وعلى هذا، فان كان الهدف من
الجزاء هو الاصلاح وايجاد تحول
في الرؤية الاخلاقية للمجرم، فمن الافضل والمنطقي
التفكير
في مناهج تعليمية، والبحث عن بواعث الاجرام
واسبابه للقضاء
عليها، واذا كان المجرم يعاني من خلل في شخصيته فان
علاجه هو السبيل الصحيح للاصلاح، اما اجراء
العقوبات فقط فلا
يمكن ان يحقق الهدف الاصلاحي المنشود
فلسفة الجزاء في الاسلام اذا كان الدين ينطوي على الشمولية فانه لا يمكن ان يكون فاقدا لنظام جزائي، ذلك ان ادارة المجتمع وحفظ النظام وارساء دعائم الامن والعدالة مسائل ترتبط بوجود مقررات تاديبية وعقوبات تطول الذين ينتهكون النظام. كما ان البشر ينطوون على قابلية العدوان على حقوق الاخرين، والتمرد على القانون والجنوح للشر والظلم، ومن دون وجود الجزاء لا يمكن الحؤول دون بروز الظلم والعدوان والشر. وبما ان الاسلام في طليعة الاديان، من حيث الشمولية والكمال، فلا بد من انطوائه على نظام جزائي.ان السمو بالشخصية الانسانية واحد من اهداف
الحكومة
الاسلامية العليا التي تسعى الى تحقيقها. وبالرغم من ان معاقبة المجرمين وانزال الجزاء بهم يعرقل في بعض الاحيان تحقق هذا الهدف، بل ان تهميش فرد من المجتمع واقصائه ورميه في السجن يعد ضربة عنيفة في روحه قد تزيد من شقائه وتجذر سقوطه، وبالرغم من ان اجراء العقوبات يقترن دائما بهتك حرمة الفرد وفضحه بسبب بعض الظروف بما يتنافى مع الجانب التربوي والاصلاحي، الا ان ذلك كله لا يلغي من الجزاء قيمه التربوية والاصلاحية.ولا ريب في ان اصالة الكرامة الانسانية متمثلة في شخص المجرم الا في موارد معدودة يعامل فيها المجرم باعتباره جرثومة ينبغي نبذها من المجتمع، اما في سائر الموارد فان الانسان الخاطىء هو كالاخرين يستحق جميع اشكال الدعم والمساعدة من اجل ان يستعيد ما فقده من كرامة واعتباره الانساني. غير انه لايمكن، كما هو الحال لدى اصحاب المدرسة الاصلاحية، اعتبار الجريمة امرا لا قيمة له، وانما المهم هو شخص المجرم فقط. وعلى هذا الاساس يتوجب الاهتمام بشخصية المجرم فقط! وبالرغم من ان شخصية المجرم تكتسب اهمية خاصة في الحقوق الجزائية، فان الاهتمام بها كليا لا يسوغ تجاوز ما ارتكبه من جرم. ثم كيف يمكننا ان نضع الذين ارتكبوا جرائم خطيرة مع من ارتكبوا جرائم صغيرة على حد سواء، في مسالة الجزاء، على اساس تساويهم في الشخصية؟! وهل يمكن اهمال شخصية المجتمع ومصالح افراده والاهتمام فقط بشخصية المجرم؟! اننا، عندما نبحث في العقوبات التي قررها الاسلام،
يمكننا ان
نجد اهتماما اسلاميا بشخصية المجرم وبسلامة
المجتمع،
وسيتطرق هذا المقال وبشكل اجمالي الى الجزاء
وفلسفته في
الاسلام. يتوعد الدين الاسلامي الذين ينتهكون اوامره
ونواهيه بنوعين
اساسيين من الجزاء هما: 1 - الجزاء الاخرويوهو النوع الجزائي الاكثر اهمية، فعندما تنتهي رحلة الحياة الدنيوية ومرحلة الامتحان في هذه الحياة، يحشر البشر امام محكمة العدل الالهي: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)((165)). 2 - الجزاء الدنيويوينقسم بدوره الى قسمين: الاول: الجزاء التكويني وفق قانون العلة والمعلول والاسباب والمسببات وربط النتائج بالمقدمات، والمصير الذي ينتظر المجتمعات لدى انحرافها عن مسارالحق.ولهذا النوع من الجزاء الوان مختلفة متعددة قد تاتي
في صورة
فناء الامم وهلاكها، تسلط الاعداء، ظهور القحط،
المشكلات
الاقتصادية، الذلة والمسكنة.. وقد بين القرآن الكريم ذلك في آيات تشير الى هذه
السنن
والقوانين التاريخية في الجزاء والعقاب: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف
كان
عاقبة المكذبين)((166)). (افلم يسيروا في الارض
فينظروا
كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم
وللكافرين
امثالها)((167)).
وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا
لمهلكم موعدا)((168)). (فتلك بيوتهم خاوية
بماظلموا)((169)). وقد اكد القرآن الكريم، في آيات كثيرة، ان الظلم
سبب في
الهلاك، والجدير ذكره ان القرآن لا يحصر الظلم
بالعدوان على
الاخرين، بل يشمل ظلم الانسان لنفسه وظلم المجتمع
لنفسه
ايضا. فاشكال الفسق والفجور جميعها، وكل انحراف عن
المسار
الانساني الصحيح، هو ظلم، فالظلم في القرآن الكريم
ينطوي
على مفهوم شامل، قد يكون في العدوان على الاخرين
وقد
يكون فسقا وفجورا وافعالا لا اخلاقية: (واطيعوا
الله ورسوله ولا
تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)((170)). ومن خلال مفاد هذه
الاية يكون اضمحلال القوة وانهيار القدرة نتيجة
للنزاع الداخلي
وعدم طاعة الرسول. (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا)((171)).
