|
ب- شمولية الحكم الحكومي بالنظر للاحكام الاولية او الثانوية:
ولا ينسجم هذا الراي مع نظرية الامام الخميني (رض)
في
الحكومة، ولذلك رد الامام على هذا الراي قائلا:
«اذا كانت
صلاحيات الحكومة في اطار الاحكام الالهية
الفرعية، فان ذلك
يعني عبثية الحكومة الالهية والولاية المطلقة
المفوضة لنبي
الاسلام (ص) وتفريغها من محتواها. واشير الى بعض ما
يترتب
على ذلك مما لا يمكن معه لاحد الالتزام به، فمثلا
شق الشوارع
الذي يتطلب التصرف في حرمة دار (بيت) لا يقع ضمن اطار
الاحكام الفرعية، الخدمة العسكرية
وسوق المقاتلين الى
الجبهات، الحيلولة دون تهريب العملات الصعبة،
ومئات
الحالات المشابهة لذلك والتي تعد من صلاحيات
الحكومة»((122)).
قال احد الفقهاء المعاصرين بشان كلمات الامام(رض):
«لقد
ورد في عبارات بعض الفضلاء ان ولاية الفقيه مطلقة
ولا تقييد
فيها. المراد انها ليست مقيدة بالضرورة والاضطرار
وانها تشمل
العناوين الثانوية ايضا، والامثلة التي ساقها في
حديثه، من قبيل
حكم الفقيه، بترك فريضة الحج لبعض السنوات في بلد
معين اذا اقتضت مصلحة اهم من ذلك، او شق الطرق
والشوارع
ووضع مقررات المرور كشواهد مؤيدة لما ذهب اليه((123)).
الشاهد الاخر هو ان الاحكام الولائية(الحكومية)
احكام تنفيذية
اجرائية وكلها ترجع لتشخيص الصغريات والموضوعات
وانطباق الاحكام الشرعية عليها وبالعكس»((124)).
يبدو ان قصد الامام (رض) هو ان صلاحيات الحاكم
الاسلامي
ليست في اطار الاحكام الفرعية، ولذلك فليس من
الضروري
ان يكون موضوع حكمه موضوع الاحكام الفرعية
الاولية او
الثانوية نفسها، بل له ان يحكم في بعض الامور التي
ليس لها اثر
في الكتاب والسنة.
ويمكن ان تكون مقارنة حكم الحاكم بالاحكام الاولية
والثانوية
احدى الحالات الاتية((125)).
(1) ان يكون موضوع حكم الحاكم الحكم الشرعي عينه،
كامرنا
بالصلاة والصوم، ولا يطلق على هكذا حكم اسم
الحكومي،
ووجوب طاعته ناشى ء من وجوب طاعة الحكم الشرعي،
وليس
ناشئا من حكم الحاكم. لقد قال امام الامة في مورد
الاية
(اطيعوا الله...): «طاعة الاوامر الالهية طاعة الله
لا طاعة الرسول
واولي الامر.ولذلك اذا صلى مكلف بقصد طاعة الرسول
او
الامام فان صلاته باطلة»((126)).
وتعد النقاط الثلاث الاخيرة من مصاديق الحكم
الحكومي. 2- الحكم الحكومي والاحكام المولوية والارشاديةتقسم الاحكام الشرعية الى ارشادية ومولوية، هنالك طلب وبعث حقيقي في الحكم المولوي بدليل المصلحة المتوفرة في متعلقه، بحيث يترتب استحقاق الثواب والعقاب على طاعته ومعصيته. اما الطلب والبعث في الحكم الارشادي فهو صوري وليس هنالك طلب واقعي، بل هنالك اخبار عن مصلحة في الفعل وارشاد وهداية للمكلف الى ذلك العمل. ولذلك كانت مصلحته ومفسدته مقتصرة على الوصول او عدمه لتلك المصلحة الواقعية، وليس هنالك من ثواب اوعقاب مستقل يترتب على طاعته ومعصيته((128)).
وبناء على هذا، فهل الحكم الحكومي من الاحكام
المولوية او
الارشادية؟
(1) النبوة والرسالة، اي تبليغ الاحكام الالهية.
فهنالك احكام يصدرها (ص) حسب هذه الشؤون، فالحكم
الذي
يصدره باعتبار الشان الاول هو حكم ارشادي كامره
بالصلاة
والصوم، وما يصدره من حكم باعتبار الشان الثاني هو
حكم
مولوي.
ليس له (ص) الامر والنهي باعتبار الشان الاول، فان
امر ونها
كان حكمه (ص) ارشادا طبقا للاوامر والنواهي الالهية.
بينما له
اوامر ونواه مستقلة باعتبار الشان الثاني وطاعتها
واجبة، والاية
الشريفة: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر
منكم) تعالج
هذه الطائفة من الاحكام، اما باعتبار الشان الثالث
فله (ص)
احكام واجبة الطاعة، لكن ليس على اساس كونه سلطانا
وحاكما، بل لانه قاض وحاكم شرع، وعليه يمكن تقسيم
احكام
الرسول (ص) بالنظر الى الشؤون الثلاثة الى ثلاث
طوائف:
(1) الحكم الارشادي.
طبعا فان القسمين الاخيرين لا يعدان في تسلسل القسم
الاول
من الناحية الفنية.
بحثنا يتعلق بالقسم الثاني، اي الاحكام التي
يصدرها الحاكم
وولي الامر من حيث منصب الحكومة والرئاسة، فجميع
الاحكام
التي تصدر لادارة المجتمع الاسلامي وبهدف تنفيذ
الاحكام
الشرعية هي اوامر مولوية، يترتب عليها بعض الاثار
الشرعية
كالثواب والعقاب على طاعتها ومعصيتها. اما اذا كان
متعلق
امرالحاكم والولي الفقيه احكاما شرعية كامره
بالصلاة والصوم،
فهكذا احكام تصدر على اساس الشان الاول، اي تبليغ
الاحكام
الالهية، وتعد احكاما ارشادية ولايترتب ثواب وعقاب
مستقل
على طاعتها ومعصيتها((129)).
لقد ذكر امام الامة هذا المطلب في كتابه ولاية
الفقيه: «ليس
المراد من جعل الله لرسوله (ص) رئيسا وطاعته واجبة:
(اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)ان
نقبل ونعمل
بما يقوله، فان امتثال الاحكام يعني طاعة الله،
كافة الافعال
العبادية وغير العبادية المتعلقة بالاحكام تمثل
طاعة الله. اتباع
الرسول (ص) لا يعني امتثال الاحكام بل هو موضوع
آخر»((130)).
