الصفحة السابقة

الصفحة التالية

واذا كان بعض المؤرخين اللبنانيين((508)) اعتمادا على رواية ابن القلاعي (ت. 922ه، 1516م)((509)) يذكرون ان العمليات العسكرية المملوكية جردت الى جبال كسروان لمعاقبة «العصاة» من الموازنة وبعض الدروز المتعاونين معهم، وان عسكر دمشق خرب قرى الموارنة وكنائسهم واديرتهم، في عام 705ه، 1305م، فان فيليب حتي يؤكد، بما لا يحتمل اللبس، ان «الحملات الكسروانية» استهدفت الاسماعيلية والنصيرية والشيعة((510)). اما كمال الصليبي فهو اول من رجح من المؤرخين اللبنانيين «شيعية» المستهدفين بالحملات المملوكية على كسروان، فيما حرص محمد علي مكي((511)) على اقامة البرهان على ما رجحه الصليبي، وان كان قد سبقهما الى ذلك المستشرق هنري لاووست H. Laoust.

3- قراءة في رسالة((512)) الشيخ تقي الدين، ابن تيمية

ازاء هذا الاختلاف في روايات المؤرخين حول هوية سكان كسروان في المرحلة موضوع البحث، فان ما تضمنته رسالة شيخ الحنابلة بدمشق تقي الدين، ابن تيمية، الشهيرة الى السلطان المملوكي، الناصر محمد بن قلاوون، حسم الجدال حول هذه المسالة الخلافية.

1- محتويات «الرسالة»
انطوت رسالة ابن تيمية المطولة على انتقادات قاسية لمعتقدات «اهل الجبيل والجرد والكسروان»((513)). فهؤلاء، حسب ابن تيمية، هم «اهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة»((514)) والمتمردون على سلطة الدولة. وهم على مذهب اهالي «جزين وما حواليها، وجبل عاملة
ونواحيه»، واهالي «قرى متعددة باعمال دمشق وصفد وطرابلس وحمص وحماة وحلب»((513)) واصفا اياهم ب«الرافضة»، لانهم ينكرون شرعية خلافة كل من الشيخين ابي بكر وعثمان((516)). ويذكر ابن تيمية في رسالته ايضا ان اتباع هذا المذهب يؤمنون بمنتظر«هو حجة الله على الارض» (المهدي)، «ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو كافر»((517)).

وبناء على ما تقدم، يقرر شيخ الحنابلة ان سكان جبال كسروان وجبيل ينتمون الى الجماعات الاتية: الاسماعيلية، والنصيرية، والحاكمية، والباطنية، والامامية الاثنا عشرية، وهذه الجماعات تشترك باعتناقها مذهب التشيع((518)) ويضاف اليها جماعة التيامنة (الدروز) وطائفة من المسيحيين((519)).

ويذكر ابن تيمية، في رسالته، ان ثمة دافعين اساسيين ل «الحملات الكسروانية»:

- يتعلق الدافع الاول بمعتقدات الكسروانيين الدينية. فسكان كسروان، حسب «الرسالة»، لا يتبعون ايا من مذاهب اهل السنة الاربعة، وهي مذاهب «رسمية» للدولة، على سبيل الحصر، اقرها السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري، عام 664ه/1266م، وحرم ما عداها من المذاهب الاسلامية الاخرى، على ان لا يولى قاض ولا تقبل شهادة احد، ولا يرشح لاحدى وظائف الخطابة او الامامة او التدريس ما لم يكن مقلدا لاحد هذه المذاهب((520)). استقر هذا الامر معتمدافي مصر وبلاد الشام طوال عصر المماليك، وتشدد الحكام في تطبيقه، ما اسهم في اشاعة جو من التعصب اتجاه غير القائلين بمذاهب اهل السنة، في اوساط الخاصة والعامة على السواء، عبر عنه ابن حجر العسقلاني بقوله: «اذا اراد الناس ان يكيدوا لاحد دسوا عليه من رماه بالتشيع»((521)).

لذا، حرص شيخ دمشق على توظيف التهم الانفة لتسويغ الاجراءات القاسية المتخذة ضد الكسروانيين، في اطار حملة عام 705ه، مشيرا الى ان هذه الاجراءات لم تكن قد تقررت الا بعد اخفاق المفاوضات مع اعيان كسروان، وظهور ضعف حججهم، وختل معتقداتهم، وتبيان خبث شيوخهم، مثل بني العود الذين كانوايحرضونهم على مقاتلة المسلمين (المماليك) بفتاوى يصدرونها لاضفاء الشرعية على حركتهم المناهضة للسلطة((522)).

- اما الدافع الثاني، فيتصل بما اشيع عن تعاون سكان كسروان مع «اعداء المسلمين». لقد احتوت رسالة ابن تيمية على اتهام صريح لهؤلاء السكان بانهم تعاونوا مع الفرنج والمغول، وبخاصة حين هزم المماليك في معركة وادي الخزندار، عام 699ه/1300م، اذ اقدموا على اسر بعض عساكر المسلمين الهاربين وفعلوا بهم «مالا يحصى من الفساد»، ثم «حملوا الى قبرس من خيل المسلمين وسلاحهم واسراهم ما لا يحصي عدده الا الله. واقام سوقهم بالساحل عشرين يوما يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على اهل قبرس»((523)).

ويرى ابن تيمية ان الجماعات السكانية في كسروان والقائلين بمعتقداتهم كانوا «من اعظم الاسباب في خروج جنكسنخان ججنكيزخان ج الى بلاد الاسلام، وفي استيلاء هولاكو على بغداد، وفي قدومه حلب، وفي نهب الصالحية، وغير ذلك من انواع العداوة للاسلام واهله»((524)). هذه الاسباب جميعا، شكلت «الحيثيات الشرعية» التي اتكات عليها فتوى شيخ الحنابلة بدمشق، وحرص على حشدها في الرسالة الشهيرة التي بعث بها الى السلطان الناصر محمد بن قلاوون لتسويغ الاجراءات العسكرية القاسية المتخذة ضد اهالي منطقة كسروان((525)). ويضاف الى ما تقدم ان الشيخ ابن تيمية نشط عشية حملة عام 705ه الى بث رسائله في انحاء الشام لاستنفار اهل البلاد وحضهم على المشاركة في قتال الكسروانيين.

2- نحو تقويم لرسالة الشيخ ابن تيمية
تنطلق مناقشتنا لما جاء في رسالة ابن تيمية من ان السلطة السياسية في العصور الوسطى، كما كانت دائما على مر العصور القديمة والحديثة، تحدد علاقاتها
بالمحكومين وسائر المقيمين على اراضيها، مبدئيا، في ضوء موقف هؤلاء منها، اي على قاعدة الولاء والمعارضة، بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية اواجناسهم او اعراقهم، من دون ان يغيب عن بالنا ما للعوامل الدينية والعقدية من دور مؤثر في تحريك المشاعر وبخاصة مشاعر العامة التي غالبا ما كانت السلطة تعمد الى تحريكها، من وقت الى آخر، لاسباب مختلفة خدمة لاغراضها ومراميها بحيث تتمظهر هذه المشاعر بجملة سلوكات تطفو على السطح في صور دينية وطائفية ومذهبية.