فحتى
الضائقة الاقتصادية والازمات الروحية التي تعصف
بالفرد
والمجتمع هي نتائج للاعراض عن ذكر الله سبحانه،
فيما تشير
الاية 79 من سورة المائدة الى ضياع بني اسرائيل
وحرمانهم
من رحمة الله لانهم (كانوا لا يتناهون عن منكر
فعلوه لبئس ما
كانوايفعلون)، كما علل النبي (ص) هلاك الامم وفناءها
بانها لم
تطبق حدود الله سبحانه وبقهرها الضعفاء: «انما
اهلك من كان
قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا
سرق فيهم
الضعيف اقاموا عليه الحد». الثاني: هو النظام الجزائي وقوانينه التي يستنبطها الفقهاء من مصادرها، حيث يلزم حكام المجتمعات الاسلامية بتنفيذها واجرائها، من قبيل عقوبة القصاص في القتل العمد، قطع يد السارق، الجلد وغيرها. وهذا النوع من الجزاء هو الذي تهتم به هذه المقالة.مبنى الجزاء: ان مبنى الجزاء، او الفكرة الاساسية التي يستند اليها الجزاء الاسلامي، هو المبنى نفسه الذي تنهض عليه الشريعة الاسلامية، ذلك ان الجزاء جزء لاينفك من الشريعة الاسلامية، والشريعة تشتمل على جوانب متعددة وواسعة، وهي في الوقت نفسه تتصف بالانسجام، فلا يوجد بين اجزائها تضاد واختلاف، كماان كل الشريعة تتحرك في طريق تحقيق هدف واحد، ولذا فمن الضروري ان يكون لها مبنى واحد، وهو ما يتوجب ادراكه.ان التامل العميق في رسالة الدين ودراسة الهدف من
وراء بعثة
الانبياء والرسل يقودنا الى اكتشاف هذا المبنى:
(وما ارسلناك
الا رحمة للعالمين)((172)). ومن هنا، فان مبنى «الرحمة» الذي تنهض عليه
الشريعة الالهية
هو المبنى الذي ينهض عليه النظام الجزائي، حيث رحمة
الله
سبحانه للعباد، هذه الرحمة التي تسع الوجود نفسه
وباسره،
رحمة الله التي وسعت كل شيء. ولكن كيف تكون الرحمة مبنى للجزاء؟ انه وبالرغم من
كون
الجزاء يتضمن في طواياه الما وعذابا، وان هذا لا
ينسجم في
ظاهره مع الرحمة، الا ان الرحمة تقتضي جلب المنافع
للمجتمع ودفع المفاسد والاضرار عنه، وتضع حياة
المجتمع
في طريق الدوام والاستمرار. فهذه الرحمة، ولازمها جلب المصلحة والمنفعة ودفع
المفسدة، يمكن استنتاجها بوضوح من النصوص الدينية،
وقد
صرح بها كثير من العلماء. بعضهم عد الدين كله مصلحة، فهو دفع المفسدة وجلب
المصلحة: «ان الشريعة كلها مصالح: اما درء المفاسد
او جلب
المصالح»((173)). وصرح آخرون: «ان الشريعة
الاسلامية جاءت
بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد
وتفكيكها»((174)). ويعتقد فريق ثالث ان مبنى
الشريعة
واساسها يتمثلان في الحكمة ومصلحة العباد في شؤون
المعيشة والمعاد: «الشريعة قائمة، في مبناها
واساسها، على
الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل
كلهاورحمة ومصالح كلها وحكم كلها»((175)). وعلى هذا، وعندما تقتضي الرحمة الالهية جلب النفع
للناس
ودفع الضرر عنهم، فانه يمكن القول ايضا: ان مبنى
الشريعة
حيث نظام الجزاء جزء منها عبارة عن جلب المنفعة
والمصلحة
للبشر ودفع المفسدة عنهم. غير انه من البديهي ان معيار المصلحة تعينه الشريعة
نفسها،
فكل ما عده الدين مصلحة ونفعا كان مصلحة ونفعا، وكل
ما
عده مفسدة وضررا كان كذلك، وليس للبشر تحديد ذلك. ان المصالح الحقيقية للناس تكمن في حفظ الدين
والعرض
والنفس والعقل والمال، وقد عدها علماء الدين مصالح
ضرورية،
واتفقت على وجوبها الاديان والشرائع، ذلك ان في
فقدانها
مفسدة كبرى، حيث لا تبقى قيمة للحياة من دونها. ومن
هنا
فان التطاول عليها، او تفويتها، يعد حراما يستوجب
الجزاء. فالكفر والارتداد وبيع الخمور والزنا والعدوان على
اموال
الاخرين، وبخاصة السرقة، هي من الاعمال التي تعد
انتهاكا
للمصالح الخمس الذي ذكرت آنفا، وهي في الحقيقة
تمثل
تهديدا للدين والاسرة والملكية الفردية والعامة،
ولذا وضعت
عقوبات لمن يرتكبها. ولا شك في ان حرمة الموارد المذكورة وتشريع
العقوبات عليها
ناجمان من الرحمة الالهية. فالرحمة الالهية اقتضت
جلب
المنفعة للناس وتامين مصالحهم وعدت ذلك واجبا،
وعدت
كل ما يضاد تلك المنافع والمصالح مفسدة وحراما،
وشرعت
الجزاء من اجل ضمان تنفيذ ذلك... يقول محمد الغزالي في شان حفظ هذه المصالح: «فكل ما يتضمن حفظ هذه الاصول الخمسة هو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الاصول هو مفسدة ودفعها مصلحة... وتحريم تفويت هذه الامور الخمسة والزجر عنه يستحيل الا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي اريد بها اصلاح الخلق، ولذا لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر»((176)).ان الدين ينتهج، في حفظ المصالح الضرورية للناس، طريق الاصلاح الاساسي والعميق في المجتمع المسلم على اساس الايمان بالله والتصديق بيوم القيامة وايجاد العلاقة الدائمة والمستمرة بالله، سبحانه، والايمان بان الله، سبحانه، يراقب الجميع في اعمالهم السيئة والحسنة جميعها: (الم يعلم بان الله يرى)، (يعلم ما توسوس به نفسه)، اي ان الدين يعول على عملية التهذيب الاخلاقي للنفس الانسانية، وهو ما يحقق الغاية المتوخاة الى حد ما، ذلك ان سلوك الافراد سوف ياتي وفق المعتقدات الدينية التي تمجد الاعمال الحسنة وتذم الافعال السيئة، ومنها العدوان على حقوق الاخرين.مع هذا كله فانه (الدين)، وعلاوة على الاصلاح
الفردي، يهتم
بعملية الاصلاح الاجتماعي وتامين مصالح المجتمع
وتطهيره
من اشكال الفساد جميعها، ومن هنافهو يقوم بتعبئة
ادوات
مختلفة من قبيل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،
فكما ان
الافراد يقومون بمهمة الاصلاح الاجتماعي يكون
للمجتمع
الطاهر والصالح دور مؤثر وعميق في اصلاح الافراد. وعلى هذا الاساس فان الدين، ومن اجل تحقيق مصالح
الناس
ودفع المفاسد عنهم، يعتمد محورين اساسيين هما:
الاصلاح
