الحكومة العلوية في قراءة الامام الخميني(ره) ترجمة: السيد محمد هادي الحكيم الانسان الكامل
ان الحديث عن شخصية الامام علي (ع)، وكما قال الامام
الخميني (ره)، امر صعب للغاية. ويكاد يكون من
المستحيل
الاحاطة بجميع ابعاد هذه الشخصية العظيمة التي
تعد معدن
الانسانية والفضائل. وجميع ما كتبه الباحثون وقاله
المتكلمون
عن شخصيته (ع) ليس هو، في الواقع، الا محاولات
للتعرف
الى ابعاد هذه الشخصية الفريدة. يقول الامام
الخميني (ره)، في
هذا الصدد.
«... نحن، في حديثنا عن الامام علي بن ابي طالب، نتكلم
على شخصيته غير المعروفة، او عن معرفتنا القاصرة والبعيدة عن ادراكه.
وعن ابعاد هذه الشخصية يقول الامام الخميني:
«ان الابعاد المختلفة لهذه الشخصية العظيمة لا يمكن
ادراكها من خلال ما نعقده نحن من ندوات، ولا يمكن قياسها طبقا للمقاييس البشرية،
فالذي بلغ درجة الانسان
الكامل، وكان
مجسدا لاسماء الحق تعالى وصفاته جميعها، تكون
ابعاد
شخصيته على حسب الاسماء والصفات التي هي الف اسم
وصفة، ونحن قاصرون عن شرح اسم من هذه الاسماء وصفة من هذه الصفات وبيانها»((238)).
ويتحدث الامام الخميني (ره) عن تربية النبي (ص) له،
فيقول:
«... فلو كان النبي (ص) لم يرب من الامة غير هذا الفرد
لكان
ذلك مجزيا له. ولو لم يبعث النبي (ص) الا لتربية مثل
هذا
الشخص وتقديمه للمجتمع البشري لكان كافيا له»((239)).
فمن المتيقن ان حكم مثل هذا الانسان وان كانت مدته
قصيرة سيكون مليئا بالعبر والدروس وزاخرا بالمشاعر
الانسانية والفضائل والجدية في سبيل احقاق الحق.
فحكومته (ع)، وان كانت جزءا من ابعاد شخصيته وسيرته،
الا
انها اعطت للتاريخ مع ما فيه من ظلمات جاذبية خاصة.
واضحت السياسة بها مع ما تتصف به من ظلم وحيلة وسحق
للحقوق مبتغى لطالبي العدل وتكليفا لطالبي الحقوق.
وعرفت السلطة مع ما تمارسه من جنايات بالوسيلة التي
لا
بديل لها لمن يريداقامة القسط والعدل والحق.
لا يوجد، في التاريخ، مرحلة اكثر جاذبية من مرحلة
حكم الامام
علي (ع)، ولا توجد سياسة اكثر التزاما بالدين واكثر
شعبية من
سياسة الامام علي (ع)، ولا توجد
سلطة امتلكت
المشروعية
كمشروعية حكومته (ع)، ولذا يرى الامام الخميني (ره)
ان
غصب خلافته (ع) من اكبر المصائب التي مني بها
الاسلام،
وكان من الجدير الاحتفال بحكومته (ع) وان كانت
مدتها
قصيرة الى الابد، لان ذلك يعني الاحتفال بالعدل:
«... ان من اكبر المصائب التي مني بها الاسلام هي
مصيبة سلب
الحكم عن امير المؤمنين (ع)، فهو يفوق واقعة كربلاء
من حيث
المصاب، فالمصيبة التي اصابت امير المؤمنين، ومن
ثم اصابت
الاسلام اعظم اثرا من المصاب الذي اصاب الحسين (ع).
وفي نظر الامام الخميني (ره) ان يوم الغدير قد اكتسب
فضله
من مقام الامام علي (ع) وفضيلته، فالغدير لم يضف
فضلا الى
فضائل الامام علي (ع)، بل ان مقام الامام علي (ع)
وكماله هو
الذي اظهر الغدير في هذا الفضل وتلك المنزلة:
«...ان مسالة الغدير ليست بنفسها مسالة تزيد في مقام
امير
المؤمنين (ع)، بل ان امير المؤمنين علي بن ابي طالب
(ع) هو
الذي اوجد مسالة الغدير. فوجوده المتكامل، ومن
الجهات
جميعها، هو الذي اقتضى ظهور مسالة الغدير، فهذه
المسالة
بالنسبة للامام علي (ع) ليست لها اي اهمية، فالذي له
قيمة
واهمية هو الامام(ع) نفسه، فتبعا له ظهرت مسالة
الغدير.
ان هذه المرحلة التاريخية البارزة والحساسة التي
لا يمكن
تكررها اي مرحلة حكم الامام علي (ع) القصيرة هي
كالشمس تتالق لاضفاء الدف ء والنور لطلاب الحق
والعدالة
والسياسة بالمعنى الصحيح للكلمة، وليست الا شعاع
من نور
وجود امير المؤمنين (ع) وفضائله الروحية التي تعجز
الاصطلاحات والعبارات عن بيان كنهها.
وكل ما قاله الامام الخميني (ره) طوال عشرات السنين
في
وصف الحكم الاسلامي، وسعى الى الاقتداء به عمليا،
تعبير عن
الاهتمام الخاص الذي كان يبذله في سبيل تعريف
خصائص
حكم الامام علي (ع) وتبيينها، تلك الخصائص التي
يحتاجها
مجتمعنا وحكومتنا للاقتداء بها.
فمجتمعنا بحاجة دائما الى تبيين تلك الخصائص
وتعريفها،
وكل مسؤولي المراكز المختلفة في الحكومة بحاجة
شديدة الى
الالتزام بها والاستقامة عليها كي يمكننا
الافتخار بالاقتداء، ولو
بالقدر اليسير بحكمه (ع).
