لقد قال احد اساتذة
جامعة «هاوارد» الاميركية، وهي تضم
جماعة من الاخصائيين واصحاب النظريات في اميركا:
«لقد
ظهر ان الالتزام بالدين والحاجة اليه امران مهمان في العلاقات بين الشعوب
والامم بعد مجيء الامام الخميني، وسوف
لن
يبقى الدين في عزلة بعد اليوم، وينبغي ان يدخل
معترك
الحياة ويصبح اجتماعيا،
«to
be with some one»
لقد اشرت في محاضرة عن «حقوق الامم والشعوب وما ينبغي عليها ان تتعلمه من
الاسلام» القيتها في جامعة «جورج تاون» الى اهمية الاسرة والعلاقات
الاجتماعية والشعور الانساني في الاسلام، وقد اخذتهما وتعلمتهما معا من الامام
الخميني (رض).
ثم كانت اطروحتي هناك عن النظام الدولي، ومن خلال
نظام
العولمة والتقارب الحضاري، فانه رغم كل هذا التطور
نراه يغفل
عن اهمية العلاقات بين الشعوب والامم.
ولي وصية اخيرة اقدمها الى المحققين المسلمين، وهي:
ان
عليهم ان لا يقيسوا بين الدين الاسلامي والمسيحي
ابدا،
فالمبشرون ازدادوا في مختلف بقاع العالم،ولكنهم
اصيبوا
بخيبة الامل، ولم يوفقوا في عملهم بسبب الاعتقادات
التي
يحملونها، فخلقوا لانفسهم العراقيل والعقبات، وفي
الوقت
نفسه يزدهر الدين الاسلامي يوما بعد يوم ويزداد
بهجة واشعاعا،
الامر الذي يبعث على الحيرة والدهشة في بقاع العالم
جميعها.
علي محمد الخراساني تمهيد قال الامام الصادق(ع) في وصف سيرة الامام المهدي(عج): «... وان يسير فيهم بسيرة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله»((555)).
بالتامل في كلمات الانبياء ورسل السماء، حول نهاية
العالم،
نتيقن ان الفكر الديني يرسم خاتمة سعيدة لها
ولنهاية حياة
الانسان على الارض.
فبالرغم من جميع ما يتعرض له تاريخ البشرية من فساد
وظلم
وانحراف ودمار، سينتهي الليل المظلم، ويطلع فجر
جديد
لحياة الانسان في ظل القائد الالهي الكبير
والمحبوب في
السماء والارض، والمحبوب عند الانس والجن وجميع
المخلوقات.
وسيطلع العالم الباحث عن الحق والعدل على واقع
الحكم
الالهي، وسيتمنى الاحياء عندئذ رجوع موتاهم ليروا
كيف
يجري بحر المعرفة في قلوب طلاب الحق،وكيف يتعايش
الذئب مع الشاة بسلام، وتت آلف البشرية عائلة
واحدة تحت
حكم الامام (عج).
وفي عقيدتنا، ان هذا الوعد الالهي ليس مجرد وهم
اجوف، بل
هو حق لا ريب فيه، فالله لا يقول غير الحق، ومنجز
ما يعد به.
وفي هذا البحث، سنلقي نظرة عابرة على الابعاد
المختلفة
للحياة في مجتمع الامام المهدي(عج).
وبما ان هذا البحث يعتمد، في الاساس، على النصوص
الواردة،
فسنعتمد على ما يمكن من الايات والاحاديث في هذا
الصدد
لرسم الصورة الواضحة للمجتمع الذي يشيده الامام
المهدي
(عج). 1- في البعد العقدي:
اذا امعنت النظر في اجواء دولة المهدي لن تجد في
مجتمعه
اثرا للكفر او الشرك او الالحاد او عبادة الاصنام.
فكما خر صرح اكبر اعداء العقيدة وعالم الغيب، ونعني
به مركز
المادية واصالتها اي الاتحاد السوفياتي وتهدم،
فسوف تتهدم
صروح دول الكفر والشرك الباقية جميعها، وسيعم
شعار
التوحيد جميع ارجاء المعمورة، وستؤمن المجتمعات
البشرية
بالله الواحد وستعبده تعالى من دون سواه.
وستجد البشرية، ببركة حكم الامام المهدي (عج)،
ضالتها، الا
وهي كمال الوجود، وستعشقه وتخضع له، الجميع يعبدون
الله
الواحد، ولهم كتاب واحد (القرآن الكريم)،
ويتوجهون الى قبلة
واحدة (الكعبة) في صلاتهم، والشعار في انحاء الارض
جميعها
هو الاذان، وستلجم الشياطين واتباعهم وتغل ايديهم.
وستحيا
الارض الميتة مرة اخرى بنور الايمان، وتسري
الحياة
في جميع جوانب البشرية: المعنوية والمادية. وستحطم
الاصنام والصلبان، وسيهبط المسيح (ع)، ويلتحق بركب
الامام
المهدي(عج) ويقتدي به. وقد ورد العديد من الروايات
في هذا
الصدد، ومنها:
-
«اذا خرج القائم لم يبق كافر بالله العظيم»((556)).
-
قال الامام الباقر (ع) في تفسير الاية: (اعلموا ان
الله يحيي
الارض بعد موتها)((557)) «..
يحيي الله تعالى بالقائم
بعد موتها،
يعني بموتها كفر اهلها، والكافرميت»((558)).
-
ويكسر الصليب((559)).
-
«... وبالقائم منكم اعمر ارضي، بتسبيحي وتقديسي
وتهليلي
وتكبيري وتمجيدي وبه اطهر الارض من اعدائي»((560)).