ومنذ امد بعيد، اتخذت الجماعات السكانية، المستهدفة بالحملات المملوكية، جبال كسروان وجرودها وعرة المسالك ملجا لها، كي تكون بمناى عن متناول السلطة، والخضوع لسطوتها وانظمتها. واستمرت حالة هذه الجماعات كذلك لمدة قاربت نصف قرن من سيطرة المماليك على بلاد الشام، من دون ان يبادرنواب السلطنة في الشام لاتخاذ التدابير الايلة الى اخضاع سكان كسروان لسلطة دولتهم، طالما لم يعمد هؤلاء الى اثارة القلائل في وجه السلطنة المنهمكة،آنذاك، في مجاهدة الفرنج ودفع هجمات المغول عن البلاد((526)).

وفي مطلع العقد الاخير من القرن السابع الهجرير الثالث عشر الميلادي، احكم المماليك سيطرتهم على الشام، على اثر تصفية الكيانات اللاتينية في الشرق، وانحسار الخطر المغولي((527)) مؤقتا، عن البلاد، فكان عليهم، والحالة تلك، ان يعيدوا النظر في سياستهم اتجاه المناطق الواقعة خارج سلطتهم المباشرة،وخصوصا منطقة كسروان الاهلة بالمسلمين من غير القائلين بمذاهب اهل السنة الاربعة، وجلهم من الشيعة مع اقلية درزية، وقد يضاف اليهم بعض المسيحيين.لذا، قررت الدولة المملوكية توجيه حملات عسكرية الى هذه المنطقة لارغام هؤلاء جميعا، بوصفهم «عصاة»، على الاذعان لمشيئتها.

ويستفاد من روايات المؤرخين المعاصرين((528)) ان الهدف الاساسي لحملة بيدرا (حملة عام 691ه) تمحور حول ممارسة الضغط على الكسروانيين كي ينضووا تحت سلطة المماليك، عبر التلويح باستخدام القوة ضدهم في حال اخفاق الحوار معهم. ولعل ما يفسر ذلك حالة الدهشة والاستغراب التي اصابت بعض الامراء المشاركين في الحملة ازاء حرص قائدهم بيدرا على استرضاء الكسروانيين، واظهاره حسن النية اتجاههم، متعهدا لهم اطلاق سراح بعض اعيانهم المعتقلين في سجون دمشق، شريطة ان يلتزموا الاستكانة والولاء للدولة((529)) حتى ان احد كبار الامراء المدعو بيبرس طقصوا لم يتورع عن ان يشي ببيدرا للسلطان، متهما اياه بانه قبض مالا من اعيان كسروان في مقابل عدم اقتحام بلادهم((530)).

وانتهت الحملة الثانية (عام 699ه)، بقيادة الامير جمال الدين آقوش الافرم، الى منح الامان للكسروانيين لقاء اعلانهم الطاعة، وتعهدهم بدفع مئة الف درهم لخزانة الدولة((531)).

وعشية الحملة الثالثة (عام 705ه)، بادر آقوش الافرم الى التفاوض مع اهالي كسروان، فارسل بعثتين لمحاورتهم: كانت الاولى برئاسة زين الدين عدنان، نقيب الاشراف بدمشق، وتراس الثانية الشيخ تقي الدين، ابن تيمية، يرافقه الامير بهاء الدين قراقوش «الناظر في بلاد بعلبك والجبال الكسروانية». وتذكر بعض المصادران مهمة البعثتين تركزت على اقناع الاهالي ب«اصلاح الحال مع التنوخيين والدخول في طاعتهم» بوصفهم الاقطاعيين الجدد في كسروان، وهي امتيازات حصل عليها هؤلاء في اعقاب مشاركتهم في الحملة الثانية((532)).

ويبدو ان «المساعي السلمية» لم تؤت ثمارها المرجوة، ما استدعى توجيه حملة كبيرة الى منطقة كسروان، حيث تمادى عسكرها في تدمير قرى كسروان وقتل سكانها وتهجير من نجا منهم.

ان مشاركة الامراء التنوخيين الدروز في الحملات المملوكية التي استهدفت اهالي كسروان، ومن بينهم جماعة من الدروز اشارت اليهم المصادر المعاصرة مباشرة حينا ووسمتهم ب«الدروز» و«الدرزية»((533)) وغير مباشرة احيانا معرفة بهم قياسا على اماكن سكناهم، مطلقة عليهم اسم «التيامنة»((534))نسبة الى وادي التيم، واحيانا اخرى ب«الحاكمية»((535)) نسبة الى الخليفة الفاطمي الحاكم بامر الله تنال من متانة الحجج التي اعتمدها ابن تيمية لتسويغ «الحملات الكسروانية». فعلى الرغم من «درزية» التنوخيين ومذهبهم مخالف لمذاهب اهل السنة الاربعة، تماما كما هي حال مذاهب الجماعات الكسروانية المهدورة دماؤها فان التنوخيين لم يترددوا في المشاركة بالقتال الى جانب المماليك ضد الكسروانيين جميعا بمن فيهم اخوانهم في المذهب، ما يجعلنا نرجح ان الدوافع الرئيسة للحملات المملوكية على كسروان كانت سياسية وليست دينية او مذهبية((536)).

اما ما تذرع به الشيخ ابن تيمية في رسالته الى السلطان، من ان كثيرا من «فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء [الكسروانيين] لهم، كما كان في زمن غازان وهولاكو وغيرهما»((537)) وان اهل كسروان قد تعاونوا مع المغول (التتر) والفرنج ضد عساكر المسلمين، ليس دقيقا، ولا ياخذ بالاعتبار الظروف السياسية السائدة آنذاك في بلاد الشام، ابان الصراع المملوكي الفرنجي، والمملوكي المغولي، حيث حجبت الاجواء السياسية المتلبدة في فضاء المنطقة الرؤية امام معظم الجماعات السكانية، ما جعلها في حالة تردد وضياع، وعاجزة عن تدبر خياراتها ومواقفها من القوى الفاعلة على ساحة الصراع في الشام. وحال تنوخيي بلاد الغرب لم تكن لتختلف نوعا عما كانت عليه حال الجماعات اللبنانية الاخرى.