وكلنا نسلم بان حتى هذا القدر من التطبيق صعب، وليس
من
السهل القيام به الا بالتقوى والاجتهاد والعفاف
والاستقامة على
منهج الحق، وكما قال الامام علي(ع):
«...الا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن اعينوني بورع
واجتهاد
وعفة وسداد...»((242)). الامام علي (ع) وبيان اهمية الحكم الاسلامي وكيفيته كان الامام الخميني (ره) يعتقد ان الدليل على وجوب تشكيل الحكومة الاسلامية هو وجوب تطبيق احكام الشريعة، وكان (ره) يعتقد ان امكانية تطبيق احكام الاسلام وقوانينه لا تتاتى من دون تاسيس حكم اسلامي. ولذلك راى ان الرسول (ص) والائمة (ع) بذلوا الجهد لاجل اقامة الحكم الاسلامي: «... لما كان من اللازم اقامة الاحكام الاسلامية بعد رسول الله (ص)، والى آخر الزمان، فمن الضروري تشكيل الدولة الاسلامية التي تضمن لنا التطبيق والادارة حسب تلك الاحكام، فالعقل والشرع يحكمان بان ما كان لازما في زمن الرسول الاكرم (ص)، وفي زمن امير المؤمنين علي (ع) اي الدولة وجهاز الحكم يكون لازما ايضا بعدهما، وفي وقتنا هذا»((243)).
وصرح في موضع آخر: «لم يكن احد من افراد الامة
الاسلامية
يشكك، بعد وفاة الرسول (ص)، في وجوب اقامة الحكم
الاسلامي، فلم يقل احد: لا نحتاج الى حكم ولم يسمع
ذلك من
اي شخص، فالجميع كانوا متفقين على وجوب اقامة
الحكم،
انما كان الاختلاف حول من يراس هذه الدولة ويحكمها.
فالامام الخميني (ره) كان يسعى في سبيل اقامة الحكم
الاسلامي وبتعبيره (ره): «الحكم الاسلامي العادل»((245)).
وكان هدفه، في ذلك، تطبيق احكام الشريعة
الاسلامية واقامة
العدل وفاقا لما كان عليه النبي (ص)، والامام علي (ع)
في
المدينة المنورة وفي الكوفة.
فمهما كان لفظ «الحكم الاسلامي» لفظا كليا وعاما،
ويحتمل
معاني مختلفة واطرا سياسية متفاوتة، الا ان لهذا
المصطلح،
في فكر الامام الخميني (ره)، ظهورا في الغاية من
الحكم
وواجبات الدولة، قبل ان يكون ظاهرا في معنى السلطة
والهيمنة.
وتعد العدالة من اهم الغايات التي يثبتها الامام
الخميني (ره)
للحكم الديني. والعدالة نفسها هي مقدمة لتطبيق
الشريعة،
ولذا كان الاقتداء، وبالقدر المستطاع،
بنهج الامام
علي (ع)
واسلوبه في الحكم هو المقياس عنده في كون الحكم
اسلاميا:
«علينا ان نتعلم من طريقة الامام علي (ع) ونقتبس من
منهجه
في الحكم، غاية الامر نحن لا نستطيع ان نلتزم بكل ما
كان
يراعيه الامام (ع)، ولا يوجد احديستطيع ذلك، اي ان
هناك
بعض الجوانب كانت خاصة به (ع)، وليست عامة في مسالة
الحكم، الا ان الاصل المشترك هو اقامة الحكم العادل
وعدم
ظلم الناس»((246)).
وقال الامام الخميني في تعريف الحكومة الاسلامية:
«الحكومة
الاسلامية هي الحكومة القائمة على اساس العدل
والديمقراطية والتي تعتمد على اصول
الاسلام وقوانينه»((247)) اما في ما يخص برامج الدولة
واوصاف حاكمها فكان يعتقد انه يجب الاقتداء
بالبرامج
والاوصاف التي ذكرها وبينها الامام علي (ع) في خطبه
ورسائله
وطبقها في حكمه:
«لقد بين الاسلام طريقته ومنهاجه في الحكم، ولم
يهملها، فقد
بين الاسلام الصفات التي على الحاكم ان يتحلى بها،
كما ان
امير المؤمنين (ع) قد بين لنا المنهج في الحكم،
وحدد معالم
الحكومة الاسلامية في مختلف جوانبها، في القضاء
والادارة
والجوانب الاخرى...»((248)).
ويعد العهد الذي كتبه الامام علي (ع) لمالك الاشتر،
عندما
ولاه مصر، اغنى سند تاريخي واثراه، فقد دون فيه
الامام (ع)
معالم الحكومة الدينية، وخصائص المسؤولين في
النظام
الاسلامي وصفاتهم. وقد اشار الامام الخميني (ره) الى
محتوى
هذه الرسالة قائلا:
«ولقد بين امير المؤمنين (ع) في هذه الرسالة برنامجه
في
الحكم، ودون فيها المواصفات والخصائص التي يتصف
بها
الحكم الاسلامي، وما يجب على مسؤولي هذا النظام من
الاتصاف به، ووظائفهم في هذا الحكم»((249)). الهدف من اقامة الحكومة الاسلامية
يعتقد الامام الخميني (ره)، وطبقا لحديث الامام علي (ع)، ان اهم اهداف اقامة
الحكومة الاسلامية هو: المنع من الفوضى في المجتمع الاسلامي وحفظ الثغوروالدفاع ضد
اي اعتداء خارجي على حدود الدولة الاسلامية، وتطبيق احكام الشريعة في المجتمع.
وبالنظر الى قول الامام علي (ع) في احدى خطبه: «اما
والذي
فلق الحبة وبرا النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام
الحجة بوجود
الناصر، وما اخذ الله على العلماءان لا يقاروا على
كظة ظالم، ولا
سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها
بكاس
اولها...»((250))
يعد الامام الخميني (ره) انقاذ
المحرومين والمظلومين والوقوف بوجه الظالمين من
اهداف
قيام الحكم الاسلامي، فقد قال: «نحن مكلفون بانقاذ
المحرومين والمظلومين وان نكون اعداء
للظالمين». وهذا هو نفس ما ذكره امير المؤمنين (ع) في وصيته لولديه الحسن والحسين (ع): «كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا»((251)). خصائص حكم الامام علي (ع) في نظر الامام الخميني (ره)
تعد سيرة امير المؤمنين (ع) المباركة ومنهجه في العيش، ايام خلافته القصيرة، في
نظر الامام الخميني (ره)، مليئة بالدروس والعبر في ما يخص التعايش ومايخص الحكم.