وصرح في مكان آخر في هذا الصدد قائلا: «طاعة اوامر
الله غير
طاعة الرسول الاكرم (ص). كافة الاحكام الشرعية
العبادية
وغير العبادية اوامر الله سبحانه ليس للرسول
اوامر في باب
الصلاة انما اوامره هي تلك التي يصدرها بنفسه، وهي
اوامر
حكومية كامره بانفاذ جيش اسامة بن زيد.. اطاعة اولي
الامر
في الاوامرالحكومية ايضا تختلف عن طاعة الله»((131)). 3- الحكم الحكومي والاحكام الوضعية والتكليفيةما الرابطة بين الحكم الحكومي والاحكام الوضعية والتكليفية؟ هل الحكم الحكومي من الاحكام الوضعية او التكليفية؟ وقبل الاجابة عن هذا السؤال نشير الى تعريف الاحكام الوضعية والتكليفية.
قالوا في تعريف الاحكام الوضعية والتكليفية: ان
الحكم الوضعي
انشائي، اي يصدر بدافع البعث او الزجر او الترخيص،
ويقسم الى
خمسة اقسام((132))واجب، مستحب، حرام، مكروه،
ومباح.
فالحكم الوضعي ما كان وضعا وانشاء وليس تكليفا
كالملكية
والزوجية((133)).
وفي تعريف آخر: «ما اشتمل على امر او نهي فهو حكم
تكليفي،
والاحكام التكليفية في الفقه عبارة عن: وجوب، حرمة،
استحباب او مندوب، كراهة واباحة.
وتقتصر الاحكام التكليفية في الحقوق العرفية على
الامر
والنهي القانونيين وليس هنالك حكم تكليفي له اكثر
من
حالتين»((134)). كل قانون يشتمل على
امرونهي فهو حكم
وضعي»((135)).
وهنا لا بد من القول: ان الحكم الحكومي قد يكون حكما
وضعيا
او تكليفيا، على سبيل المثال بعض الاحكام التي عدها
احكاما
تكليفية في الاحكام الحكومية «اوامر رسول الله
(ص) هي تلك
التي تصدر عنه، وهي اوامر حكومية مثلا: انفذوا جيش
اسامة،
من اين تجمعوا الضرائب كيف تعاشروا الناس...»((136)).
اما سائر الاحكام والمقررات التي ليست تكليفية فهي
احكام
وضعية، وبناء على هذا، فان كافة القوانين التي
يسنها المجلس
التشريعي بالنيابة عن الحاكم الاسلامي، او باذنه،
وتشتمل على
الامر والنهي، تعد احكاما او قوانين وضعية.
الشيخ صادق لاريجاني تمهيد
موضوع هذه المقالة
-
وفق الاقتراح الذي قدم لي
-
هو
«نقد
التفاسير الحديثة، او القراءات الجديدة للمصادر
الدينية»((137))؛
وهو عنوان يبعث على
الاشتباه الى حد معين،
ذلك انه يثير استفهاما حول قابلية كافة التفاسير
الجديدة
للكتاب والسنة للنقد والتفنيد، فيما الامر ليس
كذلك، فهذه
المقالة لا تهدف الى امر من هذا القبيل، فما نهدف
اليه هنا انما
هو نقد النسبية المطلقة في فهم النص الديني، فنحن
نلاحظ
اليوم كتابات عديدة لمجموعة من الكتاب في العالم
الاسلامي تصب جميعها في الاتجاه النسبي هذا.
وبالرغم من ان
العبارات المستخدمة، احيانا، ذات معان مختلفة الا
ان الامور
في النهاية تصب في مجرى واحد، وهوالترويج والدعاية
لنوع
من النزعة التشكيكية والنسبية في فهم النصوص
الدينية.
اما كبار المحققين المسلمين فيعارضون النسبية
المطلقة في
فهم النص الديني في الوقت نفسه الذي يذهبون فيه الى
الاخذ
بمبدا الاجتهاد وحيويته المتواصلة.وفي الحقيقة لن
يكون
لتحول الفهم معنى معقول ما لم تكن لدينا مجموعة من
الاستنتاجات التي نعدها ثابتة، فهؤلاء يؤمنون
بثبات بعض
المفاهيم على الصعيدالديني، وهي تلك الاستنتاجات
المرتكزة
على النصوص القطعية للكتاب والسنة، او المفاهيم
التي تشكل
الضروريات الدينية. والتحول والاجتهاد في فهم
الدين يمكن
الاعتراف بهما وفق هذه النتائج الثابتة، ومن دون
امتلاك هذه
النتائج لن يكون بايدينا اي معيار لتقييم الفهم
والاستنتاجات.
ووفقا لذلك، عندما نؤكد، في هذه المقالة، على بطلان
النسبية
المطلقة فاننا لا نهدف الى القول بثبات كافة
الافهام
والاستنتاجات، وانما ندعي امرا اكثر
معقولية وتواضعا، وهو
تحقيق الاجتهاد المتواصل في بعض المقاطع من الكتاب
والسنة ووجود مقدار من الثبات في بعضها الاخر. النسبية او المذهب النسبي
قبل الشروع في نقد المذهب النسبي، في قراءة النص
الديني، لا
بد لنا من تقديم تصور اوضح له حتى تنجلي امامنا
القضية التي
يتمحور حولها الخلاف، ومن ثم النظرية التي نقوم
بنقدها.
ان المطلعين على المجريات الفكرية والفلسفية في
الغرب
يعلمون جيدا المجالات المتنوعة التي طرحت فيها
النزعة
النسبية، فهناك توجهات نسبية متشددة ومتطرفة في
مجال
عالم المعرفة (Epistemology)،
سيما فلسفة العلم (Philosoply
of Science)
و كلالك في فلسفة اللغة (Philosoply
of Language) و قى كانت هذه التوجهات موردا للنقد على الدوام من طرف المعارضين والمخالفين
لهذه
النزعة. فعلى سبيل المثال - بالاضافة الي المذهب النسبي الموروث عن اليونانيين - كانت اراء توماس كوهن (T. Kuhn) و بول فايرابند (Paul Feyerabend) في فلسفة العلم((138)) وغادامر (H.G.Gadamer) في الهرمنيوطيقا((139)) وبعض آراء كواين في فلسفة اللغة((140)) (لا سيما نظرية الكلية في معاني الالفاظ Holism، و نظرية عدم تعين المعني (Indeterminance)، ذات جذورنسبية واضحة، و هكذا الحال في ايمانية فيتغنشتاين (Wittgensteins Fideism) فانها تعد، و فقا لبعض التفاسير، نوعا من النسبية ايضا((141)) وذلك بالرغم من ان هذه النسبية ليست صحيحة في حدود اعتقادي، ففي نظرية اشكال الحياة (Forms of Life) التي يطرحها يقر بثبوت بعض المعارف في كافة انماط الحياة والعيش، وهو بحث له مجاله الخاص به.
