|
المهدوية ونهاية التاريخ المحرر
قال الله تعالى في
كتابه الكريم: (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو
الجلال والاكرام) [الرحمن/26و27].
تشير
هاتان الايتان الكريمتان الى وجود نهاية للانسان
على هذه البسيطة، اي ان ثمة قصة طويلة سوف يقضيها
هذا الانسان على ظهر المعمورة، ثم لا يلبث بعدها
ان يغادرها الى غير رجعة.
وقصة
الانسان على هذه الارض هي قصة التاريخ، تاريخ مرت
وتمر به هذه البشرية وهذا الانسان في مراحل من
الصعود والهبوط، امم وحضارت ولدت من ضعف، ثم اصبحت
من بعد ضعف قوية، ثم ارتدت من بعد قوتها الى ضعف
وشيخوخة، تلك هي قصة الانسان على ارض خلق ليعبرها
لا ليستقر فيها.
لكن
قوة هذا الانسان وشباب هذه الحضارة، او تلك، يحجبان
بصره وبصيرته عن قراءة المسلسل الطويل للبشرية.
ومن هذه المسالة بالذات اخذ شموخ القوة
الانسانية يوحي للانسان بانه الواحد الاحد، وبدا الشعور الخاطىء بالتغلغل في اعماق انفس الافراد
والامم، ليوحي لهابان مركزية العالم ليست شيئا
غيرها هي، وان كل ما هو حول هذا الفرد، او هذه
الحضارة، او الامة ليس سوى اطراف منظومة ليس لها
مركز غير الذات الصغيرة والكبيرة، وغير هذه الانا
المتعاظمة.
لكن
الانسان المجهز بنظام مفاهيمي غاية في الدقة
والتعقيد قام بانتاج تصورات ومفاهيم ترضي فيه شعور
الذات هذا، وتحاكي مرحلة الشباب والقوة للفرد
اوالحضارة او الجماعة...
فكون
تصورات جديدة عن الانسان ككل، ففي المرحلة الماضية
من عمر البشرية، وحين كان الدين وسيلة تكوين
المفاهيم واطارها، لدى هذا الانسان، ظهرت النزعة
الاسرائيلية القائلة على لسان اليهود: نحن شعب
الله المختار، واحباء الله وابنائه، ولن تمسنا
النار الا اياما معدودات و... صيغ مفاهيمية ترضي
تفوق الانسان على غيره، وتشبع نرجسية حضارة امام
اخرى.
لكن
تطورات قراءة الانسان لذاته، تلك الذات التي تعبر
عن التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل، اخذت تكون
عنده صورا مفاهيمية جديدة للمفاهيم
الماضية نفسها، لكنها هذه المرة كانت خاضعة
لاعلاء فوق اعلاء يبعد عنها ضعف البنية وقبح
المنظر.
فمنذ
عبد الرحمن بن خلدون، مرورا بالمادية التاريخية،
وصولا الى توينبي وشپنجلر اخذ العقل الانساني
بقراءة التاريخ قراءة علمية واحيانا ميكانيكية ترى
فيه كما ترى في الطبيعة انظمة وقوانين.
وانطلاقا
من هذه المسالة، اخذت الماركسية ترى في الشيوعية
المرحلة النهائية من التاريخ، فراحت في بدايات
القرن العشرين ترى ان مرحلة نهاية التاريخ قدبدات
مع شيوعية الاتحاد السوفياتي اللينينية، وتنامى
التصور القاضي بان البشرية بدات رحلتها الارقى
والاسمى مع المشروع الشيوعي الذي ما لبث ان
صدمه الواقع ليرجعه الى الاشتراكية...، خطوة الى
الوراء.
لكن
بدايات القرن العشرين لم تختلف كثيرا عن نهاياته،
وان تمايزت الصورة والموقعية والمنطلق، اذ ظهرت
مقولة: «نهاية التاريخ او الانسان الاخير» التي
اطلقهاالمفكر الامريكي، الياباني الاصل، فرانسيس
فوكوياما، واخذت بالانتشار والتبشير بان
الديمقراطية الليبرالية الحديثة (اي المجتمع
الامريكي) هي نهاية التاريخ،وان الانسان
الديمقراط ي الليبرالي او الامريكي هو الانسان
الاخير. وفي باطن النظرية التي اخذت في تسعينيات
القرن العشرين بالتحول الى ثقافة ووعي
كان الاحساس بالتفوق والنرجسية متربعا، ذاك
الاحساس القاضي بان حضارة اميركا هي ارقى مراحل
الحضارة البشرية واعلاها، وان بقية الحضارات
والامم والملل انما كانت مراحل للوصول الى هذا
النمو الذي يبدو كان لا نمو بعده.
لكن
ما يلفت النظر، في مقولتي: المادية التاريخية
ونهاية التاريخ، بين لينين من جهة وفرانسيس
فوكوياما من جهة اخرى، هو انهما سدا باب التطور
والتنامي واوقفاه، اي ان كلا من المقولتين اوحت
بتوقف تطور الانسان ونموه مع الشيوعية
والديمقراطية الليبرالية الحديثة، وهو امر يترك
آثارا بالغة الخطورة على مجمل النشاط الانساني، لانه يجعل الانسان يخلد للكسل
والركود والدوران والاجترار و...، لا بل ان هذا المنحى من التفكير غير الواقعي
وغير القارىء جيدا لتجارب الشعوب خلال
آلاف السنين يقدم وفقا لانتقادات كبار الباحثين
لنظرية نهاية التاريخ شهادة بينة على نزعة تخيلية
نرجسية لا ترى الواقع بدقة ولا تفهم الامورفي حجمها
الطبيعي.
لكن
الوضع في غاية الاختلاف في نهاية التاريخ في التصور
الديني، فاذا انطلقت نهاية التاريخ عند فوكوياما
والعقل الغربي من غرور بالواقع، فان نهاية
التاريخ دينيا تنطلق من رفض لهذا الواقع، اي ان
فلسفة نهاية التاريخ الغربية فلسفة تسويغية
ذرائعية تريد مراضاة الواقع ومسايرته، اما فلسفة
التاريخ الدينية فهي فلسفة تغيير لا تسويغ، ورفض
لا ذرائعية، انها فلسفة فعل لا سكون، فعل التغيير
لا سكون الواقع الذي آل بالانسان الغربي (الفرد) الى
الانتحار في حياته الشخصية، وقديؤدي به ايضا الى
الانتحار في حياته الحضارية.
لا
ينطلق المؤمن، في فلسفته للتاريخ ونهايته، من غرور
الواقع، مهما كان واقعه قويا، فمهما بلغ المؤمن من
القوة والسلطة والاحكام فانه لا يرى في قوته
نهاية التاريخ البشري، وانما يواصل سعي الفعل
والتغيير حتى تاتيه نهاية التاريخ السماوية
المعصومة، فاذا كانت القوة الماركسية والقوة
الامريكية قد دفعتا الى السكون والخمول الحضاريين
فان القوة الدينية لا يمكنها الا نقد ذاتها والشعور
بالتمهيد لا اكثر لنهاية التاريخ التي تضعها
السماء بعصمة صانعها.