فاوامره الى رجاله ومسؤولي المراكز المختلفة في
الدولة،
وخطبه في الكوفة وبقية خطبه واحاديثه رسمت، وبصورة
واضحة، الخصائص والمميزات التي يتصف بها الحكم
الجيد
والصالح في نظره (ع).
ونستعرض، الان، اهم تلك الخصائص:
1- تواضع الحاكم للناس واحترامه لهم
ففي منظار الامام علي (ع) الناس جميعهم، ولذاتهم
الانسانية،
يستحقون الاحترام، وباللين والمحبة يمكن هدايتهم
الى
الصراط المستقيم.
وقد استدل الامام علي (ع)، في اوائل كتابه الى مالك
الاشتر
لما ولاه مصر، على لزوم اتخاذ الاسلوب اللين
والتعامل مع
الناس بالمحبة والعطف واجتناب العنف والتعسف.
بتقسيم
الناس الى صنفين، قال (ع):
«واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف
بهم، ولا
تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان:
اما اخ
لك في الدين، او نظير لك في الخلق»((252)).
ولهذا نرى الامام (ع) عندما يبلغه خبر غزو الانبار،
من قبل
جيش معاوية، وتعديهم على الناس وسلبهم ما يملكون،
يقول:
«... ولقد بلغني ان الرجل منهم كان يدخل على المراة
المسلمة
والاخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها
ما تمتنع
منه الا الاسترجاع والاسترحام... ثم انصرفوا
وافرين ما نال رجلا
منهم كلم، ولا اريق لهم دم، فلو ان امرا مسلما مات
من بعد
هذا اسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا»((253)).
قال الامام الخميني (ره) في ما يخص هذه الميزة لحكم
الامام
علي(ع):
«ان شخصية هذا الرجل العظيم الذي كان اماما للامة
شخصية
لا يمكن العثور على مثيلها لا قبل الاسلام ولا بعد
ظهوره،
شخصية قد جمعت الاضداد فيها، فرجل الحرب كيف له ان
يكون من اهل العبادة، والشجاع ذو القدرة الجسمانية
العظيمة
كيف يمكن عده من الزاهدين، والشخص الذي يحصد بسيفه
رؤوس المنحرفين كيف يمكنه الاتصاف باللين
والرحمة، كما
كان يتصف بها امير المؤمنين(ع)، فهذا الرجل بلغت به
الرحمة
بالناس درجة انه عندما يسمع ان الاعداء سلبوا
من المراة
اليهودية المعاهدة خلخالها ينادي: ... اهفلو ان امرا
مسلما مات
من بعد هذا اسفا ما كان به ملوما»((254)).
هذه الرحمة بلغت قمتها عندما شملت عدوه وقاتله، فقد
قاسمه قدح اللبن الذي قدم اليه. وكذلك نرى مصاديقها
بالنسبة للافراد الذين يحاكمون ويقام عليهم الحد،
ففي احدى
المرات بعد ان اقيم الحد على اثنين من السارقين
وقطعت يدا
كل منهما، ابدى الامام علي (ع)، بعد اقامته الحد،
عطفه على
هذين المحدودين واهتمامه بهما، واسهم في معالجة
اليد
المقطوعة ليسرع براها، واهتم بتغذيتهما، كي يقويا
بعد ذلك
على العمل حتى انهما بعد ذلك صارا من المادحين
له،فعندما
سئلا بعد زمن: من قطعكما؟ قالا: قطعنا خير الناس((255)).
فالرحمة للناس جميعهم، واللين مع الجميع، وبالاخص
مع
اولئك الذين ليس لهم من يلجاون اليه سوى رحمة
الحاكم
الذي يعمل في سبيل خدمة الناس.
كان الامام علي (ع) يحكم في وقت امتدت فيه سلطة
الدولة
الاسلامية الى مناطق بعيدة وشاسعة، فمن الشرق
الاوسط الى
شمال افريقيا، ومن الحجاز الى ايران،ومع ذلك كله لم
يكن
يتوانى عن اي عمل في سبيل ادخال السرور الى نفوس
اليتامى
وملاطفتهم، ولو من خلال اللعب معهم.
«كان عليه السلام يصلهم بما يحتاجونه في حين ان
الكثير من
العوائل لم تكن تعرف هوية الشخص الذي ياتيها
بالمعونات،
وفي احدى المرات عندما كان يوصل المعونة الى احدى
العوائل
كان اطفالها يبكون، فدخل عليهم ولاطفهم واطعمهم،
وبعد
ذلك اخذ في ابداء صوت يشبه صوت الناقة كي يضحك
الاطفال قائلا:
عندما دخلت عليهم كانوا يبكون وبودي
ان
يضحكوا حين خروجي، هذا سلوك حاكم كانت دولته تمتد
من
الحجاز الى مصر ومن ايران الى افريقيا»((256)).
فالتواضع للناس جميعهم من الصفحات المضيئة لحكم
الامام
علي (ع)، وهذا لم يكن منه الا بعد التسليم والخضوع
المطلق
لما يريده الله سبحانه وتعالى. ومن الواضح ان
ارضية هذا
التواضع هي نفسها ارضية الخضوع والتسليم لله عزوجل.
وهذا التواضع للناس ليس من باب العجز وعدم القدرة،
بل هو
صادر من اشجع الناس، ومن قبل شخص لم يسبقه احد في
ميادين الجهاد والحرب سوى رسول الله (ص)، وكان
يقول:
«والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها»((257)).
ومع ذلك كله: «فهذا الشخص، مع كل ما كان تحت سلطته،
ورغم امتداد حكومته في اقطار واسعة من الارض، علاوة
على
ما يملك من قوة بدنية وروحية نراه في تواضعه يفوق
افراد
الطبقات الدنيا او المتوسطة، فلم تؤثر هذه القدرة
التي يملكها
في نفسه ابدا، وذلك لان الروح واسعة وكبيرة بدرجة
تشمل
كل العالم وتستوعبه، فالروح المجردة يعد العالم
كله بالنسبة
لها نقطة، فمثل هذه الشخصية والروح العالية لائقة
للسياسة
والحكم، والاسلام قد اختار مثل هذه
الشخصية للقيادة»((258)).
