الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الاخلاق

ينظر المفكرون الليبراليون الى الاخلاق من زاوية خاصة، فمع الاخذ بعين الاعتبار اصالة الفرد، في هذا المذهب، ولحاظه منفصلا عن بقية الافراد الاخرين وعن المجتمع، بل التاكيد على انفصاله عن العالم ايضا، لابد وفقا لذلك من ان يكون النظام الاخلاقي مرتكزا هو الاخر على الفرد ايضا، فهناك فاصل بين الواقعية والقيمة في المذهب الليبرالي، بمعنى عدم انبثاق الواجبات عن الواقعيات وعدم امكان تكوين شبكة اتصال منطقي بين عالمي التكوين والتشريع، فالعلوم مرتبطة بمجال معين فيما القيم متصلة بمجال آخر، ومن هنا فالعلم شيء، اما الاخلاق فهي شيء آخر، اي ان القيم لا ترتبط ابدا بالواقعيات، كما انه ليس ثمة عالم ارفع من هذا العالم حتى تستمد القيم منه وتصدر عنه. وبعبارة اخرى، لا مكان في الليبرالية للاله الذي يضع القيم، كما ان الحسن والسيىء ليسا مطلقين وكليين، فالخير والشر والحسن والقبيح تملك معنى خاصا لدى كل فرد من الافراد، ومن هنا كانت الاخلاق ذات جوانب فردية وشخصية لا عامة وكلية، فالفردنفسه هو السان للقيم والمعين للتكاليف والواجبات، ولا يحق لاي كيان او دين ان يضع نفسه في موقع المعين للتكاليف والقيم، بل حتى لو كان الفرد متدينا لا بدله من الرجوع الى وجدانه الخاص واعتباره مصدرا لقيمه. وهذه التبعية لاوامر الوجدان تبقى سارية ما لم يكن حكمه معارضا للاجتماع، اي مانعا من حرية الاخرين ومتعارضا واراداتهم، ولا تحكي الواقعيات عن الاشياء التي لا بد للانسان من فعلها او تركها، واذا ما اعتقد شخص ما بان الواقعيات هي التي ترشدالانسان الى الطريق فانه يكون قد تورط في عملية خلط بين الواقع والقيمة.

انطلاقا من اعتقاد الليبرالية بتمظهر السلوك الانساني من خلال الرغبات والميول البشرية يصبح الامر الحسن هو ذاك الشيء الذي يحبه ويرغب فيه الفرد نفسه، والعكس هو الصحيح، فما يتعارض مع الرغبات الانسانية يصنف في عداد المخالفات والقبائح. وهذا معناه ان ميول الفرد ورغباته تمثل المعيار للحسن والقبح بالنسبة اليه، وما ذكره بعض الفلاسفة من امثال بنتام من ان ملاك الفعل الاخلاقي هو في كونه يجر اكبر مقدار من النفع على اكبر عدد من الافراد لا يحل المشكلة،ذلك ان الفرد هنا هو الذي يتخذ القرار في تحديد ما هو الامر الجميل اولا. ومن هم الاكثرية! اذ لا يمكن، لا بالقراءة النظرية ولا بالطرق العملية، تعيين مقدارالسعادة والحسن وحجمهما، فالفرد الذي يقع اسيرا لرغباته الذاتية لن يرى غير لذته ومنافعه الشخصية، بل انه في الحقيقة يطلب الاخرين من اجل نفسه اذتشكل ذاته بالنسبة اليه الهدف فيما الاخرون الوسيلة والاداة، كما ان الاخرين يطلبون اللذات التي يطلبها هو، والحال انه لا يسمح بتعارض سعادتهم مع منافعه ولذاته الخاصة، هذا النظام الاخلاقي يفصل الانسان عن بقية ابناء نوعه عندما يؤكد على الفرد ورغباته الشخصية، وهو ما يفضي في نهاية المطاف الى نوع من احساس الوحدة عند الفرد نفسه.

لكن المنطلق الاخر هو كون الانسان مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته، وهو ما لا يلزمه بالاعتراف بالواجبات والمحرمات الدينية فقط، بل يفرض عليه عدم رمي المسؤولية عن كتفه واحالتها الى ذمة الطبيعة او التاريخ او الاخرين.

ان كل انسان مسؤول عن اعماله ولا يحق له، بهدف الفرار من تحمل هذه المسؤولية، القاءها على الطبيعة او المجتمع او التاريخ او المشيئة الالهية، هذا كله صحيح، لكن المسالة هنا هي انه لو لم يكن منشا القيم عاملا ارفع من البشر انفسهم او لو لم تكن هناك علاقة تكوينية بين القيم وانسانية الانسان المشتركة بين كافة الافراد، ومن ثم ليس هناك تفسير سليم لحقيقة الانسان، فكيف يمكن تحصيل الاطمئنان بان كل فرد يعمل بشكل صحيح، هذا اولا، وثانيا كيف يمكن ان يعد نفسه مسؤولا عن اعماله؟ هل يمكن ان يكون هناك معنى لاثارة مسالة الالتزام وتحمل المسؤولية بالنسبة الى شخص لا يعرف غير اللذة والميول التي تجر له الربح والمنافع؟

اما في النظام الاخلاقي الالهي، فان الانسان له مبدا ومقصد شخصيان عليه السعي، طوال حياته، للوصول الى تحقيقهما، بوصفهما الغاية القصوى. وبعبارة اخرى خلق الانسان وفق المنظور الديني بهدف نيله الكمال، وعليه طي مسير خاص طبقا للاوامر الالهية حتى يمكنه الوصول الى كماله الوجودي. وسعادة الانسان ليست سوى ايصال طاقاته الوجودية الى مرحلة الفعلية، وهذا الامر على خلاف التصور الليبرالي الذي لا يرى غاية محددة للانسان ليصل الى السعادة عندمايحصل عليها، وهذا معناه انه ليس ثمة معنى واضح ومحدد للسعادة في المذهب الليبرالي، وانما ترتبط سعادة كل فرد بما يريده هو نفسه، فكل فرد يمكنه ان يكون وفق ما يريد هو، كما ان كل ما يريده يمكن اعتباره سعادة له، بل يمكن لكل فرد ان يعين حده الوجودي بارادته الحرة، ذلك ان الانسان وفق التصورالليبرالي يمثل مركز العالم من دون ان يكون هناك حد معين له مسبقا.

قداسة الاقصى عبر الاديان تحليل مفاهيمي مقارن

د. محمد البشير الهاشمي مغلي

تتقصى هذه الدراسة، على اقتضاب، مستلهمات قدسية الاقصى الشريف عبر الاديان السماوية، اساسا، ومن خلال التاريخ البشري القديم، بحسب ما توفره ادوات البحث من امكانات.

