الصفحة السابقة

الصفحة التالية

3- ان نظرة اصول الفقه التقليدية المعاكسة للهرمنيوطيقا هي مجرد «تقليد» مثل بقية التقاليد القابلة للبحث والتكميل، بل لها قابلية النقد ايضا، لكن يجب الاخذبعين الاعتبار ماهية الاسس التي سيبتني عليها هذا النقد، وما هي النتائج التي سوف ينتهي اليها، وما هو البديل المقترح عن الموجود التقليدي، والى اي حد آضمن الاهداف الخاصة لاصول الفقه هو ضروري ومهم؟

4- ان مسالة الظاهر والباطن، وظاهرة التاويل التاريخية والمطروحة في العلوم القرآنية تتناسب مع المباحث الهرمنيوطيقية. لكن العناوين المذكورة ليست عناوين فقهية، ومن ثم لا تجري في المباحث الفقهية الصورية. هذا اولا، وثانيا طرح هذه العناوين في التفسير والعلوم القرآنية هو بدوره مؤيد للنظرة التقليدية لاصول الفقه، وذلك لان اساس القبول ب«الظاهر» يشير الى انه مبدا الانطلاق الى «الباطن» وفرض وجود نوعين ومستويين مختلفين من المعنى احدهما اصلي والاخرتاويلي، هو نفسه من الادلة على وجود اعتقاد بثبات المعنى على اساس «المدلول».

 دراسات

الدائرة الموضوعية لحكم الولي الفقيه من وجهة نظر الامام الخميني

اسماعيل نعمت اللهي

ان الحكم الحكومي من الموضوعات التي اشبعت بحثا، بغية الوقوف على ماهيته وملاكه وحدوده وشرائطه وسائر القضايا المرتبطة به. والمقالة التي بين يديك تسلط الضوء على احد الابعاد ذات الاهمية بالنسبة لهذا الموضوع، وهو: «نطاق الحكم الحكومي او دائرته الموضوعية».

مما تنبغي الاشارة اليه هو ان هنالك ثلاثة محاور يمكن اخذها بعين الاعتبار في مجال الحكم الحكومي، وهي: النطاق الموضوعي والزماني والمكاني.

والمقصود بالنطاق الموضوعي الموضوعات التي يمكن ان تكون تابعة لحكم الحاكم الاسلامي والولي الفقيه، وما اذا كانت احكام هذا الحاكم تقتصر على المسائل الشرعية او انه يتجاوز تلك الحدود وما اذا كان يحق له ان يصدر احكاما في جميع الشؤون ذات الصلة بالدولة وادارة البلاد، كالتشريع والتنفيذ والقضاء او ان صلاحيته اضيق من ذلك.
ما تهدف اليه هذه الدراسة هو بحث الدائرة الموضوعية للحكم
الحكومي من وجهة نظر الامام الخميني(رض). وحيث ان ذلك يتطلب معرفة الحكم الحكومي: الولايات والشؤون المختلفة للفقيه وتعيين منزلته وموقعه في ما يتعلق بانواع الولايات، لا بد لنا من تقسيم هذه المقالة الى اربعة اقسام:

القسم الاول: تعريف الحكم الحكومي.
القسم الثاني: ولايات الفقيه وشؤونه بالنظر الى استقلال السلطات.
القسم الثالث: مكانة الحكم الحكومي بالنظر الى ولايات الفقيه وشؤونه.
القسم الرابع: الدائرة الموضوعية للحكم الحكومي.

ولتسهيل البحث استعنا ببعض المفاهيم الحقوقية، بغية المقارنة بين بعض المفاهيم الحقوقية الرئيسية والادارية للاسلام مع نظيراتها في علم الحقوق المعاصر.

ومما تجدر الاشارة اليه هو ان البحث الذي بين ايدينا ذو طابع نظري قد لا ينسجم تماما والنظام التطبيقي القائم في ايران حاليا.

القسم الاول: تعريف الحكم الحكومي

قبل الخوض في تعريف الحكم الحكومي، يبدو من المفيد ان نذكر التعريفات الاخرى التي اوردها العلماء والمحققون، وان نتناولها من حيث شمولها بالنقدوالتحليل:

1- اول هذه التعريفات الواردة في شان الحكم الحكومي ما ذكره العلامة الطباطبائي.

لقد قسم العلامة القوانين الاسلامية الى قسمين: ثابت ومتغير، معتبرا سن القوانين والمقررات المتغيرة، التابعة لاختلاف المصالح والزمان والمكان، من وظائف الحاكم او «ولي امر المسلمين»((29)). هذه الاحكام والمقررات قابلة للتغيير طبق صلاحيات الولي((30)). وبعبارة اخرى، فانهم بينوا الاحكام الحكومية بانها: «لولي الامر وفي ظل القوانين الشرعية ان يتخذ ما يراه مناسبا من الاجراءات اللازمة حسب المصلحة، ويضع لها بعض المقررات، ثم يقوم بتنفيذها وتعدتلك المقررات نافذة المفعول كسائر القوانين الشرعية»((31)).

وطبق هذا التعريف فان الاحكام الحكومية مقررات معتبرة واجبة التطبيق يضعها ولي امرالمسلمين ويقوم بتنفيذها حسب مقتضيات المصلحة. وقد اشير، في هذا التعريف، الى «وضع» المقررات والمصادقة عليها من جهة، والى تنفيذها من جهة اخرى، وكلاهما داخل في نطاق الحكم الحكومي، ونستنتج من ذلك ان سن القوانين وتطبيقها من بين الموضوعات التي يتناولها الحكم الحكومي.

2- يقول احد مفكري الحقوق الاسلامية في هذا الشان: «ان الحكم الحكومي هو ذلك الحكم الذي يتخذه الحاكم وفق الضوابط المعينة والمصالح العامة، بغية حفظ سلامة المجتمع، تنظيم الشؤون الاجتماعية، اقامة العلاقات المتوازنة بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية مع المجتمع، علاقات المؤسسات بعضهامع بعض، علاقات الافراد في ما بينهم، القضايا الثقافية، التعليمية، الضرائب، القضايا العسكرية، الحرب والسلام، المسائل الصحية، العمران، الطرق والجسور،الاوزان والمكاييل، ضرب العملة والعملات الخارجية، التجارة الداخلية والخارجية، القضايا الحقوقية، المسائل الاقتصادية والسياسية، سلامة البيئة وما شابه ذلك»((32)).

لقد وردت الاحكام الحكومية في هذا التعريف بشان ادارة شؤون البلاد في اوسع نطاقها، فشملت كل ما ينضوي اليوم تحت نطاق بعض فروع الحقوق العمومية الداخلية، اي الحقوق الاساسية، الحقوق الادارية والمالية العامة، بالاضافة الى اغلب فروع الحقوق الخصوصية، اي الحقوق المدنية والحقوق التجارية.