وهذا
ما يشير اليه دعاء الافتتاح عندما يعدد النواقص
التي يسدها ويرفعها ظهور القائم(عج) في نهاية
الزمان وآخره:
«اللهم
المم به شعثنا، واشعب به صدعنا،وارتق به فتقنا،
وكثر به قلتنا... واجبر به فقرنا، وسد به خلتنا»...،
فالمهدي(عج) في التصور الديني انموذج كمال الواقع
الذي يرشدنا الى نقص واقعنا لا كماله،ويبعث فينا
مزيدا من التواضع والواقعية من دون ان يشدنا الى
سوريالية متعالية عن الواقع.
ومن
هنا ياخذ تفسير الامام الخميني لفلسفة الانتظار
بالبروز والتجلي، فهو تفسير ينسجم مع روح التصور
الايماني لنهاية التاريخ، ذاك التصور المحرك
والباعث والدافع للترقي والاكتمال، بدل ان يكون
كما هو الحال في بعض القراءات التقليدية لفكرة
الانتظار عاملا من عوامل الخمول والكسل والجمود.
اصول الفقه الاسلامي
و«الهرمنيوطيقا» د. السيد صدر الدين طاهري تمهيد
اذا عددنا
ظهور افكار الباحث الالماني شلاير ماخر (1768
1834م)،
وهو احد واضعي اسس علم الهرمنيوطيقا الجديدة،
بداية لهذا العلم يجب القول: ان هذاالفرع من العلوم
قد مضى على ظهوره مقدار قرنين من الزمن تقريبا. واذا
كان من المقرر وجود موضوع محدد لكل علم يعالج
المسائل الخاصة به، بما فيهاالموضوعات الكبيرة
والتفصيلية، وله ترتيب منطقي معين،
ف«الهرمنيوطيقا»، قبل ان يعد علما مستقلا بالمعنى
المتداول، هو حوار بين العلماء ذو جانب آلي،
ولعله في المستقبل البعيد نسبيا يصل الى مرحلة
يمكن فيها مقايسته بالمنطق وعلم اللغة، لكن الطريق
ما زال طويلا امامه للوصول الى تلك المرحلة، لانه
والى الان، لم تصل هذه المحاورات بين العلماء الى
نتائج قطعية تؤخذ مسلمات من قبل الباحثين اللاحقين
في دراساتهم وابحاثهم، بحيث تمكنهم من اكمال ما تم
التوصل اليه، ولعل المسالة الوحيدة التي يمكن
القبول بها، والتي هي مورد اتفاق جميع الباحثين
والمفكرين، هي انه يجب التروي والتامل في ما يرتبط
بالمحور الاساسي لهذا العلم، اذ من الواضح جدا انه
بهذا المقدار من موارد الاتفاق لا يمكن التعامل معه
على انه علم مستقل ورسمي.
بالرغم
من وجود سوابق للهرمنيوطيقا في الشرق الاسلامي،
بما في ذلك ايران، وهو ما سيشار اليه لاحقا، يلزم
القول: ان اصل التساؤل الذي يثيره هذا العلم
لم يطرح بشكل صحيح وواضح، واذا ما وافقنا على
اعتبار محتوى هذا التساؤل واضحا لاهل الفكر
والنظر، الا ان اقل ما يعترضنا هنا هو اشكالية عدم
الاتفاق على الكلمات والتعابير المستعملة في
الترجمات، بل يلزمنا التركيز على الالفاظ
المستعملة في المتون الاصلية الغربية، وتنظيم ما
يعادلها في اللغة الفارسية او العربية المتداولة
في الفارسية كما ينبغي الالتفات الى استعمالاتها
التاريخية والعلمية، اضافة الى انه يلزمنا ايضا
تنظيم اصل التساؤل في هذا العلم حتى يعقبه
جواب واضح وصريح، بعيدا عن النزاعات اللفظية غير
المثمرة، وبالتالي ليعلم ما هو المقصود الاصلي منه
ومن اي الطرق يجب الشروع بالبحث.
من
الواضح ان هذه المسالة تحتاج بدورها الى توضيح،
وهذا التوضيح المختصر يمكنه تبيين هدفنا الفعلي
هنا وكذلك تحديد المطلوب في الهرمنيوطيقا
وموقعهاوهدفها في الغرب، كما انه يمثل بنفسه ايضا
مقدمة للبحث الاصلي لهذه المقالة:
«علم
اصول الفقه والهرمنيوطيقا»، وعليه فهذه الاسطر
الاتية جديرة بالانتباه والدقة نظرا لايرادها بعض
اهداف مقدمة هذه المقالة.
عرفت
كلمة «الهرمنيوطيقا»، في قواميسنا الاوروبية
الفارسية، بمعان هي من دون شك في اللغة الفارسية
اعم من استعمالها في العرف العام والخاص
والزمان الحاضر او في تاريخ اللغة ليست بمعنى واحد
ولم تكن كذلك، بل يختلف بعضها عن بعضها الاخر،
فمثلا في احد القواميس الانكليزية الفارسية
المعتبرة ترجمت هذه الكلمة الى «علم التفسير،
التعبير، شرح الكتاب المقدس وتبيينه وطريقة
تفسيره»، وهذا القاموس قد ساوى ما بين كلمة
«هرمتيك»((1)) الماخوذة من كلمة هرمس وبين
كلمات «كيمائي، مشعوذ، مبهم»((2)) لكن في الترجمات
الفارسية للهرمنيوطيقا الاعم من التاليف
والاقتباس والترجمة الرسمية آيستفاد بشكل اكثر من
عبارات اخرى، من قبيل «الفهم والادراك والتفسير
والتاول»، ومما قالوه: «الهرمنيوطيقا هو علم يعنى
بالمطالب المرتبطة بالفهم والادراك والتفسير
والتاويل المتعلق بالنصوص المختلفة».