ولقد اكد الامام الخميني (ره) على هذا الجانب من
الحديث،
لان التكبر والاستعلاء والغرور بالقدرة والسلطة
يجر الحاكم الى
سحق حقوق الشعوب وظلمها،فالسلطة لا تتناسب
والادمغة
الصغيرة والمريضة، فهذه النفوس بمجرد تعرضها
لمشكلة
صغيرة يثور غضبها، فكم احرقت مدن واهلكت آلاف
الانفس
بسبب هذاالغضب.
لكن التواضع، في شخصية كشخصية امير المؤمنين (ع)
الذي
حكم نفسه وروضها قبل ان يكون حاكما على الناس، نشا
من
قدرته على ضبط نفسه وترويضها في حال كونه مقتدرا
وذا
سلطة واسعة. ويظهر هذا التواضع في سلوك الحاكم حتى
انه
لا يستنكف عن الجلوس على الارض. ويظهر ايضا في عيشه
وتذوقه للجوع كي يبقى ذاكرا للجائعين من افراد
المجتمع.
ياكل ويمشي كما ياكل العبيد ويمشون، اكتفى من
اللباس
بابسطه وازهده.
عندما اعترض الامام الخميني (ره) على الترف الذي غرق
فيه
النظام الطاغوتي، وانتقد الاحتفالات التي اقامها
النظام لذكرى
مرور 2500 سنة على الحكم الملكي في ايران، جعل
المقياس
للحكم نهج امير المؤمنين (ع)، فقال: «يجب ان يحتفل
بذلك
الحاكم الذي عندما يحتمل وجود جائع واحد في اقصى
انحاءالدولة لا يشبع في اكله، ويكتفي بالقليل
والبسيط منه كي
يواسيه، الحاكم الذي جعل محل ادارته للحكم وقضاءه
بين
الناس جانبا من جوانب مسجد الكوفة،ونصب هناك دكة
القضاء
ليحكم في دعاوى الناس. يجلس على الارض وياكل كما
ياكل
العبيد ويمشي كما يمشي العبيد، وعندما يهدى اليه
ثوب
جديد يعطيه لخادمه قنبر، ويكتفي هو بلباسه القديم.
وعندما
يرى امامه ثيابا طويلة يقطعها ويذهب هكذا الى
المسجد
ليخطب بالناس. هكذا كان في الوقت الذي كانت
دولته تمتد
الى مسافات شاسعة تعادل عشرة اضعاف مساحة ايران،
مثل
هذا الحاكم يستحق ان يحتفل به»((259)).
2- حكم الامام علي (ع) حكم القانون
فالقوانين والدولة والمؤسسات الاجتماعية والقوى
المسلحة
جميعها وسائل لتحقيق الانتظام في المجتمع ولتحديد
العلاقات بين افراده.
ونتيجة لذلك كان القسم الاكبر من رسالة الانبياء
ينصب على
تحديد واجبات الانسان وحقوقه.
هناك ثلاثة امور تعد اركانا لمقولة التقنين:
قال الامام علي (ع)، عندما علم ان احدى بناته قد
استعارت من
ابن ابي رافع، خازنه على بيت المال، عقد لؤلؤ على ان
ترده بعد
ثلاث: «... ثم اولى لابنتي لوكانت اخذت العقد على غير
عارية
مضمونة مردودة، لكانت اذا اول هاشمية قطعت يدها في
سرقة..»((260)).
وقال ايضا: «والله لو اعطيت الاقاليم السبعة، بما
تحت افلاكها،
على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما
فعلته»((261)).
فالاصرار على تطبيق القوانين يعد احياء للقيم
الدينية، وليس
مجرد شعار في المعترك السياسي.
ويعد الامام الخميني (ره) من السابقين، في هذا
العصر، الى
احياء مقولة تطبيق القانون. وقد اشار، في كثير من
خطبه
وبياناته، الى دور الالتزام بالقانون في
تطورالحياة الاجتماعية،
وعد عدم الالتزام بالقوانين السبب في جميع انواع
الفساد
الاجتماعي. قال (ره):
«ان الدولة التي لا تلتزم بالقوانين، وليس للقانون
(وبالاخص
القانون الاسلامي) في مجتمعها اي دور واي حاكمية،
لا يمكن
تسميتها وعدها دولة اسلامية»((262)).
وقال ايضا: «في الاسلام للقانون حاكمية على
المجتمع، حتى
النبي (ص) نفسه كان تابعا للقانون الالهي، ولا يمكنه
مخالفته»((263)).
وقال (ره) ايضا: «في الاسلام الحاكم الوحيد هو
القانون الالهي،
والنبي (ص)، ايضا، كان يطبق القانون وتابعا له،
وخلفاء النبي
(ص)، ايضا، كانوا يطبقون ذلك القانون. والان، ايضا،
نحن
مكلفون بالعمل طبقا للقانون.
ويضع الامام الخميني (ره) في هذه الدعوة الحقيقية
الى
الالتزام بالقانون سيرة الامام علي بن ابي طالب (ع)
ملاكا
لذلك، لان من اهم مصاديق حكومة الامام علي(ع)
واوضحها
هو حكم القانون، فلو طالعنا واستقرانا، ولو بصورة
سريعة
وعابرة، سيرة الامام علي (ع) وسلوكه في عمره الشريف
كله،
وبالاخص في مرحلة قيادته وحكمه للامة، نجد هذا
الملاك
(حكم القانون) في كل موضع من حياته المباركة.
وهذا في الوقت الذي يعد فيه الامام علي (ع) هو الحق
المطلق
والقانون المطلق، والقرآن الناطق ومحور الحق، حيث
يقول
الرسول الاكرم (ص): «علي مع الحق،
والحق مع علي يدور
حيثما دار».
فالامام (ع) لم يستغل حكمه الا في سبيل توفير ما
يستحقه
الناس وتطبيق القانون الالهي واجتناب التفريق
والتمييز
بينهم. ويعد كل ما عدا هذا، مهما كان، ظلماوجورا.