نريد هنا - ومن دون ان نلاحق فرعا فكريا لفيلسوف معين
- ان
نعرض بصورة مختصرة ثلاث اطروحات فقط من بين
الاطروحات المتعددة التي تستفاد من مطاوي كلمات
النسبيين الدينيين، ومن ثم نشير الى نقدها. والجدير
بالذكر
هنا انه من الواضح ان المقالة التي تبنى على
الاختصار التام لا
تستطيع ان تفي لا بتلك الاطروحات ولا بالانتقادات
التي
تتوجه الى جزئياتها وتفاصيلها. الاطروحات المختلفة للنسبية الاطروحة الاولىان انواع الفهم البشري جميعها ومن ضمنها الفهم البشري للكتاب والسنة في حالة تحول، ومن ثم فليس لنا اي فهم ثابت على الاطلاق، ما يعني نتيجة عدم وجود معلومات قطعية الصدق بين ايدينا، اي انه ليس ثمة فهم غير قابل للنقد((142)).
هذه الاطروحة النسبية نفسها قابلة للنقد، كما انها من الناحية المنطقية تدمر
نفسها وتنقض ذاتها.
اما النقد فيتمثل في قضايا من قبيل «استحالة اجتماع
النقيضين» و«2+2:4» وكذلك القياسات المنطقية
وامثال ذلك،
اذ لا يعقل التحول في فهم هذه القضايا،بمعنى انه
ليس ثمة
شخص يدعي امكانية اجتماع النقيضين في ظرف واحد،
وبعبارة اكثر منطقية يحكم كل انسان بعدم وجود
اجتماع
للنقيضين في العوالم الممكنة، او بعدم صحة
المعادلة: «2+2:5»
مثلا، وهكذا الاقيسة المنطقية الخ...
وبالاضافة الى المشكلة السابقة تنقض هذه النظرية
نفسها ايضا،
اي ان شمولها لنفسها يستدعي عدم شموليتها ايضا،
فاذا كانت
كافة الافهام البشرية في حالة من التحول والتبدل،
فان هذا
الفهم نفسه هو في حالة تحول وتبدل ايضا، فمن الممكن
ان لا
تصدق هذه القضية في ظرف ما او في عالم ما، ومن ثم لن
تكون كافة الافهام في حال من التحول والتغير.
وقد اجاب بعض الباحثين عن هذه الاشكالية المعقدة
فقال: ثانيا: ليس تحول الفهم ذا صيغة اثباتية ابطالية دائما، بل ان ذلك يشمل ظاهرة العمق والتعمق في الفهم نفسه، فالفهم الاعمق لا يلزم منه بالضرورة ابطال الفهم السابق او اثباته، بل ان ذاك الفهم السابق نفسه قد اصبح اكثر عمقا((143)).
وفي ظني الشخصي فان هذا الجواب لا يحل مشكلة
النسبية
المطلقة باي وجه من الوجوه، بل انه في الواقع يعد
نوعا من
الفرار من المشكلة نفسها، اذ ان مجردالقيام بتقسيم
القضايا
الى قضايا الدرجة الاولى وقضايا الدرجة الثانية لا
يرفع المناط
في التشكيك في ما سمي بالتحول والتبدل، اذ اننا
نسال: لماذا
كانت قضايا الدرجة الاولى (First Order) في
حال تحول فيما
قضايا الدرجة الثانية (SecondOrder) في امان من
هذا
القانون؟ ومجرد كون القضية ناظرة الى قضايا
اخرى لا يسوغ
هذا التفكيك. ان علينا ان نسال: هل ان التشكيك الذي اثاره النسبيون، في مناطه وجوهره، شامل لمثل هذه القضايا او لا؟
في تصوري الامر كذلك بالتاكيد، ذلك ان القول بتحول
المعارف، وفق تصريحات الكثير من القائلين به،
ناشى ء عن
المحدودية البشرية، ففهم الانسان يتشكل تبعا
لمحدوديته
البشرية، ومن ثم فلا مفر من ان تسري تلك المحدودية
الى
معارفه.
ومن هنا فاذا كان هذا هو استدلال النسبيين، فان هذه
الاشكالية تسري الى معارف الدرجة الثانية، كما هو
الحال في
معارف الدرجة الاولى، وحصره بالاخيرة لادليل عليه.
اما الجواب الثاني المتعلق بمسالة التعميق، فانه
يحتاج الى
اثبات مقولة جديدة تسمى «التعميق»، فهل ثمة شيء
اسمه
التعميق غير التكامل الكمي المتبلور على شكل الاثبات والابطال؟ انني غير قادر
على القبول بشيء من هذا
القبيل،
فالكثير من الامور التي اطلقوا عليها اسم تعميق
الفهم، والفهم
المعمق، انما تؤول الى تاسيس قضية جديدة مختلفة عن
القضية الاولى، فمثلا قد يقال احيانا: ان نظرية
الاعتبارات في
«الوجوب» هي نوع من تعميق الفهم لقضية «صلاة
الجمعة واجبة»((144)). لكن في تصورنا لا تعمق نظرية الاعتبار فهمنا لهذه القضية، ولكنها تفسير يقع في مصاف التفاسير الاخرى التي قد لا تجتمع مع بعضها بعضا، كتفسير الوجوب على اساس ابراز ارادة الامر، او بيان الضرورة بين الفعل والكمال المطلوب، وعلى اية حال فاصل مقولة تعميق الفهم بشكل مغاير للتكامل الكمي فيه امر غيرقابل للتصديق، فكيف بجعلها اساسا للتحول المعرفي العام((145)). الاطروحة الثانيةان الكثير من المفردات الواردة في الكتاب والسنة تفسر على ضوء العلوم العصرية، وحيث ان العلوم العصرية في حال تحول دائم، فان فهمنا للكتاب والسنة المشتملين على هذه العلوم هو الاخر في حال تحول ايضا. فالشخص الذي يقرا في القرآن الكريم، مثلا، كيف اقسم الله تعالى بالشمس يفهم - اذا كان من ابناء القرن الخامس الهجري - ان الله تعالى يقسم بكرة مضيئة تدورحول الارض، ويبلغ حجمها ما يساوي المئة والستين ضعفا لحجم الارض، اما لو كان معاصرا مطلعا على العلوم الحديثة فانه يفهم الاية على انها قسم بكم هائل من الغاز الذي تبلغ حرارته العشرين مليون درجة ليشكل كيانا من طاقة ذرية تدور الارض نفسها حوله، وهكذا الحال في ما يتعلق بمفردات من قبيل التين والزيتون والشمس والقمر والتراب والدم... الواردة في القرآن الكريم، ومن هنا تقوم الافكار العلمية والفلسفية بالتحكم بكل مفردة من هذه المفردات لتمنحهامعنى جديدا لم يكن لها من قبل((146)).
هذه الاطروحة
-
التي تختزن بشكل واضح التوجه النسبي
في
فهم الكتاب والسنة
-
تنبني على مبنى غير سليم في ما
يرتبط
بمداليل الالفاظ، فكانه حصل هناك تصور يقضي بان التعرف على تمام مواصفات شيء ما
وعوارضه هو امر يعد دخيلا في فهم معنى هذا الشيء، وبعبارة اخرى معاني الالفاظ
ذات سعة
كبيرة الى درجة اشتمالها على هذه الاوصاف جميعها، وغايته هو ان معاني الفاظ اي
شيء مرتهنة بحجم اطلاع الشخص نفسه على عوارض ذلك الشيء واوصافه وحقيقته.