اضف الى ذلك ان التعريف المار ذكره يشمل اغلب المصاديق المتعلقة بادارة شؤون المجتمع، وهذا ما يجعله جديرا بالدقة والتامل.

3- يعرف احد الفقهاء المعاصرين الحكم الحكومي، لدى تمييزه بين الاحكام الاولية والثانوية وبين الحكم الحكومي، قائلا: «الحكم الحكومي (الولائي) هوالحكم الجزئي الذي يصدره الحاكم والذي يتاتى من خلال تطبيق القوانين الالهية الكلية على مصاديقها الجزئية»((33)).

4- للتعريف الاتي مزايا التعريف السابق ايضا: «الاحكام الحكومية هي عبارة عن مجموعة من القوانين والمقررات الصادرة من قبل الحاكم الاسلامي وفق الضوابط الشرعية والعقلائية بصورة مباشرة، او غير مباشرة، بغية تنفيذ الاحكام والحدود الالهية، وبهدف ادارة المجتمع في جميع ابعاده وتنظيم علاقاته الداخلية والخارجية»((34)).

لقد صرح هذا التعريف بمسالة مهمة مفادها انه يمكن للحاكم ان يفوض صدور الحكم الحكومي للافراد العاديين او المؤسسات الاخرى، ويمكن لهذا التعريف ان يكون الاشمل والاكمل من ناحية نطاق الحكم فيما اذا استبدلت الواو في العبارة «وبهدف ادارة شؤون المجتمع» بحرف (او).

على كل حال، فان التعريف السابق اذا اعتراه هذا التغيير الطفيف كان تعريفا مقبولا وحسنا. وخلاصة القول: يمكن تعريف الحكم الحكومي، من حيث شموله، كماياتي: «الحكم الحكومي عبارة عن الاوامر والمقررات التي تصدر من جانب الحاكم الاسلامي بفضل تصديه لمنصب التنفيذ والادارة».

وقد صرح العلماء، او اشاروا، في كلماتهم، ومنهم العلامة الطباطبائي((35)) الماوردي((36)) وابن خلدون((37)) بان «تطبيق احكام الشرع» و«ادارة شؤون المجتمع» تعدان وظيفتين رئيسيتين للحاكم الاسلامي.

كما ان للحكم الحكومي شرائط وخصوصيات سنتطرق اليها لاحقا، وقد اشارت العبارة (الاوامر والمقررات) الى بعضها، بيد ان بعضها الاخر يتطلب تصريحامثل:

1- يمكن ان يكون الحكم الحكومي بشان تطبيق الاحكام الشرعية او ادارة البلاد وتنفيذ المقررات غير المنصوص عليها.
2
- يمكن اصدار الحكم الحكومي بهدف وضع المقررات والقوانين العرفية او تطبيقها. وبعبارة اخرى قد يكون للحكم الحكومي بعد تشريعي او تنفيذي.
3
- ان الحكم الحكومي هو حكم مولوي على الدوام.
4
- ربما يكون الحكم الحكومي حكما تكليفيا او حكما وضعيا.
5
- يمكن اصدار الحكم الحكومي مباشرة من قبل الحاكم، او بصورة غير مباشرة، من قبل بعض الافراد او المؤسسات.

القسم الثاني: ولايات الفقيه وشؤونه بالنظر الى استقلال السلطات

لقد قسمت السلطة العامة، في الحقوق الاساسية، وبالنظر الى استقلالها، بغية تيسير ادارة شؤون البلاد الى السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية((38)). وقداقرت شرعية هذه المادة باتفاق اغلب البلدان كما سنرى ذلك((39)).

فليس هناك من بحث في كون الفقيه يتمتع ببعض الولايات والصلاحيات، وقد اعترف له الفقهاء بالولاية الا ان الخلاف الدائر بين الفقهاء يتناول نوع الولايات وشموليتها.

يرى اغلب علماء الاسلام ان الفقيه يتمتع بثلاث ولايات:

ا- الولاية في الفتوى.
ب
- الولاية في التنفيذ والادارة.
ج
- الولاية في القضاء.

وطبقا للمادة المتعلقة بالسلطات فان الولايتين الاخيرتين تشبهان القدرتين التنفيذية والقضائية للسلطتين التنفيذية والقضائية، اما الولاية في الفتوى فهي تناظرالقدرة على سن القوانين في السلطة التشريعية.

ونرى قبل البحث بالتفصيل في هذه الامور ان نتعرف الى المعنى الاصطلاحي للولاية((40)).

قال صاحب «بلغة الفقيه»: «الولاية، بالمعنى الاصطلاحي، هي السلطة الشرعية او العقلية على نفس الغير او ماله او كليهما، سواء كانت هذه السلطة اصلية ام عرضية»((41)).

يقول احد الحقوقيين المسلمين: «كما ذكر الفقهاء فان الولاية هي السلطة على الغير التي يلزم باتباعها دون الحاجة لموافقته»((42)).

اولا- الولاية في الافتاء
لا شك في ان احدى ولايات الفقيه الفتوى، او اصدار الفتاوى((43)) والسؤال الذي يرد هنا: ما المقصود بالافتاء؟ وهل يعني التشريع؟
سنشير، هنا، الى معنى الافتاء، ثم نقارن بينه وبين التشريع:

يمكن تعريف الافتاء بانه آراء الفقيه في الامور الفرعية للدين، سواء التكليفية او الوضعية، الموضوعة، المحمولة او متعلقهما((44)).

وفي تعريف آخر: الافتاء هو ابداء الراي في المسائل الشرعية لمن يمكنه ذلك((45)). والفتوى هي ثمرة الافتاء.

اما التشريع فيعرف بانه سن القوانين من قبل مرجع ذي صلاحية((46)). والقانون هو ثمرة التقنين وله عدة معان.

1- معنى القانون في الحقوق العرفية: للقانون العرفي استعمالان: عام وخاص في الحقوق العرفية. المقصود من القانون، بالمعنى العام، «كافة المقررات التي تضعها المؤسسات الحكومية ذات الصلاحية»، سواء كانت هذه المؤسسات السلطة التشريعية ام رئيس الدولة ام احد اعضاء السلطة التنفيذية، وبموجب هذاالمعنى العام فان القانون سيشمل كافة مصادقات المجلس التشريعي واللوائح الادارية والتعليمات((47)) وهنا يستفاد من القانون في مقابل العرف. والقانون في الحقوق الاساسية عبارة عن: «القاعدة الحقوقية العامة، او الخاصة، التي تضعها السلطة التشريعية، وعليه فهي لا تشمل مصادقات الوزارات ومقرراتها التي تضعها السلطة التنفيذية»((48)).