ولا مندوحة، لاستشفاف مفهوم القداسة، من الوقوف على دلالاته لغويا، وفي سياقاته الحضارية المختلفة، وذلك بغية معرفة الفوارق والنظائر ومبلغ الاطلاق ومصدر التحديد وقوته في التصور اصطلاحا. لهذا سوف نعمد الى استنطاق بعض النصوص، عربيها وعبريها، وما الى ذلك، الى جانب استطلاع الكتب المقدسة،كي نتبين مدى تاريخانية الاقصى الشريف من ناحية اولى، ونستنتج مدى شرعيته الدينية المستحقة، كما قررتها السماء بالوحي ردءا وتبنتها الارض بالتنزيل والعرف ركزا، من ناحية اخرى.

ولا مناص، بعد ذلك، في تحري مصداقية التقديس المنصوص، من اختبار مدى خلوص الالتزام بالمقدس في الفعال والواقع المحسوس. والا وقع المغالطون تحت طائلة محذور الاية الكريمة: (كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون)((358)).

ثم ينبغي الا يغيب عنا في مجال التعريف، وبغية معرفة مجمل الحقائق، استجلاء دقائق قد يغطي عليها معهود ظاهرة الترادف الرائجة، بادي الراي، من نحومفردات: يهود، بنو اسرائيل، صهيون، عبرانيين.

وللاقتضاء عينه نتبين فروقا جليلة بين قولنا: «البيت الحرام» و«المسجد الحرام» وقولنا «بيت المقدس» و«القدس الشريف». ولن نالو جهدا في الاجابة عن اسئلة مثل: لماذا لم يرد، مثلا، في الاقصى انه حرم آمن يا ترى في حين ورد ذلك، في القرآن الكريم، بخصوص المسجد الحرام في مثل قوله تعالى: (اولم يروا انا جعلناحرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم)((359)) فهل من قصد معين او ان وراء ذلك حكمة ترتجى وحقيقة استشرافية تستقصى؟

وقبل استشكاف مكانة القدس، في العهد القديم، وتقدير منزلته في العهد الجديد والى اي حد تبلغ قدسيته في القرآن الكريم وفي تعلق المسلمين وعملهم باستحثاثات الحديث النبوي الشريف. وما قيمة منتحلات اليهود ومزاعمهم في ما يسمى بالهياكل الثلاثة، وهل من علاقة باحوالهم واخلاقهم؟ قبل ذلك اذا،علينا الوفاء بما اشرنا اليه في المنهج آنفا من وجوب ايضاح المسميات والاطلاقات.

مفهوم القداسة

1- لغة
جاء في مختار القاموس: ق د س: القدس: الطهر. والقدس:
البيت المقدس، وجبريل: روح القدس. والقدوس: من اسماء الله تعالى، اي الطاهر، او المبارك،والتقديس: التطهير، ومنه الارض المقدسة وبيت المقدس كمجلس معظم. وتقدس: تطهر((360)).

وفي الصحاح (وبتفادي المكررات):

القدس والقدس: الطهر، اسم ومصدر. ومنه قيل للجنة: حظيرة القدس. وقدس بالتسكين: جبل عظيم بارض نجد. والتقديس: التطهير. والارض المقدسة:المطهرة. وبيت المقدس والمقدس، يشدد ويخفف، والنسبة اليه مقدسي. والقدس بالتحريك: السطل بلغة اهل الحجاز، لانه يتطهر فيه. والقداس بالضم: شيءيعمل كالجمان من فضة. قال الشاعر يصف الدموع:

تحدر دمع العين منها فخلته
كنظم قداس سلكه متقطع((361))

والملحظ الوجيه الذي يستوقفنا، في التعريفات اللغوية المتقدمة، اجماع على مدلول الطهارة المادية والمعنوية، فضلا عن ان التقديس تعظيم وتبجيل وفي حق المولى عز وجل تنزيه واجلال.

وقبل الانتقال الى استقطاب جملة المعاني الاصطلاحية في الشرائع والاديان، تحسن بنا المامة بالمقابلات وترجمتها في اللغات اللاتينية، ولنقتصر على الفرنسية مثلا:

- ففي معجم السبيل((362)):
قَدُس قداسة:
etre pure, saint.
قداسة:
saintete, purete
قُدْس: pur, sacre, saint, tabou adj (لا حظ كلمة:taboهنا).
اقداس: lieu sacre, saint 
قُدسيّ: de Jeruselem, sacre , saint
حديث قدسيّ:
tradition divine (dans laqulle dieu) isl. sadresse au prophete
قدّاس ج. قداديس:
messe, office religieux.
قديس ج و ن:
christ. saint.
عيد القدّيسين :
Toussaint.
قدُّوس:
Tres saint
قدّس تقديسا:
reverer, sacraliser, sacrer.
تقديس اعمى:(
fetichisme (fig (لاحظ معني الوثنية هنا).
و بتتبعنا لمفردة
Sacre في:  Dictionnaire Encyclopedique Larousse
يعثر على هذا التعريف: Sacre: adj, consacre au culte fig: qui. doit inspsirer une veneration inviolable, respectable
و من غريب انه يعني اللعين fam: Maudit exere: scarementeur
و يقابله
((363))lesacre-- le profane

- وفي معجم المترادفات الفرنسية: Dictionnaire des idees suggerees par les mots
نقف علي ترادف كلمة sacre على هذا النحو:
sacre, inviolable, repectable, auguste sacro saint
واما المرادفات كلمة Saint اي مقدس وقديس، فهي، ((364)) elu,juste.

- وفي معجم الكامل تترجم كلمة sacre كما ياتي، و كذلك مثيلاتها:
تتويج ملك :
le sacre: n. m
تقديس، تبجيل : (
le sacre (fig
شخص عديم الاخلاق (
Pop)
مقدس ، محرم، لا يجوز، الاعتداء عليه :
sacre, e adj
مكرم، مكرس، كوقر، مبجل : (
fig)
كذالك لعين ! كذاب اشر!
:  
meneteur-
دساس ملعون:  
intrigant-
حُرمة (ج حرمات) : -
chose
الصرع، داء النقطة: ((365)) -le mal .

والذي يشد الانتباه اتساع لفظة «sacre» الفرنسية. ولا احسب ان لغات الغرب الاخرى ببعيدة عنها، لدلالات متباينة الى حد احتواءالنقائض. فما اناى الطهارة المعنوية عن انعدام الاخلاق، او استجلاب الصرع، اواستهباط اللعنة، في تقلب بين المجاز والحقيقة والاستعمال الجاري..

وفي «الكامل»، ايضا، استعمال غريب جدير بالتنبيه لما ينم عن انبثاقه عن مناخ فكري يهودي مسيحي واغريقي لاتيني خاص مغاير لمفاهيمنا الاسلامية : فعبارة Precher pour son saint تفيد: نادى لمصلحته((366)).