وسر الخطا والاشتباه، في هذا الراي، هو ان اوصاف شيء ما
وعوارضه خارجة عن معناه، والا تبدلت بعض القضايا
الممكنة
بالنسبة للاشياء الى قضية ضرورية،
فالجملتان:
«الشمس تدور
حول الارض» و«الارض تدور حول الشمس» تعدان
جملتين
ممكنتين، وعلى اية حال فمفهوم كل منهما خارج عن
مفهوم
موضوعهما،
وبالطبع عن اللفظ الدال على هذا الموضوع،
واذا
لم يكن الامر كذلك وكانت جملة «الارض تدور حول
الشمس»
داخلة في معنى كلمة «الشمس» لكانت قضية «الارض
تدور
حول الشمس» قضية ضرورية في هذه الصورة، ذلك ان
معنى
الشمس وفق الفرض الاول متضمن لهذه النقطة، وهي ان
الارض تدور حول الشمس،والحال ان الذي يبدو لنا هو
ان هذه
القضية ممكنة، وهكذا الحال في باقي المفردات.
نعم هناك بحث في فلسفة العلم والفلسفة التحليلية
يحكي
عن ماهية القضايا العلمية، فهل هذه القضايا ضرورية
او ممكنة؟
ومن غير البعيد ان يكون القول بضروريتها هو القول
الاصح،
لكن هذه المسالة لا تؤثر على البرهان المتقدم، اذ
يمكن
الاستفادة من التحليلية والتركيبية مكان الضرورية
والممكنة،
فقضية «الشمس تدور حول الارض» هي بوضوح قضية
تركيبية
(Synthetic) حتى لو كانت
ضرورية (Necessary),
والحال
ان القول بدخول اوصاف الشمس في معنى لفظها يوجب تبديل القضية اعلاه الى قضية
تحليلية، ذلك ان المحمول يتحصل من مفهوم الموضوع، وهي نتيجة لا يمكن الموافقة عليها
باي وجه من الوجوه.
وبهذا يتضح ان اوصاف الاشياء وعوارضها ليست داخلة في معنى لفظها، والمعرفة بها
هي معرفة يمكن للعلم والفلسفة مثلا الوصول اليها في مورد ذاك الشيء،فلم يختزن
دوران
الشمس حول الارض او دوران الارض حول الشمس في مفهوم
لفظ الشمس نفسه.
وبناء على ذلك، فان معنى المفردات الواردة من هذا
القبيل في
الكتاب والسنة لا يتغير من هذه الجهة على الاقل،
نعم ان
معلوماتنا في ما يرجع الى القمر عندمانقرا آية (كلا
والقمر)
[المدثر/32] مغايرة للمعلومات السابقة، لكننا من لفظ
«القمر»
نفهم ما تم فهمه منذ عدة قرون، او في صدر الاسلام،
ومن ثم
فلم يحصل تغاير في المعنى اللفظ ي للقمر، وهناك
فارق
اساسي وواضح بين هذين الامرين((147)).
ان الاطروحة المتقدمة هي نوع بسيط من النظرية
التوصيفية
للاسماء الخاصة (Descriptive
theory of proper name) التي
يعد بطلانها اليوم من مسلمات الفلسفة التحليلية.
نعم، النظرية
التوصيفية تملك بيانا اكثر تعقيدا من هذا يقوم على
اساس
تثبيت المحكي
(Fixing
Reference),
وعلي اساس مجال
القضايا
(Scope)
ونطاقها،
وقد قمت بشرح تفصيلات هذا الامر في كتابي: «الفلسفة التحليلية، الدلالات
والضرورات»، كما تعرضت هناك للاشكالات المتوجهة على هذه البيانات الاكثر عمقا بشيء من التفصيل ايضا. اما في ما يتعلق بالنظريات المبينة لماهيات الاشياء فهذا يحتاج بحثا آخر ضروريا ايضا، فقد يقال احيانا: ان نظرياتنا الجديدة تعط ي عباراتنا ومشاهداتنا معاني جديدة، ولذلك فان المعاني مسبوقة بالنظريات التي تمثل لباسا لها، لكن لا المشاهدات ولا العبارات تعط ي جميع النظريات وكافة المعاني، فبعضها اكثر تاييدافيما بعضها الاخر لا تاييد فيه من الاساس والجذر، فثبات الالفاظ لا يصح اعتباره مساويا لثبات المعاني وموجبا له، فالمعاني تابعة للنظريات، وحيث ان النظريات متبدلة فان المعاني متبدلة ايضا في الوقت الذي تكون فيه الالفاظ ثابتة((148)).
وقد اشار هذا القائل الى النظريات المرتبطة بالماء
والتراب
والسماء والارض في الماضي والحاضر كما جعل من
اختلافها
مؤكدا لكلامه هذا((149)).
والحق ان هذه المسالة تختلف عن المسالة السابقة، فالمدعى هنا هو ان النظريات
التي تعطينا مثلا البنية الماهوية للاشياء تعد ايضا معينة لمعانيها، وهذا
الادعاءاكثر وجاهة حسب الظاهر من الادعاء السابق الذي كان يقول: ان اوصاف الشيء
وعوارضه
دخيلة في مفهومه، فالمدافع عن المدعى المتقدم
يمكنه
القول: الم توضع الالفاظ للماهيات؟ الم يوضع لفظ
الماء، مثلا،
لماهية الماء؟ وعليه فاذا قالت النظرية: ان ماهية
الماء عبارة
عن «العنصر البسيط السيال»، فان المعنى يكون قد
تحصل
بذلك، وفي المقابل اذا قيل: ان ماهية الماء عبارة عن
«H2O»،
فان المعنى سوف يتغير، فاذن في حالة النظريات التي
تشرح
البنية الماهوية للاشياءيمكن القول: ان هذه
النظريات تقوم
بتعيين معاني الالفاظ لهذه الاشياء.
وبالرغم من الوجاهة الظاهرية لوجهة النظر هذه الا
انه لا يمكن
اعتبارها صحيحة، ويمكن بالمزيد من التامل تبين
النواقص
الموجودة فيها، فحتى في مواردالالفاظ ذات الماهية
الواقعية
لا يمكن اعتبار النظرية المرتبطة بماهياتها مؤثرة
في معانيها،
فلو كان الوضع على هذه الحالة كان ينبغي ان تكون
قضية «H2O» قضية تحليلية (Analytic)
فيما
هي قضية تركيبية (Synthetic) بكل وضوح، فليس الامر بحيث
ان معني
المحمول قد تم استخراجه من معنى الموضوع، ومن
ثم فصدقه
انما هو بلحاظ عالم المعنى فقط، بل ان هذه القضية
ذات
محتوى عيني وواقعي مرتبط بالعالم الخارجي.