2- معنى القانون في الفقه: يقال للشي ء في الفقه قانون (او قانون شرعي) اذا توافرت فيه هذه الصفات:

ا- ان يكون كليا سواء كان الزاميا (كالاوامر والنواهي) ام لا، كالمستحبات والمكروهات.
ب
- ان يكون وحيا قرآنيا او حديثا قدسيا...
ج
- ان يكون دائما، ولو بصفته اضطراريا مؤقتا في بعض الامصار او الاعصار((49)).

الفرق بين الافتاء والتشريع
ثمرة التشريع هي القانون، اما الفتوى فهي نتيجة الافتاء، وعليه يمكن ادراك الفرق بين الافتاء والتشريع العرفي والشرعي من خلال المعنيين: الحقوقي والفقهي.ففرق الفتوى عن القانون بالمعنى الحقوقي:

1- ليس للفتوى اعتبار بذاتها، وانما اعتبارها يعود لكونها كاشفة عن الحكم الالهي، في حين يكتسب القانون اعتباره من خلال قدرة المشرع وصلاحيته.
2
- هناك علاقة عموم وخصوص من وجه بين مفاد الفتوى والقانون، فهناك بعض الموضوعات الخاضعة للقانون والفتوى كباب المعاملات، في حين تخضع بعض المواضيع للفتوى فقط، كالعبادات واخرى للقانون كالقوانين والمقررات المتعلقة بادارة المرور والجمارك والنقل الجوي.
3
- هناك الزام دنيوي في تطبيق القانون، وليس هنالك مثل هذا الالزام بالنسبة لتطبيق الفتوى((50)).
4
- الفتوى شخصية((51)) اما القانون فيعنى بالارض والبقعة التي يعيش فيها الناس، وان كان هنالك بعض الاستثناءات((52)).

وعليه فلا يمكن اعتبار الافتاء كالتشريع العرفي.

اما فرق الفتوى عن القانون بالمعنى الفقهي، فان فتوى الفقيه هي احدى الطرق الكاشفة عن القانون الالهي، وكما قال احد الفقهاء المعاصرين((53)) ان هنالك ثلاث مراحل للقوانين والاحكام الشرعية:

1- مرحلة الجعل التي تختص بالله تعالى (التشريع الشرعي).
2
- مرحلة الاستنباط من المصادر والافتاء، وهذه وظيفة الفقهاء (الافتاء).
3
- وضع البرامج والخطوط العريضة، بغية ادارة شؤون البلاد طبق فتاوى الفقيه (التشريع العرفي).

وعلى هذا، فالافتاء مرحلة ثانية بين التقنين الشرعي (المرحلة الاولى) والتقنين العرفي (المرحلة الثالثة)، وهو يختلف عنهما تماما.

القضية التي يجب طرحها هي انه هل للفقيه التشريع العرفي او لا؟ والرد على ذلك سيكون بالايجاب، وهو ما سندرس تفصيلاته في مبحث مكانة الحكم الحكومي.

ثانيا- الولاية في الحكومة (التنفيذ والادارة)
يمكن حصر الحكومة، او (التنفيذ والادارة)، في معنين:

1 تنفيذ الاحكام الشرعية.
2- تنفيذ الاحكام الشرعية وادارة شؤون البلاد. ونلاحظ ان المعنى الثاني عام، وهو شامل للمعنى الاول ايضا.

1- الولاية على تطبيق الاحكام الشرعية: ليس هنالك من خلاف في ان للفقيه شرعا ان يطبق الاحكام والمقررات الشرعية على مصاديقها. وبعبارة اخرى: له ان يطبق القوانين الشرعية، كما انه ليس هنالك من اختلاف بشان ولاية الفقيه في تطبيق بعض الاحكام والمقررات، ومن ذلك: الولاية على اموال اليتامى((54))الولاية على اموال المجانين والسفهاء((55)) الولاية على زواج بعض المحجورين((56)) الولاية على بعض شؤون الناس التي يكون حق التصرف فيهاللامام الا ان((57)) هنالك اختلافا كبيرا في شان ولاية الفقيه في تطبيق بعض الاحكام والمقررات الاخرى، ومن ذلك: الحدود والتعزيرات((58)) وتفصيل هذا الموضوع مع ذكر الاقوال والاراء خارج عن بحثنا هذا.

2- الولاية على تطبيق الاحكام الشرعية وادارة شؤون البلاد: يرى بعض الفقهاء، كالمولى احمد النراقي، ان للفقيه الولاية في جميع المسائل التنفيذية وادارة الدولة، فهو يصرح بان للفقيه الولاية في كافة الامور التي كانت للنبي (ص) والائمة الاطهار (ع) الولاية فيها الا ما خرج منها بالدليل بان كان مختصا بهم (ع) ، وكذافي جميع الامور الدينية والدنيوية للامة والتي لا بد من الاتيان بها((59)). ويشاركه سائر الفقهاء كالمرحوم كاشف الغطاء((60)) والمرحوم النائيني((61)) هذا الراي.

ومن ابرز هؤلاء الفقهاء الامام الخميني(رض) الذي قال في كتاب: «البيع»: «ان الفقيه العادل يتمتع بكافة الصلاحيات التي كانت لرسول الله (ص) والائمة (ع) في الحكومة والسياسة، وليس من المعقول التمييز بينهما (صلاحيات الفقيه وصلاحيات النبي والائمة (ع)) لان الولي كائنا من يكون يطبق الاحكام الشرعية ويقيم الحدود ويتسلم الخراج وسائر الضرائب ويتصرف فيها حسبما تمليه مصالح المسلمين((62)).

لقد عد (رض) كافة صلاحيات النبي والائمة (ع)، بشان الحكومة والسياسة، وهكذا الحق في اقامة الاحكام الشرعية، صلاحيات ثابتة للفقيه العادل. ثم تناول، في كتابه:((63)) «ولاية الفقيه»، هذه المسالة بعد ان ابطل الشبهة التي تدعى ان للنبي والائمة (ع) صلاحيات ليست للفقيه قائلا: «ان الله جعل تلك الصلاحيات والولايات في تعبئة الجيش ونصب الولاة وجباية الضرائب وصرفها في المصالح الاسلامية للنبي والائمة (ع) والحكومة الاسلامية الحالية من بعدهم»((64)).ثم اضاف في معرض حديثة عن الولاية قائلا: «ان الولاية تعني الحكومة وادارة شؤون البلاد واجراء القوانين الشرعية المقدسة، وهي مسؤولية خطيرة وثقيلة.وبعبارة اخرى، فان الولاية التي نعني بها الحكومة والادارة والتنفيذ ليست امتيازا بقدر ما هي تكليف ومسؤولية»((65)).