هذا، ولما كان الطهر، في مادة القداسة والتقديس، هو الجامع للدلالات اللغوية بعامة، وفي اللغات والمعاجم جميعها تعين منهجيا ان يتجه البحث الى الاضداد.

ففي مختار القاموس: الطهر والطهارة نقيض النجاسة. والتطهر: التنزه والكف عن الاثم((367)).

لكنني الفيت تجاوزا في معاني النجس والدنس والرجز والرجس. ورحت استبين الفروق الدقيقة بينها في التحليل. فكان الجامع بينها القذارة والاتساخ، ووجدت ما ياتي:

أ- النَّجِس والنَجَس والنجاسة ضد الطاهر (عموما).
ب
- الدنس: الومخ. دنس الثوب والعرض كفرح دنساً ودناسة فهو دنس: اتسخ. وقوم ادناس ومدانيس. ودنس ثوبه وعرضه تدنيساً: فعل به ما يشينه.
ج
- الرِّجز: القذز، وعبادة الاوثان والعذاب والشرك.
د
- الرِّجس: القذر والرَّجَس والرِّجَس - والمأثم وكل ما استُقذِر من العمل. والرجس: العمل المؤدّي الى العذاب. ورجِس كفرح وكرم - رجاسة: عمِل عملاً قبيحاً((368)).

واستكمالا للحوصلة اللغوية السريعة لابد من اطلاعة على ترجمتها الى الفرنسية ايضا، وباختصار:

دنَس ج ادناس : Souillure, impurete
بلا دنس :(
immacule (fig
دنِس ، دنساء :
impur, souille, sale
تنديس :
pollution, profanation
- المقدسات، الحرمات:
((369)) sacrileg
رجُس ، رجاسة: Salate, souillure infamie, turpitude
رجِس :
sale, jouille, infame
نَجُسَ نجاسة:
imperiete, imfection mal properete, salete, souillure
نجِسٌ:
impur, immonde, infect, sale, pollue, souille
تنجيس : ((370))
perfanation, souillure, pollution

يفيد التامل، في معرض هذه الشروح، امكانية الوقوف على ترتيب دلالي ادق للاطلاقات المتقاربة في فلسفة التسمية العربية الاسلامية، فيكون:

النجس والنجاسة قذارة مادية اكثر منها معنوية، اي عينية بالاصطلاح الفقهي تزال بالطهور((371)).

والدنّس والمدنّس، دناسة: قذارة معنوية، اكثر منها مادية((372)) اما الرجس، او الرجز، بالاستعمال القرآني فهو الاثم المترتب على ملابسة النجس او مقارفة الدنس.

ولعلنا نتخذ من هذه المعاني مدخلا الى تملس المفاهيم الاصطلاحية مستقاة من آيات التنزيل ومختزلة لدى المفسرين.

2- اصطلاحا
-
قدّس: قال سبحانه: «واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة، قالوا اتجعل فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لاتعلمون»((373)).
فالتسبيح تنزيه الله وتبرئته عن السوء((374))، واصله من السبح وهو الجري والذهاب، قال تعالى: «ان لك في النهار سبحا طويلا»((375)) فالمسبح جارفي تنزيه الله تعالى((376)).
والتقديس: التطهير، ومعناه في حق الله تمجيده وتعظيمه وتطهير ذكره عما لا بليق به((377)).
والتفسير: (ونقدس لك) اي نعظم امرك ونطهر ذكرك مما نسبه اليك الملحدون((378)).

- الارض المقدسة: قال جل جلاله على لسان موسى (ع): «يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم»((379)).
قال البيضاوي: هي ارض بيت المقدس، سميت بذلك لانها كانت قرار الانبياء مسكن المؤمنين((380)) لكنهم «قالوا يا موسى ان فيها قوم جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها..»((381)).
يذكر العصيان والتمرد الاسرائيليان بقصة ابني آدم، ما جعل السياق القرآني يردف الاية الكريمة بعصبان قابيل. ذلك ان طبيعة الشر في اليهود مستقاه من ولد آدم الاول((382)).

- القدوس، في قوله تعالى: «هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس..»((383)).
القدوس، اي المنزه عن القبائح وصفات الحوادث.
قال في التسهيل: القدوس مشتق من التقديس، وهو التنزه عن صفات المخلوقين، وعن كل نقص وعيب والصيغة للمبالغة كالسبوح((384)).
المقدس: في قوله سبحانه «انك بالوادي المقدس طوى»((385))، اي انك بالوادي المطهر المبارك المسمى طوى((386)).

وعلى هذا، فالقداسة، كما اتضح، ترادفها الطهارة، وذلك بانتفاء خوارمها والمقارنات المخلة. وهي النقاء من الادناس والانجاس، اي البراءة من العيوب والنقائص كافة. ويرقى الطهر على هذا النحو الصرف الى معاني التنزيه والعصمة. ما يحتم وقفه مع آية التطهير لمزيد من الاستعياب. قال جل جلاله: «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا»((387)).

وجاء في تفسيرها: انما يريد الله ان يخلصكم من دنس المعاصي ويطهركم من الاثام التي يتدنس بها عرض الانسان، كما يتلوث بدنه بالنجاسات، يا اهل البيت النبوة، ويطهركم من اوضار الذنوب والمعاصي تطهيرا بليغا((388)).

والملاحظ ان هذا التفسير، على عموميته، غير دقيق، ولا يراعي لا الترتيب الدلالي الذي اسبصرناه آنفا ولا مواقع كلم الوحي. وبالرغم من الاستلفات البلاغي فهولا يحلل قصدية اللفظ القرآني المخصوص. وبين انه استعار الرجس للذنوب والطهر للتقوى لان عرض مرتكب المعاصى يتدنس واما الطاعة فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر((389)) لكنه مع ذلك يظل قاصرا عن ادراك ايحاءات الاسلوب القرآني. فهو لم يقل مثلا ليذهب عنكم الدنس والنجس لما فيها من اقرار الملابسة، وهو يريد اذهابها وازاحتها بالمرة. وانما تركهما على عموم مقترفات البشر العاديين الذي من ورائه ارادة الهية، هبة العصمة وهي حالة الامتناع.وقد افاض فقهاء المذاهب في حفريات هذه المسئلة التفسيرية التي يضيق بها المقام ههنا.

ولما كان الانبياء ذوي عصمة، استحال عليهم مخالطة المدنسين في ارض المقدسات، ولذلك حرم النبي (ص) مكة المكرمة والمدينة المنورة على الكفرة والملاحدة. ومن هنا نستشف العلاقة بين الحرام والمحرم وبين القدس.