الفردي الداخلي واصلاح المجتمع. وبالرغم من هذا كله، وبالرغم من وجود الكثيرين ممن
يؤدون
الواجبات الالهية والمقررات الشرعية، بسبب كونها
واجبة
وقانونية ويجتنبون المحرمات والممنوعات
القانونية بسبب
كونها حراما فقط من دون ان يكون لهاجس الجزاء دور في
ذلك، فان الناس في هذا ليسوا سواء، الا انه لا يعدم
وجود اناس
ينتهكون مقررات الشريعة بسبب سلبية شخصياتهم
وضلالهم
وعدم توفرهم على القيم الانسانية، ولذا فانه يسهل
عليهم
ارتكاب الجريمة وانتهاك حقوق الاخرين والعدوان
على
مصالحهم الضرورية. من هنا، ومن اجل منع الفساد وحماية الناس من
العدوان
والتفكير في اصلاح المعتدين، شرع الدين الجزاء،
ولذا فان
مباني الجزاء هي نفسها مباني مجموع الشريعة، وهي
عبارة عن
الرحمة بالناس. ومع ان الجزاء يتضمن عذابا والما، فانه ينطوي على
مصلحة
فردية واجتماعية لان الفرد المجرم يعيش في
المجتمع، وما
سيكون في مصلحة المجتمع سوف يصل اليه بوصفه فردا
من
افراده. ثم الا يتضمن الدواء مرارة؟ ولكن المريض
يتحمل مرارة
الدواء من اجل الشفاء الذي هو في مصلحته. وكذا المجرم والجانح يظن الجزاء مفسدة له، ولكن
الدين قرر
ذلك من اجل صيانة مصالح المجتمع. ربما يظن المجرم،
بسبب ضلاله وجهله، ان الجرم مصلحة له، ولكن الدين
الذي
يحمي المصلحة الاجتماعية يعد الجرم انتهاكا
للمجتمع وسببا
في انحطاط الفرد المجرم فهو يمنعه ويعاقبه عليه. فالزنا والاختلاس والسرقة وبيع الخمور والعدوان
على حقوق
الاخرين قد تبدو في راي المجرم منافع له ومصالح،
ولكن
الدين لا يقيم وزنا لهذه المصلحة الظاهرية، ولا
يعدها مصلحة
بالمرة بل يرى ان ارتكابها يؤدي الى فساد المجتمع((177)). فالتفكير في المصلحة الحقيقية للانسان يجعلنا
نعتقد جازمين
بصوابية الجزاء. الناس بطبعهم يرتكبون افعالا يظنونها في مصلحتهم
حتى لو
كان فيها اضرار بالمجتمع، ويجتنبون افعالا ليست في
مصلحتهم حتى لو كان فيها مصلحة للمجتمع. من اجل هذا شرع الدين عقوبات لدفع الانسان الى
القيام
باعمال تصب في مصلحة المجتمع حتى لو تململوا منها،
ومنعهم من القيام باعمال فيها فساد للمجتمع حتى لو
ظنوا ان
لهم فيها نفعا، وكما اسلفنا القول: ان الرحمة
الالهية تقتضي
المصلحة الحقيقية للفرد والمجتمع لا المصلحة
الظاهرية. يقول ابن تيمية في هذا الصدد: «ان العقوبات شرعت
رحمة من
الله تعالى بعباده، فهي صادرة عن رحمة الخالق
وارادة
الاحسان اليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على
ذنوبهم ان
يقصد بذلك الاحسان اليهم كما يقصد الوالد تاديب
ولده، وكما
يقصد الطبيب معالجة المريض»((178)). فاذا كانت العقوبة تؤدي الى منع المجرم من تكرار
ارتكاب
الجرم، وكان فيها عبرة للاخرين فقد تحققت من ورائها
مصلحة الفرد والمجتمع، وربما ادت الى هزة في وجدان
المجرم وضميره والتفاته الى خطاه، ومن ثم الى توبته
وعدم
عودته الى ارتكاب ما اقدم عليه في الماضي. ومن الواضح ان جميع هذه الاهداف لا تتحقق لدى
المجرمين
جميعهم، فقد يصحو ضمير بعضهم، ما يفضي الى صلاحه،
وقد
تولد العقوبة لدى بعضهم الاخرردعا بسبب هاجس
الجزاء، فلا
يعود الى ارتكاب الجرم خوفا، وكذا لدى الاخرين
الذين
يخامرهم الهاجس نفسه. ولا ريب في احتمال وجود مفسدة في الجزاء، ولكن من
المؤكد
ان المصالح المترتبة على تطبيق العقوبة اكبر من
المفسدة،
وتعود بالنفع والمصلحة الكبرى بحيث تكون المفاسد الجزئية لا شيء امامها. يقول الشهيد عبد القادر عودة: «ان الشريعة الاسلامية اعتبرت بعض الافعال جرائم وعاقبت عليها لحفظ مصالح الجماعة ولصيانة النظام الذي تقوم عليه الجماعة، ولضمان بقاء الجماعة قوية متضامنة متخلقة بالاخلاق الفاضلة، والله الذي شرع هذه الاحكام وامر بها، لا تضره معصية عاص، ولو عصاه اهل الارض جميعا، ولا تنفعه طاعة مطيع ولو اطاعه اهل الارض جميعا، ولكنه كتب على نفسه الرحمة لعباده، ولم يرسل الرسل الا رحمة للعالمين لاستنقاذهم من الجهالة، وارشادهم من الضلالة، ولكفهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة»((179)).الاصول الحاكمة على الجزاء الاسلامي عندما تكون مباني الجزاء في الاسلام الرحمة
بالناس، وتامين
مصالحهم ودفع المفاسد عنهم، فانه يتوجب وجود اسس
حاكمة على هذه المباني، حيث تنبغي مراعاتها في
العقوبات
الاسلامية لتحقيق الهدف الاساسي المتوخى منها،
ونشير هنا
الى اهمها: الاصل الاول: التناسب بين الجريمة والعقاب، وهذا الاصل في حقيقته من نتائج العدالة الالهية. علاوة على ذلك فان العقوبة انما شرعت على اساس الضرورة،وهي خلاف الاصل، ولذا فان العمل بالعقوبات يجب ان يكون في حدود القدر اللازم منها، فكما ان المريض يتناول من الدواء ما يكفي لشفائه فانه من اللازم وجود تناسب بين الجريمة والعقاب بالقدر الذي يحقق الغاية من تنفيذها.الاصل الثاني: وكما قلنا: ان الجزاء جاء من اجل تامين مصالح المجتمع. وعلى هذا ففي حالة ارتكاب الجريمة يجب ان تاتي العقوبة تاديبية للمجرم وعبرة للاخرين تردعهم عن ارتكاب الجرم.وانموذجا ينظر الاسلام الى حياة الانسان بوصفها
قيمة عليا،
ويعد قتل انسان واحد بمثابة قتل للناس جميعا: (من
قتل نفسا
بغير نفس او فساد في الارض فكانماقتل الناس
جميعا)((180)).
ولذا شرع عقوبة القصاص لردع الناس عن
ارتكاب هذه الجريمة((181)). الاصل الثالث: ولان هدف الجزاء، تامين مصالح المجتمع، فان الجزاء يشتد ويضعف وفق ما تقتضيه مصلحة المجتمع نفسها، فاذا تطلبت المصلحة التشديد في العقوبات شددت او تطلبت عكس ذلك خففت((182)).الاصل الرابع: ان تاديب المجرمين يعد من اهداف الجزاء الاسلامي ايضا، ولكنه (التاديب)، وعلى خلاف ما هو موجود في بعض النظريات، لا يعني الانتقام ابدا،بل على قول بعض فقهاء العامة: «انها تاديب استصلاح وزجر تختلف بحسب اختلاف الذنب»((183)).