والملاحظ انه ذكر، في عبارته الاولى، «الصلاحيات الحكومية» و«الولاية» للنبي (ص) وامير المؤمنين (ع)، وعدها ثابتة للفقيه. وقد فسر الولاية، في عبارته الثانية،بانها «الحكومة وادارة شؤون البلاد وتطبيق احكام الشرع المقدسة»، وكذلك «الحكومة والتنفيذ والادارة»، ومن ذلك انه قال، في كتابه: «ولاية الفقيه»، بعد المقدمة:«ان الاعتقاد بضرورة تشكيل الحكومة وايجاد الجهاز التنفيذي والادارة جزء من الولاية ما دامت اقامتها والسعي اليها من الضرورات»((66)). وعلينا ان نعتقدبضرورة تشكيل الحكومة، وعلينا ان نسعى جاهدين لانشاء جهاز لتنفيذ الاحكام وادارة شؤون البلاد»((67)).

لقد جعل الله قوانينا، وهي الاحكام الشرعية، ثم امر بتشكيل الحكومة والاجهزة الادارية، بغية تنفيذ تلك الاحكام وتطبيقها»((68)). حيث تدعو الضرورة لتطبيق الاحكام بعد الرسول الى الابد، وعليه كان من الضروري تشكيل الحكومة وايجاد الاجهزة التنفيذية والادارية والا حدثت الفوضى والهرج والمرج. ومن هذا نخلص الى ان الشرع والعقل يريان ان ما كان لرسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع)، اي الحكومة والادارة والتنفيذ، ثابت في زماننا هذا للفقيه ايضا»((69)). والادارة المذكورة في العبارة جديرة بالمقارنة بمعناها في الحقوق الادارية، فوفق احد التعاريف: «ان الادارة هي مجموعة الاجهزة الادارية للبلاد، اي مجموعة المنظمات والمؤسسات والاشخاص الذين يضعون قوانين البلاد وسياساتها وبرامجها ونهجها العام في حيز التطبيق»((70)).

ثالثا- الولاية في القضاء
يبدو انه ليس هناك من خلاف بين الفقهاء في ان للفقيه ولاية في القضاء، ويرى المرحوم النراقي ان الاجماع القطعي، بل الضرورة تدل على ثبوت ولايته في القضاء((71)).

وقد صرح الشيخ الانصاري ان الحكومة من المناصب الثلاثة الثابتة للفقيه، وهو منصب ثابت للفقيه الجامع للشرائط من دون خلاف بين الجميع في الفتوى، اوالنص((72)). والمقصود من الحكومة هنا القضاء في الدعاوى. وهذا ما عليه امام الامة حيث قال: «كون الفقيه العادل يتمتع بالولاية في القضاء من الواضحات التي ليس فيها ادنى اشكال»((73)).

القسم الثالث: موقع الحكم الحكومي بالنظر للولايات وشؤون الفقيه

هناك تفصيل مختصر في هذا الشان، بالنسبة لولاية الفقيه في القضاء، ولذلك سنبحث موقع الحكم الحكومي بالنسبة لولاية الفقيه في الحكومة (التنفيذوالادارة).

ا- الحكم الحكومي وولاية الفقيه في الافتاء
كما ذكرنا سابقا، فان الافتاء يعني اخبار الفقيه عن الاحكام والقوانين الالهية، وعليه فماهية الافتاء الاخبار عن احكام الشرع الا ان للحكم ماهية انشائية وجعلية وان بينت ظاهريا بعبارات خبرية. وعلى هذا، فلا يمكن تصور صدور حكم من الفقيه في مقام الافتاء، والحال ان ما يطرحه بشكل حكم هو في الواقع اخبار عن الحكم الالهي وليس حكمه. بعبارة اخرى: مثل هذا الحكم انما هو حكم ارشادي وليس بمولوي، والحال كما سياتي ان احدى شرائط الحكم الحكومي ان يكون مولويا، ولذلك قال الامام، في مورد الاية المباركة: (واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) [النساء/59]، كافة الافعال العبادية وغير العبادية المتعلقة بالاحكام طاعة لله، اما اتباع النبي الاكرم فلا يعني الالتزام بالاحكام الشرعية بل هو موضوع آخر». وقال ايضا في ذيل هذه الاية((74)): اطاعة رسول الله غيراطاعة الله او اوامر رسول الله هي الاوامر التي تصدر منه (ص) وهي اوامر حكومية... وكذا اطاعة «اولي الامر» في الاوامر الحكومية تختلف عن طاعة اللهايضا»((75)).

ب- الحكم الحكومي وولاية الفقيه في القضاء
يطلق على الحكم الذي يصدره الفقيه، في مقام القضاء، «الحكم القضائي»، ويستعمل الحكم هنا في هذا المعنى مقابل الفتوى((76)) ولذلك يعرف صاحب الجواهر الحكم، حين تمييزه بين الفتوى والحكم، بانه الحكم القضائي وان تردد بالنسبة لشموله غير القضاء((77)). فقال: «الحكم ما ينشئه الحاكم لا الله آلاجراء الحكم الشرعي او الوضعي او موضوعهما بشان قضية خاصة»((78)).
وهكذا استعمل امام الامة الحكم القضائي في مقابل الحكم الحكومي ايضا((79)).

ج- الحكم الحكومي وولاية الفقيه في الحكومة (التنفيذ والادارة)
لا يتجلى معنى الحكم الحكومي الا في ما يتعلق بهذا النوع من الولاية وشان الفقيه، وشمولية الحكم الحكومي بسعة ولاية الفقيه في الحكومة وادارة المجتمع وشموليتها. ويمكن القول:
ان الحكم الحكومي هو الحكم الذي يصدره الفقيه في مقام ممارسته ل «وظائفه التنفيذية». وفي هذه الحالة يقع الحكم الحكومي في مقابل الفتوى (حاصل ولاية الفقيه في الافتاء) والحكم القضائي (حاصل ولاية الفقيه في القضاء).

المقصود من «الوظائف التنفيذية» للفقيه هي تلك الاعمال التي تنشط فيها السلطة التشريعية والتنفيذية اليوم حسب الحقوق الاساسية واستقلال السلطات، ولا بدلنا من مقدمة بغية ايضاح النقاط السالفة:

السلطات، في القانون الاسلامي،
طبقا لنظرية الامام الخميني (رض)
يرى الامام ان هنالك ثلاث سلطات تتولى ادارة البلاد، وهي: السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وبعد هذه المقدمة((80)) نقول: يرى الامام ان هناك سلطتين في الحقوق الادارية الاسلامية هما:

1- سن القوانين او السلطة التشريعية،
2- السلطة التنفيذية.

1- السلطة التشريعية: المشرع، بمعنى واضع القوانين الثابتة والدائمة، هو الله، سبحانه وتعالى، ولا يحق لغيره وضع مثل تلك القوانين. يقول الامام الخميني(رض): «الحكومة الاسلامية هي حكومة القانون الالهي للناس، والفارق الاساسي بين الحكومة الاسلامية وحكومة المشروطة (السلطنة) والجمهورية هو ان اعضاء هذه الانظمة يخوضون في التشريع وسن القوانين، والحال ان ذلك يختص بالله، التقنين للشارع المقدس ولا يحق لغيره التشريع ابدا»((81)).