واذا كان المقدس مطهرا فهو يفيد، بالايجاء، تحريم اقتراب المدنس والمدنس كليهما قداسة وتطهرا. فالحرام، او المحرم، تقديس ضمني يسوقه منع لفظ ي مباشر. لذلك امر الله رسوله (ص) بتطهير مقدسات الاسلام بقوله تعالى: «فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا»((390))، فعمد الى طرد اليهود والمشركين منها على وجه التاييد. وقدم الوحي تعليل الطرد في مستهل الاية بما غدا في العرف الايماني مسلمة واقعية: «انما المشركون نجس فلا يقربواالمسجد الحرام..»((391)).

وانت بصير الان بمراتب الدلالات وفروق الاستعمالات بحيث لا يشكل عليك استخلاص مدى اعتصار قوالبهم وقلوبهم دناسة ومجاسة.

والنتيجة الكبرى المستلة من ضروب التحليلات والشروحات اننا، نحن المسلمين، اكثر تعلقا بروح القداسة والتقديس واشد رهافة بحس الطهارة والتنزيه الصرف. اذ ان الطهورية في ديننا العالمي الحنيف خالصة من شوائب ملابسات النقائض. فلا غرو ان يكون «الطهور شطر الايمان»((392)) ولا جرم ان «المؤمن لا ينجس..»((393)).

اليهود، بنو اسرائيل، صهيون، عبرانيون

بقي، في هذه العجالة، اثبات ما يعطيه التحقيق العلمي، نهلا من الحقائق التاريخية، لهذه المسميات التي اصبحت مزيجا مشوشا.

اسرائيل: لقب عبري لنبي الله يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، فهو «اسرائيل» الاول كما في القرآن الكريم: «كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه، من قبل ان تنزل التوراة»((394)).

وبنو اسرائيل هم، في الاصل، اولاد «يعقوب» الاثنا عشر، اي الاسباط، وهم مسلمون بنص القرآن الكريم: «ووصى بها ابراهيمبنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الذين فلا تموتن الا وانتم مسلمون»((395)).

ومن تناسل من ذرياتهم هم: «بنو اسرائيل» او الشعب الاسرائيلي((396)).

اليهود: اما نشاة اليهودية فقد ظهرت مع الفتنة الخطيرة الساحقة، وهي «عبادة عجل السامري»، وتفشت في طائفة ضالة: «واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم»((397)).

فتظاهر لموسى فريق من العجليين بالتوبة نفاقا فهادوا اي تابوا، ورجعوا منافقة فسموا لذلك هودا، وهم اصل «اليهود»، وفكرهم المنحرف هذا هو نواة «العقيدة اليهودية»، والسامري هو المؤسس الاول لها وراس الفتنة. اما العجل فهو السبب والاداة((398)). ومذاك كان الخطاب في القرآن الكريم موجها الى «بني اسرائيل» تارة، والى الكفرة منهم تارة اخرى، ثم صار الخطاب محصورا في «اليهود» وهذه نماذج للتامل:

(1) في «بني اسرائيل» قبل ظهور الانحراف، او تذكيرا باصلهم الفضيل يقول عز وجل: «يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين»((399)).

(2) ويقول تعالى: «ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين...»((400)). والملاحظ ان لا ذكر لليهود في هذه الايات اطلاقا..((401)).
وبعد السقوط في الفتنة والنغماس في الانحراف، وبعد ان صار اهل اليهود واليهودية ظاهرا، تحول الخطاب القرآني الى اليهود بمن فيهم معاصرو البعثة المحمدية، باعتبارهم على ضلال اسلافهم.

(3) فيقول سبحانه: «من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه»((402)). ومما تقدم وغيره نستنتج ان الخطاب توجه، من بعد، الى اليهود حصرا ولم يبق لبني اسرائيل ذكر.

والمستخلص ان «الاسرائيلية» صفة قومية غير دينية، وان «الاسرائيليين» شعب فبه ديانات شتى... بينما «اليهودية» عقيدة دينية بحتة، اعتنقها اناس من شعوب مختلفة، فصاروا جميعا «يهود» فليس كل اسرائيلي يهوديا ولا كل يهودي اسرائيليا((403)).

وعليه ففلسطين ليست لليهود، بل لاهلها، وقد تبدى ان اليهود متوافدون اليها من كل مكان، فلكل منهم ارضه وبلده ووطنه، فضلا عن شركهم وانحرافاتهم ونجسهم ونفيهم المتكرر عبر التاريخ شراذم متفرقين.

العبرانيون: لقد اختلف في اصل كلمة «عبري»، فنسبها باحثون الى «عابر» او «عبر» وهو اسم الجد الاعلى لابراهيم((404))، ولذلك اسمته التوراة ابراهيم العبري((405)). وذهب باحثون آخرون الى ان «عبرانيين» «وصف اطلق على عشيرة ابراهيم التي هاجرت معه من موطنهم في «اود» الكلدانيين، فعبرت الفرات في طريقها الى «كنعان» في فلسطين (...) اي انهم سموا «عبرانيين» لانهم عبروا الفرات»((406)). ثم كان ان تزاوجوا مع العناصر المقيمة الاخرى والاعراق المختلفة: سامية وحورية وحثية وغيرهم..

والذي يتحصل ان لا تطابق بين الصفات الثالث: عبري، يهودي، اسرائيلي. فليس جميع الذين عبروا مع ابراهيم (ع) يهودا او اسرائيليين، ولا جميع اليهودالاسرائيليين عبريين. وانما هي الاعيب وحيل من بني اسرائيل ليختلقوا لانفسهم عرقا ووطنا ودينا((407)).

صهيون: جبل في القدس، وهو اسم عبري يعني «الحصن»، اطلق على احدى روايي «القدس». وقد جائ، في «العهد القديم»، ان داود احتل هذا الحصن وسماه:«مدينة داود» ونقل اليها «التابوت» المقدس((408)) ويقول اهل الكتاب: ان سليمان بن داود نقل «التابوت» بعد ذلك الى «الهيكل»، ثم اتسع نطاق «صهيون»حتى صار عند «اليهود» رمزا للقدس كلها. فهي في نظرهم اقدس المقدسات. لذلك يسمونها: «المدينة الذهبية»((409))، ثم اصبح الانتساب اليها صهيونية، واضحت بذلك الصهيونية عقيدة كل يهودي ورابطة توحد اليهود.

الهيكل: الكلمة سومرية تعني «البيت الكبير» و «مكان عبادة الله»، وهي غير المجامع، لاختصاصها بهيكل القدس الذي بناه الملك سليمان في بقعة من المسجدالاقصى، وهو الذي توعد الرب في العهد القديم (الملوك الاول: 9/2 9) بتدميره ويجعله عبرة لكل من يمر اذا انقلبت بنو اسرائيل تعبد آلهة اخرى((410)).

ولنعد، بعد هذه التعريفات الضرورية، الى مسالة قداسة الاقصى عبر الاديان، مرجثين الى حينه التعريف بالمسجد الاقصى.