وتكاد تجمع المرويات التاريخية على ان مواقف الامراء التنوخيين الملتبسة والمترددة تجاه الايوبيين والمماليك واسياد بيروت الفرنج مثلت الدافع الاساسي لتجريد الملك الناصر يوسف الايوبي، صاحب حلب ودمشق، حملة عسكرية الى قرى بلاد الغرب لمعاقبة سكانها عام 653ه/1255م((538)). كما ان السياسة التوازنية التي اعتمدها الامراء التنوخيون عشية معركة عين جالوت، عام 658ه/1260م، حين توافقوا على تقسيم قواتهم بين المماليك والمغول، بسبب سوء تقديرهم لنتائج المعركة، جعلت المماليك يشككون بهم ويقدمون على الاقتصاص منهم((539)). فبعيد انتصار المماليك على المغول، امر السلطان الظاهر بيبرس باعتقال ثلاثة من كبار الامراء التنوخيين وتجريدهم من اقطاعاتهم في بلاد الغرب، واعلن انه لن يفرج عنهم قبل طرد الفرنج من الشام، فاستمروامسجونين الى ان اطلق سراحهم الملك السعيد بركة (676 678ه/1277 1279م) بعد وفاة والده عام 676ه/1277م((540)).

ولم تكن مواقف امراء المماليك في الشام بمناى عن تاثير الاوضاع السياسية المضطربة السائدة وقتذاك. فقد تعاون بعض هؤلاء الامراء بشكل سافر مع المغول،ومنهم الاميران الكبيران سنقر الاشقر وازدمر الحاج، وقد بلغ بهما الامر ان اقدما على مراسلة المغول وتشجيعهم على مهاجمة البلاد((541)).

لذلك، فان ما تضمنته رسالة شيخ الحنابلة من كلام حول اعتداءات الكسروانيين على العساكر المملوكية، عام 699ه، يندرج، على الارجح، في سياق تسويغ «الحملات الكسروانية» والاجراءات القاسية المتخذة في حق اهالي المنطقة، وبخاصة في حملة عام 705ه. وحتى لو سلمنا جدلا بصحة الاتهامات المنسوبة لاهل كسروان، كما ورد في «الرسالة»((542)) فان ما اقدم عليه هؤلاء من «اعتداء» على القوات المملوكية المتقهقرة امام الغول، على اثر وقعة وادي الخزندار،انما يندرج، على الارجح، في اطار اعمال الغزو والنهب التي تتعرض لها، احيانا، الجيوش المهزومة في اثناء تراجعها على غير انتظام، وليس في اطار استراتيجية عمادها التحالف مع «اعداء المسلمين».

وفي الواقع، فان تمركز الاقليات المعارضة في موقع استراتيجي مهم، كجبال كسروان، يجعلها تشعر بالامن والاستقرار لكونها بعيدة عن متناول السلطة المركزية،وعن هجمات الفرنج والمغول المحتملة. لذلك، كان من البديهي ان تعي هذه الاقليات انه ليس في مصلحتها الانخراط في اي من المحاور المتصارعة على ارض الشام، وان عليها محاذرة الوقوع في شرك كهذا. وهي، اذا ما اقدمت على ذلك، فستخسر بالضرورة استقلالها في خضم المواجهات الدامية. وايا تكن نتيجة الصراع، فلن يكون المنتصر فيه ليسلم، بعد حسم الامور لمصلحته، بوجود منطقة خارجة عن دائرة سيطرته، ولا تعترف بسيادته عليها. وعليه، فحين استقرت الاوضاع في بلاد الشام لصالح المماليك، بعد طرد الفرنج منها، كان من الطبيعي ان يقدم المماليك على اتخاذ سياسة حازمة اتجاه سكان كسروان، بوصفهم خارجين على سلطتهم السياسية وليس لاسباب دينية او عقدية كما ورد في رسالة ابن تيمية الى السلطان المملوكي. ويتوافق ما ذهبنا اليه مع ما ذكره المستشرق  هنري لاووست H. Laoust بقوله: «يبدو لنا غير صحيح ان نعرض لهذه الحملات على انها مظهر من مظاهر التعصب السني ضد الشيعة، بل انه لمن الاصح ان ننظراليها، وقبل كل شيء، على انها عملية امنية مهمة»((543)).

وثمة قرائن عديدة تدعم ما ذهبنا اليه، ومنها:

- مشاركة التنوخيين الدروز في «الحملات الكسروانية» على الرغم من ان بين المستهدفين بالعمليات العسكرية اخوانا لهم في المذهب.

- مبادرة الامير اسندمر، نائب طرابلس، الى نقل عدد من سكان جبال كسروان الى طرابلس وبلادها، بعد هزيمتهم، حيث استخدم «جماعة منهم بطرابلس بجامكية وجراية» تدفع لهم من خزانة الدولة، و«اقطع بعضهم اخبازا من حلقة طرابلس»((544)).

- انخراط عدد وافر من طائفة النصيرية في وظائف عسكرية ومدنية في الدولة المملوكية((545)).

4- نتائج الحملات الكسروانية:

اسفرت الحملات العسكرية على كسروان عن تبدلات سياسية واجتماعية وسكانية في هذه المنطقة، فباخراجهم النصيرية من مناطق كسروان، وبمنعهم انتشارالشيعة والدروز شمالا، يكون المماليك قد اسهموا، من دون قصد منهم، في تعزيز مكانة المسيحيين في كسروان ومحيطها.

لقد اعقب تخريب هذه البلاد نزوح الناجين من سكانها الى اماكن مختلفة من بلاد الشام، كي يكونوا بعيدين عن متناول السلطة. فبعد افول مكانتهم السياسية في جبل لبنان وما حوله، انتقل معظم الشيعة الى البقاع وجزين وجبل عامل، كما لجا بعضهم الى مناطق اخرى، حيث اعتمدوا التقية متظاهرين بالانتماء الى الشافعية، احد مذاهب اهل السنة الاربعة، ليعود جماعة منهم، بعد حين، الى قراهم في جرود كسروان، وبخاصة الى المرتفعات الوعرة منها، فاعادوا بناءها،واستقروا فيها، من دون ان يستعيدوا مكانتهم، بوصفهم يمثلون عصبية محلية لها حضورها الحيوي على مساحة الحدث في منطقتهم، وحاذروا التمركز في التلال المشرفة على الساحل بسبب وجود الحاميات التركمانية على مقربة منها((546)).

اما الجماعات الدرزية فنزحت الى المناطق الجبلية في الشوف، بينما توجهت جماعة النصيرية شمالا لتستقر في منطقة عكار، حيث انتقل بعض منهم الى مذاهب اهل السنة((547)).

اما مسيحيو المناطق اللبنانية في الشمال، حيث الاكثرية المارونية، فلم يكن ثمة ما يسوغ تحالفهم مع اهالي كسروان، لان انتصار الكسروانيين وتنامي نفوذهم قديهدد استقلال جيرانهم، وفق ما ذكر المستشرق هنري لاووست((548)) (H. laouts). ويعزز ذلك اننا لم نقع في المصادر التي وصل اليها اطلاعنا على ما يؤكدمشاركة مسيحيي الشمال في الخروج على المماليك، بل ان هؤلاء المسيحيين استفادوا من المستجدات الحاصلة في منطقة كسروان، وخلوها من سكانها،فانتقلت جماعات منهم الى المنطقة واستوطنتها من دون اعتراض من المماليك، ذلك لان هؤلاء الاخيرين، حسب تعبير عادل اسماعيل((549)) كانوا يفضلون المسيحيين المحايدين على المسلمين المخالفين لهم، والمستعدين دائما للعصيان».