كما
ان المترجمين، في هذا المجال، لم يكونوا متساوين في
استفادتهم من لفظ واحد للترجمة، بل قد يستعمل مترجم
واحد، في بعض الاحيان، الفاظا متعددة في مناسبات مختلفة، فيما لم تكن هذه
الالفاظ وفق المتعارف عليه في اللغة الفارسية ومع التوجه الى الاستعمالات
التخصصية التاريخية ذات معنى واحد.ومن هنا كان من الطبيعي ان ينتظر احيانا من
الابهام الناشىء عن
المصطلحات غير المعرفة حصول نزاعات لفظية او ظهور
مقارنات وتطبيقات بين امرين لم تكن هناك ملاحظة
لاساسهما من حيث المحتوى والتاريخ اللذين ينبغي
مراعاتهما في كل عملية تقابل بين امرين، وفي الواقع
فما كان يتصور لم يكن قابلا للمقارنة،ومن هذا
القبيل المقارنة بين اصول الفقه الاسلامي
والهرمنيوطيقا الجديدة وكثيرة التداول في العقد
الاخير. تعريف طرفي المقارنة
مهما يكن نظرنا في المقارنة بين اصول
الفقه والهرمنيوطيقا فقد فرضت هذه المسالة نفسها
في كل حال، وعليه فلاجل الوصول الى راي في ذلك واخذ
نتيجة وامكان طرح هذه الفكرة وعرضها، لا بد، اولا،
من تعريف بسيط لكلا طرفي المقارنة:
«الهرمنيوطيقا»
و«اصول الفقه». الف- الهرمنيوطيقايمكن تعريف «الهرمنيوطيقا»، اليوم، بشكل مختصر عبر اعطاء عنوان مكثف، وهو «علم تفسير النصوص»((3)) وقد اخذ هذا العلم الحديث بالانطلاق تدريجيا والانتشار حتى شمل الفلسفة والفن والادب والنصوص، ولعله يمكن فقط اخراج المتون الرياضية والعلمية البحتة التي تتسم بالوضوح والصراحة او بعض النصوص العامية المتداولة يوميا والتي لا قيمة للتامل فيها عادة. ومن المسلم به هو ان نفوذ «الهرمنيوطيقا الحديثة» الى العلوم المذكورة انما كان من طريق الالفاظ المستعملة لبيان الافكار الفلسفية والفنية والادبية والدينية الخ...، ولا يعني ذلك التدخل الشامل والمطلق لهذا العلم في هذه الموارد، بل موردها انما هو في استخراج المعاني من التعابير والالفاظ التي قيلت، او سمعت في هذه العلوم.
يختزن
المحور الاساسي في الهرمنيوطيقا في «الفاصل ما بين
المتكلم والمخاطب»، وينظم التساؤل وفق
الاختلافات الزمانية والمكانية والتمايزات
الشخصية وغيرها من الفوارق بينهما، فكل مخاطب
ينطلق من الخصوصيات الزمانية والمكانية والظروف
الخاصة به ومن مسلماته او ما يصطلح عليه
بالمصادرات والفرضيات القبلية، فالمتكلم يقابل
النص حال كون فكره محاطا بهذه المصادرات وصنيعا
لها، بحيث يفهم النص احيانا بالشكل الذي تمليه عليه
تلك المسلمات، ونتيجة ذلك انه، اضافة الى حصول
تفاوت في ادراك المخاطبين من نص الى نص آخر، فانه لا
يمكن القول بان احد هذه الادراكات منطبق ضرورة على
ما اراده المتكلم من جميع الجهات.
ومن
الطبيعي، ايضا، ان هذا بدوره مجرد فرض قابل للبحث،
لكن اذا قبل تكون نتيجته هذا السؤال: ما هي الضابطة
في التفهيم والتفاهم في هذا النوع من النصوص؟ وهذا
هو السؤال الاصلي في «الهرمنيوطيقا»، واذا اخذنا
بعين الاعتبار نسبة اختلاف ظروف المخاطبين
ومسلماتهم بشكل جدي، سيصبح السؤال المذكور اكثر
جدية واهمية، وبهذه النسبة سيكون الجواب عليه مهما
فيبقى معتدلا تبعا له، او يميل الى الافراط او
التفريط.
ومن
جملة من حمل الفكر الهرمنيوطيقي «غورئك غادامر»،
المولود سنة 1901 في المجر، والمشهور بافراطه في هذا
المضمار، حيث توصل وفق ما نسب اليه آالى القول بعدم
وجود معنى للخطا والصواب في فهم النص((4)). كما اشرنا سابقا فان المراد بالنص الذي هو المحور الاساسي في الهرمنيوطيقا وكيفية فهمه ليس هو النص العامي الخالص ولا النص الرياضي او العلمي المحض، بل هو النص القابل بطبيعته وشروط محتواه لعدة وجوه واحتمالات، والقابل ايضا للتفسير والتاويل والقائم على التستير والتعمية، بل قد يكون هذا النص متضمنا للوهم والخيال، وتوجد مثل هذه النصوص في الفن والادب والعرفان وفقا لميزات هذه المجالات، اما في النصوص الدينية فهي لاجل قدمهاواختلاف ظروف صدورها مع ظروف حياة المخاطبين المعاصرين وقناعاتهم واهتماماتهم تتخذ «الهرمنيوطيقا» فيها شكلا اكثر جدية، وبحسب ما جاء في تاريخ هذا العلم فان كيفية تفسير الكتب المقدسة «العهدين» او تاويلها، وبخاصة العهد الجديد او الانجيل، كانت من جملة البواعث الاساسية والمؤثرة في بلوغ هذا العلم اوجه في الغرب. ربما تعود بداية علم اصول الفقه الى مرحلة صدر الاسلام اذا حسبناه في مراحله الاولى وما قبل تدوينه وهو علم يعنى بمبادىء الاجتهاد في الاحكام، ومن الطبيعي انه منذ ذاك الوقت الذي بدات فيه عملية الاستنباط الفقهية للاحكام مهما كانت بسيطة كانت هناك اصول غير مدونة. اما اليوم فقد اصبح علم اصول الفقه علما منتشرا وواسعا ويشتمل على مباحث مفصلة ومنقحة وانتاجات حديثة واساتذة مرموقين. اما اصول الفقه الشيعي، فعلاوة على حيويته الطبيعية، فقد تطور ونما بشكل مضاعف نتيجة سلسلة من العوامل الداخلية والخارجية، وهو ما جعله اكثر انسجاما وتناغما. فمن جملة العوامل الخارجية قلة اهتمام الاخوة، اهل السنة، بمبدا الاجتهاد، ومن جملة العوامل الداخلية ظهور فرقة من علماء الشيعة يسمون ب«الاخباريين» وقفت موقفا سلبيا من الاجتهاد، وهذه المسالة، وان كانت منفصلة ولا مجال لبحثها هنا، الا انه يمكن القول: ان تاثير العامل المذكور على توسع علم الاصول ودقته غير قابل للانكار، ونظرا لتعرض هذا العامل الذي كان السبب في تطور جميع جوانب الاصول في القرون الاخيرة للنقد والمواجهة المتواصلة، فقد اجهز عليه في مهده ولم يعد يسمع به احد.