نعم، فالفرار
من القانون واهمال الاوامر الادارية لا يمكن وصفه
الا بالظلم
والجور، قال الامام الخميني (ره):
«لقد تحقق حكم الاسلام الاصيل في مرحلتين
تاريخيتين في
صدر الاسلام: الاولى في زمن رسول الله (ص)،
والثانية عندما
باشر الامام علي بن ابي طالب الحكم في الكوفة، حيث
حكمت
المبادى في هاتين المرحلتين. وبتعبير آخر: قامت، في
هاتين
المرحلتين، حكومة عادلة تدير المجتمع لم يكن
الحاكم فيها
يخالف القانون، ولو بمثقال ذرة، فالحكم في هاتين
المرحلتين
كان حكم القانون، ولعله لم يذكر لنا التاريخ اي
مرحلة اخرى
كان فيها للقانون هذه الدرجة التي يتساوى فيها
الحاكم مع
اضعف الناس اجتماعيا امام القانون وحكمه، هكذا كان
في صدر
الاسلام»((265)).
وقال (ره) ايضا: «في زمن النبي (ص) كان القانون هو
الحاكم،
وكان النبي (ص) منفذا له، وكذا في زمن الامام علي (ع)
كان
الحكم للقانون، وكان امير المؤمنين منفذا ومسؤولا
عن
تطبيقه، وفي كل زمان ومكان لا بد من الحكم بهذا
الشكل
فالحكم للقانون اي الحكم لله»((266)).
كان الامام علي (ع) يحذر من الفوضى والتعسف تحذيرا
شديدا،
ويكره الظلم والظالمين، ويتجنبهم ويعبر عن ذلك
باقسى
العبارات واشدها، ومع ذلك فانه (ع)كان يفضل الحاكم
الظالم
على الفوضى والفتن، فكان يقول: «اسد حطوم خير من
سلطان
ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتن تدوم»((267)).
كان الكل في زمن حكم الامام علي (ع) مكلف بمراعاة
القانون
وتطبيقه، والا فانهم كانوا يواجهون باجراء شديد من
قبل امير
المؤمنين (ع)، فلا يمكن تشييد حكم عادل من دون
تطبيق
القوانين والتسليم له في المراحل جميعها، وفي
المراكز
جميعها، ومن قبل الافراد جميعهم.
اليست العدالة متجذرة في القانون، واحياء العدالة
متقوم باحياء
القانون، وتطبيق القانون وتنفيذه لا يفرق بين
الصغير والكبير
والفقير والغني والقريب والغريب،ولا يتاثر
بالعلاقات الحزبية
والمنافع الفردية.
فذلك كله كان لان اساس الحكم عند امير المؤمنين (ع)
هو
القانون لا غير. وبتعبير آخر: طاعة مثل هذا الحكم هي
طاعة
للقانون: «كان حكم النبي (ص) وحكم امير المؤمنين (ع)
حكم
القانون، اي ان الله امر وحكم بتعيينهم، فهؤلاء (ع)
تجب
اطاعتهم بحكم القانون، اذا فالحكم كان للقانون
الالهي»((268)).
وحكم القانون يعني ان يكون الناس مكلفين باطاعة
اوامر
الحكومة وقوانينها في اطار القانون، لا بتاثير
سلطة الحاكم
وافراده المتسلطين:
«ان حكومة الامام علي (ع) والذي كان وليا على كل شيء
وفي خدمة الناس لم تكن بالشكل الذي يريد الحاكم فيه
ان
يحكم ويتسلط على الناس، وعلى الناس اطاعته مهما
كان
الامر. ولم تكن الحكومة بشكل تظلم الناس وتتعدى على
حقوقهم، ونتيجة لذلك يكره الناس هذه الحكومة»((269)).
وولاية الفقيه، في نظر الامام الخميني، هي ايضا
تحكيم
للقانون الالهي، وليست ديكتاتورية، وكما كان امير
المؤمنين
تابعا للقانون، كذلك الفقيه الذي ينوب عنه وينتخب
لامامة
الامة منفذ للقانون وتابع له:
«ان ذلك الفقيه الذي ينصب لقيادة الامة هو ذلك
الفقيه الذي
يريد كسر الديكتاتورية وتوجيه الجميع للانضواء تحت
بيرق
الاسلام وحكم القانون.
3- حكم العدل
ان اصل هذا المظهر، في الاساس، هو ذلك العنصر الالهي والانساني المضيء، فان تلالؤ اسم الامام علي (ع)
وعمله
وحكمه في التاريخ انما هو بسبب الالتزام بهذا
الاصل والاصرار
على تنفيذه، فاسم علي (ع) والعدل وجهان لمعدن واحد،
وحكم علي يعني عدل علي (ع).
فعلي (ع) مظهر للعدل الالهي ومجسد له.
فالامام علي (ع)، وفي سبيل احقاق الحق والعدل، رضي بتولي زمام الحكم بعد مقتل
الخليفة الثالث. وقد رفض اطماع امثال طلحة والزبير في ادارة بعض مراكزالحكم، كما
رفض اعطاء اقرب المقربين له من اقربائه وانصاره اي شيء من
دون
استحقاق.
وعندما تصرف ابن عمه عبدالله بن عباس باموال بيت
المال
بدوافع سوغتها له نفسه، امره بارجاع الاموال،
وخاطبه عبر
رسالة شديدة قائلا فيها: «فاتق الله وارددالى
هؤلاء القوم
اموالهم، فانك ان لم تفعل ثم امكنني الله منك
لاعذرن الى الله
فيك، ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به احدا الا دخل
النار،
ووالله لو ان الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت،
ما كانت
لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني بارادة، حتى آخذ
الحق
منهما، وازيح الباطل عن مظلمتهما»((271)). ولا عجب من صاحب هذه الشخصية التي هي محور العدل ومظهر الانصاف اذا ما واجه اخاه عقيلا عندما الجاته ظروفه الصعبة وضيق اليد وفقره واصفراروجه اولاده من الجوع الى ان يطلب مزيدا من بيت المال ليرفه عن اولاده باشد المواجهة، واحمى له حديدة وقربها منه، ووصف ذلك في خطبة له: «والله لقدرايت عقيلا وقد املق حتى استماحني من بركم صاعا، ورايت صبيانه شعث الشعور غبر الالوان من فقرهم، كانما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا وكررعلي القول مرددا، فاصغيت اليه سمعي، فظن اني ابيعه ديني واتبع قياده مفارقا طريقتي، فاحميت له حديدة، ثم ادنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من المها، وكاد ان يحترق من ميسمها... ، والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ..»((272)).
حقا ان امير المؤمنين هو العدل المطلق، ولا يمكنه ان يتهاون مع الظلم والاجحاف.