قداسة الاقصى

اولا- عند اليهود
فهل القداسة التي يزعمون مستحقة صحيحة صادقة بعدما اسلفنا من التحديدات العلمية؟ وهل في نصوصهم ما يومى الى دوام هذا التقديس، او يثبت امتداده،او يبشر بانبعاثه من جديد او ان الادلة والشواهد من كتبهم، تتضافر على خراب هيكلهم وزوال طائفتهم بسبب شرورهم ومستحكم رذائلهم وتاصل الخبث والعصيان والجرائم فيهم وانتشار الوثنية، فغضب الله عليهم؟

جاء في العهد القديم: «ولكن الرب لم يرجع عن سخط غضبه الذي اشتد على يهوذا من اجل جميع الاغاظات التي اغاظه بها منسى، فقال الرب: اني انزع يهوذامن امامي كما نزعت اسرائيل، وارفض هذه المدينة التي اخترتها اورشليم، والبيت الذي قلت يكون اسمي فيه - الهيكل -)((411)).

وبهذا يتاكد تدمير البابليين للهيكل، بيت الرب، تدميرا الى الابد، لان اعادة اليهود بعد السبي البابلي لبناء جديد آخر مكانه، كان قائما على غير الاساس العقدي الذي دفع داود وسليمان لبناء الهيكل الذي دمره البابليون»((412)). لهذا يعد البناء الذي بناه اليهود، بعد عودتهم من السبي البابلي، من دون اية قداسة من قداسة هيكل سليمان، بيت الرب، لافتقاده «تابوت عهد الرب» وزوال هيكله الحقيقي المقدس الى الابد((413))، وبانتفاء المقدس، فلا قداسة.

ان هذا الزوال الابدي للتابوت وهيكله المقدس للممهد كبير، بل وبشير بعودة بقعته الى الطهارة التي هياتها الاقدار للمسجد الاقصى المبارك((414)).

ثانيا - عند المسيحيين
هل يجد زعم اليهود «متكا» عند النصارى؟ يزعم اليهود قداسة هيكل رمموه، واقاموه بعد كرات التدمير والتخريب، علاوة على ما نتج عن افسادهم فيه، حيث حولوه الى سوق لبيع البقر والغنم والطيور وصيارفة الربا((415)). وقد شهدت عليهم الاناجيل، وتنبا السيد الميسح (ع) بزوال الهيكل اليهودي الى الابد بسبب شرور اليهود وفسقهم((416)). فقد جاء في انجيل متى: «ودخل يسوع الى هيكل الله، واخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص»((417)).

وجاء ايضا: «يا اورشليم، يا اورشليم، يا قتلة الانبياء وراجمة المرسلين، كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا،هوذا بيتكم يترك لكم خرابا، ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل، فتقدم تلاميذه لكي يروه ابنية الهيكل، فقال لهم يسوع: اما تنظرون جميع هذه. الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض»((418)).

وظلت المدينة تسمى «ايليا» لا يسكنها اليهود حتى الفتح العربي في القرن الميلادي السابع.

وبقدر ما آمن المسيحيون بتنبؤ السيد المسيح بذهاب ريح اليهود وانتقاض مقدساتهم في البقعة المباركة من الاقصى الشريف بقدر ما يثبتون، من طريق غيرمباشر، قداسة المسجد الاقصى الذي بني اربعين سنة بعد المسجد الحرام في عهد سيدنا ابراهيم (ع) اي حوالي 2000 ق.م((419)) ويقدس النصارى حرم القصى الشريف كله ويخصون بالتعظيم مسجد الصخرة.

ثالثا - عند المسلمين
وعمدتنا، في هذا النطاق المحدود، في استقاء مصادر القداسة، القرآن الكريم والحديث الشريف وثقات المفسرين ومقتضيات المقارنة العلمية، بالكتب المقدسة، من دون الاغضاء عن معجزتي الاسراء والمعراج.

وها قد حان اوان التعريف بالمسجد الاقصى.

قال تعالى: (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير)((420)).

فمنذ نزول هذه الاية الكريمة، اصبح المسجد الاقصى مسجدا اسلاميا ولا جدال، اخذا من اطلاق الوحي نفسه بهذا التحديد النوعي في المسمى المغايرللصوامع والبيع والصلوات، وهي جمع صلوتا بالعبرانية فعربت((421)). وهو بعينه (بيت المقدس)، كما يقول ابن كثير((422)) هذا الذي يسميه اليهود ب«الهيكل»، وقد دمره بختنصر ثم تيطس.

وتاتي الاحاديث النبوية لتؤكد صراحة ان الاقصى الشريف مسجد، مثل قوله (ص):

1- «لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد الاقصى ومسجدي»((423)).

2- «ثم دخلت انا وجبريل بيت المقدس، فصليت، ثم اتيت بالمعراج، فلم ار شيئا قط احسن منه فاصعدني صاحبي»((424)) وكان العروج المبارك من الصخرة المشرفة التي اقيم عليها مسجد الصخرة((425)).

3- وفي صحيح مسلم تسمية تاريخية للمسجد في قوله (ص): «انما يسافر الى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد ايلياء»((426)).

4- وروى النسائي وابن ماجة عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله(ص): «ان سليمان لما بنى بيت المقدس سال ربه عز وجل خلالا ثلاثا، فاعطاه اثنتين، ونحن نرجو ان تكون لنا الثالثة: ساله حكما يصادف حكمه، فاعطاه اياه، وساله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده، فاعطاه اياه، وساله ايما رجل دخل من بيته لا يريد الاالصلاة في هذا المسجد، خرج من خطيئته كيوم ولدته امه. فنحن نرجو ان يكون الله قد اعطانا اياها»((427)).

وايلياء، كما جاء في لسان العرب، مدينة بيت المقدس((428)). قال الفرزدق:

وبيتان، بيت الله نحن ولاته
وبيت باعلى ايلياء مشرف

و«الشرع الاسلامي يطلق اسم (المسجد الاقصى) على كل ما هو داخل السور المحيط بالحرم الشريف في مدينة القدس(...)، وهو بحسب الاصطلاح يضم بداخله من جهة الشرق (جامع عمر) الذي بناه عمر بن الخطاب عند فتحه لبيت المقدس...»((429)). ولم يجرؤ احد من اليهود، في عهد الخلافة الراشدة، على ان يستوطن مدينة القدس منذ الفتح العمري بموجب عقد الصلح مع اهلها الذي تضمن، فضلا عن الامان المشهور، اهم الشروط: الا يسكن في بيت المقدس احدمن اليهود((430)) ثم كان ان احتلها الصليبيون عام 492ه، وارتكبوا فيها مجازر بشعة فقتلوا ما يزيد على سبعين الفا من المسلمين خلال اسبوع، حتى حررها صلاح الدين يوسف بن ايوب عام 593ه.