والتاديب يختلف من فرد لاخر، فهو يتخذ اشكالا
متعددة
فبعض يلزمه تاديب شديد وبعض يلزمه تاديب خفيف. وقد روي عن السرخسي، ايكاله ميزان التعزير للقاضي،
ذلك ان
الهدف من ورائه هو المنع، والناس في ذلك مختلفون
ومتفاوتون، فقد يكفي بعضهم ان تصيح به فتمنعه من
ارتكاب
الذنب بينما يتطلب الاخر جلده، في حين لا ينفع مع
ثالث الا
الحبس والسجن لمنعه عن ارتكاب الجرم((184)). شخصية المجرم في العقوبات الاسلامية يمكن، وبالالتفات الى الاصول الاساسية الحاكمة على
العقوبات
ومبانيها، الوصول الى نتيجة هي ان الاسلام، وهو
يهتم
بالمصلحة الاجتماعية، لا يغفل عن المصلحة الفردية
والاهتمام
بشخصية المجرم، بالرغم من استحالة ذلك كما يبدو في
الوهلة الاولى. ذلك ان حماية المجتمع تقتضي الغاء
اعتبارية
المجرم واهمال شخصيته، كما ان الاهتمام بكيانه
يعني التقصير
في حماية المجتمع والاهتمام بمصالحه. وطبعا، فان هذا لا يعني ان الاهتمام بالجانبين
(الفرد
والمجتمع) ملاحظ في الجرائم والعقوبات جميعها،
فهناك
بعض الجرائم التي تتطلب الاهتمام بمصالح المجتمع
فقط،
ويلغى كل اعتبار لشخصية المجرم. ولكن التامل في العقوبات المقررة اسلاميا يمكن ان
يوصل الى
نتيجة مؤداها ان حماية المجتمع هي المقدمة دوما في
الاحوال جميعها، وفي حالة وجود التزاحم تكون
مصلحة
المجتمع هي الاولى من مصلحة المجرم. فمثلا، يجب ان تكون عقوبة المجرم والمذنب تاديبية
تردعه
عن تكرار الجرم والذنب وتنطوي على عبرة للاخرين
ايضا. ولكن اذا كانت العقوبة عاجزة عن تحقيق هذا الهدف،
ولا
تحمي المجتمع من شرور المجرم، فمن الممكن ان يقبع
المجرم في السجن الى الابد، اي ان حرية الفرد تكون
فداء
لحرية المجتمع وامنه((185)). وعلى هذا يمكن القول: انه في الجرائم التي تهدد
النظام في
المجتمع، وتستهدف كيانه، فان الشريعة لا تلتفت الى
شخصية
المجرم، اما في الجرائم التي تقصرعن ذلك، وفي سائر
الجرائم
الاخرى، فان شخصية المجرم تحظ ى بالاهتمام
المطلوب. وعلى اساس الاهتمام بشخصية المجرم يمكن تقسيم
الجرائم
الى نوعين: نوع يحصر الاهتمام بمصلحة المجتمع فقط
وحمايته ويلغي اي اعتبار لشخصية المجرم وهذا
النوع ينقسم
الى قسمين: 1 - الجرائم التي نصت الشريعة على عقوباتها، وهي: الارتداد، المحاربة، البغي، السرقة، شرب الخمر، الزنا والقذف، فالحد كما جاء في تعريفه عقوبة خاصة عينت الشريعة نوعها وميزانها وكيفيتها، ولا يحق للقاضي التصرف بها ابدا، بل ليس له اجراء الزيادة فيها او انقاصها، فكل فرد يرتكب احدى تلك الجرائم المذكورة فانه يصبح تحت طائلة العقاب ولا يلتفت الى شخصيته، ولا يجوز للمجني عليه العفو، بل ولا يحق للامام العفو عنه ايضا الا في حالة الحد الذي يثبت بالاقرار((186)). ففي هكذا جرائم تتعامل الشريعة مع المجرم بشدة لان التساهل فيها والتسامح يؤديان الى انحطاط اخلاقي وفساد المجتمع وزعزعة النظام الاجتماعي، والى تفاقم نسبة الجريمة، والهدف من التشديد في العقوبات التسامي بالمجتمع اخلاقيا، وصيانة امنه واستقراره وحماية حقوق الانسان بعبارة شاملة.وواضح منطقيا ومقبول ان المصلحة الاجتماعية هي
الغاية
وتبقى مصلحة الفرد فداء لمصلحة المجتمع. وهذه العقوبات انما سنت لمنع الناس من ارتكاب
الجرائم،
وبالنتيجة من اجل الحفاظ على المصالح العامة ودفع
الاضرار
عن المجتمع، وهو ما يستفاد من المعنى اللغوي
لمفردة «حد». فالحد لغويا يعني المنع والتاديب ووسيلة لمنع
الناس من
ارتكاب المعاصي((187)) ويعرف الماوردي الحد بقوله:
«الحد،
في اللغة، المنع، وفي الاصطلاح الشرعي عقوبة
مقدرة من قبل
الشارع وجبت حقا لله تعالى»((188)). واسناد هذا الحق لله تعالى يؤكد اهميته، حيث لا
يمكن للعفو
ان يسقطه. وفي هذا النوع من العقوبات، تؤخذ بنظر الاعتبار العوامل التي ترفع المسؤولية والاسباب التي تسوغ الجرم، وكذا وفي بعض الموارد تؤخذ بنظر الاعتبار ايضا ظروف المجرم لتاثيرها في شدة العقوبات وضعفها.فمثلا، تختلف عقوبة الزاني المحصن عن غير المحصن
اختلافا
واسعا، كما تختلف العقوبة في السرقة العادية وتكون
اخف كثيرا
عن عقوبة قطع الطريق الذي يعدسرقة كبرى((189)). وهذه العقوبات لها احكام اخرى، وكذا يمكن درؤها
بالشبهات،
ويجوز فيها عفو الامام في الجرم الذي يثبت بالاقرار((190)). 2 - المجموعة الاخرى من الجرائم التي تلحق اضرارا بالمجتمع والتي تشمل جرائم القتل والجرح والتي تترتب عليها عقوبة القصاص والدية.في الفقه الاسلامي يوجد نوعان للجزاء هما: القصاص
والدية في
حالة العمد (الدية في حالة العفو في القصاص) والدية
في حالة
الخطا. وفي هذا النوع من الجرائم لا يستطيع القاضي
تجاوز
هذين النوعين من العقوبات ولا يمكن للحاكم ان يعفو
عن
المجرمين. وعلى هذا الاساس، لا يوجد ثمة اهتمام بشخصية المجرم، ووحده المجني عليه له حق العفو، والله سبحانه قرر الحكم في قوله عز من قائل: (ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب)((191)) ويخاطب بلغة اخلاقية: (وان تعفو خير لكم)((192)) وحق العفو منح للمجني عليه وان كان الضرر لاحقا بالمجتمع باسره، ولكن المجني عليه هو المتضرر الاكثر.وفي الحقيقة ان الضرر اصاب المجتمع عن طريق الاضرار
بالمجني عليه. اما في الجرائم التي لها جزاء تعزيري فان شخصية المجرم تؤخذ بنظر الاعتبار، ذلك ان الجرم فيها لا يرقى الى اهمية جرائم النوع الاول، والقاضي غير مقيد بعقوبات واضحة فيها، بل ان بامكانه، وفي حالة احراز العوامل المخففة، ان يخفف في احكامه، او يصدر احكاما اكثر تناسبا مع المتهم.وفي هذا النوع من الجرائم، لا يعد عفو المدعي الخاص