فالتهليل والتكبير والتسبيح والحمدهو ما تلهج به
الالسنة
آنذاك، وبذلك ستطهر الارض من رجس اعداء الله.
-
«... لا تبقى في الارض بقعة عبد فيها غير الله الا
عبد الله
فيها»((561)).
-
«... فلا يبقى في الارض معبود دون الله من صنم وشيء
وغيره
الا وقعت فيه نار فاحترق»((562)).
-
«.. وكل ما كان في الارض معبود سوى الله تعالى تنزل
عليه نار
من السماء فتحرقه»((563)).
-
«.. اذا قام القائم لم يعبد الا الله عز وجل»((564)).
فما احلى هذه الدولة وذلك العصر، فحينها ستستيقظ
البشرية
من سباتها العميق الذي استغرق آلاف الاعوام، وتفهم
حينئذ
ان شياطين الانس والجن والطواغيت واتباعهم قد
استغفلتها،
وعن طريق الاغراء والاكراه والتزوير والتحريف عبر
هذه السنين
الطويلة، وابعدتها عن الله العزيز والقتها في
مستنقع الكفر
والالحاد
والشرك.
وكيف انهم تدنوا في مستوياتهم وانحطت نفوسهم
فخضعوا
للاصنام التي نحتوها بايديهم، وعبدوا ما لم ينفعهم
ولا يملك
لنفسه نفعا ولا ضرا، وابتعدوا عن الله
العزيز
الجبار. 2- هيمنة الاسلام على العالم ليس الايمان بالله وتوحيده وعبادته وحده هو الذي
سيهيمن
على البشرية، بل ان التوحيد الخالص سيسري في العالم
كله،
ويضحي دين الاسلام الدين الرسمي للارض كلها.
ولقد انبانا القرآن الكريم بسيطرة الاسلام وغلبته
على باقي
الاديان الرائجة في الارض، وفي غير موضع في الكتاب
المجيد
كرر هذا المفهوم:
قال تعالى: (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق
ليظهره
على الدين كله ولو كره المشركون)((565)) ومثله ورد في
سورة الصف (آية 9) ونحوه في سورة الفتح (آية 28). ولا
شك
في ان مصداق هذه الايات المباركة لم يتحقق حتى
الان،
وسيتم تحققه في دولة الامام المهدي(عج)، وقد بينت
ذلك
روايات عديدة نورد بعضها على سبيل الذكر:
-
«.. ان ذلك يكون عند خروج المهدي، فلا يبقى احد الا
اقر
بمحمد (ص)، ولا يبقى على ظهر الارض بيت مدر ولا وبر
الا
ادخله الله كلمة الاسلام»((566)).
-
«... اذا قام القائم لا يبقى ارض الا نودي فيها شهادة
ان لا اله الا
الله وان محمدا رسول الله»((569)).
-
«... ويبسط الاسلام على الارض»((570)) فسينهض الامام
المهدي(عج) اولا ببسط نفوذ الاسلام الاصيل على
الارض،
ويتلوه تبعا لذلك نفوذ انظمته
السياسية والاقتصادية
والاجتماعية وغيرها... وفاعليتها.
-
«... فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا احد ممن يعبد غير
الله الا
آمن به وصدقه، وتكون الملة واحدة ملة الاسلام»((571)).
-
ويقبل الناس على العبادات والشرع والتدين والصلاة
في
الجماعات((572)).
نعم سيسود التدين مجتمع ذلك العصر، وسيقبل الناس
على
الالتزام باحكام الدين وشعائره، وكما قال الامام
علي (ع): «اذا
تغير السلطان تغير الزمان»((573))
فاذا صلح الحاكم
تغير
المجتمع تبعا له وصلح، فمن الطبيعي اذا كان الحاكم
من اهل
عبادة الله ويعبده حق عبادته((574)) ان يترك تاثيرا
عمليا
على المجتمع وسيرورته الى الالتزام الديني، فيصبح
الالتزام
الديني لدى هذا المجتمع فضيلة كبرى.
ونذكر مثالا لذلك هو ما حدث في ايران الاسلام بعد
قيام الثورة
الاسلامية المباركة والاطاحة بالحكم الطاغوتي
الفاسد، حيث
نشا جيل جديد، بعد الثورة الاسلامية، رفض
الاتجاهات
المنحرفة والانسياق وراء الشهوات، ووصل في كماله
الى اعلى
درجات السمو والرفعة في الحياة واعلى درجات
الكرامة
والانسانية،الا وهي نيل الشهادة التي ليس فوقها بر
في سبيل
الله.
وسيسرى هذا الوعي في ارجاء المعمورة جميعها،
وسيتسابق
الناس في فعل الخيرات والمغفرة الالهية تحت راية
التوحيد
ورسالة النبي الخاتم (ص).
ومن الجدير بالذكر ان المقصود من القول: «فلا يبقى
يهودي
ولا نصراني..» الذي ورد في بعض الروايات، ليس خلو
الارض
من اليهود والنصارى والمشركين،بحيث لا يوجد على
ظهر
الارض الا المؤمن الموحد، بل المراد منه ان مظاهر
المجتمع
وحياته العامة لا يكون فيها مظهر من مظاهر الكفر
والالحاد،
ويزول عنه حكم الكفرة واتباعهم، وتزول جميع
العوامل
المضادة وللايمان وهداية الانسان.
والا فما دام الانسان له حق الاختيار (وهكذا كان
الانسان
وسيبقى موجودا مختارا مستقلا في ارادته) لا يمكن
سلب
اختياره عن ذاته.