في حديث له مع الشهيد محمد علي رجائي، الرئيس
الثاني في
ايران بعد انتصار الثورة، واعضاء وزارته، اوصى
الامام الخميني
(ره) هؤلاء بالاقتداء بسيرة الامام علي (ع) ومنهجه
في الحكم:
«... تصوروا في الوقت الذي كان امير المؤمنين (ع)، حسب
الفهم العام، يراس دولة كبيرة جدا من الحجاز الى
مصر
والعراق وايران في ذلك الوقت كيف كانت حاله وكيف
كان
تعامله مع الناس وما هي توصياته لعماله في الامصار
والامراء
والحكام الذين كانوا ينوبون عنه في اطراف الدولة
الاسلامية،
وكم هي توصيات مهمة، طبعا لا نستطيع ان نكون كما
كان
عليه امير المؤمنين (ع)، لكن باستطاعتنا ان نكون
شيعة له
نقتدي به في اعمالنا وسلوكنا. فكل غايته (ع) في الحكم
كان
الله
تعالى.
وقال في موضع آخر: «ان ما جاء في رواياتنا من
التعظيم
والتكريم ليوم الغدير لم يكن من باب اهمية الحكم،
فالحكم هو
ما عبر عنه امير المؤمنين (ع) لابن عباس بان الامرة
عليهم لا
تعدل عنده قدر نعل الا ان يقيم حقا»((274)).
نعم ان تقييم علي (ع) للحكم انما هو من باب كونه
وسيلة
لاقامة الحق ودفع الباطل، والا فالحكم بمجرده لا
قيمة له.
«... قال الامام علي (ع) في شان الامرة والحكم لابن
عباس
عندما دخل عليه في طريقه الى قتال اهل البصرة بذي
قار،
وهو يخصف نعله: ما قيمة هذا النعل؟ قال ابن عباس: لا
قيمة
لها. فقال (ع): والله لهي احب الي من امرتكم، الا ان
اقيم حقا او
ادفع باطلا»((275)).
يشير الامام الخميني الى خطبة خطبها الامام علي (ع)
يبين
فيها سبب قبوله الحكم، وهو قوله: «لولا حضور
الحاضر، وقيام
الحجة بوجود الناصر، وما اخذ اللهعلى العلماء الا
يقاروا على
كظة ظالم، ولا سغب مظلوم...»((276)). هكذا يستدل الامام
علي (ع). وتكليف الفقهاء في وقتنا هذا هو الاستمرار
على هذا
النهج في سبيل اقامة الحكم الاسلامي واحقاق الحق
واقامة
العدل.
وقد عبر الامام الخميني عن ذكرى مولد امير المؤمنين
(ع)
بانه يوم مولد العدل، وقد اكد على اهمية الاقتداء
بسيرته (ع)
في حديثه بمناسبة افتتاح مجلس الشورى الاسلامي في
ايران،
والذي صادف افتتاحه يوم ذكرى مولد امير المؤمنين
(ع)،
قال (ره): «ان افتتاح مجلس الشورى الاسلامي في يوم
ولد
العدل فيه،اي يوم ولادة علي بن ابي طالب (ع)، الشخص
الذي
يعد مجسدا للعدالة في ابعادها جميعها، والرجل
الاعجوبة في
هذا العالم، فلم يات احد بمثل ما جاء به علي (ع)، او
يفوقه، منذ
ابتداء العالم والى يومنا هذا سوى رسول الله (ص)،
ونحن نتفاءل
بالخير من هذا الاقتران (بين افتتاح مجلس الشورى
الاسلامي
وذكرى مولد علي بن ابي طالب (ع))، ونعتقد ان على
السادة
في مجلس الشورى الاقتداء بسيرة هذا الرجل العظيم
واعتماد
منهجه في الحياة»((277)).
فهذا التاكيد كله على مسالة العدل انما هو لان
الحكم من دون
اقامة العدل لا يدوم، ولان الناس لا يخضعون
للقوانين التي
ليست مطابقة للانصاف والعدل،ونتيجة لذلك سوف لا
ينصرون ذلك الحكم، وبالتالي ستتهيا الارضية لسقوط
ذلك
النظام وتلاشيه.
فالحرية، والمساواة امام القانون، والعدل، ثلاثة
اصول مهمة
وقيمة كان حكم الامام علي (ع) يستند عليها((278))،
والان
الجمهورية الاسلامية في صدد
الاعتماد عليها ايضا.
قال الامام
الخميني (ره): «نحن نريد تطبيق العدل الاسلامي في
هذه
الدولة، الاسلام الذي لا يقبل التعدي على الاخرين
حتى لو كان
على امراة يهودية معاهدة، ذلك الاسلام الذي يعبر
عنه امير
المؤمنين (ع) عندما يسمع ان جيش معاوية بلغ الانبار
واعتدى على الناس وسلب اموالهم وحلي نساءهم:
اهفلو
ان امرا
مسلما مات من بعد هذا اسفا ما كان به ملوما، بل كان
به عندي
جديرا.
4- حسن التعامل مع الناس
فالحجة قد قامت بوجود الناصر والمبايع فليس له الا
القبول،
وهذا الحكم هو الوحيد، بعد وفاة رسول الله (ص)،
الذي قام
على اساس ارادة الناس وبيعتهم الشاملة له،
وعلانية امام انظار
الجميع.
وفي هذا الحكم، كان الجميع متساوين في الحقوق،
فالحرية
في ابداء النظر والعقائد كانت على اوسع نطاق، ولا
يتعرض
لاحد ما لم يدخل في الفتن واثارة الاضطرابات،
فالامام علي
(ع) كان يعط ي مخالفيه اسهمهم من بيت المال، ولا
يقطع
حقهم منه، ويلجا الى ارشادهم ورفع الشبهات عنهم،
وكان
(ع) يوصي عماله في الامصار ورجاله في الحكم بمراعاة
الناس،
ولعل عهده الى مالك الاشتر عندما ولاه مصر يعد من
الرسائل
المليئة بالاوامر والاداب المهمة في شان
حقوق المواطنين
ومراعاة الطبقات المختلفة من الناس وبالاخص الطبقة
الفقيرة والمعدمة، وكذلك بين الامام (ع) ما للناس من
حقوق
وما عليهم من واجبات، وماللوالي من حقوق وما عليه
من
التزامات لا بد من اجرائها.
