لانها وانطلاقا من موضوعية المعالجة شعرت بضرورة التثاقف والانفتاح على الاخر، لكن بشروط من اهمها: تفعيل عناصر الثقافة العربية والاسلامية، وتنشيطها، والكشف عن خصائصها ومميزاتها، ومحاولة تقديمها بحلل جديدة لائقة، تستطيع ان تقاوم وتنافس بل وتنتصر في نهاية المطاف، وعدم الخلط بين الثابت والمتحول في ثقافتنا.

كما ان النقد الموجه للحضارة والثقافة الغربيتين كان اكثر عقلانية وموضوعية، يميز بين ما هو انساني عام وما هو خصوصية انجبتها رحم ظروف التطور التاريخي والاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته المجتمعات الغربية. لذلك اتصفت هذه الانتقادات بالعمق، وتبنتها شرائح واسعة من المثقفين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الايديولوجية.

فالحديث عن الهوية العربية والاسلامية والتحديات التي تواجهها من طرف الحضارة الغربية ليس وليد بروز ظاهرة العولمة الثقافية، وانما يرجع، كما اسلفنا القول، الى بداية الاحتكاك العسكري والثقافي مع هذه الحضارة قبل قرنين من الزمان تقريبا، وقد عرف هذا الاحتكاك تطورا اتسم بالمد والجزر، بالاستجابة الايجابية حينا وبالتصادم والعدوان حينا آخر. لكن ما يميز ظاهرة العولمة هو كون التحديات الان اخذت بعدا آخر، اكثر شمولية وخطورة، لان الثقافة الغربية امتلكت الان الوسائل والادوات القادرة على الوصول الى عقل الانسان العربي والمسلم بشكل دائم ومستمر، وقد امتزجت وتداخلت مع عدد كبير من المجالات الاقتصادية والسياسية والعلمية، لذلك فقدرتها على التاثير اصبحت مضاعفة وغير محدودة.

وأمام الاخفاقات التي تعاني منها مجالات الثقافة والاقتصاد والسياسة داخل العالمين العربي والاسلامي، فان ارضية التاثير والاستيعاب اصبحت مهياة اكثر لاستقبال موجات الثقافة الغربية، وهي تدعو وتنشر قيمها باعتبارها قيما انسانية متقدمة. جاءت نتيجة قرون من تراكم الخبرات والتجارب الانسانية في غير مجال وعلى غير صعيد.

هذا الوضع الجديد الذي وصل اليه الاحتكاك الذي اخذ طابع الصراع، في اكثر الاحيان، والامكانات التقنية الهائلة التي تملكها الثقافة الغربية، والوضع المزري الذي يتخبط فيه العالم العربي والاسلامي، هو الذي يؤرق النخب المثقفة العربية والاسلامية، ويجعلها تتوجس خيفة من العولمة الثقافية، اكثر بكثير من خوفها من الغزو الثقافي الذي عالجته وناقشت تداعياته من قبل.

فهذه العولمة شاملة وليست ثقافية فقط، وانما اقتصادية وسياسية، وهذان العنصران يدعمان الثقافة بشكل كبير، لانها بدورها تساعدهما على التجذر والتعمق باعتبارهماخيارين حضاريين يستجيبان لحتمية التطور. وهذا يشكل تحديا خطيرا للهوية العربية والاسلامية لم يسبق لها ان تعرضت له بالحجم والقوة والخطورة نفسها.

لذلك نجد ان النخب المثقفة العربية والاسلامية هرعت لمناقشة ظاهرة العولمة الجديدة، لمعالجتها والكشف عن اخطارها على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية جميعها. وقد عقدت غير ندوة ومؤتمر لمناقشة هذه الظاهرة، كما خصصت مجموعة من الدوريات المتخصصة بشؤون الفكر والثقافة ملفات لمناقشة تداعيات العولمة والتعريف بها. وكتب الكثير حولها من طرف المفكرين والمثقفين. وفي ما ياتي سنحاول تتبع آراء مجموعة من المفكرين العرب والاسلاميين حول الاثار السلبية للعولمة الثقافية على الهوية العربية والاسلامية، وما هي الوسائل التي يقترحونها للحد من تاثير التداعيات المدمرة لهذه الظاهرة الخطيرة التي تعد من اهم التحديات التي تواجهها الامة العربية والاسلامية الان واخطرها..