2- السلطة التنفيذية: يرى الامام الخميني، وعلى اثر القول: ان للاسلام قوانين تعالج جميع الامور العبادية والاجتماعية والحكومية، ضرورة وجود سلطة تنفيذية بهدف تطبيق هذه القوانين والمقررات. ونذكر هنا بعض العبارات التي صرح بها الامام في هذا المجال:

«ينبغي ان يكون هناك تنفيذ للقوانين. وهذا ما يعمل به في كافة البلدان، فالقانون وحده لا يضمن سعادة الانسان ولا بد من وجود سلطة تنفيذية بعد سن القوانين،فلا تعد الحكومة او السلطة التشريعية متكاملة ما لم تكن الى جانبها سلطة تنفيذية، ولذلك اقر الاسلام هذه السلطة، ولولي الامر التصدي لتنفيذ القوانين ايضا»((82)). ولكي يتضح مفهوم السلطة التنفيذية التي وردت في كلام الامام الخميني ونطاقها وصلاحياتها لا باس بمقارنتها مع السلطة التنفيذية السائدة اليوم.

مقارنة بين السلطة التنفيذية الاسلامية
والسلطة التنفيذية السائدة اليوم
هناك اوجه شبه واختلاف بين السلطة التنفيذية الواردة في عبارات الامام وما هي عليه اليوم، حيث تتفرع القدرة الى سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية.

أ- اوجه الشبه
اولا: لكل منهما وظيفة تنفيذ القوانين المصادق عليها من قبل السلطة التشريعية. في الانظمة التي قالت بتجزاة السلطات الثلاث يكون التشريع من وظائف المجلس التشريعي، وعليه فاحدى مهمات السلطة التنفيذية في التصنيف القائم اليوم هي تنفيذ القوانين التي يصادق عليها المجلس، اما وظيفة السلطة التنفيذية الاسلامية فهي تطبيق الاحكام والقوانين التي سنها الشارع المقدس، فالوظيفة الرئيسية للسلطة التنفيذية الاسلامية هي تطبيق الشريعة. وقد ذكر امام الامة، الامام الخميني، بعض مصاديق الاحكام الالهية التي ينبغي ان يطبقها الولي الفقيه، ومنها: «اقامة الحدود»((83)) اخذ الضرائب وحفظ الثغور»((84)) تسلم الخمس والزكاة والصدقات والجزية والخراج وصرفها في مصالح المسلمين»((85)).

ثانيا: النقطة الاخرى المهمة بالنسبة لنا في التشابه هي الصلاحيات التي يتمتع بها كل منهما في وضع المقررات بغية تنفيذ القوانين المصادق عليها من قبل السلطة التشريعية:

1- صلاحيات السلطة التنفيذية في التصنيف المرسوم:
1-1- قال احد الحقوقيين: «للسلطة التنفيذية، في مقام تنفيذ القوانين وادارة الامور، الحق في ان تضع مقررات حسب الموارد بما ينسجم والمصادقات واللوائح والانظمة الداخلية والتعليمات»((86)).

1-2- قيل في شان صلاحية السلطة التنفيذية في وضع المقررات: «على الرغم من ان صلاحية المجلس عامة الا انها تحول دون قيامه بوظائفه الاكثر اهمية في تعيين كافة التفاصيل المتعلقة بتنفيذ القوانين وتنظيم الشؤون الادارية، ولذلك وفي اغلب القوانين فوض للوزراء، او لاحدهم، مسؤولية تنظيم اللوائح والتعليمات المرتبطة بالتنفيذ»((87)).
وبناء على هذا، فان التشريع من صلاحية المجلس الا انه يفوض تنظيم مقررات تنفيذ القوانين للدولة لسببين: اولهما ان تنظيم المقررات التنفيذية يحول دون قيام المجلس بوظائفه الاكثر اهمية، وثانيهما غالبا ما يستلزم تنظيم المقررات التنفيذية بعض المهارات والتجارب في بعض الامور الخاصة التي قد لا يتمتع بها وكلاءالمجلس.

1-3- المسالة الاخرى ذات الاهمية والمتعلقة بتنظيم المقررات التنفيذية من قبل السلطة التنفيذية هي: «ان صلاحية السلطة التنفيذية لا تنحصر بوضع اللوائح للموارد المقررة في القوانين فقط، وذلك ان صلاحيات هذه السلطة ووظائفها تهدف الى تطبيق القوانين وتنظيم الامور، فلها ان تضع ما تراه مناسبا من المقررات»((88)). وفي الواقع ان من ضروريات المهام التنفيذية هو عمق صلاحيتها في وضع القواعد والمقررات((89)).

1-4- ليس للسلطة التنفيذية ان تتجاوز قوانين الدستور والقوانين الاعتيادية (القوانين المصادق عليها من قبل المجلس)، ولا ينبغي ان تتعارض احكام الدولة ولوائحها مع القانون ابدا((90)). فان كونها تتمتع بصلاحية وضع ما تراه مناسبا من المقررات واللوائح قضية تابعة للقانون وليس لها اصالة، وعليه فلا يحق لهذه السلطة ان تضع مقررات جديدة ولا ان تغير تلك المقررات التي يضعها المجلس»((91)).

2- صلاحيات السلطة التنفيذية من وجهة نظر الامام الخميني
2-1- وفق وجهة نظر الامام، للسلطة التنفيذية الحق في وضع مقررات بهدف قيامها بمهماتها ووظائفها. وقد ذكرنا سابقا انه لا يرى في الاسلام وجود مجلس يتولى التشريع، وذلك ان المشرع الوحيد هو الباري سبحانه، والمجلس في الاسلام هو «مجلس التخطيط» يلعب دور السلطة التنفيذية حسب التصنيف القائم اليوم في وضع القوانين واللوائح.

يقول امام الامة: «التشريع يختص بالله وليس ذلك لاحد... وفي الحكومة الاسلامية، فان المجلس الذي يشكل احدى السلطات الثلاث وظيفته تنظيم برامج الوزارات وفق احكام الشرع المقدس، اضافة الى قيامه بالاعمال الخدمية في انحاء البلاد»((92)). للحاكم الاسلامي الحق، ايضا، وبغية القيام بمهماته، ان يضع بعض المقررات وان لم تكن ذات صبغة شرعية وديمومة الا انها بمثابة القواعد الملزمة.
وعلى حد قول احد المفكرين الاسلاميين فان هذه المقررات يطلق عليها اسم «الحكومة» في الاصطلاح الفقهي. وقد كتب اثر ذلك لهذا المطلب انه يطلق فقهياعلى المقررات الكلية والدائمة التي تصل عن طريق الوحي اسم القانون، او القانون الشرعي قائلا: «ان المقررات الموضوعة من قبل الامام بصدد تنفيذ القانون(القانون بالمعنى المذكور في الفقه) والتابعة للمصالح المختلفة والمتغيرة يطلق عليها في الاصطلاح الفقهي اسم الحكومة لا القانون»((93)).