يعتمد
الفقيه، في عملية استنباط الاحكام، على الكتاب
والسنة، اي القرآن والاحاديث الاسلامية، وضرورة
الاستفادة من هذه النصوص صارت سببا لان تخصص نصف
الابحاث الاصولية تقريبا لبيان القواعد المبينة
لكيفية الافادة من الفاظ الكتاب والسنة في عملية
الاستنباط، وقد سموا هذا القسم ب«الاصول
اللفظية»، ومن هنا يتشكل الترابط وتبدا العلاقة
بين هذا القسم من علم الاصول وبين «الهرمنيوطيقا»
الحديثة، ويطرح قانون التفهيم والتفاهم بين
المتكلم والمخاطب المختلفين في الافق. «الهرمنيوطيقا» واصول الفقه
يمكن، على اقل تقدير، طرح تساؤلين لتحديد
العلاقة بين «الهرمنيوطيقا» واصول الفقه: 1- هل يتسنى جريان الاشكالية «الهرمنيوطيقية» المتقدمة في علاقة التفهيم والتفاهم ما بين الكتاب والسنة من جهة والفقيه في حال الاستنباط من جهة اخرى؟
2-
هل ان المباحث المثارة في قسم الالفاظ
من اصول الفقه الاسلامي ناظرة الى حل المشكلة
«الهرمنيوطيقية» بشكلها المثار في الغرب؟
وبعبارة اخرى: هل يمكن ان نستخرج طرقا لحل المشاكل
التي تعنى بها «الهرمنيوطيقا» من المباحث المشار
اليها والمطروحة بنحو تقليدي وبشكل مستقل عنها في
علم الاصول؟ اذاكان الجواب بالايجاب، فمن البديهي
امكانية توقع وجود نوع من التنسيق والوحدة بين هذين
العلمين، وذلك نظرا لاهمية هذا الامر وكونه ممهدا
لسلسلة من الابحاث التطبيقية القيمة. الجواب عن السؤال الاول
وفي مقام الجواب عن السؤال الاول
لا بد من التوجه الى ان الذي يستفاد مما قيل ومن
تعاريف المتخصصين بهذا الفن وتعابيرهم هو ان
«الهرمنيوطيقا» علم كشف الرموز من النصوص.
و«كشف
الرموز» يصبح ضروريا عندما يكون المتن مرمزا ذا
وجوه، سواء كان منشا وجود هذه الخاصية النص نفسه
كما هو الحال في متشابهات القرآن، او كان منشاها
اختلاف الظروف ما بين المتكلم والمخاطب، او اختلاف
اوضاع المخاطبين انفسهم، كما هو الحال في اختلاف
تفكير ارباب هذا العلم ومؤسسيه في بعض اقسام
الكتاب المقدس.
وبما
ان النصوص الفقهية مرتبطة بالفقه نفسه فهي تعرف
بعنوان «فروع الدين»((5)) وتبرز الاحكام الظاهرية
المتعلقة بالعبادات او المعاملات، وهذا النوع
من النصوص ليس مرموزا عادة، لارتباطه المباشر
بالامور الحياتية. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فان
الطبيعة الصورية للنصوص الفقهية مع ملاحظة
اختلاف شرائط المتكلم والمخاطب واختلاف
المخاطبين انفسهم تفرض عدم رمزيتها، لكن في بعض
الاحيان تبتلى هذه النصوص بقلة في عددها، واحالات
وتعارض في ما بينها، كصدور قانون كلي في نص مع عدم
وجود تفريعاته في ذلك النص نفسه، او وجود حكم عام في
نص ومخصصه في نص آخر، او عدم ترابط نصين في ما
بينهما، هذه الموارد وعشرات الموارد الاخرى من هذا
القبيل المنسجمة مع ابحاث اصول الفقه وقواعده جرى
بحثها هناك، لكن ايا منها ليس مصداقا«للرمزية».
بناء
على هذا يمكن القول: ان ارتباط الفقيه بالنصوص
الدينية ليس فيه اشكال «هرمنيوطيقي»، وهذا واضح،
لكن من المناسب التوجه الى مسالتين اخريين
تشهدان على ذلك:
وهذا
القول الذي لسنا في صدد اثباته او نفيه هنا مؤيد لما
نحن فيه، باعتبار انه يثبت ان عدم وجود ابهام في
آيات الاحكام وعدم امكانية التاويل فيها
وتتبعهاالروايات الفقهية كان امرا متعارفا عليه
ايضا بين المفسرين المسلمين، فقد كانوا يعالجون
اشكالية «الهرمنيوطيقا» من دون التوجه المباشر
اليها، حيث تعرضواللجواب عن ذلك برؤية مختلفة
وبواعث متعددة عبر المقارنة بين «الطبيعة
الصورية» للنصوص الفقهية و«الطبيعة العميقة»
للنصوص المرتبطة باصول الدين.
وهذا
القول لا يعني ان اصول الفقه الاسلامي لا تحتاج
ابدا الى اعادة النظر من هذه الجهة، بل اضافة الى
وجود امور كثيرة مرتبطة ب«الهرمنيوطيقا»
المعاصرة تصلح لان تكون مطالعات اصولية جديدة
وليست هذه المقالة مورد ذكرها((7)) ان كاتب هذا المقال
لا ينفي امكانية اجراء قراءات جديدة في اصول
الفقه تنطلق من النظرة «الهرمنيوطيقية»، لكن
الى الان لم يتفق حصول بحث او حوار في هذا الباب،
حتى انه قد صدر كتاب تحت عنوان «هرمنيوطيقا الكتاب
والسنة»منذ سنتين، الا ان الكاتب لم يتعرض الى
هذه المسالة، ولم يتوجه الى الطبيعة الصورية
للنصوص الفقهية التي اشير اليها سابقا، مع انه كتاب
مستوفى ومفيد وذوعنوان جامع((8)). السؤال الثاني والجواب عنه
هل ان المباحث التقليدية لاصول
الفقه تقف معوقا في طريق اهداف «الهرمنيوطيقا»
وبوجه التنسيق بين هذين العلمين؟ وهل هناك حديث
سلبي او ايجابي عن ارتباط «الهرمنيوطيقا» بهذه
المجموعة من الابحاث التي يصل عمرها الى الف سنة؟
الجواب عن هذا السؤال هو الهدف الاساسي من هذه
المقالة، وبما ان هذا الموضوع قد طرح بشكل تدريجي
وبصور مختلفة في السنوات الاخيرة في
الحوزات العلمية، فان كيفية تقييم هذا الامر
والجواب عن هذا السؤال سلبا او ايجابا يعد امرا
جديرا بالاهتمام.
ويمكن
القول في هذا المورد اجمالا: ان الميل الاغلب في
الحوزات العلمية، وبالخصوص لدى الفئات الشابة،
يسير الى اعتماد خطاب جديد في الاجابة عن
هذاالسؤال، او لا اقل ينظرون اليه نظرة مفعمة
بالامل. ومما يشير الى وجود هذا الميل الاقبال
الواسع على هذا النوع من الكتابات، التي من جملتها
الكتاب سالف الذكر، حيث اخذ شهرة عالية، كما كان
هذا الموضوع محور قسم من الاطروحات الجامعية. ويمكن
الاشارة الى بعض الموارد التي تبين اسباب ظهور هذه
الرغبة في التحقيق والدوافع التي ادت الى هذه
الظاهرة، ومنها:
1-
انتشار النزعة التجديدية في الحوزات العلمية،
خصوصا بين الطلبة الشباب، وقد تضاعفت هذه النزعة في
الحوزات العلمية نتيجة اتهامها بالنزعة
التقليدية القديمة، بل يطلقون احيانا واشتباها
على الحوزات اسم «حوزات العلوم القديمة».