ثم لنبحث قليلا في وصفه «بالاقصى»، فالقرطبي يعلل هذه التسمية لبعد ما بين المسجد الاقصى وبين المسجد الحرام((431)). ويقول الزمخشري والبيضاوي: سمي بالاقصى لانه لم يكن حينئذ وراءه مسجد((432)). ومعلوم (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين)((433)) اي المسجد الحرام. وبعيد عنه، او لنقل وقصي عنه المسجد النبوي الشريف، وابعد منه، او اقصى منه، مسجد بيت المقدس، اي المسجد الاقصى، ثالث الحرمين الشريفين واولى القبلتين ومسرى النبي محمد (ص).

وفي الخلاصة:

تتجلى مدى قدسية المسجد الاقصى، في الاسلام، بما لا نظير له البتة في الاديان الاخرى. اذ ان القداسة، كما اومانا اليها بالتحليل المتاني، تطهير كلي من جميع اصناف المدنسات والصنميات وضروب الاشراك والوثنيات. وانها لذلك مرتبطة ايما ارتباط بالعبادة والتدين الخالص لله. وان شرعيتها لا تستمد من اسفارالتاريخ القديم، ولا من نثارات الكتب المقدسة وحسب، وان داخلها ما داخلها عبر الدهور، وانما تستهبطها في تسكاب من علياء السماء تشريعا الهيا قاضيا بمسجديتها الاسلامية الابدية ولا صرف، ومقررا قداستها الرفيعة وطهرها الكامل الذي وشته خاتمية صاحب المسرى (ص) والذي ناضل من اجله الانبياء.

وحكم الاسلام، كما تبين، ان القدس لنا ولا شيء لليهود وان اراضي فلسطين كلها للامة الاسلامية. ولا يسمح شرعا بادنى تنازل للصهاينة المناكيد. وفرق بين اندلس ضاعت من المسلمين بسبب هوانهم وتهاونهم، وبين اقصى نص تشريع الله على عمارته وشد الرحال اليه تعبدا وقربة.

ولئن ذكر المفسرون في معنى «باركنا حوله» احتفافه بالاشجار والانهار والزروع، فان الخير الكثير والبركة، كما هو معلوم، نماء وزيادة، ففي جهاد المسلمين قاطبة كل البركة لنصرته وتحريره من اسر الملاعين الانجاس. والبركة البركة كلها في من ينالون حظ الشهادة في الذود عن وقف الله في الارض.

المكانة الاجتماعية والسياسية للمراة المسلمة

د. فاطمة فكور

حقوق المراة في الاسلام ومهماتها

للمراة، في الاسلام، حقوق اجتماعية كما للرجل، كما ان لها مكانتها المرموقة واللائقة بشانها في المجتمع، فلا يمنعها مانع من المشاركة في النشاطات والفعاليات الجماعية والاجتماعية، فقد انيطت بها مسؤوليات ومهمات اجتماعية كثيرة على حد سواء مع الرجل، وقد تحدث القرآن الكريم والسنة الشريفة عن هذا النشاط ايضا.

بيد ان التكليف بالجهاد الابتدائي والهجومي مرفوع عنها. اما سائر انواع النضال والكفاح، كالجهاد الدفاعي، او القيام بالكثير من النشاطات المتقدمة او الملازمة او اللاحقة للحرب والجهاد، فلم يرفع قلم التكليف عنها، ورفع التكليف عنها اكرام لها واعزاز لشانها، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم)((434)). فقد دلت الاية الشريفة على ان المراة كالرجل انيطت بها مهمة كبيرة، الا وهي الولاية الاجتماعية، ولذا فان بامكانها ممارسة مهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع الاصعدة: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والحقوقية، وغير ذلك. وبعد التوسع في مفهوم «المعروف» و«المنكر» في الاسلام تتضح لنا ايضا حدود المشاركة الاجتماعية للمراة.

وبناء على ما تقدم، فان بامكان المراة مشاطرة الرجل في جميع المجالات، وعلى جميع الاصعدة، الا في موارد معدودة استثنيت من المشاركة فيها رفعا لثقل التكليف عن عاتقها. لكن في مقابل ذلك حلت محلها تكاليف ووظائف اخرى تضاهيها في الاهمية، كالقضايا السياسية والحكومية التي هي على راس القضايا الاجتماعية.

ولذا، نجد ان للمراة في صدر الاسلام مشاركة جادة في القضايا السياسية، وحضورا جادا وفاعلا في ساحة الاحداث، حتى ان النبي (ص) قد اخذ البيعة من النساء، وعلى انفراد امتثالا لقوله تعالى: (يا ايها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ان لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن اولادهن ولا ياتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ان الله غفور رحيم)((435)) وعقد معهن ميثاقا طبقا للاسس والمعايير.وبذلك يكون (ص) قد عرف لهذه الشريحة من المجتمع الاسلامي مسؤولياتها ومهماتها السياسية والاجتماعية.

فالاية المباركة تحدثت عن موقف النساء في عهد النبي (ص) ومبايعتهن للنظام الاسلامي الفتي، وكان ذلك في يوم فتح مكة بعد ان فرغ النبي (ص) من اخذالبيعة من الرجال، حيث توجه الى اخذ البيعة من النساء لما اردن مبايعته، فنزلت الاية الشريفة واكدت ضرورة مشاركة النساء في الامور السياسية، فكانت البيعة قائمة على ما ذكر في الاية من شروط كان يلزم على النساء الالتزام والوفاء للنبي (ص) بها.

اما كيفية هذه البيعة، فقد ذكر المؤرخون انها كانت على مستوى المشافهة بين النساء والنبي (ص)، وقيل: انه (ص) كان قد امر باناء مد يده الشريفة فيه، ثم امرالنساء بمثل ما فعل، فكان بذلك قد تحقق اعظم ميثاق بين الفرد والدولة، وقيل: ان اخذ البيعة من النساء كان من وراء حجاب (الثياب)((436)) وقد روي ان بيعة النساء لامير المؤمنين (ع) يوم الغدير كانت بمد اليد في الاناء ايضا.

هذا، وقد كانت للنساء مشاركة في النهضة الاجتماعية السياسية الكبرى، الا وهي الهجرة، وكانت هجرتهن بمثابة هجرة الرجال بلا اي فرق، وقد اثنى الوحي على تلك الظاهرة، فوصفها بانها ظاهرة اصيلة، تلك الهجرة كانت في زمان حرمت فيه المراة من اكثر حقوقها ولم يكن لها حق المشاركة وابداء الراي في القضاياالاجتماعية، قال الله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله اعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار...)((437)).