فسيبقى احتمال وجود الانسان المنحرف، وما جاء به
القرآن
الكريم من آيات مثل: (انا هديناه السبيل اما شاكرا
واما
كفورا)((575))
و(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)((576))
تعد عامة لجميع مراحل البشرية عبر التاريخ، وتبين
حال
الانسان في سلوكه.
ولذلك، ايضا، نرى، على العكس من ذلك، في المجتمعات
المنحرفة ودول الكفر والطواغيت، انه يمكن العثور
على بعض
المؤمنين الصالحين الموحدين للهتعالى، كما يحكي
ذلك
القرآن الكريم في شان آسية امراة فرعون التي تعد من
نساء اهل
الجنة.
نعم، من المسلم به في مجتمع الامام المهدي (عج) انه
سيكون الاسلام هو الدين الرسمي، وسيعم ارجاء الارض
جميعها، فلا يبقى بيت في مدينة او قرية الا وقددخله
ذكر
الاسلام واسمه، ولا يمنع ذلك من وجود اقلية دينية
من اليهود
والنصارى وغيرهم تعيش مع المسلمين بشرائط اهل
الذمة في
ذلك المجتمع، كما كان الامر في صدر الاسلام، في
زمان حكم
الرسول (ص) وحكم الامام علي (ع):
فالامام المهدي(عج) لا يلجا الى اكراه الناس على
الايمان، بل
يدعوهم الى الاسلام بالتي هي احسن، وبمنطق القرآن
في
الدعوة، وما يذكر من ارساله الجيوش والقوة
العسكرية انما هو
لقلب الانظمة الكافرة والظالمة وارساء القاعدة
للحكومة
العالمية للاسلام. وليست تلك القوة لاجبار الناس
على اعتناق
الدين الاسلامي،
فمن الواضح ان الايمان امر قلبي لا
يمكن
ايجاده بالاكراه والتخويف. وحتى النبي الاكرم (ص) لم
يلجا
الى هذا الاسلوب: (لست عليهم بمصيطر)((577)). 3- تكامل العقول والافكار
فكريا، ستتطور البشرية في عصر الامام المهدي(عج)، حيث تتكامل عقول الناس وتبلغ
الدرجة العليا من النضج والرقي.
وقبل التعرض للروايات الواردة، في هذا الشان، من
المناسب
معرفة مواصفات العاقل من خلال حديث الامام موسى بن
جعفر (ع) لهشام بن الحكم:
«يا هشام! لكل شيء دليل، ودليل العاقل التفكر، ولكل شيء
مطية ومطية العاقل التواضع. يا هشام: ان العاقل الذي
لا يشغل
الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.يا هشام: قليل
العمل من
العاقل مقبول مضاعف. ان العقلاء زهدوا في الدنيا
ورغبوا في
الاخرة. ان العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسال
من
يخاف منعه.ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما
يعنف برجائه،
ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه. ان العاقل لا يكذب
وان كان
فيه هواه. ما بعث الله انبياءه ورسله الى
عباده الا ليعقلوا عن الله،
فاحسنهم استجابة احسنهم معرفة لله، واعلم بامر
الله احسنهم
عقلا، واعقلهم ارفعهم درجة في الدنيا والاخرة. يا
هشام: ما
قسم بين العباد افضل من العقل، نوم العاقل افضل من
سهر
الجاهل، وما بعث الله نبيا الا عاقلا حتى يكون
عقله افضل من
جميع جهد المجتهدين. اياك ومخالطة الناس والانس بهم
الاان تجد منهم عاقلا ومامونا فآنس به، واهرب من
سائرهم
كهربك من السباع الضارية...»((578)).
كما ورد في بعض الروايات: «.. اذا قام قائمنا وضع يده
على
رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به احلامهم»((579)).
وفي بعضها ورد: «وضع اللهيده...».
على أية حال، سواء قلنا ان يد الامام (عج) فوق رؤوس
العباد
التي هي يد الله، ام قلنا ان يد الله فوق رؤوس
العباد، ويحتمل
هذا ايضا بمعناه الحقيقي، اي ان الله عزوجل يفيض
بنعمته
على عباده فيكمل لهم عقولهم.
وعندما تسود العقلانية المجتمع البشري، سيلجم
الشيطان
وتقيد اهواء النفس وترتفع الذنوب، فمجتمع العقلاء
لا يلتف
حول المعاصي والذنوب، ويرتفع الفسادالاجتماعي.
واذا ما
ارتكب فرد ذنبا فسيتذكر بعده، ويستغفر الله. وكل
واحد من
افراد المجتمع ناصح امين يعمل لنفع الاخرين، لا
يظلم نفسه،
ولا يظلم غيره، يسلك طريق الهدى والكرامة، ولا يخطو
في
طريق الخذلان والخسران. وهنا قد يتساءل: هل ان المجتمع الصناعي في اوروبا وامريكا لا يتصف بالعقلانية، حيث انا نرى الكثير من مظاهر الفساد والظلم فيه؟
وجوابه هو: يتميز افراد هذه المجتمعات بالذكاء
وقدرة ادراك
عالية، وقد حصلوا على معرفة وتجارب كثيرة، ونتيجة
للفطنة
والسعي والمثابرة في الميادين المختلفة للعلم
والتكنولوجيا
وصلوا الى اعماق البحار والمحيطات، وجاوزوا السماء
الى
الكواكب البعيدة، وحققوا في هذه المجالات للبشرية
نتائج
باهرة وعظيمة.