2-2- للسلطة التنفيذية الاسلامية، في مقام تنفيذ القوانين الشرعية وادارة شؤون البلاد، ان تضع مقررات وضوابط ليس من الضرورة ان تكون في اطار القوانين والاحكام المصرح بها.

2-3- يمكن القول، في شان صلاحية السلطة التنفيذية والحاكم الاسلامي في وضع هكذا مقررات:

(1) ان التمتع بمثل هذا الحق من ضروريات الوظائف التنفيذية للفقيه، وقد صرح احد حقوقيي الاسلام بهذا المضمون، فراى، بادىء ذي بدء، ان هنالك عدة مراحل للولاية التشريعية، ومنها:
«1
- التشريع يعني جعل الاحكام والقوانين الكلية لمختلف الموضوعات... 2- القضاء والحكم للمترافعين... 3- الحكومة والقيادة»((94)). ثم قال: «يمكن للفقيه ان يجعل حكما، ولكن ليس جعل الحكم الخاص بل جعل الحكم الحكومي... وهذا يمثل لوازم المرحلة الثالثة من مراحل الولاية التشريعية ولا يتعلق بالمرحلة التشريعية»((95)).

(2) على اثر التقدم الحضاري والثقافي والمتطلبات الجديدة فان بعض الموارد التي تحدث ليس بامكان القانون معالجتها (القانون صامت ازاءها).
«هناك مناطق فارغة في كل بلد او في كل نظام تشريعي»((96)). ولا يستثنى النظام الحقوقي الاسلامي من هذه القضية، فهناك موارد سكت القانون بشانها،وبالتعبير الفقهي يقال: «مالا نص فيه». لقد اقتضت طبيعة الشرع الاسلامي مع الاخذ بنظر الاعتبار خلود تلك الاحكام من جهة وتطور الحياة الاجتماعية للاقوام والملل من جهة اخرى ان تكون الموارد التي سكت عنها القانون كثيرة متشعبة، فليست هناك مقررات تتعلق بالصادرات والواردات التي تمارس في البلدان،المقررات المرتبطة بالجمارك، المقررات ذات الصلة بالمعاهدات الدولية وسائر المقررات من هذا القبيل، كل ذلك من الموارد التي لم يرد فيها نص قانوني في الحقوق الاسلامية. .. وقد ترك الشرع عامدا عالما هذه الطبقة حرة فارغة ليتصرف الناس فيها بحرية»((97)).

وقد وردت بعض الروايات التي تشير الى هذه المسالة((98)) كما وافق بعض العلماء المسلمين على هذا الراي صريحا او تلويحا((99)). طبقا للعقيدة الاسلامية، وبالنظر الى ختم النبوة، فقد انقطع السبيل الى الوحي وللابد، وبانتهاء عصر الائمة المعصومين (ع) وغيبة الامام(عج) وبروز بعض المتطلبات التي لا يمكن التماس قوانينها من المعصومين يرد هذا السؤال: لمن تمنح صلاحية وضع القوانين والمقررات التي تتناول هذه المتطلبات وتخوض في تلبية حاجات المجتمعات الاسلامية؟ يعتقد بعض العلماء، كالعلامة الطباطبائي((100)) والعلامة النائيني((101)) ان هذا الامر للحاكم الاسلامي، واحكامه الحكومية هي التي تلبي احتياجات المجتمع الاسلامي في هذا المجال.

2-4- القضية الاخرى هي انه ليس للسلطة التنفيذية والحاكم الاسلامي الحق في تغيير الاحكام الشرعية، اولا، وليس لهما وضع احكام ومقررات تتعارض واحكام الشرع الاسلامية المقدسة، ثانيا، طبعا طبق نظرية الامام الخميني في الحكومة، فان للفقيه الحاكم ان يعطل بعض الاحكام والقوانين الشرعية بصورة مؤقتة اذا اقتضت المصلحة ذلك((102)). الا ان هذا الامر لا يعني تغيير الحكم الشرعي ولا ممارسة خلافه، لا يعني تغيير الحكم الشرعي لانه باق على قوته ومحتفظ باعتباره ولم يغيره الحاكم الشرعي بل حال دونه بشكل مؤقت، بدليل وجود مصلحة اكثر اهمية من تنفيذه، وليس مخالفا للشرع لان ذلك تابع لولاية الفقيه المطلقة التي منحها الله للرسول واولي الامر.

ب- اوجه الاختلاف
قلنا: ان هناك اختلافات كثيرة بين السلطتين التنفيذيتين المذكورتين، ونشير الان الى ثلاثة موارد منها:

1- تعد السلطة التنفيذية، في التصنيف القائم اليوم، قسما من السلطة العامة والحكومة بمعناها العام، ولذلك فهي في عرض السلطة التشريعية.
في الواقع، فان كلا من السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية تمارس مقدارا من السلطة العامة للبلاد، والعلاقة العرضية هي التي تسود هذه السلطات من حيث قوتها واعتبارها، على الرغم من ان وظائف السلطة التنفيذية والقضائية في طول وظائف السلطة التشريعية، بمعنى ان السلطتين المذكورتين تنفذان القوانين التي تصنعها السلطة التشريعية حسب طبيعة عمل كل واحدة منهما.
اما السلطة التنفيذية الاسلامية فليست في عرض السلطة التشريعية، اي «الشارع المقدس»، ابدا، فليست الحكومة مطلقة في كافة المجالات بما فيها التشريع، فاللهوحده المشرع لا السلطة التنفيذية فان عليها اجراء ذلك.

2- السلطة التنفيذية، حسب التصنيف، سلطة بسيطة من الناحية التطبيقية، بمعنى ان وظيفتها تقتصر على تنفيذ القوانين التي تصادق عليها السلطة التشريعية، اماالسلطة التنفيذية الاسلامية فتختزن ثلاث سلطات منفصلة:
(1) السلطة التشريعية، او ما يصطلح عليه الامام الخميني بمجلس التخطيط.
(2) السلطة التنفيذية بالمعنى الاخص للكلمة والمرادفة للسلطة التنفيذية المعاصرة.
(3) السلطة القضائية.
يمكن استنباط هذا المطلب من احاديث الامام حيث قال، في شان الاية الشريفة: «(واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) [النساء/59]، ان الحكومة في «حكمتم» لا تعني القضاء الذي يمثل احدى السلطات الثلاث، بل المقصود المعنى العام للحكومة»، ويضيف: «وعليه يجب ان نعتقد بان للاية الشريفة ظهورا في مسائل الحكومة، فهي تشمل القاضي وجميع الحكام (السلطات)... وبموجب الاية فان كل امر من امور الحكومة ينبغي ان يكون طبق موازين العدالة، اي وفق مبادىء القانون الاسلامي والحكم الشرعي».
وقال في حديثه عن «امور الحكومة»: «1 ان لا يقضي القاضي بالباطل، اي لا يصدر حكما وفق قانون ليس باسلامي، فلا ينبغي ان تكون مرافعته او استشهاده بالقانون قائمة على اساس غير اسلامي، 2 ينبغي ان يطرح مسؤولو المجلس برامج كالبرنامج المالي للبلاد مثلا، او الخراج الذي يطول الاملاك العامة للفلاحين بشكل عادل. ..، 3 اذا اراد المنفذون ان يجروا حكما قضائيا، او يقيموا حدا، عليهم ان لا يتجاوزوا حدود القانون...»((103)).
ويلاحظ، في هذه الكلمة: «الحكومة»، في الاية الشريفة «واذا حكمتم»، انها فسرت وطبقت على عبارة «امور الحكومة» فشملت السلطات الثلاث السائدة اليوم:التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقد فسرت الحدود، اولا، «بقانون العقوبات الاسلامية»، وثانيا، بمن يقوم باجرائها «التصدي للسلطة التنفيذية»((104)).