سول كريبكي (Saul
Kripke) في
كتابه:
«التسمية
و الضرورة»
(Naming
and Necessity)
سجل مجموعة من الادلة في رد
المدعى المتقدم، وقد طرحت هذه الادلة بشكل مفصل في كتاب: «الفلسفة
التحليلية، الدلالات والضرورات» ولا مجال لبحثها هنا.
واكتفي هنا بالاشارة الى ان الشيء المعقول حتى في
مورد
اسماء الماهيات هو وضع اللفظ للماهية بنحو
الاجمال، اما
تفاصيل الماهية (اي تلك الماهية التي لانملك
المعلومات
الكافية عن زواياها بالدقة) فهي خارجة عن مدلول
الالفاظ،
وهذا يعني ان مدلول لفظ «الماء» هو الاشارة
الاجمالية للماهية
المجملة التي نعرف مصاديقها البارزة، ومن ثم ففي
هذا المعنى
الاجمالي لا علاقة ل «العنصر البسيط» ولا ل«H2O»
ايضاء بل و لا لاية خصوصية اخرى يمكن ان تقترح من قبل النظريات المستقبلية.
وبناء عليه، فان ما نفهمه من لفظ الماء في قوله تعالى: (وانزلنا من السماء ماء بقدر
فاسكناه الارض) [المؤمنون/18] و ما كان يفهمه المسلمون الاوائل في صدر الاسلام
نفسه، والتفاوت الوحيد هو انه من الممكن ان تكون اطلاعاتنا عن الماء غير متوافرة
لدى مسلمي صدر الاسلام، وهو تفاوت لا علاقة له بمعنى اللفظ ومدلوله. كلما كانت هناك مصادرات دخيلة في قبول الوحي فان هذا سيكون دخيلا في فهمه، وحيث ان المصادرات والفرضيات القبلية الدخيلة في الاعتراف بالوحي انماتمثل في الواقع الفهم الخاص للمتدينين عن العالم والانسان فانه لا محالة سيكون مبنيا على جملة مبان فلسفية ومعرفية خاصة((150)) وحيث ان هذه المباني الفلسفية والمعرفية في حال تحول دائم فان فهم الكتاب والسنة سيكون هو الاخر في هذه الحال ايضا.
في تصورنا فان الملازمة بين الفرضيات القبلية
للاعتراف
بالوحي وفهمه انما هي مجرد ادعاء، وهو ادعاء غير
صحيح، ولا
يمكن باي وجه من الوجوه ان تكون شروط الاعتراف
بالوحي
دخيلة في فهمه، ومن افضل الادلة على هذا الكلام
التحقيقات
التي قام بها المستشرقون على صعيد فهم الكتاب
والسنة، فاذا
بنينا على ان ما كان شرطا في قبول الوحي شرط في
فهمه ايضا
فهذا يعني انه لا يمكن لاي مستشرق مسيحي ان يفهم
القرآن
الكريم او يدرك الاحاديث النبوية وهكذا،وهي نتيجة
لا يخفى
وضوح بطلانها على اي مبتدى.
وسر الخطا في هذا المدعى هو الخلط الذي حصل بين
عمليات
«فهم النص» وقبوله، فمن الممكن ان يفهم الانسان
نصا معينا،
من دون ان يكون معتقدا به، نعم لابد من ان يكون هناك
نوع
من التناغم والانسجام، لدى المؤمن، بين معتقداته
وبين فهمه
للقرآن والسنة، بيد ان هذا الانسجام لا يعني توقف
واحد منهما
على الاخر. ما تقدم حتى الان كان عبارة عن عرض ثلاث اطروحات من بين مجموعة اطروحات مختلفة متصلة بالاتجاه النسبي في فهم الدين، وهناك بيانات اخرى متعددة ايضا تتعلق بهذه النسبية لا مجال مع الاسف لطرحها هنا ومن ثم نقدها، لكن المقدار الذي بيناه يمكنه ان يدلل على ان اطروحة الفهم الديني النسبي مقولة مبنية على اسس غير سليمة في باب الهرمنيوطيقا (Hermenutics) وفلسفة اللغة (philosophy of Language) يمكن بتنقيحها رفع هلاه النسبية هنا. النسبية من المنظار الديني كان الكلام في البحث السابق منصبا على المذهب النسبي من زاوية خارجية، اي خارج النطاق الداخلي الديني، لكن يجدر بنا الانتباه الى امر آخر ايضا، وهو: هل ان هذه النسبية يمكن الاعتراف بها من جانب الكتاب والسنة او انها منفية جزما؟ في تصورنا الاحتمال الثاني هو الاحتمال الصحيح،
فما يستنتج
من مجموع الايات والروايات المتعددة يفيد بطلان
الاتجاه
النسبي ورده بشكل قاطع، وفي الحقيقة الدين،
بفرضياته
القبلية، لا يمكنه القبول بنسبية الفهم لدى
مخاطبيه وبشكل
مطلق، اي ذاك الفهم المتعلق بما جاء في الكتاب
والسنة
بحيث لا نكون قادرين على القول: ان الكتاب والسنة
يدلان
واقعا على هذا الامر.
من جملة الايات التي لازمها نفي الاتجاه النسبي تلك
الايات
التي تعبر عن القرآن الكريم بانه «نور» وكتاب
«هداية» وتنعته
بذلك: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)
[المائدة/15]،
(واتبعوا النور الذي انزل معه) [الاعراف/157]، (هذا
بيان للناس
وهدى وموعظة للمتقين) [آل عمران/138]، (هذا بصائر من
ربكم وهدى ورحمة للمؤمنين) [الاعراف/203].
اذا كانت كافة الاستنتاجات والتصورات التي نحصل
عليها من
فهم القرآن الكريم تخضع لاطار النقص والضعف البشري
بلا
استثناء، ولذلك فهي في حالة سيلان دائم، بحيث لا
يمكننا ان
نجزم باي امر نفاه القرآن او اثبته... في هذه الحالة
كيف يكون
القرآن الكريم كتابا هاديا؟! فالكتاب والسنة لا
يمكن ان يكونا
هاديين الافي الحالة التي يمكن الوصول فيها الى بعض
المحتويات والمضامين التي يحويانها بشكل قاطع
ومطابق
للواقع.
ومن جملة هذه الايات تلك الايات التي تفرض على
المسلمين
اتباع الكتاب والنور الالهي كما تعد اتباع النبي (ص)
امرا لازما
ايضا: (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم) [الاعراف/3]،
(وهذا كتاب
انزلناه مبارك فاتبعوه) [الانعام/155].