والشاكي مؤثرا في العقوبة، لكنه يدخل ضمن الظروف
التي من
شانها تخفيف العقوبة. كما ان ظروف المتهم وشخصيته
وماضيه والقرائن الدالة على ندمه وسعيه الى تخفيف
آثار الجرم
وتعويض الاضرار الناجمة.. لها اثر في تخفيف
العقوبات
الصادرة بحقه. ا ستنتاجمن مجموع هذه البحوث يمكن الخروج بنتيجة هي: ان الفكر الديني، في الجزاء والعقوبات، جامع لجميع نظريات الحقوقيين والفلاسفة والجنائيين وعلماء الاجتماع التي طرحت منذ مطلع القرن الثامن عشر.فالعقوبات في الشريعة الاسلامية هي للصالح العام
واصلاح
الافراد ومنع الناس من ارتكاب الجرائم وحماية
المجتمع من
الجريمة وتعزيز قدراته في الدفاع عن كيانه مقابل
الجريمة، وهو
(الاسلام) في ذلك لا يتجاوز القدر الضروري الذي يحقق
اهدافه في تامين مصلحة المجتمع، وهذا ما يقتضي
العدالة،
وهو ما اشار اليه روسو وبكاريا وبنتام وكانت. فالعقوبات في الاسلام تنهض على اساس اصلاح المذنب
وتربيته، والرحمة والرافة به وبالمجتمع. ومن هنا
ياخذ الاسلام
شخصية المجرم في نظر الاعتبار الا في موارد معينة،
وهذا ما
تشدد عليه النظريات والمدارس العلمية وتؤكده. والحقيقة ان ايا من النظريات التي تطرقنا اليها آنفا اذا ما قيست علميا مع الفكر الاسلامي في مسالة الجزاء، فان التفوق سيكون لصالح الشريعة في شموليتها وعمقها، وبخاصة ونحن نذكر النظريات التي طرحت منذ القرن الثامن عشر، لان ما سبق هذا التاريخ من قوانين يشف عن وحشية وابتعاد عن الانسانية والعقل، اذكان الموتى والحيوانات والجمادات تطولها المحاكم وكان الحرق والمثلة جزءا من العقوبات الصادرة، في حين شهد القرن الثامن عشر وبعده رعاية للاصول الانسانية والمنطق في مسالة الجزاء والعقوبات، وسنت عقوبات تنهض على اساس اصلاح المذنبين ومنعهم من ارتكاب الذنب وحماية المجتمع والدفاع عن حقوقه، وبعدها في الغاء بعض العقوبات واستبعاد محاكمة الموتى والحيوانات والاشياء الجامدة لانعدام الاثر التاديبي فيها، وشيئا فشيئا اصبحت المسؤولية الاخلاقية، اي المسؤولية الجزائية، تطول الذين يتمتعون بالقوة العاقلة والارادة.وخلاصة القول: ان الاصول والقوانين الوضعية التي
بلغها
المشرعون، في القرن الثامن عشر، كان الاسلام قد
اعلن عنها
في القرن السابع الميلادي. من هنا نرى، ومنذ البعثة ونزول الشريعة الاسلامية، ان المسؤولية الجزائية لا تطول الا الانسان الحي، العاقل، البالغ والذي يتمتع بالارادة ولا يعد من يفتقد احد الشروط المذكورة مسؤولا جزائيا.نضيف الى هذا ان الاسلام استبعد بعض العقوبات، فقد نهى النبي الاكرم (ص) عن المثلة حتى بالحيوانات كالكلاب: يقول الامام علي(ع): «لا يمثل بالرجل، فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: اياكم والمثلة، ولو بالكلب العقور»((193)).ومن الواضح انه عندما لا تجوز المثلة حتى بالحيوان،
كالكلب،
وان كان عقورا، فان المثلة بالانسان لا تجوز حتى لو
كان
مجرما. والجدير ذكره انه لا يوجد بون شاسع بين القوانين
الوضعية
والرؤية الاسلامية في مباني الجزاء، والاختلاف
الاساسي يتمثل
في منهج تطبيق المباني على العقوبات. ان الشريعة تعترف رسميا بجميع المباني التي طرحها
العلماء،
ولكن هذا لا يعني انها قابلة للتطبيق في جميع
الجرائم. ففي مسالة العقوبات تراعى هذه الاهداف: فمن المحتمل
ان
يتحقق اصلاح المجرم وتربيته وتاديبه، وقد يردع
العقاب
المجرم والاخرين عن ارتكاب الجرم،ولكن في جميع
الاحوال
تقتضي العدالة معاقبة المجرم وحماية المجتمع
والدفاع عن
مصالحه وتحقيق هدف الرحمة الالهية بالناس. ويترتب على هذا انه، وبالرغم من ان الفقهاء يستندون
الى
الكتاب والسنة وسائر المنابع في بيان نظرياتهم
الفقهية، وفي
حالة فقدان النص او اجماله، فان وجودمبنى خاص في
فلسفة
الجزاء ضروري في صدور الفتوى، كما هو الحال في فهم
النصوص الدينية، وبخاصة لدى فقهاء العامة الذين
يستندون
كثيرا الى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة. في ختام هذا البحث، نستعرض بعض الافكار الفقهية
التي
نجمعت عن وجود فلسفة ومباني للجزاء في الاسلام،
وهذا ما
يؤكد ان علماء الدين لم يهملوا فلسفة الجزاء
والعقوبات. التوبة وصلاح المذنب عامل في سقوط الجزاء من البحوث التي تتجلى فيها فلسفة الجزاء بحث التوبة باعتبارها
احد العوامل في اسقاط العقوبة، وهذا ما تؤكده آيات كثيرة وروايات ونصوص فقهية،
بينماالقوانين الوضعية تتضمن قاعدة كلية تلغي اي اثر للتوبة والندم في اسقاط
العقوبة. بل ان بعض قوانين الدول، كالهند وانكلترا، تعد
الشروع بارتكاب
الجريمة ذنبا وتعاقب عليه، حتى لو انصرف الفاعل عن
ارتكاب
الذنب طواعية واختيارا((194)). اما النظام الجزائي في الاسلام فانه يعد التوبة احد
اهم العوامل
في اسقاط العقوبة، والجدير ذكره هنا ان النظام
الحقوقي، في
مصر وفرنسا، يسقط العقوبة عن الفرد الذي ينصرف
ويتراجع
طواعية عن ارتكاب الجرم((195)). تعني التوبة، لغة، العودة والندم، واصطلاحا عودة
العبد الى ربه
مع الندم على ذنبه وما ارتكبه من معصية لامر الرب((196)). يقول الراغب الاصفهاني: «التوبة في الشرع: ترك
الذنب لقبحه
والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة،
وتدارك
ما امكنه ان يتدارك من الاعمال بالاعمال
بالاعادة، فمتى