المثقفون العرب وموقفهم من العولمة الثقافية

نظم مركز دراسات الوحدة العربية، في بيروت، ندوة حول: «العرب والعولمة»، وذلك بين 18 و20 كانون الاول (ديسمبر) عام 1997م. حضر الندوة عدد كبير من المثقفين والمفكرين الاقتصاديين واكاديميين مختصين في ميادين معرفية مختلفة. وقد تناولت الاوراق التي قدمت لمعالجة العولمة، على المستوى الثقافي، لانها قدمت كما اشار الى ذلك المعقبون عليها رؤى عميقة تجاه العولمة الثقافية، كما قدمت مقترحات نظرية وعلمية للحد من التداعيات السلبية لهذه العولمة.

الورقة الاولى كانت للدكتور محمد عابد الجابري، استاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالرباط (المغرب)، تحت عنوان: «العولمة والهوية الثقافية: عشر اطروحات»، يعرف الجابري الثقافة بانها: «المعبر الاصيل عن الخصوصية التاريخية ومهامه هنا، وقدراته وحدوده، وما ينبغي ان يعمل وما لا ينبغي ان يامل». وبناء على هذا التعريف يرى «ان العالم لا يحتضن ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل ان توجد هذه الثقافة في يوم من الايام، وانما وجدت وستوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية، او بتدخل ارادي من اهلها، على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة، من هذه الثقافات ما يميل الى الانغلاق والانكماش، ومنها ما يسعى الى الانتشار، ومنها ما ينعزل حيناوينتشر حينا آخر...»((568)).

هذا ما يراه الجابري بخصوص التعدد الثقافي الذي يزخر به العالم، اما العولمة فيعدها «ايديولوجيا تعكس ارادة الهيمنة على العالم وامركته... لانها تعمل على تعميم نمط حضاري يخص بلدا بعينه هو الولايات المتحدة الامريكية، بالذات، على بلدان العالم اجمع... لذلك فهي تنحو باتجاه القضاء على الخصوصية الثقافية بشكل عام، في الاذواق واولويات التفكير ومواضيع التفكير ومناهج التفكير..». اما وسائلها فهي سمعية بصرية، تهدف المادة الاعلامية التي تروجها وتنشرها الى: «تكريس نوع من الاستهلاك، لنوع معين من المعارف والسلع والبضائع، معارف اشهارية تشكل في مجموعها ما يمكن ان نطلق عليه «ثقافة الاختراق» ، والنتيجة التي ستحققها هذه العولمة الثقافية، عبر وسائل الاعلام، هي تعميق الاستتباع الثقافي والحضاري بشكل عام».

اما بخصوص ثقافة الاختراق، او مضمون هذه العولمة بشكل عام، فهو كما ذكره باحث امريكي ينحصر في الاوهام الخمسة الاتية: وهم الفردية، وهم الخيار الشخصي، وهم الحياد، وهم الطبيعة البشرية التي لا تتغير، وهم غياب الصراع الاجتماعي. وبعد ان يشرح الجابري هذه الاوهام الخمسة ينتقل الى اطروحة جديدة يؤكد فيها ان العولمة: «نظام يعمل على افراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، ويدفع للتفتيت والتشتيت. ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاامة، واللادولة، او يفرقهم في اتون الحرب الاهلية».

اما بخصوص وضع الثقافة العربية، فقد وصفها الجابري بانها تعاني من ثنائية في مستوياتها المختلفة، المادية والروحية، وهذه الثنائية هي نتيجة الاحتكاك مع الثقافة الغربية التي جاءت نتيجة تطور «قوامه التحديث والحداثة». اما الثقافة العربية، كما يقول الجابري، فلم تعش ذلك التطور بل بقيت بمعزل عنه تجتر وضعا قديما توقف عن النمو منذ قرون.

وللاجابة عن سؤال: ما العمل ازاء هذه السلبيات والاخطار التي تطبع علاقة العولمة بالعرب على صعيد الهوية الثقافية؟ عرض الجابري موقفين سماهما سهلين: موقف الرفض المطلق وسلاحه الانغلاق الكلي.. وموقف القبول التام للعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي واستتباع حضاري شعاره: «الانفتاح على العصر» و«المراهنة على الحداثة». هذان الموقفان يصنفهما الجابري ضمن المواقف اللاتاريخية. فالاول سلبي غير فاعل لعدم وجود نسبة معقولة من التكافؤ بين امكانات العولمة والثقافة المنغلق عليها، وبالتالي فالانغلاق في هذه الحالة ينقلب الى موت بطيء.. والثاني يعد دعوة للاغتراب وفسح المجال امام ثقافة الاختراق، وهذا الموقف الثقافي ينطلق من الفراغ اي من اللاهوية..