3- ان هذه السلطات الثلاث، وبالنظر الى فصل بعضها عن بعض، يجب ان تكون مستقلة الا انه وطبق الحقوق الادارية في الاسلام فان القيام بالوظائف الثلاث المذكورة، بادىء ذي بدء، من صلاحية الحاكم الاسلامي، فله ان يفوض ايا منها الى افراد او مؤسسات اخرى، ويقوم هو بالاشراف والمتابعة لسير اعمالهم، وهذاما لا يمكن اجتنابه اليوم، وذلك ان ادارة البلاد تتطلب وجود منظمات ومؤسسات تقوم بذلك((105)).

خلاصة نظرية الامام الخميني: ان هناك سلطتين في الحقوق الاساسية للاسلام: التشريعية المختصة بالله، والتنفيذية التي تتولى تطبيق القوانين الشرعية، وادارة شؤون البلاد، ويتولاها الحاكم الاسلامي. للحاكم الاسلامي، بغية القيام بوظائفه، ان يضع بعض المقررات والقواعد وان يخوض في التشريع العرفي.

وله ان يقوم بذلك مباشرة، او غير مباشرة من طريق تفويضها لبعض الافراد والمؤسسات. اضف الى ذلك فللحاكم الجامع للشرائط حق القضاء، وعلى هذافالحاكم الاسلامي يتمتع بثلاث سلطات: التشريع العرفي، تنفيذ القوانين الشرعية والعرفية، والقضاء، وله ان يباشر ذلك بنفسه او يوكل من ينوب عنه من الافرادوالمؤسسات، وله حق الاشراف على ذلك، فهو يمثل راس الهرم، والسلطات الثلاث هي يداه في المجتمع، وله حق الاشراف الكامل عليها((106)).

القسم الرابع: الدائرة الموضوعية للحكم الحكومي

يمكن بحث هذا الموضوع على صعيدين:
اولا
- دائرة الحكم الحكومي بالنظر الى فصل السلطات.
ثانيا- دائرة الحكم الحكومي بالنظر الى احكام الشرع.

اولا- دائرة الحكم بالنظر الى فصل السلطات
كل حكم يصدره الحاكم الاسلامي بهدف تنفيذ القوانين الشرعية وادارة امور البلاد هو حكم حكومي، وعليه يمكن ان يصدر الحكم لغرضين:

(1) تنفيذ القوانين الشرعية،
(
2) ادارة امور البلاد.

الحكم الصادر للغرض الاول يكون حكوميا اذا لم يكن مفاده مفاد الحكم الشرعي عينه، والا فهو حكم ارشادي وليس مولويا، ولا يصطلح عليه بالحكم الحكومي.والحكم الصادر للغرض الثاني ربما يكون له بعد تشريعي او تنفيذي.

وكافة القوانين والمقررات التي يضعها الحاكم الاسلامي، بصورة مباشرة او غير مباشرة (التشريع العرفي)، وما يصدره من كافة الاحكام والقوانين والاوامر بشان تنفيذ القوانين الشرعية والعرفية هي احكام حكومية. وبعبارة اخرى، فان دائرة الحكم الحكومي تشتمل اليوم، وطبق فصل السلطات كافة وظائف السلطة التشريعية والتنفيذية. وكذلك كافة الامور التنفيذية للسلطة القضائية كتعيين القضاة وعزلهم((107)).

وكما ذكرنا سابقا فان الحكم الذي يصدره القاضي حكم قضائي، اما الامر بتنفيذه فهو حكم حكومي.

لكن هل الاحكام الحكومية اصل او استثناء؟ المقصود: هل ان امور المجتمع تجري بصورة اعتيادية، اما في حالة حدوث مانع، او مشكلة، فيتم التشبث بالحكم الحكومي او بالعكس؟ هل الاصل ان تسير الامور على اساس الاحكام المباشرة او غير المباشرة من قبل الحاكم؟ ما يستنتج من الرسالة التي وجهها بعض مسؤولي البلاد الى الامام الخميني، في سنة 1987، والتي ادت الى تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام بامر من الامام، ان الحكم الحكومي انما يصدر لحل مشكلات النظام في بعض الحالات الطارئة. لقد ورد في الرسالة: «في ظل تصريحات سماحتكم الاخيرة فان المشاكل التي كانت تعترض التشريع وادارة البلد الاسلامي قد حلت من الناحية النظرية، وكما كان متوقعا، فقد كان هناك اتفاق في الاراء من قبل المختصين في تلك الارشادات، ولم يبق الا ممارسة حق الحاكم في موارد الاحكام الحكومية..».

وقد ورد في قسم منها، وعلى اثر توضيح كيفية طرح اللوائح الحكومية والمشاريع في المجلس والمصادقة عليها: «بعد المصادقة النهائية، فان لمجلس صيانة الدستور الاشراف على مصادقات المجلس وكونها لا تتعارض والاحكام الشرعية والدستور، واذا حدث خلاف بين المجلس والصيانة، فلا مفر من تدخل الولي الفقيه، وهنا ياتي دور الحكم الحكومي، وقد اطلعنا على ان سماحتكم امرتم بتشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام لحل الاختلاف بين المجلس وصيانة الدستور والا كان لكم ان تصدروا حكما حكوميا. .»((108)).

يفهم من هذه الفقرة ان الحاجة لتدخل ولاية الفقيه وتشخيص موضوع الحكم الحكومي تاتي حين لا يكون هناك اتفاق بين المجلس ومجلس صيانة الدستور. وطبقا لنظرية الامام الخميني (رض) فان كافة شؤون البلاد، ومنها التشريع، يجب ان تدار بصورة مباشرة او غير مباشرة من قبل الولي الفقيه، وما تسنه السلطة التشريعية والمجلس من قوانين ومقررات ما لم يجزها الولي الفقيه فلا مشروعية لها، ووجود هكذا مجلس يعد قسما من الممارسات غير المباشرة لولاية الفقيه.