لقد اصبح كل شيء في قبضتهم، من اصغر شيء في عالم
الذرة
وامتدادا في الوجود الى عالم المجرات وسحب النجوم
التي
تبعد عن الارض ملايين السنين الضوئية، وهم مشغولون الان بطي هذه العوالم للتوصل الى ما هو ابعد واكثر
غموضا مما
كان، ولقد حققوا في عالم الطب تطورا عظيما، حيث
اصبح
اليوم زرع اعضاء الانسان وتبديلها، من انسان
لاخر، امرا شائعا في
هذا الزمان.
لكن، مع كل هذا التقدم والتطور في العلوم
والتكنولوجيا، لا
يزال عقل الانسان غير مرتق، ولم يتكامل ولم ينتقل
من عالم
القوة الى عالم الفعل، فلو كانت العقول قد ارتقت
وتكاملت لما
ارتكبت البشرية الذنوب العظيمة، ولما مارست الظلم،
ولما
انتشر الفساد الاخلاقي الى الحد الذي نراه اليوم.
قال امام العقلاء صادق آل محمد (ع):
وقال الامام علي (ع) في شان معاوية (حيث كان يعده
بعضهم
ادهى واكثر فطنة من الامام):
نعم، فالعقل حجة الله على العباد، كما ان الانبياء
والاوصياء
حجج الله على العباد.
قال الامام الكاظم (ع): «يا هشام، ان على الناس
حجتين: حجة
ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والانبياء
والائمة،
واما الباطنة فالعقول»((582)).
فكما ان الانبياء والرسل لا يدعون الناس الى
المعاصي، فكذلك
العقل، فالعقل لا يدعو الانسان ولا يوجهه الا الى
الصلاح
والهدى والعفاف وحسن النية.
ففي زماننا هذا، ضرب على العقل من جانب، ومن جانب
آخر
وصلت المعرفة والعلوم الى حدها الاعلى، فالمسيطر
على عالم
التكنولوجيا هو الذكاء والفطنة،فعالم الاختراعات
العلمية كله
رهين لهذه الفطنة ولهذا الذكاء اللذين يتميز بهما
المجتمع
البشري.
فلو اضيف العقل اليهما، سيسخر الذكاء والعلم في
الطريق
الصحيح الذي يخدم الانسانية.
على سبيل المثال، ترى ان الانسان بعلمه وذكائه
يسيطر على
الانهار بانشاء السدود والبحيرات والقنوات،
ويستفيد من خلال
ذلك في احياء آلاف الهكتارات من الاراضي الميتة،
ويحولها الى
اراض زراعية. الا ان هذا الانسان نفسه الذي انشا
السدود
والقنوات بعمله، يامر في ازمنة الحروب بتفجيرها،
وان ادى
هذا الى اغراق الالاف من الناس واتلاف الاراضي
والحيوانات،
فالذي انشا السد هو العلم والذي عمل على خرابه
وتفجيره هو
العلم ايضا.
فالعلم سيف ذو حدين، فاذا كان في يد اهل الصلاح
والعقلاء
سوف يستفاد منه في قطع الاعضاء الفاسدة للمحافظة
على
باقي الاعضاء، اما اذا كان بيد السفهاء، فيكون اخطر
بكثير من
السيف القاطع الذي امسك به من غلب عليه السكر.
في مجتمع الامام المهدي(عج) يتكامل العقل الى جانب
التطور العلمي والتكنولوجي.
العلم يورث العجب والتكبر، ولكن العقل يورث
التواضع.
العلم قد يؤدي الى الدمار، ولكن بالعقل يتم
الاعمار.
الذكاء يجر الى الحيلة، ولكن بالعقل تتم الانسانية
والفضيلة
والشرف، بل ان ملاك تفضيل الانسان على سائر حيوانات
العالم
كونه ذا عقل، ومنذ ايام اليونانيين حتى وقتنا هذا
يقال للانسان
حيوان ناطق.
في مجتمع الامام المهدي(عج) لا يتكامل العقل البشري
فقط
بل يكون مهيمنا على الفطنة والعلم، بل على جوانب
الحياة
البشرية جميعها، وفي ظل هذاالاشراف تسير هذه
الجوانب
المختلفة للمجتمع البشري جملة في طريق الخير
والصلاح
والرفاهية وسعادة المجتمع.
ومن جملة انجازات الامام المهدي(عج) تحريره العقول
من
قيود الاهواء والميول النفسانية، وجعل مصير
الانسان تحت
حكم العقل، فالناس جميعهم، في ذلك العصر، عقلاء
وعلماء لا
يقدمون على عمل من دون ترجيح العقل له، فالذي يحكم
العقل بوجوبه ويحسنه يعملون به، ويتجنبون كل ما
قبحه
العقل وكرهه، ومن الواضح طبقا لهذا المعيار
المستوى الذي
سيصل اليه المجتمع البشري. 4- في البعد الثقافي
قد تستعمل لفظة الثقافة بمعنى ادب الانسان او تربيته، واحيانا تستعمل بمعنى
العلم والمعرفة، وثالثة قد تستعمل بمعنى مجموعة الاداب والتقاليد التي يلتزم
بهامجتمع معين.
اذا كان المنظار الى مجتمع الامام المهدي(عج)،
بالمعنى
الاول، فانا سنرى الناس في ذلك العصر متادبين
بالادب
الاسلامي وبالتعاليم الالهية: «تادبوا
ب آداب الله»((583)) وهذه
اكمل مدرسة تربوية مستمدة من وحي الله، وقد بينت
عن
طريق الانبياء والائمة المعصومين (خير من عرف
الناس).