2- لقد
كان هناك حضور ما لعنوان هذا الموضوع في المباحث
الاجتهادية وتاريخها، وهو: ان الشرائط الشخصية
والاجتماعية المحيطة بالمجتهد والحاكمة على فكره تترك اثرها على فتواه،
والمشهور ان احد الفقهاء المسلمين في القرون الوسطى حينما ادرك امكانية
اعادة النظر في الفتوى القديمة لمسالة تنجس ماء
البئر،وقرر البحث مجددا في ادلتها النقلية، امر
اولا بردم بئر منزله وتعطيله حتى لا يؤثر ذلك على
نتيجة بحثه، وكذلك الاستاذ الشهيد مطهري في كلام له
عن «تاثيرالرؤية الكونية للفقيه في فتواه»((9)) حيث
تمسك بهذا المثال، وهو انه اذا عاش فقيه ما في طهران
فقط واستفاد من مياهها الكثيرة الراكد منها
والجاري، فان فتواه المرتبطة بالطهارة والنجاسة
ستكون صعبة بلا شك، لكن هذا الفقيه نفسه اذا ذهب الى
الحج وواجه صعوبة الحصول دائما على ماء جار في موسم
الحج فان فتواه ستتغير لا محالة((10)).
3-
يقال: ان اوضح دليل على امكان امر ما هو وقوعه، ومع
التوجه الى هذا الاصل والالتفات الى كثرة شواهده
الحية، فلن نصبح بحاجة للعودة الى القرون الوسطى
لنتلمس مثالا له «كحكم ماء البئر»، بل يوجد في
عصرنا الحاضر الكثير من الفتاوى في المواضيع
الاجتماعية المهمة التي واجهتنا بعد الثورة
الاسلامية،والتي تدخل جميعها تحت موارد تاثير
الظروف الجديدة على فكر المجتهد وفهمه اثناء
استنباطه للاحكام من ادلتها، ولا يمكن ان تكون هذه
الاحكام جميعهاملحوظة بالعنوان الثانوي، كما ان
هذه الاحكام ليست مستندة الى الحكم العقلي فقط حتى
تؤول الى استنباط عقلي محض من الفقهاء الجدد، اضافة
الى عدم صدور نصوص جديدة تنسخ النصوص السابقة حتى
تكون دليلا للحكم الجديد، بل تلك النصوص القديمة
نفسها هي التي اصبحت الان منشا لهذه
الاحكام الجديدة، بل في بعض هذه الموارد نواجه
حكمين مختلفين في قضيتين متشابهتين من حيث الظاهر،
من قبيل:
الفتوى
المرتبطة بلزوم دفع مهر الزوجة بالقيمة الواقعية
اليوم، والحال ان هذا الحكم لا يجري في سائر موارد
الديون المستعصية منذ سنين، فمثلا اذا كان زيد يطلب
عمروا، او يطلب من بعض المؤسسات الحكومية مبلغا
كبيرا منذ ثلاثين سنة ولم يدفع هذا المبلغ مع
المطالبة المتكررة، فانه بعد الشكاية والمرافعة لا
يحكم له بدفع المبلغ بقيمته الواقعية.
ومن
هذا القبيل ايضا فتوى حلية الموسيقى التي صدرت من
قبل الامام الخميني (رضوان الله عليه) وعمل بها منذ
الاسبوع الثاني بعد الثورة تقريبا، لكن
قيل ابتداء: ان هذه الفتوى لا تشمل الموسيقى
«المبتذلة»، اما اليوم فالوضع المعمول به هو نوع
خاص من الموسيقى بحيث اذا قيس الى كلا نوعي
الموسيقى كان محسوبا من مصاديق المبتذل، الامر
الذي يفرض علينا ان نضع تعريفين للموسيقى
المبتذلة، وهي «المبتذلة الجائزة» و«المبتذلة
غير الجائزة»، ونسمي احداها آبشكل اصطناعي نشيدا
والاخرى التي هي عين الاولى في محتواها وصورتها
نسميها بالاسماء السابقة.
وكذلك
فتوى حلية اخذ الفوائد المصرفية، وبنسب قد تصل الى
اربعة وعشرين في المئة، فانه لا يمكن اطلاق اسم
«اجرة» على هذه الزيادة بشكل من الاشكال،كما انها
ليست دائما من اشكال المشاركات المدنية حتى تكون
مباحة لذلك، والحال ان هذه الفائدة اذا اخذت بشكل
مستقل من السوق الحرة، ولو بنسبة اقل،فهي من مصاديق
الربا ويحكم بحرمتها، بل تكون سببا للملاحقة
القانونية والمعاقبة((11)).
هذه
الموارد وموارد اخرى لا يناسب ذكرها في هذه المقالة
تعد الملهمة الاساسية لهذا الفكر، وقد القت
بظلالها على اختلاف نمط تفكير المجتهدين في مواقع
مختلفة، بين ما قبل قيام الحكومة الاسلامية وما
بعده، واثمرت فرضيات قبلية يمكن من خلالها ايجاد
نوعين من الاستنباط من نص واحد ليس في زمانين فقط،
بل حتى في زمان واحد، وقد تركت تاثيرها
«الهرمنيوطيقي» على هذه الشواهد شئنا ام ابينا،
بل يمكن ان تؤثر فيها حتى قبل تقديم التوجيه
والتخريج المبني على التفاوت الواقعي او
الاعتباري بين الموضوعات.
4- نقل
في بعض الكتب الاصولية المتاخرة والتي يعد مؤلفوها
من الفقهاء المتنورين والمدركين لضرورات العصر
تعابير مفادها القبول باصول «الهرمنيوطيقا»
،والنظر اليها بايجابية من قبل المؤلف، ومن جملة من
نقل عنهم المرحوم الاستاذ محمد رضا المظفر، حيث نقل
انه قال: «والتحقيق ان في الكتاب العزيز
جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهورا وخفاء، وليست
ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة الى
اكثر الناس»((12)).
وقد
صدرت مثل هذه الكلمات من المتقدمين والمعاصرين
بشكل متفاوت، كما ان الكاتب قد شاهد امثلة على ذلك
ايضا في كتب صدر المتالهين التفسيرية،وفي رايي ان
اكثر هذه الشواهد هي اشارة الى اختلاف مستوى
الادراك والفهم عند المخاطبين، من دون ان يكون
المعنى نفسه ومراتبه عرضة للتغيير. والدليل على
هذه الدعوى هو المباحث الاصلية والاساسية لاصول
الفقه التي سوف يشار الى بعض امثلتها لاحقا، وكذلك
يعد ما وضعه العلامة الشهيد محمد باقرالصدر من
التفرقة بين الظهور الذاتي والظهور الموضوعي((13))
دليلا واضحا على هذه الدعوى ايضا.