وقد بين (ع) الحكمة في زهده الذي لا نظير له قائلا:
«... ان الله
تعالى فرض على ائمة الحق ان يقدروا انفسهم بضعفة
الناس
كيلا يتبيغ بالفقيرفقره»((282)).
وفي رسالة له (ع) الى احد عماله (وهو عثمان بن حنيف)
بين
له ادب الحاكم ووبخه على بعض اعماله:
«... هيهات ان يغلبني هواي ويقودني جشعي الى تخير
الاطعمة، ولعل بالحجاز او باليمامة من لا طمع له في
القرص،
ولا عهد له بالشبع...»((283)).
ولقد اشار الامام الخميني (ره) الى هذا القسم من
الرسالة في
حديثه: «ان الشخص الذي كان على راس الحكم كان في
معيشته يتساوى مع اضعف الناس وافقرهم، فهو يقول:
لعل في
الحجاز، او في اليمامة، من هو جائع ولا طمع له في
القرص، ولا
يستطيع ان يوفر لنفسه حياة هنيئة، ولذا لا بد لي من
المعيشة
مثله،اي الاكتفاء بالقرص والقليل من الملح، هكذا
كان حاكمنا،
ومن الواضح اننا نحن لا نستطيع ان نجاريه في هذا،
وهو (ع)
يصرح بذلك قائلا: الا وانكم لا تقدرون على ذلك،
ولكن
اعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد»((284)).
تتمثل مهمة الحكم في ان يعمل النظام في سبيل خدمة
الناس
وتوفير ما يحتاجونه.
وفي الاساس قد يطرح السؤال عن طبيعة العلاقة بين
نظام
الحكم وبين الناس في حكم الامام علي (ع) وفي فكر
الامام
الخميني (ره).
وهذا جوابه واضح وصريح، وهو: يجب على نظام الحكم ان
يكون في خدمة الناس وتحقيق مصالحهم، ففي نظر الامام
الخميني (ره) ان اهم تكليف لنظام حكم يعتمد الناس
قاعدة له
هو ان يرى نفسه خادما للمجتمع، ويسعى في سبيل توفير
ما
يحتاجه الناس، ولا يقتصر على تحقيق اهدافه ومربه
الخاصة.
فالحكم، في نظر الامام الخميني، وسيلة واداة
لتوفير ما
يحتاجه الناس وخدمتهم وتربيتهم وهدايتهم وتحقيق
العدل
بينهم وايصال البشرية الى السعادة الدائمة.
يقول الامام الخميني (ره) من خلال الاشارة الى
الحوار الذي
دار بين الامام علي (ع) وبين ابن عباس بشان قيمة
النعل الذي
كان يخصفه الامام وانه (ع) كان يفضله على امرة
الناس ما لم
يقم حقا ويدفع باطلا، فالحكم ليس غاية في نفسه،
وانما هو
وسيلة تكون له قيمة ما دامت غايته نبيلة: «فعلى
الفقهاء
العدول ان يتحينوا الفرص وينتهزوها من اجل تشكيل
حكومة
رشيدة يراد بها تنفيذ امر الله واحكامه، واقامة
النظام الاسلامي
العادل، وان كان ذلك يحملهم جهودا ومساعي غير
يسيرة، ولا
عذر يقبل في ذلك، لان تولي الفقيه لامور الناس
نفسه،
وبالقدر المستطاع، يمثل انصياعا لامر الله، واداء
للتكليف
الشرعي»((285)).
وقال ايضا:
«ونامل ان يكون قد تحقق في بلدنا مظهر، ولو بالقدر
اليسير،
من مظاهر ولاية علي بن ابي طالب (ع)، ولا بد لنا من
الانتباه
وعدم الاكتفاء بالتظاهر والشعارات،
فهذا ليس
مطلوبا، فنظام
الحكم لا بد له من الاهتمام بالمحرومين كما كان علي
(ع)
يهتم ويسعى لاجلهم... فنظام الحكم الذي يتولى امير
المؤمنين لا بد له من ان يكون كذلك»((288)).
يقول الامام الخميني (ره) في شان تعامل امير
المؤمنين (ع)
مع الناس وخدمته لهم: «ان الحاكم الاسلامي هو ذلك
الحاكم
الذي كان ياتي الى مسجد المدينة الصغير، ويجتمع مع
الناس،
وينصت الى كلامهم، وكذلك باقي مسؤولو النظام
يجتمعون
مع الناس بمختلف طبقاتهم، وكان اختلاطهم مع الناس
بدرجة عندماياتي الغريب لا يعرف من ظاهرهم من هو
حاكم
البلد ومن هم مسؤولي النظام ولا يميزهم من عامة
الناس،
فاللباس يتشابه وتعاملهم مع بعضهم بعضا لايختلف،
وكان
استتباب العدل والقانون بدرجة لو ان فردا من عامة
الناس
وافقرهم ادعى على الشخص الاول في البلد له لدى
القاضي
لاستدعى ذلك القاضي حاكم البلد، وكان الحاكم
يستجيب له
ويحضر مجلس القضاء...»((289)).
فالامام علي (ع) لم يظلم الناس كي يخاف الانتقام
منهم: «في
الوقت الذي كان امير المؤمنين يحكم بلدا يفوق في
مساحته
اضعاف مساحة ايران، بلدا يشمل الشام ومصر والحجاز
والعراق
وايران واليمن، كان (ع) مثل باقي الناس في رواحه
ومجيئه
ومعاشرته لهم، فكان معهم لانه لا يخافهم، فلم يكن
ظالما لهم
كي يخافهم، ولم يرتكب مخالفة ما كي يخاف عقابها،
بل كان
يعمل لاجل الناس وكان الناس يعدونه حاميا لهم»((290)).
فلا معنى للاستبداد والديكتاتورية في مثل هذا
الحكم: «ان
حكما اسلاميا مثل حكم الامام علي بن ابي طالب لا
تنشا فيه
ديكتاتورية، فالحكم الذي قام على اساس العدل،
والحاكم فيه لا
يتميز في عيشه واكله وشربه عن سائر الناس، بل عيشه
اقل
واضعف منهم، فاولئك لا يستطيعون العيش مثله، فلم
يشبع
(ع) نفسه حتى من خبز الشعير، كان ياكل لقيمات مع قليل من الملح ويكتفي بذلك.