ومنذ القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، وربما مع بداية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، بدا الموارنة يتمركزون بكثافة في مناطق كسروان وجبيل، مستفيدين من الصراع المستفحل بين التنوخيين الدروز وبني عساف السنة من اصول تركمانية، وبسطوا سيطرتهم تدريجيا على بلاد كسروان وجبيل((550)).

ولحماية السواحل الشامية من هجمات الفرنج المحتملة، اقطعت اراض في كسروان لاربعة من الامراء المماليك، وهم:

«علاء الدين بن معبد وعز الدين خطاب وسيف الدين بكر الحسامي وابن صبح»، لتستعاد منهم، بعد وقت قصير، كي تقطع لامراء بني عساف التركمان الذين استقدموا من الكورة على ان يقوموا بحراسة المنطقة الساحلية «من ظاهر بيروت الى حدود مملكة طرابلس»((551)). اما السواحل، من بيروت الى صيدا، فانيط امر الدفاع عنها بالامراء التنوخيين، بعد ان اعيدت اليهم اقطاعاتهم في بلاد الغرب، التي سبق ان انتزعت منهم في عهد الظاهر بيبرس، وذلك بمسعى حثيث قام به كبير امرائهم، وقتذاك، ناصر الدين بن الحسين التنوخي (ت 750ه، 1350م) لدى ملك الامراء في الشام، الامير حسام الدين تنكز، نائب دمشق، فكتب الاخير «مطالعة الى السلطان ذكر فيها قدم املاك امراء الغرب، فرسم السلطان انها تستمر بايديهم»((552)). ومنذ ذلك الوقت، ذاع صيت التنوخيين في بلاد الشام، وكان لهم الدور السياسي والعسكري المؤثرفي احداث المنطقة، واستمروا يتوارثون اقطاعاتهم حتى سقوط حكم المماليك في الشام على اثر هزيمتهم امام العثمانيين في معركة مرج دابق عام 922ه، 1516م((553)). كما عهد المماليك الى امراء بني سيفا، وهم من الاكراد السنة، امر حماية المناطق اللبنانية الشمالية (طرابلس وعكار)((554)) واحكمواسيطرتهم عليها الى حين زوال سلطتهم على يد الامير فخر الدين الثاني المعني (1572 - 1635م).

في الختام، نشير الى ان التحولات التي عرفتها البنى الاجتماعية والدينية للسكان في لبنان الحديث والمعاصر، انما تعود، في جانب كبير منها، الى ما احدثته الحملات المملوكية على كسروان ومنطقتها، في اواخر القرن السابع واوائل القرن الثامن الهجريين/ اواخر القرن الثالث عشر واوائل القرن الرابع عشر الميلاديين،والتي لا تزال بصماتها شاهدة على المعالم الاساسية للتوزع السكاني في لبنان الحالي بعامة، وفي منطقتي كسروان وجبيل على وجه الخصوص.

العدل والامامة
مانعان من فصل الدين عن السياسة

حوار مع الدكتور عبد العزيز ساشادينا

الاستاذ الدكتور عبد العزيز ساشادينا استاذ في جامعة «فرجينيا» الاميركية، صدر له، مؤخرا، كتاب يبحث في موضوع «ولاية الفقيه» عنوانه: «الحاكم العادل في الاسلام والتشيع» عن جامعة «اوكسفورد»، ولما كان هذا الكتاب يثير مسائل كثيرة جديرة بالتوضيح كان لنا معه هذا الحوار.

- في البداية، نود ان تقدموا لنا تعريفا بكتابكم، الذي صدر مؤخرا، وبطبيعة بحثكم، فهل كان كلاميا او فقهيا او فلسفيا او سياسيا، او انه يشمل هذه المواردجميعها؟ وما هو البحث الذي ترون انه اكثر ملاءمة للحوار في المحافل الاكاديمية والعلمية، في الغرب، حيث تسود النظرة السلبية الى مفهوم الحكومات الدينية بوصفها؟

* قمت بتاليف كتاب تحت عنوان: «الحاكم العادل في الاسلام والتشيع»، وقد تم طبعه في جامعة «اوكسفورد».

كان مفهوم «الحاكم العادل» حديث الفقهاء قديما، كما ظهر من خلال اجوبتهم عن مسائل الفقه السياسي، وقد تكرر كثيرا في الفقه.. ويراد منه الامام المهدي (ع)،او الفقيه العادل الذي يطبق احكام الشريعة.

نعم، كان هذا المفهوم متداولا في عصر المفيد والطوسي وغيرهما في بداية الغيبة الكبرى، ولا يزال يرد كثيرا في الفقه الى يومنا هذا.

اما دراستي عن ولاية الفقيه فقد كانت من منظور الفقه السياسي والكلامي، انني اعتقد ان تنقيح العقائد الدينية له تاثير على الابواب الفقهية بخلاف السيد حسين المدرسي الطباطبائي الذي راى عدم التاثير.

واعتقد، ايضا، ان العدل والامامة ركنان اساسيان في التشيع، يمثلان مبنى عدم فصل الدين عن الدنيا. وقد ذكرت، في الفصل الاول من كتابي، ان هذين الركنين (العدل والامامة) هما القناة التي تربط بين الدين والدنيا. وقد كنت مصرا على القول: ان هدف النبي (ص) الوحيد لم يكن الاخذ بايدي الامة نحو السعادة الاخروية فحسب، بل كان يؤكد في سلوكه على بيان العلاقة التي تربط بين الدنيا والاخرة، وكون الاخرة هي ثمرة الدنيا وحصيلتها. وقد اهتم التشيع بهذا التوجه الديني الاساسي كثيرا. فالعلمانية ربما يمكنها ان تقوم بعملية التحريف لبعض المفاهيم الاسلامية، كمفهوم «الله» او «الاخرة»، ولكنها قد تعجز عن تحريف مفهوم «العدل الديني»، او مفهوم «الامامة» بمعنى القيادة الحكيمة والرشيدة للامة.

واقارن بين هذا المعنى ومفهوم اهل السنة، فقد ذكر في كتاب: «الاختلاف بين الامام الشافعي والامام مالك» بحث مهم هو: «الامامة الصغرى بعد الامامة الكبرى»،ويراد بهما الكتاب والسنة. وهذا البحث، في الواقع، هو بحث عن ولاية الفقيه، لان الكتاب والسنة لا يفسران او يطبقان بنفسيهما، وانما هما بحاجة الى الفقيه في تفسيرهما والعمل بهما. وهذا المعنى موجود عندنا، ايضا، فهم يرون ضرورة تطبيق الشريعة الاسلامية في المجتمع وعدم الفصل بين الدين والدنيا، وهذا من ضروريات مذهبهم.