5-
العوامل المتقدمة هي عوامل ايجابية، لكن هناك بعض
النواقص والتي هي من العوامل السلبية كان لها دور
في ظهور النزعة الهرمنيوطيقية بين طلاب
اصول الفقه، وهي عدم تبيين الفاظ «التفسير»
و«التاويل» الموجودة في قاموسنا الاسلامي
وتوضيحها كما تمت الاشارة اليه سابقا، وهذه
الالفاظ ونظائرها مثل «الفهم»، «الادراك»،
«الاستنتاج»، «الاستنباط» المتداولة في
المصادر التفسيرية والاصولية الجديدة والقديمة،
جرى استعمالها ترجمة لكلمة «الهرمنيوطيقا» من دون
ان تعرف هناك بشكل صحيح.
ان
عدم وجود تعريف سابق وواضح لهذه الكلمات
المتداولة، هو الذي فتح الطريق امام الافكار
الهرمنيوطيقية، وجعلها كالمسافر الغريب في بلد غير
معروف فيه الكثير من البيوت الخالية من اصحابها،
ما مكنها من التوطن فيها بلا منازع.
ونظرا
لاشتراك البحث في «الهرمنيوطيقا» وقسم الالفاظ من
اصول الفقه حول «ارتباط اللفظ والمعنى»، وكون
وحدة الموضوع باعثة عادة على التقارب
والارتباط ادى الامر الى حصول نوع من التوافق بين
العلمين، وتم فتح الباب لنفوذ التساؤلات
الهرمنيوطيقية الى علم الاصول. لكن مع هذا كله يرى
الكاتب ان المسالة مادامت مرتبطة بالبحث في التراث
التقليدي والموجود الان في علم الاصول فالمسالة
حقا لا تتجاوز كونها «وسوسة»، اما اذا تركنا
العمل بما هو موجود جانبا، وكنابصدد فتح افق جديد
للبحث فالمسالة تختلف، ويكون هذا فتحا جديدا له
مسوغاته. وسوف نقوم بتوضيح القسم الاول من هذا
المدعى عما قريب. فرضية هذه المقالة
الفرضية المشخصة والصريحة التي نحن بصددها
والتي اعتمدنا فيها على نظرة اجمالية في ابواب من اصول الفقه هي: «ان
الابحاث التقليدية لاصول الفقه اللفظية موضوعة
ضمن اطر، ومنظمة بشكل تسد الطريق امام نفوذ النظرة
الهرمينوطيقية». ولاجل اثبات هذه الدعوى ينبغي
الالتفات، في البداية، الى التمايزالموجود بين
«المدلول» و«المراد».
اذا
طرح سؤال: هل «المعنى» هو «مراد» المتكلم او
«مدلول» الكلام، فما هو الجواب عليه؟ من الواضح
انه قد يكون كلا «المراد» و«المدلول» شيئا واحدا
في بعض الاحيان، وحينئذ لا يمكن ابراز فرق واضح
بينهما، لكن يمكن ايضا ان يكونا مختلفين، وذلك فيما
اذا كان المدلول الرسمي للكلام غير مراد المتكلم،
او كان مراده مغايرا لمدلول الكلام.
يتحصل
المدلول عن طريق اللغة والضوابط الصرفية والنحوية
والقوانين الادبية، وهو امر لا يخضع لدائرة اختيار
المتكلم والمخاطب، بل حتى اذا فرض ان متكلما ما
تكلم في حال النوم او السكر او الجنون، او تكلم
ساخرا من دون ارادة جدية، فان مدلول كلامه هذا يكون
ملحوظا، لكن بما اننا نعلم عدم وجود ارادة عنده او
عدم كونها ارادة جدية، فاننا لا نرتب اثرا على
مدلول كلامه((14)).
اما
«المراد» فهو خاضع لاختيار المتكلم خاصة، بل قد
يتدخل السامع في تكوينه ايضا عبر التواطؤ مع
المتكلم بطريقة معينة، ومثالا على ذلك ان يقول
رئيس الادارة للبواب: اذا طلبت ماء بحضور احد
المراجعين فمعناه ان تفتح الباب، وتقول: ان بعض
الاشخاص بانتظارك في الخارج، او كان يضع الفيلسوف
اصطلاحاخاصا به، او كما حدد الشارع الاسلامي بعض
المصطلحات مثل الصلاة والزكاة ضمن معان خاصة سميت
ب«الحقائق الشرعية». هذه انواع من «المرادات»
معلومة مسبقا وقد اخذت شكلا للتبين، بحيث تتبدل
بشكل تدريجي ضمن وضعية معينة الى «مدلول»، لكن
اذا فرضنا ان «المراد» هو معنى الكلام مطلقا وان
المخاطب مكلف بكشف مراد المتكلم، فمن دون شك ستخرج
طريقة الفهم من يد المخاطب، ولن يكون هناك كلام ذو
معنى بالشكل المتعارف عليه في اللغة.
بناء
عليه، يمكن القول، في مقام الجواب عن سؤال: «ما هو
المعنى؟»: انه عندما نقف امام «المراد»
و«المدلول» ونقدم المدلول، يكون المعنى اكثر
وضوحاوتشخصا، وتتعطل معه التساؤلات، وتنسد الطريق
امام ذهاب كل من المتكلم والسامع بعيدا عن لوازم
المعنى والاعراض عن اسباب التفهيم، وكلما قدمنا
جانب «المراد» نقع في زيادة الابهام والاشكال في
فهم النص، وتتهيا الارضية امام كثرة الاعذار بين
الطرفين، اضافة الى ان «مدلول» الكلام كلما كان
ثابتا وقليل التغير مع تبدل الزمان واختلاف
الظروف، كان «المعنى» اوضح واكثر استحكاما. ويعد
دخول «المراد» وسائر احتمالاته المتوقعة، وكذلك
التحول التدريجي لحالات «المدلول» عبر مرور
الزمان وبقية الشرائط، الاسباب في فتح الطريق امام
النظرة الهرمنيوطيقية، كما ويعد الثبات الفرضي
لهما هو الذي يسد الطريق امام هذه النظرة، او يحد
من شموليتها.