اجتمعت هذه الاربع فقد كملت شرائط التوبة»((197)). والتامل العميق، في هذا الموضوع المهم والقيم، في
النظام
الجزائي الاسلامي، وفي ما ورد في بعض الروايات
حوله، يقودنا
الى القول: ان الاسلام لا ينظر الى العقوبات
بوصفها ادوات
مطلوبة، وانه يهتم باصلاح المجرم وتربيته ومنعه من
ارتكاب
الجرم والذنب مرة اخرى وتعطيل العقوبات، وفي
النهاية
الاهتمام بمصلحة المجتمع. ورواية ماغر تؤيد هذا الادعاء، والرواية تقول: «ان
ماغر بن مالك
جاء الى النبي (ص)، فقال: يا رسول الله، اني زنيت،
فاعرض
عنه، ثم جاء من شقه الايمن، فقال:يا رسول الله اني
زنيت،
فاعرض عنه، ثم جاء فقال: اني قد زنيت، ثم جاءه فقال:
اني قد
زنيت، قال ذلك اربع مرات، فقال: ابك جنون؟ قال: لا يا
رسول
الله، قال:فهل احصنت؟ قال: نعم، فقال (ص): اذهبوا به
فارجموه»((198)). وفي رواية اخرى ان النبي (ص) قال لماغر: «لعلك قبلت او غمزت او نظرت، قال: لا يا رسول الله، قال: انكتها لا تكني؟ قال: نعم، كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، اتيت منها حراما كما ياتي الرجل من امراته حلالا. قال: ما تريد بهذا القول؟ قال: اريد ان تطهرني، فامر به فرجم» . وفي رواية: «انه لما اعترف ثلاثا قال له: ان اعترفت الرابعة رجمتك، فاعترف الرابعة»((199)).الا يستفاد من هذه الرواية ان العقوبات ليست مطلوبة بذاتها، وانما المهم اصلاح الفرد، وندمه وعودته واعادة بنائه الروحي؟ وفي رواية عن الامام علي (ع) عد فيها توبة المذنب
بينه وبين
الله افضل من تنفيذ الجزاء بحقه، يقول (ع): «ما اقبح
بالرجل
منكم ان ياتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس
الملا، افلا تاب في بيته، فوالله لتوبته في ما
بينه وبين الله افضل
من اقامتي عليه الحد»((200)). وهناك حالة من الاجماع لدى فقهاء الامامية او لا
يوجد
اختلاف على الاقل على ان التوبة من اسباب سقوط
الجزاء
والعقوبة، ولاهمية هذا البحث في فلسفة الجزاء
نحاول مناقشته
باختصار: 1 - التوبة قبل القاء القبض على المجرم وثبوت الجرم.يقول صاحب الجواهر في هذا الموضوع: «ومن تاب قبل
قيام
البينة عليه سقط عنه الحد بلا خلاف اجده بل في كشف
اللثام
الاتفاق عليه»((201)). وكذا يقول الامام
الخميني: «يسقط الحد
لو تاب قبل قيام البينة رجما كان او جلدا»((202)).
وهناك
آيات وروايات متعددة تفيد هذا المعنى. في ما يخص المحاربة قوله تعالى: (انما جزاء الذين
يحاربون الله
ورسوله و... الا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم
فاعلموا ان
الله غفوررحيم)((203)). وفي ما يخص عقوبة القذف قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة... الا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم)((204)). وقوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه واصلح فان الله يتوب عليه ان الله غفور رحيم)((205)).وفي رواية عن الامام الباقر، او الامام الصادق،
قوله عندما سئل
(ع): «في رجل سرق او شرب الخمر او زنى فلم يعلم بذلك
منه
ولم يؤخذ حتى تاب وصلح. قال:اذا صلح وعرف منه امر
جميل
لم يقم عليه الحد»((206)). اما فقهاء العامة فانهم يتفقون على سقوط العقوبة
عمن يتوب
عن محاربته قبل القاء القبض عليه((207)) لكنهم يختلفون
في سائر الجرائم الاخرى، وفيهم من يفكر كالامامية
ويتمسك
بالقياس، فما دامت عقوبة المحاربة تسقط بالتوبة،
وهي من
اكبر الجرائم، فمن الاولى سقوط سائر العقوبات عن
الجرائم
الاخرى،ويستشهدون بالايات التي مر ذكرها. اما مالك وابو حنيفة فيقولان ب«اصالة عدم سقوط
العقوبة» في
غير جريمة المحاربة ويستندان الى اطلاق الايات
المربوطة،
وبجزاء الزاني والسارق، ويسوقان دليلين آخرين
لهما اهمية في
بحثنا، لانهما يكشفان عن تفكيرهما في باب فلسفة
الجزاء،
الاول: هو ان الجزاء لا يسقط بالتوبة لانه كفارة
الذنب ولا بد من
تنفيذه.والثاني: في جواب قياس الاولوية، اذ يقولان:
انه لا وجه
للتشابه بين جرم المحاربة والجرائم الاخرى. وعلى
هذا
فالقياس هنا ليس واردا، وفي ما يخص المحاربة فان
التوبة قبل
القبض عليه تسقط العقاب لان المحارب فرد لا يمكن
القبض
عليه في الظروف العادية، وقبول توبته اجراء لمنعه
عن
الاستمرار في الفساد في الارض. فقبول توبته ترغيب
له في
عدم الافساد، اما سائر المجرمين فمن الميسور القبض
عليهم،
وعلى هذا لا يوجد مبرر لترغيبهم((208)). ونلاحظ، من خلال ذلك، ان بعضهم لا يقول بسقوط
الجزاء عند
التوبة متمسكين بفلسفة الجزاء، فهم اولا يعدون
الجزاء كفارة
للذنب، وثانيا يستثنون بعض الجرائم كالمحاربة
بسبب ظروف
خاصة، ويقولون بسقوط الجزاء عنه عند توبته، لانه من
شانه ان
يحفظ امن المجتمع ويمنع الفساد في الارض، وعلى هذا
تبرزمصلحة المجتمع لجعلها قاعدة لتشريع الجزاء،
وفي الوقت
نفسه الغاء العقوبات. 2 - التوبة بعد ثبوت الجرم بالاقراريوجد اختلاف اساسي بين التوبة قبل الاعتقال والتوبة بعده، فالتوبة قبل القبض على المجرم تسقط العقوبة عنه ولا يوجد مجال لتنفيذ الجزاء بحقه، وفي هذابون شاسع مع التوبة بعد الاقرار، حيث يكون الحق للحاكم في العفو عن المجرم او تنفيذ العقوبة بحقه، يقول صاحب الجواهر بعد نقله كلام الحلي: «ولو اقر بحد،ثم تاب، كان الامام مخيرا في اقامته رجما كان او جلدا». انه لا يوجد خلاف في الرجم ووجود الاجماع من خلال كتاب السرائر((209)). وتدل على هذه النظرية روايات منها: «ان شابا اتى امير المؤمنين (ع) فاقر بالسرقة فقال له علي (ع): اتقرا شيئا من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، فقال الاشعث: اتعطل حدا من حدود الله تعالى؟ فقال: ما يدريك يا هذا!؟ اذا قامت البينة فليس للامام ان يعفو، واذا اقر الرجل على نفسه فذاك الى الامام ان شاء عفا وان شاء قطع»((210)).وهناك رواية اخرى يوجد فيها اختلاف ضئيل لكنها