متى يمكننا القول: اننا اتبعنا القرآن الكريم؟ اذا
كانت كافة
استنتاجاتنا من القرآن قابلة للتردد والتشكيك، فان
الامر باتباع
القرآن سيكون في هذه الحالة بلا معنى بل فوق طاقة
البشر،
فوفق النظرية النسبية ما يمكن ان يتبع في كل عصر او
ما يتبع
فعلا، انما هو مجرد ظنون وتخيلات يمكن ان تطابق
الواقع كما
يمكن ان لاتكون كذلك. ومن جملة الايات هنا ايضا الاية الشريفة: (يعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)، وهذه الاية تدل بصراحة على ان الله تعالى وعن طريق النبي سيقوم بتعليم المسلمين الكتاب والحكمة، فاذا ما كان الفهم البشري في الواقع ناقصا على الدوام فكيف يمكن ان نقول: ان المسلمين قد تعلموا الكتاب والحكمة من النبي (ص)؟!
ومن الايات، ايضا، (هذا بيان للناس) [آل عمران/138]، (هذا بصائر للناس)
[الاعراف/203].
ومن الواضح انه لا يمكن للقرآن ان يكون بيانا للناس
او بصائر
لهم الا في الحالة التي يمكن للناس ان ينالوا فيها
الفهم
المطابق لهذا الكلام، فاذا كانت افهامنا
عن القرآن الكريم ناقصة
بشكل دائم فكيف يمكن ان يكون القرآن بيانا لنا او
بصائر
كذلك؟
ويقول الامام علي (ع) في نهج البلاغة: «وعليكم بكتاب
الله فان
الحبل المتين» (الخطبة
156)، اي ان كتاب الله هو
الملجا لمن
تمسك به، فاذا كان افتراضنا عبارة عن انه لا يمكن
في اي حال
من الاحوال التوصل الى يقين بمضمون هذا الكتاب
المقدس
ومن ثم فهمه، فهل يمكن ان يكون تمسكنا به ذا معنى من
المعاني؟! بل الصحيح ان التمسك به لا يكون الا اذا
امكن
الوصول ولو الى مرتبة من مراتب معانيه.
ويقول (ع) في موضع آخر: «وشاهدا لمن خاصم عليه»
(الخطبة
198)، اي ان القرآن شاهد لمن اراد التمسك به في مقام
المخاصمة، فلم يقل الامام: ان ظنونكم اوتصوراتكم
التي
حصلتم عليها من الكتاب والسنة هي شاهدكم لدى
المخاصمة، بل قال: ان القرآن شاهد، وهذا يعني
امكانية
الوصول الى فهم القرآن ولو برتبة نازلة منه ليكون
بذلك
موردا للاحتجاج ومستمسكا في الخصام. الخلاصة
لقد الهبت النسبية في فهم النص الديني بالمعنى الذي
تقدم
في صدر البحث في مرحلة من المراحل، الجو العام،
وشملت
في تاثيراتها بعضا من الكتاب المسلمين في مختلف
البلدان
الاسلامية، لكن خطر هذه النسبية لا يلمس بشكل جيد
من
دون الالتفات الى ما يترتب على قراءتها ودرسها
والاقتناع بها،
فالنسبية تفضي في النهاية الى نوع من العلمانية،
كما انها تفرغ
الكتاب والسنة من الهداية التي تمثل الهدف الاصلي
لهما.
في تصور كاتب هذه السطور ان طرح هذا النوع من
التشكيك
والنسبية وترويجه يمثلان خطرا كبيرا على المجتمعات
الاسلامية، لا سيما ان هذا النوع من النظريات يثار
ويعرض على
انه «نزعة تجديدية في فهم النص الديني» و«قراءة
حديثة
للكتاب والسنة» و«رفض التعصب في تفسير المصادر
الدينية»
و«احياء الاسلام»
وامثال هذه العناوين، نعم ليس
ثمة محقق
معارض للتجديد الصحيح في فهم النصوص الدينية
والاجتهاد
المستمر بالمعنى الواقعي للكلمة فيها، كما انه
ليس ثمة
محقق وباحث يقبل بالتعصب في فهم النص الديني، الامر
الذي
يؤدي الى الاضرار بمنهجه التحقيقي، لكن البحث يدور
حول
حدود هذا الاجتهاد والاحياء
ونفي التعصب، ان
النسبية في فهم
النص الديني تجر الى عدم ابقاء اي تاثير ودور جوهري
للكتاب
والسنة، والى ان يصبح حالهما كما في ثنايا المعارف
البشرية
هزيلا فارغا الا من الاسم.
وبناء عليه، فعلى المحققين المسلمين التعرف بدقة
الى هذا
الخطر وزواياه وتجنب النتائج السيئة له والقيام
بقراءة نقدية
لاسسه النظرية والفكرية. ناصر قربان نيا تمهيد
يعد النظام الجزائي الذي يشتمل على قانون العقوبات من اهم الموضوعات الحقوقية في اي
مجتمع.
كل مجتمع، منذ نشاته، يحدد لافراده حقوقا
وامتيازات يلتزم
لهم بها، ومنها: حق الحياة، حق الحرية، حق الرفاه
والامن، حق
الملكية... وهي الحقوق والامتيازات التي لا يحق
لاحد التجاوز
عليها. وهذا لا يعني ان الجميع سوف يلتزمون بذلك،
ويحترمون حقوق الاخرين فلا يقومون بانتهاكها.
فاذا لم يقنع بعضهم بحقوقهم، وقاموا بالعدوان على
حقوق
الاخرين واضروا بها، واخلوا من جراء ذلك بالتوازن
والنظام، فلا
مفر امام المجتمع من ان يقوم بردفعل لمعاقبة
المعتدين.
وعلى هذا، فان الجزاء هو احد عوامل حماية النظام
وصيانة
حقوق الافراد. ومن هنا يمثل نظام الجزاء، ومنذ ظهور
الحياة
الاجتماعية، احد اعمدة المجتمع الاساسية. ويمكن
القول: ان
قوانين الجزاء هي من اقدم المقررات التي ظهرت في
المجتمعات. وفي الحقيقة فان العقوبة نفسها هي احد
اقدم
الموضوعات البشرية، ذلك ان المجتمع يتالف من
مجموع
الافراد، وبسبب تصادم المصالح، فان وقوع الجريمة
يصبح امرا
بديهيا، ولان ارتكاب الجريمة يسبب عذابا
في الوجدان الانساني
فان المجتمع يتخذ ازاء ذلك رد فعل ويعاقب المجرمين.
كما ان الاديان الالهية اهتمت بموضوع الجزاء، ونصت
على
معاقبة المجرمين ومنتهكي الشرائع الدينية، وكذا
يمكن
القول: ان الجزاء في المجتمعات الاستبدادية يقترن
بالظلم
والقهر والاضطهاد. وهو، في المجتمعات الحرة
والمتحضرة،
يجسد سيادة القانون وحاكميته.