اما الموقف الذي يقترحه الجابري ازاء الثنائية والاختراق وايديولوجيا العولمة، فينطلق من العمل داخل الثقافة العربية من اجل تجديدها «باعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه من الفهم والتاويل لمسارها تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل.. وتجديد الثقافة العربية والدفاع عن الخصوصيات ومقاومة الغزو والاختراق جميعها امور تحتاج الى اكتساب الاسس والادوات التي لا بد منها لدخول عصر العلم والثقافة، وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية...».

اما الدكتور عبد الاله بلقزيز، امين عام المنتدى المغربي العربي، فقد تساءل، في ورقته التي حملت عنوان: «العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة ام ثقافة العولمة»، عن هذه العولمة: هل هي مؤشر على نهاية عهد السيادة الثقافية؟

فالمصدران الرئيسيان التقليديان اللذان كانت الثقافة الوطنية تنهل اسباب سيادتها وتجددها منهما، اي (الاسرة والمدرسة)، يبدو - كما يقول بلقزيز - كما لو ان العياء دب في ادائهما، ونال من وظائفهما التربوية والتكوينية، ومن قدرتهما على الاستمرار في ممارسة ادوارهما التقليدية الفعالة في انتاج منظومات القيم الاجتماعية واعادة انتاجها. وهذاالخلل الطارىء على العمل الوظيفي «الطبيعي للاسرة وللمدرسة الوطنية، انما كان ثمرة مرة لحقيقتين تقوم على وجودهما ورسخوهما اوفر الدلائل، هما: اخفاق النظام التعليمي، وتفكيك بنية الاسرة، في امتداد الانهيار الكامل والشامل لنظام القيم..».

هذا في ما يتعلق بخلفيات وضع الثقافة العربية، اما بخصوص العولمة الثقافية فقد وصفها بلقزيز بانها ثقافة الصورة، فهي ليست ثقافة مكتوبة بل «ثقافة ما بعد المكتوب».

وهذه الثقافة لا تحتاج الى لغة، لانها، بحد ذاتها، خطاب ناجز مكتمل يمتلك سائر مقومات التاثير الفعال على مستقبله، اما مضمون هذه الثقافة البصرية السمعية، كما يقول بلقزيز، فهو على مستوى من الهزال والفقر والسطحية، يثور معه التساؤل المشروع عن مستقبلنا الانساني!؟

انها ثقافة معلبات مسلوقة جاهزة للاستهلاك، تتنافس الشركات الاعلامية لتسويقها مستخدمة جميع ما ابتكره العقل البشري الغربي من وسائل الاغراء والخداع، ومع تراجع معدلات القراءة والاهتمام بالكتاب، فان نظام القيم معرض للتفتت، الامر الذي يكرس «منظومة جديدة من المعايير ترفع من قيمه النفعية والفردانية الانانية، والمنزع المادي الغرائزي المجرد من اي محتوى انساني... الخ».

اما بخصوص امكانية مقاومة زحف هذه العولمة، فقد دعا بلقزيز الى الممانعة الثقافية، عبر المقاومة الايجابية لهذه العولمة او السيطرة الثقافية الغربية كما سماها، وذلك «عن طريق استعمال الادوات عينها التي تحققت بها الجراحة الثقافية للعولمة»، كما اشار الى امكانية الاستفادة من نظريات علم الاجتماع الثقافي التي تؤكد على ان «فعل العدوان الثقافي غالبا ما يستنهض نقيضه»، وهذا نوع من انواع الممانعة الثقافية.

الدكتور احمد صدقي الدجاني، رئيس المجلس الاعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي شارك في اعمال ندوة «العرب والعولمة» انتقد العولمة الثقافية لانها تنشر قيما سلبية اخطرها في نظره: «النظر الى الانسان على انه مجرد مستهلك»((569)) وراى ان محاولة انهاء الثقافات وتنميط البشر على ثقافة غربية واحدة يقينا سيخفق((570)).

ويقترح الدكتور الدجاني، لكي تاخذ ثقافتنا مكانتها ضمن هذه العولمة، ان نحسن تقديمها، وقبل ذلك نعتني بها عن طريق الاهتمام بقطاع التربية والتعليم، وان نهتم «بتوفير الذاكرة الادبية والذاكرة التاريخية»((571)) مؤكدا على الاستفادة من التقنية المعاصرة لانها ملك عالمي.