والسر في الامتحان المذكور للنساء، في الاية المباركة، انما هو من اجل معرفة ان خروجهن لم يكن لاجل خلاف عائلي او عدم رغبة في ازواجهن، فقد ورد في شان نزول الاية كما في بعض التفاسير: ان الامتحان كان باستحلافهن ان ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة عن ارض في ارض، ولا التماسالدنيا((438)).

كما ان بامكان المراة المشاركة الفعالة والجادة في النهضات الاجتماعية الاخرى ايضا، واحداث مسار رشيد وصحيح من اجل هداية المجتمع وارشاده، وافضل انموذج على ذلك مشاركة المراة في النهضة الحسينية يوم عاشوراء، ومشاركتها في قضية تحريم التنباك، وفي الثورة الاسلامية في العقدين الاخيرين، فان ما لعبته من دور ثوري وحماسي آنذاك لم يكن ليخفى على احد.

منصبان لا تتصدى لهما: الامامة والمرجعية

ويمكن للمراة ايضا ممارسة نشاطاتها الاجتماعية في جميع المجالات عدا التصدي للمسؤولية في منصبين اجتماعيين خطيرين:

احدهما: الامامة التي لها وضعها الاستثنائي الخاص، فانه لا يجوز لها ارتياد هذا المنصب الخطير. نعم بامكانها الوصول الى مقام العصمة والولاية اللذين هماجوهرتا النبوة والامامة والعمدة فيهما ومن شانها بلوغ ذلك، فان السيدة الكبرى فاطمة الزهراء(ع) قد بلغت هذا المقام السامي، الا ان التكليف بذلك قد رفع عن عاتق المراة، لما في هذين المنصبين الخطيرين اعني النبوة والامامة من مصاعب وشدائد، كالقيام بالحروب والقتال وغير ذلك.

الثاني: التصدي للمرجعية، فان بعض العلماء لم يشترط الذكورة فيها فيما لو توافرت للمراة سائر شرائطها العامة الاخرى.

على انه قد ورد، في الاخبار، ان المراة ستلعب دورا اجتماعيا مهما في مستقبل الزمان، وانها سوف تشارك في الثورة المهدوية والنهضة الكبرى للامام القائم(صلوات الله عليه)، فتكون من الثلة التي يختارها الامام (ع) في نهضته. فمن تلك الاخبار ما ورد عن الامام الباقر (ع) انه قال: «... ويجيء والله ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا، فيهم خمسون امراة...»((439)). وهذا الامر يحكي لنا الدور الاجتماعي الخطير الذي ستزاوله المراة في المستقبل، خصوصا وان النخبة من اصحاب الحجة(ع) في غاية الفهم والادراك والمعرفة والاعتقاد السليم بالدين، فهم شخصيات فذة لا نظير لها. والدخول في هذه العصبة بحاجة الى وعي ديني، ونبوغ فكري وعلمي، ومقدرة نفسية عالية. قال الامام الصادق، عندما ساله ابو بصير: جعلت فداك! ليس على الارض يومئذ مؤمن غيرهم (اي اصحاب المهدي)؟، قال(ع): «بلى، ولكن هذه التي يخرج الله فيها القائم، وهم النجباء والقضاة والحكام والفقهاء في الدين...»((440)).

وحينئذ، فضرورة الانتظار لعصر الظهور الموعود تقتضي على الاقل ان يكون للمراة في المجتمع المنتظر ثقافة ووعي ديني رشيد وتفقه في الشريعة، وهوبحاجة ايضا الى خبرة في الادارة الاجتماعية والامساك بزمام الامور، وانه لا بد للمراة من ان تتصف بما يليق بهذا المقام الرفيع، لكي يتسنى لها الحضوروالمشاركة في هذا الانقلاب العظيم والثورة العالمية الكبرى.

مزاولة القضاء، للفقهاء فيها آراء شتى

اما في ما يتعلق بمزاولة النساء للقضاء، فان للفقهاء في ذلك آراء واقوالا شتى: ففريق منهم لم يجوز لها ذلك، وادعى عليه بعضهم الاجماع، وفريق آخر منهم آهذا الراي مزيج من راي المتقدمين والمعاصرين جوز لها القضاء، فالمقدس الاردبيلي(قدس سره) من متاخري المتاخرين منع القول بانكار القضاء للمراة بشكل مطلق، كما انكر الاجماع المذكور عليه. والدليل الاخر الذي استدل المخالفون به على عدم جواز القضاء للمراة: ما ورد عن ابي خديجة، عن ابي عبداللهالصادق (ع)، انه قال: بعثني ابو عبدالله الى اصحابنا، فقال: «قل لهم: اياكم اذا وقعت بينكم خصومة، او تدار في شيء من الاخذ والعطاء، ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضيا، واياكم ان يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر»((441)).

فانه ليس من المسلم به عند بعض الفقهاء ارادة خصوص جنس الذكر من الرجل في قوله (ع): «اجعلوا بينكم رجلا»، بل المراد هو فرد من النوع الانساني يكون قدبلغ هذه المرحلة من النضج الديني، وله اضطلاع ونظر وتشخيص في احاديث الحلال والحرام والقواعد المستنبطة منها.

ان الكثير من التعابير التي جاء الخطاب فيها موجها الى جنس الذكر انما هي خطابات عامة وموجهة الى نوع الانسان. والسر في توجيه الخطاب غالبا الى الرجل هو ان للرجال في المجتمع حضورا بينا وملموسا وتواجدا دائما ومستمرا.

وعليه، فليس الجنس شرطا في هكذا امور، بل الامر في تلك الخطابات على نحو القضية الخارجية.

ومن المفهوم العام للحديث الشريف يتضح ان الامام (ع) قد اكد على عدم جواز التعاطي والتحاكم الى حكام الجور، علاوة على انه اكد على محورين آخرين:

1- ان القاضي لا بد من ان يكون من اهل الحق واتباع المذهب العدل.
2
- انه لا بد من ان يكون عالما بما يرتبط بشؤون القضاء.

فالمحور العام، في الحديث المتقدم، هو النهي عن الرجوع الى المحاكم التابعة للطاغوت. وحينئذ، فادلة القضاء تشمل كل انسان مستجمع لشرائط القضاء التي من جملتها: العلم، والتقوى، ودقة النظر، والقدرة على اتخاذ الموقف والقرار بعيدا عن تحكم العاطفة والرقة فيه.

هذا، ويرى بعض الفقهاء ان تسنم المراة منصب القضاء لا يحتاج الى دليل او شرط خاص في حالة توافر شرائط القضاء العامة.