تنطوي
على نقطة هامة تكشف اهتماما كاملا بشخصية المجرم،
وهي
قول امير المؤمنين (ع) للمذنب: «اني اراك شابا لا
باس
بهبتك»((211))
والرواية، وان لم تصرح بتوبته، ولكن الظاهر
من عفو الامام انه جاء بعد توبة الشاب السارق((212)). دفع العقوبات بالشبهات من الادلة التي يمكن الاستناد اليها في ان النظام
الجزائي في
الاسلام لا يهدف الى العقوبات في حد ذاتها، وانما
يعدها مجرد
ادوات لتحقيق اهداف اخرى.. ومن بين هذه الادلة وجود
قاعدة
«الدرء»، وهي من مسلمات الفقه. قال رسول الله (ص): «ادراوا الحدود بالشبهات»((213))
وتنطوي رواية الترمذي على مسالة غاية في الاهمية يتباهى بها الحقوقيون اليوم،
وهي قوله (ص):«ادراوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فان كان له مخرج فخلوا سبيله،
فان الامام ان يخطىء في العفو خير من ان يخطىء في
العقوبة»((214)). وفي بحث التوبة، نشير الى ان مجرد شبهة التوبة،
يعني عدم
الاحراز القطعي للتوبة، يكفي في اسقاط العقوبة، مع
انه يمكن
الاستناد الى قاعدة الاستصحاب امام المجرم في عدم
التوبة،
غير اننا نرى تمسكا بقاعدة «الدرء» الا في احراز
عدم التوبة. القسامة والردع القسامة، سواء كانت حكما تاسيسيا في الاسلام ام حكما امضائيا، فانها تعد احدى اهم الاسس في النظام الجزائي في الاسلام، والتي لا يمكن التشكيك فيها،بالرغم من وجود اختلاف في كونها دليل اثبات او دليل دفع او دليل اثبات ودفع معا((215)). فالقسامة من الامور الجديرة بالبحث. فلماذا عدت
القسامة من
سبل اثبات القتل والجرح في النظام الجزائي
الاسلامي؟ اضافة
الى اننا لو بحثناها في باب فلسفة الجزاء فاننا
سنصل الى ان
الهدف من ورائها هو الردع العام وصيانة امن المجتمع
وسلامته. يقول الامام الصادق (ع) في القسامة: «انما حقن دماء
المسلمين
بالقسامة لكي اذا راى الفاجر الفاسق فرجه من عدوه
حجزه
مخافة القسامة ان يقتل به فيكف عن قتله»((216)). وفي رواية اخرى يقول الامام الصادق (ع): «انما جعلت القسامة احتياطا لدماء الناس لكي ما اذا اراد الفاسق ان يقتل رجلا، او يغتال رجلا، حيث لا يراه احد، خاف ذلك فامتنع من القتل»((217)).وقد انتبه فريق من الامامية الى فلسفة القسامة
كاجراء
احتياط ي في الشريعة واجراء ردعي وقائي لمن يراوده
هاجس
ارتكاب جريمة القتل((218)). ويستند الى هذه الفلسفة في جواز تكرار اليمين
والقسم لان
تقييد القسامة بخمسين شخصا يعرقل تحقيق الهدف
المنشود
من ورائها كاجراء ردعي وقائي (ولانريد هنا بحث هذه
المسالة
بل نشير فقط الى ان الفقهاء، وفي حالة فقدان
الادلة، يستندون
الى فلسفة هذا الحكم في الافتاء). عقوبة المجنون ان من شروط المسؤولية الجزائية: العقل والارادة،
وهما شرطا
المسؤولية الاساسيين، ولذا يدخل الجنون عاملا يرفع
المسؤولية. وبالرغم من ان المدارس الحقوقية
العرفية، وحتى
مطلع القرن الثامن عشر، كانت لا ترى في الجنون
رافعا
للمسؤولية، اذ كان المجانين الذين لا يعون شيئا
يقعون تحت
طائلة المحاكم ويرفعون على اعداد المشانق((219))
غير ان
الاسلام، ومنذ اربعة عشر قرنا، عد الجنون من
العوامل التي
تلغي المسؤولية الجزائية. من جهة اخرى، انه لا شك في ان من يرتكب جرما، وهو في
كامل قواه العقلية، ثم عرض له الجنون، فان العقوبة
لا تسقط
عنه الى الابد. والاختلاف بين الفقهاءالاسلاميين
حول زمان
تنفيذ العقوبة: هل تنفذ بحقه ولو في حالة جنونه او
تؤخر الى
حين استعادته قواه العقلية من جديد؟ وبديهي ان
الاختلاف
هذا مشروط بان تكون المحاكمة قد تمت قبل ظهور
اعراض
الجنون، وحين كان المذنب في سلامة من عقله، وفي غير
هذه
الحالة لا يمكن تنفيذ العقوبة، لان الفرد
قبل محاكمته لا يعد الا
متهما فقط، ذلك ان المسؤولية ركن ضروري في زمن
المحاكمة ولا يمكن محاكمة المجنون لان اقراره
واعترافه
فاقدان لاي اعتبار، كما ان البينة عاجزة عن اثبات
جرمه. لان
الاصل براءة المتهم وحقه في الدفاع عن نفسه، فيما
نرى
المجنون عاجزا عن الدفاع عن نفسه الا اذا اراد
القاضي
العمل بعلمه. والجدير ذكره ان الفقه الشافعي، وكذا الحنبلي،
يجيزان
محاكمة المجنون، ولا يعدان عجزه عن الدفاع مانعا في
اجراء
المحاكمة((220)). والاختلاف الذي يبرز بين الفقهاء هو في مسالة تنفيذ العقوبة بحق الذي عرض له الجنون بعد محاكمته وادانته واعتباره مذنبا واصدار الحكم الجزائي بحقه، هل تنفذ فيه العقوبة وان كان في حالة جنون او تؤخر الى حين استعادته قواه العقلية؟ فريق من الفقهاء يستدل على اثباتها وآخرون يرون التفكيك، يعني تنفيذ العقوبة بحقه في بعض الموارد وتؤخر لحين استرداده العقل في موارد اخرى((221)).اما فقهاء الامامية فيذهبون الى ان المجرم قد ارتكب
جريمته،
وهو في كامل قواه العقلية، ولذا فانه مسؤول جزائيا،
ولا يمكن
تاخير عقوبته في اي حال من الاحوال((222)). وما يلفت النظر، في هذا البحث، هو اننا اذا استندنا
الى فلسفة
الجزاء فقط، في تقييم ذلك، فنرجح عدم تنفيذ العقوبة
في
حالة الجنون، وذلك لانتفاء الاثرالاصلاحي المتوخى
من
العقاب في ردع المجرم عن تكرار جرمه. ولكنه لا يبقى امام صحة الرواية مسوغ للتمسك بفلسفة