فهل من الممكن لهذا الحاكم ان يكون دكتاتورا؟ فالدكتاتورية لاجل اي شيء؟ فليس هناك
ترف او
تجمل واسراف كي يستبد الحاكم لاجله»((291)).
المسالة التي لا يمكن غض النظر عنها هي ان امير
المؤمنين
(ع) وظف نفسه، وبذل كل جهده، لاجل خدمة الناس
والمجتمع، الا انهم، وللاسف، لم يثمنوا
هذه الجهود ولم يقدروا
ذلك، ولقد ابدى امير المؤمنين (ع) شكواه مرارا من
سلوكهم
هذا قائلا: «...ليس امري وامركم واحدا، اني اريدكم لله، وانتم
تريدونني لانفسكم..»((292)).
واحيانا كان يقول: «... ولقد اصبحت الامم تخاف ظلم
رعاتها،
واصبحت اخاف ظلم رعيتي...»((293)).
وهذا القلق انما كان بازاء اولئك الوصوليين الذين
لم يعرفوا قدر
امير المؤمنين (ع)، ولم يكن في مخيلتهم سوى حب
الرئاسة
والتسلط على الناس والانقيادللاهواء والمظاهر
الدنيوية الكاذبة.
وجميع تلك الاحقاد التي كانوا يكنونها للنبي (ص)
ابدوها من
بعده للامام علي(ع): «كل حقد حقدته قريش على رسول
الله(ص) اظهرته في، وستظهره في ولدي من بعدي»((294)).
كان الامام الخميني يرى، لدى مقارنته بين الناس زمن
الامام
علي (ع) وبين الشعب الايراني الوفي، ان الشعب
الايراني
المسلم اليوم افضل من اولئك الذين عاصروا امير
المؤمنين: «انا
اصرح، وبكل اعتزاز، بان الملايين من الشعب
الايراني اليوم هم
افضل ممن كان في الحجاز على عهد رسول الله (ص) ومن
كان في الكوفة على عهد امير المؤمنين والحسين بن علي (ع)، هذا الشعب المليء بالحب والولاء لاهل البيت (ع) في
الوقت
الذي لم يعاصروا فيه الرسول الاكرم (ص)ولم يعاصروا
اماما
معصوما من الائمة (ع)، وهذا من مظاهر التوفيق
والنجاح في
الابعاد المختلفة للنظام، والاسلام يفتخر بان له
مثل
هؤلاءالابناء»((295)).
وفي ختام وصيته طلب الامام الخميني (ره) من ابناء
شعبه ان
يعذروه في ما قد عده تقصيرا منه في ما يخص خدمتهم.
هذا في حين كان الامام علي (ع) يشكو الى الله:
«اللهم اني قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني،
فابدلني
بهم خيرا منهم وابدلهم بي شرا مني...»((296)).
5- حكم الامام علي (ع) حكم العلم والهدى
لقد جعل الامام علي (ع) الحكم وسيلة لهداية الناس،
واداة
لنشر الثقافة الاسلامية وتعليم المفاهيم القرآنية
وسيرة
الرسول الاكرم (ص).
فكان (ع) رجل العلم وباب مدينة علم النبي (ص)،
والقرآن
الناطق، وكان يصف نفسه قائلا: «ينحدر عني السيل ولا
يرقى
الي الطير»، وقال ايضا: «علمني رسول الله(ص) في
اللحظات
الاخيرة من عمره الشريف الف باب من العلم ينفتح من
كل
باب الف باب».
كان الامام علي (ع) اقرب الناس الى رسول الله (ص)،
تربى في
حجره، وكان يقول عن نفسه: «انا من رسول الله (ص)
كالعضد
من المنكب، وكالذراع من العضد،وكالكف من الذراع،
رباني
صغيرا، وآخاني كبيرا، ولقد علمتم اني كان لي منه
مجلس سر
لا يطلع عليه غيري»((297)).
قال الامام الخميني (ره) في هذا الصدد: «اي شخص يمكن
له
الافتخار بانه ترعرع وتربى من صغره والى آخر لحظات
عمر
الرسول (ص) في احضان الوحي والرسالة، وعلى يد حامل
الوحي ومبلغ الرسالة سوى علي بن ابي طالب (ع) الذي
تجذرت فيه تعاليم الرسالة وهداية الوحي الالهي»((298)). في علي بن ابي طالب حصرا كان هذا الافتخار، وقد صرح (ع) مرارا في خطبه وحديثه: «سلوني قبل ان تفقدوني»، فاشار (ع) الى قصور ابناء زمانه عن تلقي مايحمله من علوم ومعرفة، كما ذكر ذلك لكميل بن زياد يشكوه همه: «ان هاهنا لعلما جما لو اصبت له حملة»((299)). وهذه العلوم التي يذكرها امير المؤمنين(ع) ليست علوم من قبيل الفقه والعرفان والفلسفة الخ.. وذلك لانه (ع) «قد علم تلك العلوم، ولم يكن هناك اي قصور فيها، فلم تكن الفلسفة او العلوم التي بايديناهي المقصودة في حديثه الشريف... وذلك لانه كان لها حملة»((300)).
اما العلوم التي لم يجد (ع) لها حملة هي اسرار
الولاية
والتوحيد: «فلم يجد امير المؤمنين (ع) فرصة ولم يجد
حملة
لتلك العلوم التي كان يشير اليها ب«وان هاهنالعلما
جما...» كي
يعلمهم اياها، وهي علم اسرار الولاية واسرار
التوحيد، ولاجل
ذلك لا بد لجميع العرفاء والفلاسفة من التحسر
والتاسف
لضياع تلك العلوم وعدم تمكنه (ع) من نشرها. وهذا بعض
مما
يتاسف عليه، وبالاخص، العلماء في هذه الحياة»((301)).
من الطبيعي اننا لا نستطيع تقييم المقام العلمي
الرفيع الذي
كان فيه امير المؤمنين (ع)، وما ظهر خلال الخمس
سنوات
من حكمه (ع) انما هو مجرد جزء محدودمن ذلك الطود
الشامخ.
|