ومما استدل به المانعون ايضا حديث آخر، وهو الحديث الذي عقد له الشيخ الحر العاملي في كتابه: «الوسائل» بابا تحت عنوان: «باب ان المراة لا تولى القضاء» والذي لا يندرج تحته الا هذا الحديث، وهو ان النبي (ص) قال: «يا علي، ليس على المراة جمعة... ولا تولى القضاء...»((442)). ولم يعمل الفقهاء بالحديث المذكور في صلاة الجمعة بل اوجبوها على الرجل والمراة سواء، فكيف يمكن القول بترك العمل بشطر وفقرة واحدة من الحديث والعمل بشطره الاخر؟! وعلى اي حال، فوجه الاستدلال بالحديث المذكور غير واضح ايضا.

ومما لا ريب فيه ان ابداء الراي في موضوع كهذا بحاجة الى اعمال ذوق اجتهادي وفقهي رفيع، ولا ينبغي التعامل معه على مستوى الشعار وطبقا للمذاق الشخصي الخاص، هذا وقد قام جماعة من الفقهاء المعاصرين بعمل تحقيقي في هذا المجال، وذكروا ان تولي المراة منصب القضاء مما لا اشكال فيه.

هذا، ولكن حتى لو توصلنا بعد التحري الشديد والدراسة الفقهية الدقيقة الى ان المراة لا تولى القضاء، فلا ينبغي عد ذلك منقصة لشانها، بل تلك مسؤولية رفعت عن عاتقها، ذلك ان القضاء من جملة الاعمال الشاقة للغاية، فالمحاكم وما يجري فيها من احداث وما يرتادها من مجرمين وجناة ومدعين ومدعى عليهم وما شاكل ذلك من جانب، ومن جانب آخر الاضطراب الذي يخامر القاضي من اجل ارضاء الله تعالى وارضاء وجدانه وما يبذله من جهد في سبيل معرفة الحق،ومن ثم الحكم بالعدل ومحاسبة الناس، ذلك كله يهز الانسان من الاعماق، فمع اخذ ذلك كله بنظر الاعتبار يكون ارتياد منصب القضاء امرا صعبا وفي غاية الخطورة، وقد ورد في الروايات من التعابير الرادعة والمحذرة ما يثقل على المتامل فيها ادنى تامل اقتحام هذا الميدان، فقد ورد عن الامام الصادق (ع) انه قال:«القضاة اربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور، وهو يعلم، فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة»((443)).

وورد في احاديث اخرى ان القضاء من عمل الانبياء، ففي حديث عن علي (ع)، وقد القى صبيان الكتاب الواحهم بين يديه ليخير بينهم، فقال: «انها حكومة، والجور فيها كالجور في الحكم...» ((444)).

وحينئذ - وبعد اخذ صعوبة ممارسة العمل القضائي بنظر الاعتبار - الا يكون في رفع تلك المهمة عن شريحة خاصة من الناس نوعا من الخدمة لهم؟! وهل يكون رفع التكليف عنهم والارفاق بهم استنقاصا لهم ومحوا لشخصيتهم؟ كلا، ان في رفع ثقل مسؤولية القضاء عن عاتق المراة على فرض اثباته نوعا من الخدمة العظيمة لهذه الشريحة من المجتمع الانساني، ذلك ان القضاء كسائر الاعمال الصعبة والشاقة، من قبيل الجهاد، خصوصا بعد الالتفات الى ان النساء اشد عاطفة ورقة من الرجال، والى ان التاثر بالعواطف يشدد من الازمة في هذا المجال.

وعليه، فالقضاء توظيف وتكليف ومواجهة، وليس امتيازا ومنصبا!

المكانة الاجتماعية للمراة

وفي ما يرتبط بالمكانة الاجتماعية للمراة يمكن الاشارة الى نحوين من انحاء النشاط الاجتماعي:

أ- النشاطات الثقافية والعلمية
لا يخفى ان الاسلام رغب في طلب العلم وتحصيل المعرفة وافشاء ذلك في اوساط المجتمع، كما شجع على ضرورة التكامل العلمي من دون فرق في ذلك بين الافراد والطبقات، وفي الايات الشريفة دلالة واضحة جدا على ذلك، كما ان في الاحاديث ايضا تاكيدا حثيثا على ضرورة التكامل المعرفي والنزعة العقلية في المجتمع، حتى انه عرف الدين بالعقل، قال امير المؤمنين (ع): «العقل شرع من داخل، والشرع عقل من خارج»((445)) وللنبي (ص) في هذا المجال حديث معروف ومتواتر ذكره اهل العلم من المذاهب الاسلامية جميعها واخذوا به. قال (ص): «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»((446)) ولم ترد لفظة «مسلمة» في بعض النصوص، فلفظة «مسلم» في تلك النصوص اسم جنس يشمل الرجل والمراة كلفظة «مؤمن» و...، وهذا مما لا ريب فيه.

ثم انه لا يشترط اذن الزوج في تعلم المراة واكتسابها للكثير من العلوم، كتعلم اصول الدين والعقيدة، وتعلم الاحكام الشرعية الواجب على النساء تعلمها، وهذاالنحو من الامور التكليفية لا اثر لمنع الزوج من تعلمه.

لقد ازيلت، بعد ظهور الاسلام، الموانع والعقبات عن طريق كل من اراد التعلم، خصوصا هذه الشريحة، الامر الذي افسح للمراة مجال الدخول في ميادين العلم والمعرفة، فلم يمض كثير من الوقت حتى بلغت نسوة من المعرفة بالدين ما بلغن، وحزن مقاما رفيعا في العلم والمعرفة، ولنذكر انموذجا لذلك، فقد روي في حق احدى النساء المتعلمات والمنتهلات من تعاليم هذا الدين القويم ان زوج بريرة شكا زوجته (بريرة) الى رسول الله (ص) بانها تركت البيت وخرجت، فدعاهارسول الله (ص) وقال: «ارجعي الى زوجك»، فقالت: اتامرني يا رسول الله؟ فقال: «لا، بل انا شافع»((447)). ويستفاد من هذه المحاورة الموجزة ان هذه المراة قد بلغت درجة من التكامل في ادراك المفاهيم الدينية ومعرفة ضوابط احكام الشريعة، حتى انها صارت في صدد تحليل كلام النبي (ص) وعرضه على المقاييس الدقيقة عندما سالت: اتامرني يا رسول الله؟ اي هل ان ذلك واجب بلحاظ كونك مقننا ومشرعا وانه امر مولوي تشريعي، او انه مجرد ارشاد من اجل اصلاح ذات البين؟ فايد (ص) ما فهمته بقوله: «لا، بل انا شافع».

وقد استدل الفقهاء وعلماء الاصول بالحديث المذكور في هذا الموضوع على ان الامر بالشيء، لو لم يقترن بقرينة، فهل يدل على الوجوب او لا؟

وعلى اية حال، فان هذا الانموذج ونظائره من النماذج الكثيرة يكشف عن مستوى الادراك الرفيع الذي بلغته بعض النساء في الجاهلية ممن لا معرفة لهن بشيء من الثقافة.