ففي ذلك العصر، يكون الانسان مجسدا للعدل الالهي،
ومجسدا
للرحمة والصبر والقدرة والجود والكرم الالهي. وفي
جملة
واحدة، يكون الانسان حينئذ مجسدالاسماء الله
الحسنى
جميعها.
وفي بعض الروايات: «والقى الرافة والرحمة بينهم
فيتواسون
ويقتسمون بالسوية فيستغني الفقير، ولا يعلو بعضهم
بعضا،
ويرحم الكبير الصغير ويوقر الصغيرالكبير»((584)).
واذا ما استعملت كلمة الثقافة بالمعنى الثاني، اي
العلم
والمعرفة، نقول: سوف يرقى علم الانسان في ما يخص
المبدا
والمعاد والمعارف الالهية في عصر
الامام المهدي(عج) الى
اعلى درجاته، وكما جاء في بعض الروايات عن ابي جعفر
الباقر
(ع): «.. وتؤتون الحكمة في زمانه حتى ان المراة لتقضي
في
بيتها بكتاب اللهتعالى وسنة رسوله (ص)»((585))
فالى هذا
الحد من المعرفة بالاسلام سوف يرقى الانسان في عصر
الامام
المهدي(عج)، ويتعلم مفاهيم دينه ويعيشها من خلال
الكتاب
والسنة. وسيصل علم الانسان الى اعلى درجاته، وستطوي البشرية مراحل العلم والمعرفة جميعها مرحلة بعد اخرى، وستطلع على جميع ما في السموات والارضين،وما بينهما من اسرار، وسيتحقق مفاد الاية الكريمة: (قل انظروا ماذا في السموات والارض)((586)).
وحتى الان لم يطلع الانسان الا على ما يخص قسما من
السماء
الاولى او السماء القريبة منه: (وزينا السماء
الدنيا
بمصابيح...) ((587)).
الا ان في النصوص الدينية ياتي الكلام على السموات السبع واسرارها التي لا يعلم
الانسان عنها اي شيء.
وسيطلع انسان عصر الامام المهدي(عج) على اسرار هذه
السموات كما جاء في الرواية: «العلم سبعة وعشرون
حرفا،
فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس
اليوم غير
الحرفين، فاذا قام قائمنا اخرج الخمسة والعشرين
حرفا فبثها
في الناس، وضم اليها الحرفين حتى يبثها سبعة
وعشرين حرفا»((588)).
وفي الحقيقة، ستنشر في ذلك العصر العلوم جميعها، وتيسر المعارف جميعها للمجتمع
البشري حتى لا يبقى شيء
يجهله
الناس، وتبعا لهذا العلم الشامل سيخضع الانسان
لعظمة الخالق
عز وجل، وتتحقق فيه خشية الله: (انما يخشى الله من
عباده
العلماء)((589)).
وسيشعر الانسان بمدى صغره ازاء عظمة الخالق، جل
وعلا،
وسيعيش بكل وجوده عبوديته لله تعالى.
وفي رواية اخرى: «ان المؤمن، في زمان القائم، وهو
بالمشرق،
ليرى اخاه في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى اخاه
الذي
في المشرق»((590)).
قد يكون من الصعب ادراك معنى هذا الحديث قبل مئات
السنين، وان كان الكثير يتعبد بقبوله وان لم يفهم
كنه معناه.
ليس معنى هذه الرواية ما قد لجا اليه بعضهم من
تفسير، وهو
ان الارض ستخرج من كرويتها وتصبح مسطحة، وتقوى اعين
الناس الى درجة انهم يستطيعون رؤية ما يبعد عنهم
آلاف
الكيلومترات.
لكن مع تطور العلم والتكنولوجيا وغزو الحاسوب
وشبكات
الانترنيت جميع بقاع الارض وثورة عالم الاتصالات،
تيسر علينا
فهم معنى الحديث، حيث ان الانسان سيتمكن وفي ظل
التطور العلمي والتكنولوجي وصنع اجهزة الاتصال
العالمية،
وفي خلال ثوان معدودة، من الاتصال باخيه المؤمن في
النصف
الاخر من الكرة الارضية ورؤيته عبر شاشة الحاسوب.
اليس ان من سنة الله، في هذا العالم، ان تجري
الاشياء وتتحقق
عبر اسبابها: «ابى الله ان يجري الامور الا
باسبابها»((591)).
وهذه السنة كباقي السنن لا يمكن ان تتبدل او تعدل:
(فلن
تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)((592)).
وهكذا الامر، في عصر الامام المهدي(عج)، تبقى السنن
ولا
تتغير.
واذا استعملت الثقافة، بمعنى العادات والتقاليد،
لامة معينة،
ففي دولة الامام المهدي العالمية ستحذف العادات
والتقاليد
الخرافية والجاهلية جميعها من المجتمع، وتحل بدلا
منها
العادات والتقاليد الاسلامية والانسانية الصحيحة.
فستمحى
التعصبات القومية والقبلية جميعها، وسيتصف
المجتمع
البشري بالانصاف، وستهيمن الواقعية عليه.
وعلى سبيل المثال، ان من امثال العرب في الجاهلية
قولهم:
«انصر اخاك ظالما او مظلوما»، وقد عدل رسول الله
(ص) هذا
العرف فقال: وانا اقول: «انصر اخاك ظالما او
مظلوما»، ولكن اذا
كان ظالما فقف امام ظلمه وهو نصرله، واذا كان
مظلوما
فانصره وطالب بحقه.