اما المفكر الاسلامي منير شفيق فيرى ان الامة العربية تواجه تحديات شاملة مع العولمة، ليس فقط على مستوى الثقافة، ولكن على المستويين الاقتصادي والسياسي، لذلك، فالمعركة شاملة، ومن ثم فمن التبسيط ان نحصرها في الجانب الثقافي، لان العولمة تريد ان تقتحم علينا بلادنا لتفقدنا استقلالنا، لتفقدنا ثقافتنا وهويتنا((572)).

وهذا التحدي الثقافي للهوية تشكو منه بعض الدول الاوروبية التي رات في العولمة الثقافية هيمنة للانموذج الامريكي وسيطرته على المجال الثقافي العالمي انتاجاوتسويقا.

الدكتور سيار جميل، استاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت (الاردن)، وصاحب كتاب «العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الاوسط: مفاهيم عصر قادم» (طبع سنة 1997م)، شارك في ندوة «العرب والعولمة». فقدم تعقيبا على ورقة السيد ياسين من مصر «في مفهوم العولمة»، يرى الدكتور سيار «ان الثقافة العربية والاسلامية تعاني من تحديات واسعة على مستوى التكوين والانتاج، وعلى مستوى الاليات والوسائل والاساليب كذلك»((573)).

وان هذه المعاناة كانت قد بدات مع الاحتكاك الثقافي بالحضارة الغربية، لذلك فالدعوة الى المحافظة على الخصوصيات في عصر العولمة، لن يتحقق الا بالاهتمام بالحقول المعرفية والواقعية ومعالجتها، واحداث الاصلاحات والتغيرات المطلوبة، على ان تكون هذه المعالجة «شمولية في النظرة والتطبيق»((574)).

وامام التفوق التقني الذي تستثمره العولمة الثقافية الغربية يرى الدكتور سيار اننا لن نستطيع ان نوقف هذه الهجمة الاعلامية، لكننا باستطاعتنا الحد من تاثيراتها السلبية عن طريق «مثلا ايجاد قنوات فضائية عربية واسلامية، ان نشيع ادبياتنا وافكارنا وفنوننا في العالم، ان ننفتح على بعضنا البعض، ان نتكتل اقتصاديا، ان تكون اية مجلة او جريدة اواية مراسلات مفتوحة بين دول العالم الاسلامي، عمل جماعي متكتل، متنوع، ومنفتح على بعضه عربيا واسلاميا». كما اكد الدكتور جميل على ضرورة «تاسيس كتلة اقتصادية عربية اسلامية تساعد حركة الثقافة»((575)).

اما اذا لم نهيىء مثل هذه البدائل وغيرها فقد حذر الدكتور سيار من طغيان ثقافة الاخر علينا، وراى انه نتيجة هذا الطغيان ستصل العولمة الثقافية الى مداها الاوسع، اي الاستتباع الثقافي النهائي للغرب الذي سيعمق الاستتباع الاقتصادي والسياسي.

اما الباحث السعودي الاستاذ محمد محفوظ، مدير تحرير مجلة الكلمة، فيرى ان الثقافة التي تنشرها وسائل الاعلام الغربية والامريكية بالخصوص، «انما تعمق مسار الاغتراب في حياة اصحاب النزعة الوطنية، ومن خلال هذا الاغتراب، ينغرس الشعور الوهمي، بان الثقافة التي ينتجها الغرب هي ثقافة الكون كله»((576)).

اما التحديات الحقيقية التي تواجه الثقافات الوطنية امام دعوات الكوكبة والعولمة الشاملة، فهي، في نظره، من جراء العلاقة غير المتكافئة بين الشعوب والامم التي تحمل يافطة الثقافات الوطنية وتبذل جهدا في هذا السبيل((577)). ان الغرب، كما يقول محفوظ، «يطمع في ان يكون منتجا كونيا لا ينافسه احد في ذلك». من هنا تنبع اهمية اعادة الاعتبار الى عناصر الثقافة الوطنية، والعمل على تنشيطها في النسيج المجتمعي، «لان بقاء عناصر الثقافة الوطنية ساكنة، يعني تحول بعضها الى فلكلور محلي، نشجع به السياحة، ونحنطه في متاحف واماكن اثرية لا غير. ان الارتكاز على عناصر الثقافة الوطنية ومقوماتها هو الذي يوفر لنا اسباب الوعي والادراك الكافيين لاستيعاب تطورات العالم وتحديد مستقبلنا»((578)).

ملاحظات

من خلال استعراضنا لاراء هذه المجموعة من المثقفين والاكاديميين العرب والاسلاميين، نسجل عدة ملاحظات نذكر منها:

1- ان التحديات التي ستعاني منها الثقافة العربية والاسلامية، في ظل العولمة، كبيرة وخطيرة وتحتاج الى مبادرات عاجلة وفاعلة.