لقد
كان سعي اصوليينا منصبا على ترجيح جانب
«المدلول»، باعتبار انهم جعلوا اساس اصول الفقه
قائما على ذلك، وحاولوا قدر الامكان ان يضعوا
لالفاظ القرآن والسنة مدلولات محددة، وفي الحالات
التي يكون «المدلول» فيها ذا وجوه متعددة، بحيث
يعط ي للمتكلم فرصة الوقوف على اي الوجوه التي
يراها،يسعى الاصوليون الى ان يجعلوا للمتكلم مواقف
خاصة، فيفرضون عليه الوقوف عندها، هذه المواقف
والمحطات سميت ب«القدر المتيقن». وبناء عليه فان
تم العثور على شواهد كافية لهذه الدعوى في كتب
الاصول، فهذا من شانه ان يوصلنا الى هذه النتيجة،
وهي ان لاصوليينا موقفا معارضا للهرمنيوطيقا،
ولنلاحظ الشواهد على ذلك: ا. وضع الالفاظتجرى، عادة، في بداية كتب الاصول ابحاث حول وضع الالفاظ للمعاني، وتطرح الكثير من الاسئلة ويجاب عنها، ويمكن اختصارها بالاتي: 1-
وضع
اللفظ للمعنى وتشكيل الدال والمدلول بالنظر الى
اقسام الدلالات الثلاث «الالتزامية والتضمنية
والمطابقية». 2-
اقسام وضع اللفظ من جهة سعة المعنى ومحدوديته،
والتي تنتهي الى اربعة اقسام في مقام الاحتمال:
الوضع عام والموضوع له عام، الوضع خاص والموضوع له
خاص، الوضع عام والموضوع له خاص، وبالعكس. اما
القسم الرابع فهو غير معقول وليس له مصداق. 3-
المعنى المستقل وغير المستقل، او ما اصطلح عليه
بالمعنى الاسمي والمعنى الحرفي. 4-
معاني الجمل الانشائية والجمل الخبرية، او معاني
الهيئات. 5-
المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وعلامات الحقيقة
وشروط المجاز.
وتحتوي
هذه الابحاث على مسائل قيمة في ما يتعلق بدلالات
الالفاظ، كما وللاصوليين ايضا تحقيقات متميزة في
ذلك يمكن ملاحظتها في آثارهم((15)). وهذه المجموعة من
الابحاث مع غض النظر عن الاراء الخاصة التي يبرزها
كل محقق في جزئياتها تحتوي كذلك على جواب عام
للتساؤل الاساس لهذه المقالة، وهو ان المنشا
والملاك في استفادة المعنى من اللفظ هو «الوضع»،
ففي كل وضع لغوي يعرف اللفظ بعنوان «دال» او «منشا
الدلالة»، وما يقابله ليس «مراد»المتكلم ولا
الفهم الخاص للمخاطب، وانما هو «المدلول» المعين
مسبقا، والمتكلم والمخاطب لا وسيلة امامهما على
التفاهم الا ضمن هذه الدائرة، والعدول عن هذه الطريقة غير جائز بنظر الاصوليين
بل انه مسبب للخطا الاعم من الاختياري وغير الاختياري، او الخطا الناشىء عن الفرضيات القبلية للمخاطب. وهذاالحكم
الكلي يتساوى فيه جميع المخاطبين، قريبهم وبعيدهم،
الا انه قد يقع المخاطب البعيد في التردد في معنى
اللفظ زمن الخطاب فيلجئه ذلك الى التحقيق فيه، لكن
مع ذلك فهذا التحقيق في «المدلول» يجب ان ينطلق من
اخذ «مراد» المتكلم بعين الاعتبار وتطبيقه على
«المدلول» في زمن الخطاب. واقصى ما يتصورحصول
الخلاف فيه هنا هو ان يكون المتكلم قد ترك المعنى
الحقيقي واستعمل اللفظ مجازا، وهذا العدول عن
المعنى الحقيقي هو ايضا ذو ضوابط محددة مسبقا، ومن
ثم ليس خاضعا لاختيار المتكلم او المخاطب.
من
هنا، ذكر في بعض المصادر الاخيرة المعتبرة في فصل
مستقل بعد ايراد مجموعة فصول مرتبطة بدلالة
الالفاظ انه هل تلحظ ارادة المتكلم في
معاني الالفاظ المفردة ومركباتها او لا؟ وجاء في
الجواب: ان مقتضى التحقيق هو ان «اللفظ موضوع
للمعاني الواقعية، سواء تعلقت فيها الارادة او لا،
ولا دخل لها فيها لاشطرا ولا شرطا»((16)). ان ما يطرح حول وضع الالفاظ في علم الاصول ابتداء، يطرح بشكل كلي غير مختص بقسم خاص من الالفاظ، اما عندما يعلم ان منشا الافادة والاستفادة اوالمعاملة على المعنى بين المخاطب والمتكلم هو «الوضع»، فان ما يقوم به الاصولي رعاية لاحتياجات علم الاصول هو وضع بعض الالفاظ الخاصة، ومن ثم التحقيق في حدود معانيها. وهذه المباحث اساسا ليست مختصة باصول الفقه بل يمكن طرحها في كل كلام سواء كان عاميا ام تخصصيا، لكن لها تاثيرا خاصا في علم الاصول، ومن هنا كانت لهذه الابحاث اهمية خاصة بالنسبة لنا باعتبارها ناظرة دائما الى المدلول، واهم ما يطرح في هذا السبيل من مباحث هو: 1- هل
ان الفاظ العبادات والمعاملات موضوعة لصورها
الصحيحة والكاملة او انها موضوعة للاعم من الصحيح
والفاسد والكامل والناقص؟ فمثلا عندما
يقال:«صلاة» او «نكاح»، فهل «المدلول»
المستفاد منهما هو الصلاة والنكاح الصحيحين اللذين
تترتب عليهما الاثار الشرعية او انهما يشملان
الفاسد منهما((17)) ويصطلح على هذا البحث بتسمية
«الصحيح والاعم». 2- هل
ان دلالة الاوصاف المنتزعة من المصدر او الفعل
شاملة فقط لمن لديه هذه الصفة في زمن اطلاق اللفظ،
او هي اعم من ذلك؟((18)). 3- هل
ان لصيغة الامر «دلالة» على الوجوب او الاستحباب،
او على مطلق المطلوبية بحيث يتشخص كل من الوجوب
والاستحباب بوساطة القرائن اللفظية والمقامية
المحيطة ب«الامر»؟((19)) ويعد بحث الاوامر من اهم
الابحاث اللفظية في الاصول، وقد طرحت في ذيله ابحاث
فرعية يمكن ان تكون من حيث نتيجتها في نظر هذه
المقالة ابحاثا اصلية، من قبيل ابحاث المرة
والتكرار((20))
الفور والتراخي((21)) مقدمات المامور به((22))
النهي عن ضد المامور((23)) به مبحث الطبيعة والفرد((24)). 4- هل
ان صيغة النهي تدل على حرمة الفعل او كراهته، او
انها تدل على المبغوضية((25)) بشكل مطلق وتتعين مرتبتها
بالقرائن اللفظية والمقامية المحيطة؟والبحث هنا
يشبه الى حد كبير مبحث الامر، والكثير من الابحاث