والامام المهدي(عج) الذي يحيي معالم الدين ويجدد
سنن
النبي (ص) سيمحو العادات والتقاليد الجاهلية
الحديثة في
عصرنا هذا جميعها، وسيطلع البشرية على واقع
الحياة،
ويخرجها من ظلمات الوهم والخيال. ومن ثم ستهيمن
الثقافة
الالهية والاسلامية الاصيلة على مجتمع الامام
المهدي(عج)
بجميع ابعادالكلمة. 5- في البعد السياسي يسعى اعداء الاسلام، دائما، الى فصل الجانب
السياسي للحياة
عن الدين، ويوحون بان الدين لا يهتم الا بعلاقة
الانسان بربه
ولا راي له في السياسة والحكومة وعلاقات الانسان
بالاخرين،
وكذلك لا يتعرض للعلاقات الدولية بين الامم، وليس
له اي
نظام ومنهاج لهذه المسائل.
بل يوحون بان الدين منفصل عن الدنيا، وليس له اي
اهتمام
بدنيا البشرية وعيشها، فالعلم والمعرفة لا يتفقان
مع الدين،
والدين يختلف عن العقلانية... الخ.
من البديهي ان هذه الشبهات قد يتاثر بها من لم تكن
له اي
معرفة ولو اولية بالاسلام.
اما من له معرفة بالدين الاسلامي واصوله وفروعه
فسوف يردها
ويعدها غير منطقية. فكيف يعقل بان الدين منفصل عن
العلم
في حين بدا رسول الاسلام محمد(ص) دعوته بدعوة الناس
الى العلم والتعلم، واوحى الله اليه الاية الاولى
من القرآن الكريم
مبتدئا فيها بالقراءة والتعلم: (اقرا... ما لم يعلم)((593)).
فالدين الاسلامي قد اهتم بامر التعليم والتعلم الى
درجة اقسم
في القرآن الكريم بالقلم وما يكتب به: (ن والقلم وما
يسطرون)((594)).
ولم نجد هذا من قبله في اي دين:
فاهم خصيصة يثبتها الدين الاسلامي للانسان، وهي
الخصيصة
التي ميزته وجعلته مؤهلا لخلافة الله في الارض، هي
العلم:
(علم آدم الاسماءكلها)((595)).
وفي الاسلام ياتي الخطاب: «اطلبوا العلم ولو
بالصين»، «اطلبوا
العلم من المهد الى اللحد»((596)).
فهل ان مثل هذا المحتوى هو معنى فصل الدين عن العلم؟ نعم قد تاتي هذه الشبهة،
ويمكن قبولها في شان المسيحية المحرفة التي وقفت امام انتشار العلم واضطهدت العلماء
في القرون الوسطى. او في شان اليهودية المحرفة التي
فرضت ان
ذنب النبي آدم (ع) الذي اخرجه من الجنة انما هو العلم
والمعرفة((597)).
لكنها لا تتناسب مع منطق الكتاب والسنة في الاسلام.
كيف يفترض فصل الدين عن العقلانية في الوقت الذي
تنص
فيه الروايات على ان «تفكر ساعة يعادل، او افضل من
عبادة
سنة»((598))
وكيف يفترض للانسان الذي فضله الله على
باقي الخلائق بالعقل والمشاعر السامية درجة ومنزلة
اقل من
البهائم؟ بل كيف يمكن تفسير دعوة الدين الانسان
مرارا الى
التفكروالتدبر والتعقل مع هذه الفرضيات الخاطئة؟
وكيف
يمكن تصور تضاد الدين مع الدنيا في حين ان من اهداف
خلق
الانسان هو اعمار الارض: (هو انشاكم من الارض
واستعمركم
فيها)((599)).
وفي موضع آخر ينص: (ولا تنس نصيبك من
الدنيا)((600))
بل الدين يعد السعي لتحصيل الرزق الحلال
افضل انواع العبادة: «العبادة سبعون جزءا افضلها
طلب
الحلال»((601)) وعد بذل الجهد في سبيل ضمان
مؤونة العيال
كالجهاد في سبيل الله: «الكاد على عياله
كالمجاهد في سبيل
الله»((602)).
وقال الامام الصادق (ع): «ليس منا من ترك دنياه
لاخرته وآخرته لدنياه»((603)). وكيف يفترض فصل الدين عن
السياسة في الوقت الذي نرى ان ارقى التعاليم
والاحكام الخاصة
بالحكم والسياسة وادارة الدولة قد جاء بها الكتاب
الكريم
والسنة النبوية الشريفة.
فلم يعتن الدين الاسلامي بعلاقات الانسان بافراد
جنسه ووضع
هذه العلاقات ضمن منظومة المثل والقيم العليا
فحسب، بل
اهتم ايضا بعلاقة الانسان مع نفسه وعلاقته مع
الله عز وجل
بدرجة كبيرة. وسنكتفي، في هذا المجال، برواية قيمة
يرويها
جميل بن دراج عن الامام الصادق (ع) عن ابيه عن جده عن
امير المؤمنين(ع): «الاسلام والسلطان العادل اخوان،
لا يصلح
واحد منهما الا بصاحبه. الاسلام اس والسلطان العادل
حارسه،
ما لا اس له فمنهدم، وما لا حارس له فضائع»((604)).
بعد هذه المقدمة، نقول: ان الحاكم على العالم كله،
في عصر
الامام المهدي(عج)، هو الامام نفسه، ويعم الدين
الاسلامي
الارض كلها، والكتاب المعتمد قانوناللبشر هو
القرآن الكريم.