2- الثقافة العربية بحاجة الى اعادة بناء وتجديد وتفعيل من الداخل لتهيئتها للمقاومة والتصدي.

3- ضرورة الاهتمام بقطاع التربية والتعليم، شكلا ومضمونا، والبحث عن الوسائل الفاعلة لاخراجه من الثنائيات التي تحكمت فيه خلال العقود الماضية.

4- ضرورة استخدام وسائل العولمة وتقنياتها المتطورة لنشر الانتاج الثقافي العربي، عبر الصورة والصوت. والاهتمام بجودته لينجذب اليه المتلقي العربي، فيستهلكه بدلا من الانتاج الغربي. واعادة النظر في البرامج الاعلامية الغربية التي تستهلكها وسائل الاعلام العربية بلغتها من دون ترجمة او رقابة.

5- ضرورة التعاون بين الدول العربية والاسلامية في المجال الثقافي لانتاج ثقافة عربية واسلامية، تاخذ مكانها في خضم هذه العولمة وتسويقها، لتحد من تاثيرات الاختراق الثقافي، كما تقدم البديل الثقافي والحضاري الذي يحصن الهوية ويدافع عنها.

واخيرا، فان معالجة ظاهرة العولمة الثقافية والحديث عن تداعيتها السلبية على ثقافات الشعوب غير الغربية، لم يستنفد بعد اغراضه، لان العولمة الثقافية الغربية لم تصل بعدالى مرادها الذي تطمح اليه. لكن لا احد يعرف حجم المخاطر التي تنتظر ثقافات شعوب العالم الثالث واممه، اذا هي لم تبادر بسرعة وفاعلية لايجاد وسائل الممانعة والتصدي والمقاومة؟!

قراءات

قراءة في كتاب:

«بحث حول المهدي(عج)»
للسيد محمدباقر الصدر

الاستاذ مصطفى خميس

قضية البحث

يبحث هذا الكتاب((579)) في قضية الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والبحث في هذه القضية يعد من اهم البحوث التي حافظت على ثوريتها وتجددها، وصحة مصدريتها. فهو (سلام الله عليه) صاحب العصر والزمان لاكثر من عشرة قرون مرت على البشرية منذ عصر الرسالة. فمسالة وجوده حيا، وكذلك انطلاقة حكومته، همامن اهم القضايا العقدية والاصلاحية التي اقضت مضاجع حكام الجور والظلم على مدى هذه القرون العديدة، منذ وفاة ابيه الامام الحسن العسكري(ع)عام 260 للهجرة. لذلك نجد ان هذه القضية تبقى متجددة لانها تدخل في حياتنا السياسية والمعرفية، والنفسية والدينية، ونحن ننتظر يوم خلاص الامة على يديه، وانقاذ البشرية المعذبة كلها.

المؤلف

والكاتب هو الشهيد السعيد، السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، سليل الاعلام المجتهدين النجباء، بدءا بجده وابيه، وانتهاء بقمة الهرم وسنام المجد.. عند امير المؤمنين علي بن ابي طالب(ع). ومن نفحات الامام المنتظر، وفيوضاته الربانية، استلهم الكاتب بحثه، فجعل الامام يتكلم من خلال كتابه: «بحث حول المهدي»، فينطق حضارة وحيوية، ويتفجر ثورية وفداء، اججت ثورات محبيه واتباعه في كل بقعة من المعمورة، منذ غيابه بعد وفاة والده في سامراء وحتى يومنا هذا، وهي ثورات تعبر عن تحركات المعذبين والمضطهدين، كما حدث في جنوب لبنان ضد المغتصبين الصهاينة، وتستمد من امام العصر الصبر والثورية واباء الضيم، وتستلهم من الجذوة التي زرعها ابو الشهداءالحسين(ع)التي تفاعلت بها نفوس ابطال الطف فصدقوا بما عاهدوا الله عليه، حينما طلب منهم سيد الشهداء ان يتخذوا من الليل جملا، بعد ان حلهم من بيعته قائلا لهم:

«وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم، فان القوم انما يطلبونني...»((580)) لكن هؤلاء امتلكوا تلك الجذوة التي انارت قلوبهم، واختاروا الشهادة بين يدي سيدهم ومولاهم، في حين افتقدها عشرات الالوف ممن تكالبوا على قتل الحسين من ارستقراطية اموية، ومنافقين وقاسطين ومارقين.