المتقدمة المطروحة في ذيل البحث هناك تجري هنا ايضا((26)). 5- اذا
كان هناك حكم مقيد بشرط او وصف او غاية خاصة، فهل
يكون «مدلول» هذا التقيد هو انتفاء الحكم بانتفاء
الشرط او الوصف او تحقق الغاية المطلوبة؟،وبما ان
هذا البحث لا يلحظ مقتضى ظاهر اللفظ ومنطوقه وانما
ما وراء هذا الظاهر فقد اطلق عليه اسم «بحث
المفاهيم». وعليه فكلمة «مفهوم» هذا وقعت
في قبال كلمة «منطوق» وبالتالي فهي اخص من
المفهوم بالمعنى المتعارف((27)). 6-
هناك مباحث متعلقة بالعام والخاص، المطلق والمقيد،
المجمل والبين وفروعها ذكرت في ذيل هذه العناوين
المتقاربة من حيث التعريف وترتب الاثار، وقد ذكروا
لها بعد تعريف مفرداتها وذكر تقسيماتها بحثا يتعلق
بعضها ببعضها الاخر، ومحور هذه الابحاث جميعها
واحد: ما هو الرابط بين «مدلول» كل واحد من هذه
الازواج مع الاخر؟ ومن باب المثال يقال في تعريف
مفردات هذا الباب: ان صيغة الجمع اذا كانت محلاة
بالالف واللام فهي دالة على العموم
الاستغراقي،بمعنى انها شاملة لجميع افرادها. او ان
يطرح هذا السؤال: هل ان الخطابات العامة، مثل: «يا
ايها الناس» و«يا ايها الذين آمنوا» شاملة بحسب
مدلولها للغائبين بلحاظ الزمان والمكان، او انها
مختصة بالحاضرين فقط؟ والملاحظ، من خلال عناوين
الابحاث المتقدمة وكيفية طرحها، عدم اعطاء اي دور
ل «مراد» المتكلم و«المصادرات الحاكمة على فهم
السامع»، وبعبارة اخرى:يرى الاصوليون ان المتكلم
والسامع موظفان للتفاهم في ما بينهما ضمن دائرة
«دلالة» الالفاظ، وهم يصدرون هذا الحكم بشكل مطلق
والى الحد الذي لا يلحظ معه اي فاصل او اختلاف في
الظروف بين المتكلم والمخاطب. المباحث اللفظية التي اشير اليها والقواعد المذيلة بها والمطروحة في كتب الاصول، مختصة بالحالة الطبيعية العادية، بمعنى انها مبنية على اساس ان الفقيه في حال الاستنباط من الكتاب والسنة بحاجة الى قانون خاص يعمل على اساسه، وعليه معرفة التكليف من خلال العنوان الفرعي الواقع طرفا لخطاب، او ذاك المشمول بالكليات الموجودة في النص. واحيانا يمكن ان يكون التكليف واضحا، لكن مع ذلك يحصل للفقيه شك في بعض الخصوصيات والظروف المؤثرة على زمان صدور النص ومكانه، فلا يعلم اي قانون يجب عليه اجراؤه هنا، ومثالا على ذلك ان يكون النص واضحا عند المخاطب، ويعلم المدلولات الحقيقي وبعض المداليل المجازية المتناسبة معه، لكن لا يعلم هل هناك قرينة غير لفظية محفوفة بكلام المتكلم اوجبت صرفه عن معناه الحقيقي وحمله على معنى مجازي خاص، او ان الكلام قيل على مقتضى وضعه الطبيعي؟ وفي مثل هذه الموارد يستفيد الاصوليون في تعيين التكليف من اصول هي في نظرهم مقتضى الاستعمال العرفي ومجرى السيرة العقلانية، وهذه الاصول هي ايضا كالقواعد المتقدمة مرتبطة بقسم «المدلول» ومتعلقة بالبنية اللغوية ولا ارتباط لها بالشرائط الخاصة للمتكلم والمخاطب، وهي تتبلور اساسا ب: 1-
اصالة الحقيقة فيما اذا دار الامر بين المعنى
الحقيقي وبين كل من المعاني المجازية المحتملة. 2-
اصالة العموم فيما اذا دار الامر بين بقاء العام
على عموميته وبين اختلال هذا العموم بوساطة
استثناءات محتملة. 3-
اصالة الاطلاق اذا تردد الامر بين بقاء اسم الجنس
مطلقا وبين تقييده باي نوع ممكن من التقييدات. تجدر
الاشارة الى ان العلماء لا يفردون عادة في علم
الاصول فصلا خاصا للاصول الجارية في حالات الشك،
ولعل ذلك يعود الى وضوحها او لارتباطها الشديدبعلم
اللغة، لكنه يشار احيانا، في طيات سائر المباحث
اللفظية، الى هذه الاصول والى اصول مشابهة مثل
اصالة الظهور واصالة عدم القرينة ونظائرها
ويعتمد عليها((28)). النتيجة
يتحصل مما تقدم ان علماء اصول الفقه الاسلامي، ومنذ
الازمان المتقدمة حتى الان، لم يكن لديهم اهتمام
بالهرمنيوطيقا، ولم يكونوا ليتوجهوا اليها، بل قد
قاموابتاسيس ضوابط لازمها نفي الرؤية
الهرمنيوطيقية، بحيث يكتفون في فهم مقاصد النصوص
الدينية في جميع الازمان وضمن كافة الشروط الماضية
والحاضرة والمستقبلية بالوضع اللغوي، اضافة الى
بعض البناءات والمقررات الشرعية، ولهذا السبب
بحثوا في مقررات الاصول واجروا ضوابطها ومن جملتها
المباحث المشار اليها بشكل مطلق، من دون التعرض
للشرائط الخاصة.
بعد
بيان الاقسام الثلاثية لمباحث الالفاظ الاصولية
والقواعد المندرجة تحتها، نرى ان هذه الدعوى التي
هي محور هذه المقالة قد صارت واضحة بشكل جيد،ويمكن
ان نختم البحث بالاشارة الى عدة نقاط:
1- ان
الدعوى المتقدمة واثباتها بوساطة محتوى الاصول
اللفظية انما تما على اساس الاعم الاغلب. وليس معنى
هذا انه لم تحصل اشارات، ولو صغيرة وبشكل غير
مباشر، محتملة التاييد للنظرة الهرمنيوطيقية،
خصوصا في العقود الاخيرة كما تقدم مثال ذلك، لكن
توقع حصول تعاون وتنسيق كامل او ما يقرب منه
بين اصول الفقه الشيعي التقليدي من جهة وبين
النظرة الهرمنيوطيقية المعاصرة من جهة اخرى لن
يؤتي ثماره ابدا، وهذه المسالة كانت الهدف الاساسي
لهذه المقالة، وفي نظري انه قد تم اثباتها بالشواهد
الكافية.
2-
الادلة التي كانت تدعم الموقف المعارض
للهرمنيوطيقا في اصول الفقه التقليدي ليست منحصرة
بما ذكر، بل يمكن استخراج شواهد كثيرة على ذلك
من الكثير من الابحاث الاخرى باستعمال الدقة
والتامل، وما اشير اليه هنا بمنزلة الشواهد
الاولية لهذه الدعوى. |
|---|