وتبعا لذلك، ستكون القوانين النافذة في المجتمع
البشري
جميعها هي قوانين الاسلام، ولا سلطة الا لحكم واحد
على
وجه الارض،وتلغى الحدود بين الامم، وتلغى الهيئات
والمؤسسات الدولية قليلة الفائدة، وستوحد الجيوش،
وسيصبح
العالم كله عائلة واحدة تحت رعاية حاكم محبوب.والى
ذلك
تشير الاية الكريمة: (ليظهره على الدين كله)((605)).
وفي
تفسير الاية الكريمة: (الذين ان مكناهم في الارض..)((606))
يقول الامام الباقر (ع):«هذه لال محمد الى آخر
الاية، والمهدي
واصحابه يملكهم الله مشارق الارض ومغاربها ويظهر
الدين...»((607))
وفي تفسير الاية: (وقل جاء الحق
وزهق الباطل)((608)). قال الامام الباقر (ع): «اذا
قام القائم
ذهبت دولة الباطل»((609)).
وفي رواية اخرى عن النبي (ص): «يبلغ سلطانه المشرق
والمغرب»((610)). ونقرا في رواية اخرى:
«فيفتح على يديه
مشارق الارض ومغاربها»((611)).وايضا نقرا في الروايات:
«ويصير سلطانا عليها»((612)) اي على الارض كلها. وفي
رواية
اخيرة عن الامام الصادق (ع): «... اذا تناهت الامور
الى صاحب
هذاالامر رفع الله تبارك وتعالى كل منخفض من الارض
وخفض له كل مرتفع حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة
راحته،
فايكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها»((613))
ومن
الواضح ان المراد من هذا التعبير هو ان العالم كله
يكون تحت
هيمنة الامام المهدي(عج) وسلطته وحكومته وادارته
بحيث لا
يبقى شيء او حادث الا ويعلم به.
وعلى اي حال، فالكثير من الحروب والدمار والفساد في
الارض
واهلاك الحرث والنسل انما كان بسبب الحكومات
الظالمة التي
تسعى في بسط قدرتها على الدول الاخرى، ولو كان على
حساب فناء الكثير من البشر. وقد حكى لنا التاريخ عن
الكثير
في هذا المضمار.
لكن عندما تزول الدول ويتوحد العالم تحت حكم واحد
ذي
كوادر اراداتهم قوية وهممهم عالية، وعندما يكون
العالم كله
تحت اشراف الحاكم الواحد، بحيث يطلع على كل مكان
من
الارض، وينشر في ارجائها جميعها القسط والعدل، سوف
لا
يتوفر اي مسوغ للتنازع والاختلاف والفساد والنهب،
وسيكون
المجتمع البشري في اتم الرفاهية والامن
والطمانينة يعبد
ابناؤه الله ويعملون في سبيله. 6- في البعد القضائي ورد، في بعض الروايات: «فيحكم بين اهل التوراة
بالتوراة، وبين
اهل الانجيل بالانجيل، وبين اهل الزبور بالزبور،
وبين اهل
الفرقان بالفرقان»((614)).
لما كان الامام (عج) عادل في قضائه سيرضى اتباع
الديانات
الاخرى من اليهود والنصارى بالتحاكم اليه، وهو
بذلك يجسد
سيرة جده الامام علي (ع) القائل:«والله لو كسرت لي
الوسادة
لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم وبين اهل الزبور
بزبورهم
وبين اهل الفرقان بفرقانهم»((615)).
وكما جاء في الروايات: «اذا قام القائم حكم بالعدل
وارتفع في
ايامه الجور... ورد كل حق الى اهله»((616)).
وجاء ايضا: «وحكم
بين الناس بحكم داود وحكم محمد (ص)»((617)).
وقضاء داود (ع) قد حدث القرآن عنه، قال تعالى: (يا
داود، انا
جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا
تتبع
الهوى فيضلك عن سبيل الله)((618)) وقد خاطب الله
نبيه
محمد (ص) في كتابه: (وان حكمت فاحكم بينهم
بالقسط)((619))
وقال: (فاحكم بينهم بما انزل الله ولا
تتبع اهواءهم)((620)).
فالقضاء لا بد من ان يكون طبقا لما انزل الله من
احكام وبصورة
عادلة. وهذا النمط من القضاء، ان لم يكن معدوما في
هذا
الوقت، فهو محدود وفي منطقة ضيقة من العالم بالقدر
الممكن تطبيقه. وفي دولة الامام المهدي(عج) سيكون
القضاء
طبقا للاحكام الالهية وعادلا ولا يظلم احد شيئا. 7- العدالة الاجتماعية من اهم مميزات دولة الامام المهدي(عج) العالمية اقامة القسط والعدل بين الناس بكل ما للكلمة من معنى. وقد ورد، في هذا الصدد، عدد كبير من الروايات: مئة وثلاثون رواية تقريبا((621)). كما عد القرآن الكريم القيام بالقسط والعدل احد الاهداف الاصلية لبعثة الانبياء: (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)((622)). ان اقامة العدل اهم من لقمة العيش عند البشرية في
هذه
القرون، فلقد قاسى العالم الويلات من الظلم
وانعدام المساواة
امام القانون، فالبشرية تئن في هذا المجال لما تلاقيه، وفي مختلف شؤون الحياة،
من الجور والظلم اللذين يزدادان يوما بعد يوم حتى تمتلىء الارض ظلما، وعندئذ يبزغ فجر
العدالة
ويعم العالم وينتشرفي ارجائه جميعها.
لم يكن الناس مهيئين، من قبل، لقبول العدالة
الكاملة، لذا قيل
في شان الامام علي (ع): «قتل في محراب عبادته لشدة
عدله».