الجزاء
وحكمته. والرواية تقول: «عن الباقر (ع) في رجل وجب عليه حد، فلم يضرب حتى خولط، فقال: ان كان اوجب على نفسه الحد وهو صحيح لا علة به من ذهاب عقله اقيم عليه الحد كائنا ما كان»((223)). ويثير الانتباه هنا ان الفقهاء لم يهملوا فلسفة
الجزاء في بحثهم
هذه الرواية. فالشهيد الثاني احتمل صحة الانتظار في
المجنون
اذا كان جنونه دوريا، وذلك لتحقيق هدف المانعية((224)). اما الفقيه الكبير محمد حسن النجفي فلم يجز التاخير
في
تنفيذ العقوبة، ويستند الى الرواية المذكورة: «فما
عن بعض من
احتمال السقوط في المطبق مطلقا واخرمن السقوط كذلك
ان
لم يحس بالالم، وكان بحيث لا ينزجر به، كالاجتهاد
في مقابلة
النص والفتوى»((225)). وقد ذكرنا، في مطلع البحث، ان الجزاء لا يمكن
تسويغه من
خلال نظرية واحدة، ومن المحتمل انطواء كل عقوبة على
هدف تؤمنه وتحققه. وعندما يرى المعصوم وجوب تنفيذ الحكم فانه ينظر الى
هدف
اعلى، وهو الردع الاجتماعي العام، وهو من اهداف
الجزاء
الكبرى. والجدير ذكره ان الحقوقي المصري الشهيد عبد القادر عودة يؤيد ذلك في تحليله، فهو يرى ان العقوبة تنطوي على هدف تاديبي، وقد شرعت من اجل ذلك، وانه بالرغم من ان المذنب الذي ادين قبل جنونه، لا يدرك الهدف التاديبي للعقوبة، ولا يتحقق لديه هذا الهدف بسبب ظروفه، فان ذلك لا يلغي الهدف الردعي العام عندما تقتضي مصلحة المجتمع تنفيذ العقوبة به، لما في ذلك من عبرة للاخرين في ردعهم عن ارتكاب الجرم((226)).تداخل العقوبات اضافة الى المباحث الفقهية التي ذكرت آنفا، وفي بعض المسائل ايضا، تظهر التوبة في فلسفة الجزاء لدى صدور الحكم. فمثلا، ولدى تنفيذ الحد بشكل مناسب ولائق، ان يكون علنيا وامام الملا العام وهو امر استحبابي، وعلى هذا فعلنية اجراء الحكم امر حسن((227)).فالذين يوصون بعلنية اجراء العقوبات يعولون على
تحقيق هدف
الردع العمومي، وهذا لا يتحقق الا في علنية
الاجراء، وفي
حضور الناس الذين سوف يشاهدون ويرون بانفسهم
العواقب
المريرة للمعاصي والذنوب والجرائم فيعتبرون من
ذلك. وموضوع آخر نختتم به هذا البحث هو تعدد العقوبات مع
تعدد
الجرائم، ففي حالة تعدد الجرائم، وحيث تتداخل
الاسباب، فهل
يمكن الاكتفاء بالعقوبة الاكثرشدة او تنفذ
العقوبات جميعا قبل
تنفيذ عقوبة الاعدام بحيث لا يمكن تفويت اية عقوبة
في
التنفيذ. وهذه المسالة اصبحت محلا لنزاع العلماء، فالاماميون يرفضون تداخل الاسباب، وفي حالة تعدد الجرائم والعقوبات فانه يتوجب تنفيذ العقوبات جميعها. فلوان مجرما ارتكب جرائم متعددة، عقوبة احداها الاعدام، لتوجب تنفيذ العقوبات بحقه قبل عقوبة الاعدام((228)). وقد روى زرارة عن الامام الباقر قوله: «ايما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل، يبدا بالحدود التي دون القتل ثم يقتل بعد ذلك»((229)). وواضح هنا ان الهدف من هذا هو الارعاب والردع العام. ولو سلمنا بتداخل الاسباب والاكتفاء بالعقوبة
الاشد في حالة
تعدد الجرائم، فما اكثر المجرمين الذين يرتكبون
جريمة
جزاؤها الاعدام فيندفعون الى ارتكاب جرائم اخرى
لان اقصى ما
ينتظرهم هو الاعدام في جميع الاحوال، وانه لا عقوبة
غير هذه
العقوبة، وفي هذا ما يعرض امن المجتمع للخطر. وفقهاء العامة غير متفقين في مسالة الجمع بين العقوبات، بل ان هناك جدلا بين كبار ائمتهم، فابو حنيفة يرى تداخل العقوبات بشكل مطلق في حالة تعدد الجرائم، ويعتقد ان اجراء عقوبة واحدة كاف.ويعد بعض الحقوقيين ان ذلك ينهض على فلسفة الجزاء
في
الاسلام، يعني ان الجزاء والعقوبات من اجل منع
المجرم من
ارتكاب الجرم وحماية المجتمع بمافي ذلك الجناة
والمجني
عليهم، ففي حالة ارتكاب المذنب عدة جرائم فان تنفيذ
عقوبة
واحدة بحقه يحقق هذا الهدف((230)). كما يرى ذلك ايضا الامام السرخسي، ويرى كفاية عقوبة
واحدة
في تحقيق هدف المانعية والردع((231)) فيما يرى فقهاء
المذهب المالكي (التداخل) في جرائم النوع الواحد
او الجرائم
المتعددة التي تتساوى عقوباتها. فمثلا الذي قام
بالقذف عدة
مرات، او القذف وشرب الخمر، فان جلده ثمانين جلدة
فقط
يكفي عقوبة للجرم الاخر((232)). اما الفقه الشافعي والحنبلي فيرى التداخل في جرائم النوع الواحد، كالتعدد في الزنا، او في السرقة، وشرب الخمر وغيرها، وذلك لتوحد سبب الجزاء، هذا اولا،وثانيا ان الهدف من العقاب هو ردع الناس عن ارتكاب الجرم، وهذا يتحقق في تنفيذ عقوبة واحدة ((233)). والجدير بالذكر ان بعض فقهاء الامامية، كالشيخ الطوسي، يرى وحدة الجزاء في حالة تعدد السرقات((234)).اما في حالة التعدد النوعي للجرائم، كارتكاب الزنا
مع الاحصان
وشرب الخمر والسرقة، فان الفقه الحنبلي يرى ضرورة
تنفيذ
العقوبات جميعها((235)). وفي حالة وجود عقوبة الاعدام مع عقوبات اخرى يرى ابو حنيفة ومالك ان عقوبة القتل تسقط سائر العقوبات الاخرى، لان الهدف من اجراء الحدود هو الردع العمومي وعقوبة الاعدام تحقق هذا الهدف، وهما يعتقدان بنظرية «الجب» ومفادها: «عقوبة القتل تجب ما عداها من العقوبات» فيما يرفض الشافعي هذه النظرية.
من جهة اخرى، ان
القائلين بها يختلفون في منهج تطبيقها،
فمالك يعتقد ان كل حد سيسقط مع القتل سواء كان حق
الله ام
حق الناس، الا في حالة القذف، حيث تنفذ عقوبة
القذف
بالقاذف ثم تنفيذ عقوبة الاعدام، ولهذا السبب
ينتهي الحديث
الى صاحب حد القذف (المقذوف) فلا يقال له: لماذا لم
يعاقب
الذي قذفك((236))؟. |