وبالرغم من ذلك كله فان فلسفة الجزاء ومسوغاته ظلت
محورا
للجدل والحوار والمناظرة بين الحقوقيين والفلاسفة
والجنائيين وعلماء الاجتماع. المقصود من «فلسفة الجزاء»
قبل الخوض، في بحث الموضوع، ينبغي ان نوضح المقصود من فلسفة الجزاء. فما هو المراد من مفردة «فلسفة» التي اضيفت الى «الجزاء» هنا؟ ان مفردة فلسفة التي تاتي «مضافا» اضحت تعبيرا رائجا. فهل يمكن اضافة فلسفة الى اية ظاهرة او انه يشترط في كون المضاف اليه «علما»، من قبيل فلسفة العلم، فلسفة الفيزياء، فلسفة الحقوق، فلسفة الاخلاق، فلسفة السياسة، فلسفة الرياضيات...؟
ربما يبدو موضوع الفلسفة، بوصفه مضافا، مقرونا بعلم ما، كفلسفة الرياضيات،
فلسفة المنطق، فلسفة الاقتصاد، فلسفة الحقوق...، حيث يكون المضاف اليه علمايحظ ى
بالاولوية لياتي المضاف في الدرجة الثانية. ولكن هذا التصور غير صحيح، ذلك ان «الفلسفة مضافة ليست على الدوام فلسفة للعلم، يعني انها لا ترتبط بذلك العلم، مثل فلسفه الفن و فلسفة اللغة، ان فلسفة اللغة (phiosophy of language) تمثل قسما مهما في الفلسفة التحليلية الغربية، حيث ان المضاف اليه ليس علما، بل انها رؤية تحليلية ونظرية لظاهرة اللغة»((151)).
ومن خلال هذه الرؤية يمكن ان نعد «فلسفة الجزاء»
تعبيرا
صحيحا، ذلك ان الجزاء ليس موضوعا وظاهرة، ولا هو
علم
مستقل بالدرجة الاولى ليكون موضوعالعلم آخر. وبالرغم من ان الجزاء والعلم الجنائي علمان مستقلان، وتناقش (philosoh of Criminal law) ، ولكن العقاب، او الجزاء، هو احد الموضوعات في اي مجتمع، حديث يدرس في هذين العلمين وتناقش قواعده وكيفيته.
وعلى هذا، فاننا اذا لم نعد الفلسفة مضافة بالضرورة
الى العلم،
بل نظرنا الى صحة ارتباطها باية ظاهرة وموضوع كالفن
واللغة،
استطعنا آنذاك ان نعد فلسفة الجزاء تعبيرا صحيحا،
وتمكنا من
التحدث في الموضوع، كما هو الحال في تعبيرنا عن
فلسفة
الثورات، وبخاصة ثورة الامام الحسين(ع). والنقطة الاخرى التي يجب اضافتها هي: ما هو المقصود من الفلسفة التي اضيفت الى الجزاء هنا؟ هل تعني الفلسفة بمعناها العام، حيث يجري البحث في ماهيتها وتقسيماتها الاولية؟ كان نبحث في فلسفة العلم في ماهية العلم، وفي فلسفة الحقوق في ماهية الحقوق، وفي فلسفة الجزاء في ماهية الجزاء؟
قد يتصور بعضهم ان المراد من الفلسفة، في اضافتها،
هو
معناها العام((152)) ولكن هذا غير صحيح. «ان
الفلسفة
المضافة كما هو مفهومها من خلال الدراسات التي
تطرح
حاليا في الغرب عبارة عن مجموع التاملات النظرية
والتحليلية والعقلانية في ظاهرة ما قد تكون تارة
علما وتارة
غير علم كاللغة نفسها»((153)).
ومن ذلك كله يمكن القول: ان المراد من الفلسفة
مضافة، وفي
موارد كثيرة، هو المباني (Foundations) وفي هذه المقالة
لم نقصد الفلسفة بمعناها العام، ذلك اننالا نبحث في ماهية الجزاء بل في عليته،
ونريد تسليط الاضواء على بواعث الجزاء واهدافه.
وعلى هذا فان المقصود من فلسفة الجزاء مبانيه
واهدافه، ومن
البديهي ان اسباب وجود ظاهرة ما هي غير مقوماتها.
والسؤال عن علة الجزاء غير السؤال عن ماهيته،
والذين كتبوا
في فلسفة الجزاء التفتوا في الحقيقة الى هذه النقاط((154)).
وبعد ان اتضح لدينا موضوع البحث، نشير باختصار الى
ما قاله
الفلاسفة والحقوقيون والجنائيون في فلسفة الجزاء،
ومن ثم
نبحث فلسفة الجزاء في الاسلام،
ولان الجزاء في
الفقه الاسلامي
كان محورا للبحث في فلسفته، فانه سيكون بحثا في ما
وراء
الفقه، لان فلسفة الجزاء بحث في ظاهرة الجزاء من
خلال
مجموع التاملات النظرية والتحليلية والعقلانية.
واضافة الى نظرية الارضاء (satisfaction
Theory)
التي تعني
تسويغ الجزاء على اساس ارضاء المجني عليه، ونظرية
تعويض
الخسارة (Restitution
heory)، و
هما تلتقيان بشكل ما مع روح
الانتقام، توجد افكار اخرى في تسويغ الجزاء وبيان علله، وهذه نظريات رئيسية في
ذلك: 1- نظرية الفائدة الاجتماعية (الدفاع الاجتماعي)يسوغ جان جاك روسو، في كتابه «العقد الاجتماعي»، الجزاء على اساس الفائدة الاجتماعية.
وروسو يؤسس للحق الاجتماعي في معاقبته الافراد من
خلال
اعتقاده بان الناس يولدون احرارا، ويعيشون في
الطبيعة احرارا،
وبما ان الانسان بمفرده عاجز عن حماية نفسه
ومقاومة العوامل
الطبيعية، فقد عمد البشر، ولاجل درء الاخطار، الى
التجمع
حول بعضهم بعضا ونظموا في ما بينهم صيغة من
«العقد
الاجتماعي».
وفي هكذا مجتمع، فان كل من يرتكب جرما، يكون قد نقض
عقده مع المجتمع، ذلك العقد الذي امضاه بارادته.
وعندما ينبري المتصدون للامر الى محاكمته وانزال
العقوبة
به، فانهم في الحقيقة يثبتون ويعلنون للراي العام
ان هذا الفرد
قد قام بنقض العقد الاجتماعي، واذافلم يعد عضوا في
المجتمع، ولانه الغى تعهده والتزامه يجب ابعاده
باعتباره ناكثا،
او القضاء عليه باعتباره عدوا للمجتمع((155)).
بكاريا هو الاخر يسوغ الجزاء على اساس الفائدة
الاجتماعية،
ويعتقد ان الهدف من وراء العقوبات هو ردع المتهم،
او الذين
تسول لهم انفسهم ارتكاب الجرائم((156)). وهو يعتقد ان
هاجس الجزاء والخوف من العقاب المقرر في القانون
سوف
يردع المجرمين عن ارتكاب الجريمة. اضافة، الى ان المجرم نفسه عندما يرى امام عينيه جزاءه، فانه سوف ينتبه، ويرتدع عن التفكير في ارتكاب جرم آخر في المستقبل، لان هذا الجزاء، او اشد منه واقسى، سيكون في انتظاره، وعلى هذا الاساس فانه سوف لن يرتكب جريمة في المستقبل، وعندها سيكون ذلك في مصلحة المجتمع((157)).