غاية الامر انهم لم يطبقوا هذا المفهوم في سلوكهم العملي، فساندوا الحكام ووقفوا الى جانبهم في اغلب مراحل التاريخ، ولم يكن لهم موقف متحد ورافض، اماعلماء الشيعة فقد حافظوا على هويتهم واستقلالهم، ولم يخضعوا للحكام، بل حصل العكس من ذلك، وصار الحكام اتباعا للعلماء احيانا.

وبعد الانتهاء من البحث الكلامي، جاء دور البحث الفقهي، وقد ذكرت فيه كيفية البحث عن «مسالة الامامة»، واشتراط حضور المعصوم في بعض المواردكالجهاد، وصلاة الجمعة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبخاصة اذا كان الامر بالمعروف من منطلق القوة والقدرة.

لقد اجبر العلماء على عدم التعرض لبحث ولاية الفقيه او متابعة هذا البحث، فكان هؤلاء يوجزون في الحديث عن الولاية السياسية للفقيه، من دون ان يصرحوابها، بل كانوا يبحثون عنها في المسائل الفرعية، ولا يتعدون حدودها. ففي باب العقود، مثلا، يطرحون هذا السؤال: من هو ولي من لا ولي له؟ ويجيبون: «السلطان  هو ولي من لا ولي له»، ومن يؤدي حقوق المراة التي لا زوج لها والصبي الذي لا ولي له؟ وهم في ذلك كله يشترطون العدالة في الولي وكذا وكذا. وبقيت هذه النظرة سائدة الى عصر العلامة الحلي، حيث نفض عنها بعض الغبار، وذكر بحث ولاية الفقيه في مسالة الامر بالمعروف بوضوح، وفتح لها آفاقا واسعة، ولكنه لم يتحدث بصراحة عن دائرة الولاية الوسيعة، فيقول مثلا: «السلطان يقبل ولاية من ولا ولي له»، ونحن نتساءل هنا: يا ترى.. من هو هذا «السلطان» الذي يريد العدالة وتطبيق الشريعة الاسلامية؟!

ومن الواضح جدا ان مرادهم من «السلطان» هو الفقيه المجتهد العادل لا الحكام والملوك.

تعد الامامة تجسيدا للنبوة في التشيع. اما لزومها فقد كانت الامة، بعد وفاة النبي (ص)، بحاجة الى التشريع والى القيم عليها، ولا يتم ذلك الا من خلال تحقق مفهوم الامامة، وهي بمعنى المضي على نهج النبوة بعد النبي. اما وظيفة العلماء فهي متابعة مسيرة الائمة (ع) والسير على نهجهم، واصطلحعلي ان يسموا ب«الائمة بلا نصوص علي امامتهم» (Fun Ctional-Imam) لانهم يتمتعون بالصلاحيات و الاختيارات التي يختص بها الامام المعصوم.

- هل تقصدون ان العلماء يتمتعون بالاختيارات والصلاحيات التي يختص بها الامام المعصوم (ع) حتى الاجتماعية منها؟

* نعم، فالعقل يحكم بضرورة وجود المرجع والقائد للامة للقيام بمسؤولياتها الدينية والدنيوية وانجاز وظائفها المادية والمعنوية. والنقل، في ذلك، واضح لا غبارعليه. لقد بحثت في مقبولة «عمر بن حنظلة» وغيرها، فوجدت ان العقل والنقل معا يوجبان ضرورة تصدي العلماء العدول والعارفين بامور زمانهم لهذا المنصب الحكومي وادارة المجتمع، وهذا المنصب يختص بهم من دون غيرهم.

لقد كانت اطروحتي عن ولاية الفقيه ردا على كتاب: «ظل الله في الارض والامام الغائب» لامير ارجمند، والذي الفه في اميركا تحت عنوان: «Shadow of God ana The Hidden Imam»

وقد ادعى فيه ان استبداد العلماء ورغبتهم في السلطة هو السبب في خروجهم عن «الحريم الديني»، فسيطروا على مقدرات الشيعة واحكموا القبضة عليهم، وتامروا على الشيعة ما استطاعوا ان يتامروا.

وانا اقول العكس من ذلك.. فالعقل والنقل يوجبان معا ضرورة وجود المرجع والقائد على الامة لادارة شؤونها في مختلف المجالات في عصر الغيبة. وقد حرص الامام (ع) كثيرا على ذكر صفات هذا المرجع، وبين وظائفه في غاية الدقة والاحتياط. فمثلا عندما يسال الامام (ع)، وكما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة، عن صفات المرجع الذي يحكم الامة، يقول (ع): هو الشخص الذي تتوافر فيه العدالة والاعلمية، فقد بين (ع) خصائصه (Character) بان يكون علمه كذا، واخلاقه و سلوكه كذا وكذا، والا فلا ولاية له على الامة.

وقد اضفت ثلاثة مصطلحات دقيقة ومهمة اخرى ينبغي توافرها في الفقيه، وهي: العلم الصحيح، والاخلاق الصحيحة، والايمان الصحيح، والتسليم المطلق لعلوم الائمة (ع) وقبولها، وان تكون اخلاقه وسيرته صحيحة ومرضية.

لقد تعلم الشيعة هذه الدقة من ائمتهم (ع). اما النيابة عن الامام فقد بدات في عصر الامام الصادق (ع)، وقد كانت مكانية، وذلك عندما كان الائمة (ع) في المدينة، ثم استعد الشيعة لقبول النيابة الزمنية التي بدات بغيبة الامام المهدي (ع)، ثم بعد ذلك ذكرت ابوابا فقهية يشترط فيها حضور الامام المعصوم ردا على «امير ارجمند» وعباس امانت (مؤرخ العصر القاجاري)، فاستعرضت آراء الفقهاء قديما حول صلاة الجمعة ابتداء بالشيخ المفيد الذي قال: «ان صلاة الجمعة لاتقام الا بحضور الامام المعصوم (ع) او من ينصبه»، ثم ذكرت بعض مزاعم المعارضين لولاية الفقيه، ومنها ان بحث ولاية الفقيه يفتقد الجذور التاريخية،ويقصدون بهذا البحث نظرية خاصة بالامام الخميني يرون انه انفرد بها وحده، واجبت عن هذه المزاعم بالقول: ان هذه النظرية لم تبدا مع الامام الخميني(رض)، وانما كانت بحثا قديما للفقهاء منذ بداية الغيبة، وجاء دور الامام الخميني(رض) فوضع لهذا البحث قالبا جديدا وصياغة حديثة، فاخرجها من النظرية الى التطبيق، وقد بلغ البحث فيها اعلى مستوى النضوج. وايدت كلامي ب آراء بعض العلماء كصاحب الجواهر والوحيد البهبهاني وغيرهما، وبينت ان مراد هؤلاء العلماء من «السلطان العادل» هو «الحاكم الديني العادل» لا الحكومة والسلطة!