وقد ايد هذه النظرية احد فقهاء مجلس صيانة الدستور في حديث له، في هذا المجال، من على منبر صلاة الجمعة سنة 1987، اي بعيد امر الامام بتشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام((109)). هناك مسالتان مهمتان في امر الامام الخميني(رض): اولاهما ان امر الامام كان حكما حكوميا من جهة، ومن جهة اخرى فقد اجاز لبعض الافراد تشخيص الحكم في الحالات الخاصة واصداره، وثانيتهما، طبقا للرسالة الموجهة من قبل المسؤولين، فان المشكلات التي تعترض التشريع قد تكون احيانا بسبب عدم اتفاق المجلس ومجلس صيانة الدستور بشان مواد الدستور، وليس بسبب عدم الاتفاق حول الاحكام الشرعية فقط.

وقد لفت الامام الانتباه في رسالته الى هذه المسالة:

«في الحالة التي لا يحصل فيها اتفاق شرعي وقانوني بين مجلس الشورى الاسلامي ومجلس صيانة الدستور».

استنتاج السيد مير حسين الموسوي، رئيس الوزراء آنذاك، كان مؤيدا لهذا المطلب((110)). والنتيجة المترتبة على المسالتين السابقتين هي انه يمكن للحكم الحكومي للولي الفقيه، في نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، ان يؤجل تنفيذ مواد الدستور كما يمكنه في حال وجود مصلحة ان يمنع تطبيق بعض منها. فقداقر المسؤولون هكذا حق للفقيه، والفقيه بدوره منح نفسه مثل هذا الحق، وصدور ذلك الامر يعني اقراره لما ذهبوا اليه.

ثانيا- دائرة الحكم الحكومي بالنظر الى احكام الشرع
تقسم الاحكام الشرعية الى: احكام اولية وثانوية، ووضعية وتكليفية، مولوية وارشادية. وسنقوم هنا بدراسة الحكم الحكومي بالنظر الى كل تقسيم من هذه التقسيمات:

1- الحكم الحكومي والاحكام الاولية والثانوية
هنالك عدة مباحث ونظريات في طبيعة الحكم الحكومي، وفي ما اذا كان حكما اوليا ام ثانويا((111)). فهناك من يعتقد انه من الاحكام الاولية، في حين يرى بعضهم انه من الاحكام الثانوية، ويرى آخرون ان العلاقة هي علاقة عموم وخصوص من وجه، والراي الرابع يرى انه ليس من الاحكام الاولية ولا الثانوية.

يبدو ان بحث هذا الموضوع يستلزم تسليط الضوء على محورين منفصلين:

الاول: هل الحكم الحكومي من سنخ الاحكام الاولية او الثانوية؟ الثاني: هل شمول الحكم الحكومي هو شمول الاحكام الاولية او الثانوية نفسه، او ان له دائرة تختلف عن ذلك؟

أ- نوعية الحكم: في هذا المجال نوافق الراي الرابع الذي ذكر سابقا، فالحكم الحكومي ليس من سنخ الاحكام الاولية ولا الثانوية، ودليل ذلك واضح، حيث هناك اربعة اركان في كل حكم:
1- الحكم نفسه،
2- الحاكم،
3- المحكوم عليه (المكلف)،
4- المحكوم فيه (الفعل)((112)).

وبناء على هذا، فان احد اركان كل حكم الحاكم الذي قد يكون الله او النبي او السلطان (ولي الامر)، السيد، الاب والزوج((113)). فالحاكم في الاحكام الشرعية الاولية والثانوية هو الله سبحانه، اما الحاكم في الاحكام الحكومية فهو ولي امر المسلمين، او الحاكم الاسلامي، وعليه فالحكم الحكومي، ليس من سنخ الاحكام الاولية ولا الثانوية.

لقد صنف احد الفقهاء المعاصرين الاحكام الى صنفين: احكام الهية واحكام سلطانية (حكومية)، وقد جعل الاحكام الحكومية مقابل الالهية((114)). ويفهم من هذا التصنيف ان الاحكام الحكومية قسيمة الاحكام الالهية (الاولية والثانوية) وليست قسما منها:

وما يثير الشبهة هنا ما ذكره امام الامة قائلا: «ان ولاية الفقيه والحكم الحكومي من الاحكام الاولية»((115)).

وبناء على ما ذكرناه، لا يسعنا قبول ظاهر هذه العبارة بل ينبغي تاويلها، ونذكر هنا وجهين لذلك:

(1) لقد ورد الحكم الحكومي الى جانب ولاية الفقيه في العبارة على انهما من الاحكام الاولية، فيحتمل ان المقصود الاصلي ان ولاية الفقيه من الاحكام الاولية،وبالنتيجة فان الاحكام التي يصدرها، بصفته الولائية، ناشئة من الاحكام الاولية للشارع. كما صرح بذلك احد الفقهاء قائلا: «مقام الولاية نفسه من الاحكام الاولية» كما ان «النبي اولى بالمؤمنين»، «اقيموا الصلاة» و«آتوا الزكاة» من العناوين الاولية، وكذلك جعل الولاية المطلقة لرسول الله (ص) وللائمة (ع) من بعده وللعلماء من بعدهم بنص خبر الاحتجاج((116)) من الاحكام الاولية ايضا((117)).

وعليه، فان جعل الولاية والحكومة للفقيه من الاحكام الاولية واعتبار احكامه الحكومية ناشئه ايضا من هذه الاحكام الاولية، الا ان احكامه ليست من سنخ الاحكام الشرعية الاولية او الثانوية بل مغايرة لهما.

وهنا لابد من الاشارة الى ان الحكم الحكومي، وان لم يكن من الاحكام الاولية او الثانوية، الا ان طاعته واجبة، حيث امر الله بطاعة النبي واولي الامر، وليست هناك من منافاة بين عدم كونه اوليا او ثانويا وبين وجوب طاعته.

قال امام الامة الامام الخميني: «ان طاعة النبي تعني طاعة الله، لان الله امرنا بطاعة نبيه»((118)) وهذا ما يصدق على الفقيه الحاكم، وهكذا عد العلامة الطباطبائي الاحكام والمقررات الصادرة من الولاية واجبة الطاعة كالشريعة((119)).

(2) التاويل الانسب ان المقصود بالحكم الحكومي في العبارة هو العنوان لا مضمون الحكم الحكومي وما يصدره الفقيه في مقام الحكومة. يعتقد امام الامة ان بعض الايات والروايات سيما الاية الشريفة: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) تدل على وجوب طاعة «الاحكام الحكومية» للنبي و«اولي الامر»((120)) وعليه فان عنوان «الحكم الحكومي» من الاحكام الاولية الا ان الحكم الذي يصدره الفقيه ليس حكما اوليا.