ويعد «بنتام» الحقوقي الانجليزي، هو الاخر، في رسالته «العقاب والثواب»، الردع
هدفا اجتماعيا، وقد نظر، في كتاباته، لنظرية الفائدة الاجتماعية التي اشرنا اليها
آنفا، اذ يعتقد ان الانسان مخلوق اناني يفكر بطريقة نفعية، والفرد الذي يقوم
بارتكاب جرم ما لا يكون هدفه الا جلب المنفعة الى نفسه، ولكنه في ارتكابه الجرم يجر
على نفسه خطر الاعتقال والعقاب، ولذا يقف المجرم اثناء ارتكابه الجريمة امام امرين
متضادين: اما ان يقوم بارتكاب الجريمة جلبا للمنفعة ويتحمل الجزاء او ينصرف عنها
فيحفظ نفسه من خطر العقاب. فاذا كان الجزاء متناسبا مع حجم الخسارة الاجتماعية فان ذلك سيكون رادعا للافراد عن ارتكاب الجرائم او تكرارها((158)). 2- مدرسة العدالة المطلقةيرى بعض الفلاسفة والمفكرون الدينيون والاخلاقيون ان الهدف من الجزاء، وبغض النظر عن المصلحة الاجماعية، هو تنفيذ «العدالة المطلقة»، ومن جملة هؤلاءالعلماء عمانوئيل كانت «Kant»، فيلسوف المانيا الشهير وجوزيف دومستر «J. demaistre».
وقد عد «كانت»، في كتابيه المعروفين: «نقد العقل النظري
critique de raison pure»
و«نقد العقل العمليcritique de raison pratique»، الفائدة والدفاع الاجتماعي
اللذين طرحهما
بنتام ومجدهما تافهين، ووظف في تنفيذ العقاب
مفاهيم كلية
اكثر شمولا، معتقدا ان «العدالة» و«الاخلاق»
يوجبان معاقبة
المجرم،
حتى لو لم تكن هناك فائدة متصورة للمجتمع من
وراء
الجزاء، فان انزال العقاب على اساس العدوان
وانتهاك دائرة
الاخلاق والعدالة واجب ضروري.
ويرى كانت، بغض النظر عن المنفعة ودفع الضرر، ان
الجزاء
ليس متاتيا عن النفع الاجتماعي، وانما هو، بحد
ذاته، هدفا،
لانه تنفيذ للعدالة المطلقة ودفاع عن القانون
الاخلاقي.
وقد اوضح «كانت» عقائده في حصر هدفية الجزاء داخل
اطار
تنفيذ العدالة بان ساق مثاله الشهير: «الجزيرة
المهجورة» الذي
يقول فيه: يعتقد اصحاب هذه النظرية ان الجزاء، باعتماده طريقتي الوقاية (Preventipon) الارعاب (Deterrence)، نقلل من نسبة الاجرام. وفي عقيدتهم انه اذا وضعت امام مجرم موانع في مدة خاصة فان اقل ما يحصل ان هذا المجرم لن يقدم على ارتكاب جريمة السرقة او استخدام العنف او اي جريمة اخرى. وفي موضوع الجزاء وانحسار الجريمة، فان نظرية الارعاب هي الاخرى مورد تاييد بعض العلماء، والمقصود ان المجرم يرتدع عن ارتكاب الجريمة بسبب خوفه من الجزاء.
ومؤيدو هذا التفكير يؤمنون بان الجزاء: معاقبة
المجرمين،
سيؤدي اساسا الى انحسار في وقوع الجريمة، وفي غياب
الجزاء
الارعابي فان احتمال ارتكاب افراد
آخرين من المجتمع
للجريمة سيكون واردا، وفي رايهم ان ذلك يشمل افراد
المجتمع جميعهم، ولا يقتصر على المجرم الذي سبق له
انتهاك القانون((160)). 4- نظرية الاصلاح وتربية المجرمينان اعلى هدف يرنو اليه علماء الحقوق الجزائية، وبخاصة اصحاب عقيدة الدفاع الاجتماعي، من العقوبات، هو اصلاح المجرمين. فهل هناك من هدف اسمى من اصلاح المجرم من خلال العقوبة، ومن ثم اعادته الى المجتمع فردا صالحا شريفا؟
ان مدرسة الدفاع الاجتماعي تعتقد ان اولى واجبات الدولة، في تنفيذ العقوبات
التي تسلب الحرية، هي الاصلاح وتربية المجرمين.
ويعتقد اصحاب هذه النظرية ان الجزاء يوجد صدمة
روحية
اليمة في نفس المجرم، وعند ذلك سوف يدرك انه قد
اخطا،
ومن المحتمل ان يقرر في المستقبل اصلاح حياته((161)). مسوغات الجزاء لا تنضوي داخل نظرية واحدة
وبعد هذه الاشارات المركزة في استعراض النظريات،
في ما
يخص فلسفة الجزاء ومسوغاته، فان التاكيد على ما
تبين لنا
ضروري، وهو ان مسوغات الجزاء مسالة لا يمكن ان
تنضوي
داخل نظرية واحدة، وان نظرية ما بمفردها لا يمكن ان
تسوغ
مسالة الجزاء بشكل كامل، بل ان كل نظرية يمكنها ان
تسوغ
جانبا من الحقيقة،
وبطبيعة الحال تثير انتقادات
ايضا، وقد يثير
بعض النظريات انتقادات اكثر. فمثلا، وفي نقد نظرية
الوقاية
من خلال الارعاب، يقول بعضهم: ان التجارب
اثبتت عكس
ذلك، فالمجرمون الذين ادينوا وانزل في حقهم
العقاب، لم
يرتدعوا، وعادوا الى ارتكاب الجريمة، وهذا ما يؤكد
ان هاجس
الخوف من الجزاء لم يلج الى قلوبهم((162)).
وعلاوة على ذلك، كيف يمكن تسويغ فكرة معاقبة شخص
لردع الاخرين عن ارتكاب الجريمة((163)).
هناك اشكالات اساسية ترد على الاتجاه الاصلاحي في
العقوبات بالرغم من احتمال ارتداع المجرم عن
ارتكاب
الجريمة بسبب الخوف، ولكن هذا لا يتفق مع فكرة
الاصلاح
التي تعني ايجاد تغييرات وتحولات اساسية في اعماق
الانسان. حتى في عقوبة السجن، حيث يجد المجرم فرصة كافية للتامل في ما قام به من افعال اجرامية مشينة، فليس هناك قطع في حصول تغيير ارتكاب الجريمة من دون ان تطوله يد القضاء والجزاء! |