- الاعتقاد السائد، اليوم، في داخل ايران وخارجها، ان بحث ولاية الفقيه هو نظرية شخصية انفرد بها الامام الخميني وحده، ولا جذور تاريخية لها، وانتم ترفضون هذا الادعاء، فكيف تردون على هذا الفهم الخاطىء؟

* انني ارفض هذا الفهم لنظرية ولاية الفقيه.. فقد كانت اطروحتي عن ولاية الفقيه في جانب، والاطروحة الغربية في جانب آخر، وقد قام الطالب الجامعي «مايك غيل»، من كندا، بمقارنة بين اطروحتي هذه وبعض الاطروحات الغربية، ومنها اطروحة «امير ارجمند» عن ولاية الفقيه. اما انا فقد اعتمدت على المنهج التدريجي في ذكر الادلة الفقهية والكلامية في هذه النظرية من دون الحدس والتخمين.

- هل سبق ان تم البحث في ولاية الفقيه، وفي حدود الولي واختياراته، بهذه السعة قبل بحث الامام الخميني؟ فنحن لا نتصور ان هذه الصلاحيات تشكل بنودااضافية وجديدة في هذا البحث، فلا يمكن ان تتحقق الحكومة من دون توافر الاختيارات والصلاحيات المطلقة لها. وبعبارة اخرى، ان لم تكن ولاية الفقيه مطلقة، فلا قيمة لها ابدا، وهي شبيهة بحكومة طالبان في افغانستان، فالولاية المطلقة هي نفسها ولاية الفقيه مع التاكيد والتصريح على نوع صلاحياتها المشروعة التي تنسجم مع الاهداف الالهية والاحكام الشرعية..

* نعم، لقد بحثت اجتهاد الامام الخميني(رض) في جهتين، وساوضحهما هنا. صحيح ان بعض العلماء كانوا قد بحثوا ولاية الفقيه في بعض الابواب الفقهية كالامور الحسبية والافتاء والقضاء، وتوقفوا لدى امور مهمة، ولكن لا يوجد اي فقيه يخالف تطبيق الاحكام الالهية، وقد كان للامام اجتهادات فيها ايضا، اماالعلماء فانهم متفقون على ان للفقيه الجامع للشرائط اختيارات وصلاحيات عديدة. اما اجتهاد الامام فقد كان في جهتين:

1- التصريحات الكثيرة للامام الخميني(رض) حول بيان الحدود والاختيارات التي ينبغي توافرها للولي، ابتداء بالقضاء وامور اخرى. فان ولاية الحكم هي نفسهاولاية القضاء، وان القضاء من لوازم الحكومة وشؤونها، كما انه ينتهي اليها. هذا ما اعلن عنه الامام الخميني بكل صراحة وجراة.

- يعني ان القضاء منصب حكومي، وان ولاية «القضاء» والزعامة السياسية، او الحكومة، امران متلازمان لا يتحقق احدهما من دون الاخر؟!

* نعم، وينبغي توسيع مفهوم «الوالي على الحكم» عقلا، فلو فرضنا عدم توافر النصوص الصريحة فيها، فالعقل ايضا يحكم بان الحكومة هي من لوازم الفقيه العادل ومختصاته، ونحن لدينا الادلة النصية الكافية على ذلك، علاوة على الادلة العقلية.

2- الاجتهاد الاخر للامام هو ايجاد انموذج شعبي للحكومة الاسلامية، فالمناصب الشرعية والالهية لا تتحدد في جهة معينة شعبية او اقليمية مثلا، وانما هي عامة وذات طابع شمولي وفوق الامم والشعوب. لقد كان اجتهاد الامام(رض) هو صياغة هذا المنصب الالهي ضمن الاطار الشعبي والدستوري لامة معينة ليكون نقطة الانطلاق نحو الامم والشعوب الاخرى.

لقد كان هذا هو التفكير السياسي نفسه، السائد عند اهل السنة، في مسالة الخلافة والحكومة بعد صدر الاسلام الاول، فكما اننا نبحث عن الحوادث الواقعة بعدالغيبة الكبرى، فهم يبحثون ايضا عن الحوادث والملابسات التي وقعت بعد الخلفاء الراشدين... اي ما الذي حدث في غيابهم؟ ثم نصل معا الى بحث الولاية.

وكلانا نقول: ان هذا المنصب خاص بولي الفقيه الجامع للشرائط لا غير، وعليه ان يقبل هذه المسؤولية، لقد تمثل اجتهاد الامام(رض) في تحديد هذا المنصب الالهي ضمن اطار شعبي واقليمي معين، مع ان هذا المنصب الشرعي فوق الشعوب والامم وابعد من التحديد.

- لعل قاعدة «الوسع» هي التي اقتضت هذا التحديد، بمعنى ان الظروف لم تكن تسمح بان يصبح هذا المنصب الشرعي عالميا، ويتعدى حدود الامم والشعوب،ولكن، مع ذلك، فان نظرية ولاية الفقيه هي نظرية عالمية في العالم الاسلامي.

* هذا صحيح تماما، وقد اعتمدت في اطروحتي عن ولاية الفقيه على كتاب «الامام الخميني والدولة الاسلامية»، للشيخ محمد جواد مغنية، وهو كتاب رائع جدا،فقد انتقد فيه وبشدة تحديد ولاية الفقيه في جهة معينة شعبية او اقليمية، وخالف تلك النظرة المحدودة الى ولاية الفقيه، والتي تحصرها في شعب او امة معينة،لان الحكومة الاسلامية حكومة عالمية فوق الامم والشعوب، ولا تختص بالشعب او الدستور الايرانيين وحدهما.

انني اعتقد ان هذا السير الطبيعي والتاريخي والعقلي كان قد انتهى الى النظرية التي وضعها الامام الخميني عن ولاية الفقيه.

- هناك بعض الالفاظ المتداولة في عصرنا، مثل «الحكومة الشعبية» او «الحكومة الشعب»، وهي ليست سوى الزامات خارجية مفروضة على واقعنا المعاصر،وعلينا تنفيذها وتطبيقها، والا فلا يتصور ابدا من الامام(رض) ان يحدد هذا المنصب الالهي في اطار طائفي واقليمي معين، وهو يتنافى مع تصريحاته السابقة عنه!

* هذا صحيح طبعا، فانا لا اعتقد ان بحث الامام في ولاية الفقيه فيه نوع من التعصب الطائفي، او تحديد امة معينة ابدا، ولكن تحديد هذا المنصب الالهي في اطار شعبي واقليمي معين كان لازما وضروريا. وقد اعجبت بلفظة «الحكومة الشعب» التي ذكرتموها، وسالت بعض الباحثين عن معناها باللغة الفارسية.

- المعاهدات الدولية، اليوم، لا تسمح لاي دولة بان تكتب دستورا لدولة اخرى وتتدخل في شؤونها الداخلية، ولكن لا مانع من طرح نظرية ولاية الفقيه على الصعيد العالمي. وسؤالي هنا: هل ان ادلتكم النقلية على ولاية الفقيه هي الادلة النقلية التي ذكرها العلماء والامام الخميني او لا؟

* نعم، فقد كان استنباطي لتلك الادلة هو استنباط العلماء نفسه القائل: ان ولاية الفقيه لازمة، وانها منصب ضروري، وقد كان هذا ولا يزال امرا مقنعا.

وهناك استدلال عقلي آخر مفاده ان التشيع يفنى ان لم تكن له دولة وكيان، لان الحكام آنذاك كانوا قد عزموا على انهاء ظاهرة التشيع، وكانت بداية الغيبة من المراحل الحرجة والعسيرة في تاريخ الشيعة، فلو وجد الحكام فرصة لتحطيم المذهب الشيعي فما كانوا ليتوانوا لحظة واحدة في ذلك، ولكن جهود اصحاب الامامين العسكري والمهدي (ع) كانت قد حالت دون ذلك، حيث قاموا بتنظيم الطلائع الايمانية وتهياوا لمواجهة هذا الامر الخطير وما بعده، وقاموا بادارة امورهم المالية والمعيشية، فكانوا يستلمون الاخماس والزكوات وينفقونها عليهم، ولذا لم يترك العلماء مسؤولية الافتاء والقضاء ولا النظام المالي وسائر شؤون الحكومة الاسلامية الاخرى منذ البداية. وقد كانت الشيعة تعلم انها ان لم يكن لها كيان ودولة تحميها من التهديدات فانها ستفنى وتنتهي عبر التاريخ، فكان الامام المعصوم القطب والمحور لهذا النظام، والمرجع للامة في شؤونها العامة، ومن ثم جاء دور العلماء في التصدي لمسؤولية قيادة الامة وادارة شؤونها.

وكان نواب الامام المهدي (ع) الخاصون هم المتصدون لتلك المسؤولية في الغيبة الصغرى، ثم جاء دور العلماء العدول في بداية الغيبة الكبرى وترك حق الانتخاب والاختيار للامة في تعيين مصيرها.

- يعني انتم تقولون: ان الائمة (ع) كانوا يهيئون الطلائع و«الكوادر» المؤمنة، ويعدون العدة في ذلك قبل تشكيل الحكومة، اي «دولة داخل دولة»، واقامة حكومة يكون لها نظام مالي وافتائي وقضائي، اي ذات نظام وقانون تشريعي يتصدى لمسؤولية ادارته العلماء والفقهاء مراعين فيه جانب الحذر والكتمان؟

* نعم، نعم هو كذلك.

- ذكرتم ان الامة هي التي تقرر مصيرها بنفسها، وهو متروك اليها في عصر الغيبة الكبرى...، فهل هي ديمقراطية؟

* لا، لا اقول: انها ديمقراطية، وانما هو واجب كفائي، فالوظيفة الشرعية تقتضي اسهام المسلمين جميعهم في تطبيق الايديولوجية الشيعية، ويكون التصدي لمسؤولية الولاية والحكومة خاصا بالفقيه.

- في النظام الديمقراطي يحق للامة ان تتدخل، او لا تتدخل، في تعيين مصيرها، اما في الاسلام فتقرير المصير وظيفة شرعية وواجب تكليفي كما ذكرتم، فكيف يمكن التوفيق بين هذين الاتجاهين؟

* نعم هو تكليف، فالواجب الكفائي معناه: اننا وضعنا لكم المعايير والقواعد، وعليكم ان تنتخبوا الفقيه اللائق بامر الولاية، وهذه مسالة عقلية في علم الاجتماع،مفادها ان المجتمع القائم على مبدا العقيدة «لا يمكن ان يدير اموره بلا دستور ولا رئيس، وان الحكومة تختص بذوي الكفاءات والاختصاص». وقد اصطلح بعض الباحثين عليهم بانهم «رجال الكنيسة» او «اهل الكنيسة»، وانا اخالف هذا التعبير، والافضل ان نعبر عنهم ب«علماء الشيعة» والاخصائيين في العلوم والاخلاق والاحكام الدينية. وقد ادى البحث هنا الى ذكر الاخصائيين «Scholar» وارفقته بالنظرية والاستدلال. فقد كان العلم مرافقا للاخلاق دائما في المفهوم الاسلامي، وهما متلازمان، وليس رجل الدين عالما فحسب، بل هو العامل، ومن اهل الفضل والورع ايضا.

لقد تمنت الشيعة ان تتجسد هذه الصفات في امامها، وان تقوم الحكومة على اساس الصلاحيات الاخلاقية والخصائص العلمية والعملية، والا فلا مشروعية لهافي نظر الشيعة.

- وهذا في الحقيقة انما نشا من تعاليم الائمة (ع)؟

* نعم، فقد علموا الشيعة ان لا يركضوا وراء السراب وخلف كل ناعق، او يركنوا لاي حكومة. وقد حرص الائمة (ع) حرصا شديدا على بيان صفات الحكم والحكومة، وتجسد ذلك في سلوكهم العملي، وانتقل ذلك الى شيعتهم، وعلموهم انه ينبغي عليهم ان يقلدوا من تتمثل فيه مقومات القيادة ويمتلك العلم والاخلاق الحميدة، وذلك لان الاحكام الالهية والحقوق الاجتماعية وكرامة الامة لها اهمية كبيرة في الشريعة الاسلامية.

- لماذا سكت بعض العلماء، اذا، عن التصريح بولاية الفقيه، مع وضوح ادلتها العقلية والنقلية؟! او لماذا استعملوا التقية ولم يبحثوا عنها (ولاية الفقيه) كما هواليوم؟! بل حاول بعضهم الحد من هذا البحث وتضييق دائرته؟! فهل يمكننا ان ندعي عدم توافر الارضية اللازمة للحديث عنها، او ان الامر كان بسبب التقية، اوبسبب عوامل اخرى، فما هو رايكم في ذلك؟

* من عوامل الضعف عندنا عدم وجود تاريخ للفقه الشيعي، فلا نسال: اي كتاب فقهي كتب؟ وفي اي تاريخ؟! فالفقيه يعطي فتواه من خلال الظروف التي يمر بها مجتمعه. العلامة الحلي، مثلا، يفتي في باب الجهاد من خلال ظروفه الخاصة ومعاناته، او من خلال الحوادث التي مر بها الشيخ الانصاري في العصر القاجاري وهكذا... فالظروف مهمة جدا ولها تاثير على الفتوى، وهكذا بالنسبة الى بعض النظريات عن ولاية الفقيه. اما السكوت عنها فيعود الى الظروف، والى احتياط بعض الفقهاء في الحديث عنها، وقد كان هذا الاحتياط لازما وضروريا، لان هذا المنصب بالدرجة الاولى للامام المهدي(ع)، ففي بحث الجهاد مثلا يقول الشيخ المفيد: ان الجهاد الدفاعي واجب عقلا، وينبغي اعمال الولاية فيه، اما الجهاد الابتدائي «offensive» فهو خاص بالامام المهدي (ع)، وان الامام المعصوم وحده هو الذي يقوم بتامين ذلك وضمانه، بان لا تذهب النفوس هدرا، فالدماء والنفوس والاعراض لها اهمية بالغة وكبيرة في المذهب الشيعي، وقد كان هذا هو السبب في احتياط الفقهاء في امر الحكومة، وكان بعضهم قد بالغ في الاهتمام بهذه المسالة كابن ادريس مثلا.

- هذا حسن جدا، ولكن ليس البحث هنا في من يحكم: الفقيه او الامام المعصوم؟ في حال حضور الامام (ع) لا ولاية لاحد غيره ابدا، اما في عصر الغيبة فالامر يختلف تماما، ويصبح التساؤل هكذا: هل ان الفقيه العادل، هو الذي يحكم او غير الفقيه وغير العادل؟! الم يلتفت ابن ادريس الى هذه الحقيقة الواضحة، ويرى ان الاحتياطيقتضي تصدي الفقيه لامر الافتاء فقط لا غير؟! فالامة بحاجة الى الحكومة اذا، والحرب والسلم واخذ الضرائب والتربية والتعليم وغيرها... هذه امور لاتنفصل عن الحياة الاجتماعية، والسؤال هنا: هل ان التصميم في هذه الامور جميعها يقع على عاتق الفقيه العادل او على الاشخاص الذين ليسوا بفقهاء ولاعدول؟ لقد كان الصراع، ولا يزال، قائما بين حكومة الفقيه العادل والحكومات الغاصبة الحالية، وليس بين حكومة الفقيه وحكومة الامام المعصوم، اضافة الى ان نطاق دائرة الافتاء سيتسع حينها، ويرتبط بالكثير من امور الحكومة ومسائلها.

* نعم، لم تكن الظروف مساعدة، ولم تطرح المسالة بهذه الصراحة، ولعل المحقق النراقي كان قد حقق نقلة نوعية في صياغة هذا البحث من جديد في كتابه:«عوائد الايام» ، وقد صرح صاحب «الجواهر» بها قائلا: لو ارتضى العلماء بان يتصدى الحاكم العادل وغير الفقيه لامر الحكومة، فانه من باب اولى ان تكون حكومة الفقيه العادل مشروعة ولازمة؟!

لقد بعثت رسالة، بعد انتصار الثورة الاسلامية المباركة في ايران، وانا في اميركا، الى احد المراجع العظام في النجف وسالته عن رايه في ولاية الفقيه بالمعنى الذي طرحه الامام الخميني؟! فاجابني باقل مما هو متوقع في الاجابة عن المسائل الفقهية، وقد كان محتاطا جدا في الاجابة.

- تقصدون ان العلماء كانوا يتعاملون باحتياط شديد، وباختصار، مع مسالة الحكومة بحثا عن الدليل والنصوص، مع ان المسالة مع كل تلك الادلة النقلية واضحة عقلا ايضا، ولا يزال السؤال مطروحا، وهو: لماذا يرى بعض العلماء ان الحكومة حق لغير الفقيه في عصر الغيبة، وعندما يصل الحديث عن الفقيه يعتذرون فيهاويحتاطون بشدة؟!

* لعل مسوغهم في ذلك هو انهم لا يقدرون على اداء حقها كما هو مطلوب، او انهم لا يفون بالعهد، ولا يمكنهم تطبيق الاحكام الاسلامية بدقة، فقد جعل هذاالقلق بعض الفقهاء محتاطا في امر الحكومة.

- هل يعني ذلك ان العقل والنقل يسمحان بتحمل حكومة الشاه والصبر عليها مثلا ويجيزان ذلك، ما يؤدي الى القول: ان لها مشروعية اكثر من تحمل حكومة الفقيه العادل؟! الا ترون ان هذا الاحتياط منهم خلاف الاحتياط؟!

* عندما سالنا بعض من كان يحتاط في اجتهاد الامام(رض) اجاب: «نحن لا يمكننا ان نرفض راي الامام عقلا ايضا»، فكيف يمكن ان يحكم الشاه وحتى غيرالفقيه ولا يمكن ذلك للفقيه؟! المسالة الاساسية والاصلية عند فقهاء الشيعة، اذا، هي مسالة «العدل»، فالواجب على كل من يقدر على ضمان العدالة للمجتمع والحفاظ على حقوق الامة وكرامتها وذلك من خلال رعايته للموازين الشرعية فيها في عصر الغيبة ان يتصدى لامر الحكومة، ويشترط ان يكون مجتهدا عادلاعارفا باهل زمانه في الدرجة الاولى، ثم نتنزل الى الدرجة الثانية ان لم يوجد، ولكن بعض العلماء كانوا يحتاطون فيها، ويشكون في قدرتهم على ذلك، وقد فقدواالثقة بانفسهم في اداء هذه المسؤولية، لقد كانوا يقبلون بان اغلبية الحكومات تفتقد المشروعية اللازمة، ولكنهم مع ذلك ايضا لم يعتمدوا على انفسهم، ولم تتوافر فيهم الشجاعة الكافية في بناء دولة لهم، اما الامام الخميني(رض) فقد بين نظريته وجسدها عمليا في سلوكه الاجتماعي، وكان رجلا عظيما حقا ومنقطع النظير.

- كان هذا الفقيه الجليل وامثاله يتحدثون، في الحقيقة، عن الموانع الاجتماعية، لا الموانع الفقهية.. اليس كذلك؟

* نعم، لقد فقد بعض الفقهاء الاعتماد على انفسهم في ان يحكموا ويشكلوا دولة لهم، وكانت مظاهر هذا القلق واضحة جدا في آثار الفيض الكاشاني مثلا، فقدراى ان الحكومة «عارية» وليس اكثر من ذلك، فكيف ينوب الفقيه عن الامام (ع) في الحكم؟! فالمسؤولية عظيمة جدا، لان التصدي لامر الحكومة انما هو بالنيابة عن الامام المعصوم، ولكن هل يمكن لاي احد ان يتصدى لهذا المنصب النيابي؟! فالنيابة عن الامام امر عظيم جدا ولا يقوم بها الا العظماء ممن يتحملون تلك المسؤولية.

- يعود التردد، اذا، الى الخشية من عدم القدرة على حمل الامانة، فهم يعتقدون انها واجبة على كل من يجد في نفسه القدرة والقابلية على تحمل تلك المسؤولية العظيمة. الحكومة، اذا، خاصة بالفقيه العادل في عصر الغيبة، ولكن اين ذلك الفقيه الذي يجمع تلك الصلاحيات جميعها، ويكون رجل المسؤولية والعمل؟!

هذا صحيح، فقد اهتم المذهب الشيعي بامر «الدولة والحكومة» حتى عد للناظر اليه، في اول وهلة، «مذهبا حكوميا».

- هل يمكن القول: ان الامام كان قد طرح نظرية ولاية الفقيه بدقة وجدية بعد ان قبلها الفقهاء نظريا، وقال: ان ما يعرفه الجميع واجبا ينبغي تطبيقه عمليا، وذلك بتشكيل الحكومة التي يتم من خلالها تطبيق الاحكام الالهية وتحقيق العدالة في المجتمع؟