واليوم تتهيا الارضية المناسبة لقبول العدل الشامل
يوما بعد
آخر، فالبشرية، في عصرنا هذا المتمدن، ترزح تحت
الجور
الاقتصادي والمالي وتئن منه، ففي عالمنااليوم هناك
قوى
عظمى مثل الولايات المتحدة الامريكية لا يتجاوز
عدد سكانها
20% من مجموع نفوس العالم في حين انها تستحوذ على 80%
من رؤوس الاموال بيدها. وفي الطرف الاخر هناك
الملايين من
الناس على وشك الهلاك من القحط والجوع.
البشرية تئن من الجور في القضاء والقوانين
التعسفية، وتئن من
عدم المساواة في الحقوق. وعندما يظهر الامام
المهدي(عج)
سيعم العدل ارجاء الارض جميعهاوفي الجوانب جميعها:
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي القوانين
والاحكام
القضائية، والا فمن دون ذلك لن يتحقق العدل الشامل.
بعد هذه المقدمة نقول: ان احد ابعاد العدل هو
العدالة
الاجتماعية، وفي هذا الصدد نعرض بعض الروايات:
«... ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم احد احدا»((623)).
«... وعدل في الرعية»((624)) ... ويعدل في خلق الرحمن البر
منهم والفاجر»((625)) فعدالته تجري وتنفذ في حق
الناس
جميعهم: الصالح منهم والطالح. وهكذا يكون «... حتى
لا يرى اثر
من الظلم»((626)) في اي بقعة من بقاع العالم.
«... يطهر الارض من كل جور وظلم»((627)). وقال الامام الكاظم (ع) في تفسير الاية الكريمة: (اعلموا ان الله يحيي الارض بعد موتها)((628)): ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالا فيحيون العدل فتحيا الارض لاحياء العدل»((629)).
وعن الامام ابي عبدالله (ع) قال: «العدل بعد الجور»((630)). 8- العدل في الحياة الاقتصادية من المميزات البارزة لدولة الامام المهدي(عج) صفة
العدل
في الحياة الاقتصادية والمالية، فالثروة تقسم
بصورة عادلة
ومتساوية بين الناس، وكل فرد يتناول من نصيبه
المحدد له
ويتصرف به. وابتداء نعرض عددا من الروايات في هذا الصدد، ومنها: «... ويقسم المال صحاحا»((631)) او «... ويقسم المال بالسوية»((632)). ففي رواية عن ابي سعيد الخدري عن النبي (ص): «ابشركم بالمهدي... يقسم المال صحاحا، فقال رجل: ما صحاحا؟ قال (ص): بالسوية بين الناس...»((633)). وعن ابي جعفر(ع): «... اذا قام قائمنا قسم بالسوية وعدل في الرعية... يجمع اليه اموال الدنيا من بطن الارض وظهرها فيقول للناس: تعالوا الى ما قطعتم فيه الارحام وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله، فيعطي شيئا لم يعطه احد كان قبله»((634)).
وعن الامام الصادق عن ابيه (ع): «اذا قام قائمنا
اضمحلت
القطائع فلا قطائع»((635)) والقطائع جمع قطيعة، وهي ما
يقطع من الارض الخراج من قبل السلاطين تؤخذ من ايدي الناس تعطى لواحد يسكنها ويعمرها.
كان هذا بعض مما روي في ما يخص العدل في الحياة
الاقتصادية للمجتمع الاسلامي، فالثروة للناس
جميعهم،
والحياة والرفاهية لهم جميعهم، وهذا يتحقق في عصر
الامام
المهدي(عج)، وفي اكمل صورة.
ومن الجدير بالذكر ان الثروة التي تقسم بين الناس في عصره(عج) ليست من الثروات
الخاصة تؤخذ من اصحابها وتعطى لعامة الناس، لا ليس كذلك، فالاسلام لايلغي
الملكية
الخاصة، بل يمنحها الصيانة القانونية، حيث جعل
حرمة اموال
الناس كحرمة دمائهم، ولا يجيز اخذ مال الناس ولا
التصرف
فيه بغير طيب نفوسهم ورضاهم.
وليس من المعقول ان الامام(عج) يفرض على بعض الناس
ان
ياتوا له باموالهم لاجل تقسيمها على باقي الناس
هكذا، فلهذا
الفرض نتائج فاسدة كثيرة. فخلال عشرات السنين، لم
تنجح
الشيوعية في العالم في تحقيق شعارها في الغاء
الملكية الخاصة
وانشاء الاشتراكية وملكية الدولة، فمنيت بالفشل
الذريع في
اواخرالقرن العشرين، وتلاشى المعسكر الاشتراكي.
فالمقصود من الاموال التي تقسم بالسوية بين افراد
المجتمع
انما هي الاموال العامة من معادن وكنوز ومال الزكاة
والخمس
و... الخ، والتي تشكل بيت مال المسلمين، وتكون تحت
نفوذ
الامام المهدي(عج)، الا انه مهما كان توزيع الثروة
واسعا
وشاملا، لا تنفد اموال بيت المال، بل سيكون فائضا
دوما
بالاموال العامة،حيث تصبح كنوز الارض ومناجمها
جميعها
تحت تصرف الامام(عج).
وسيقسم الامام(عج) الاموال بالتساوي بين الناس، وهذا لا يعني ان الكل ياخذ بقدر
واحد في كل ما يعطى، بل ان
المساواة
تكون في غير الاجور والجعائل التي تعطى على حسب
التخصص والسعي والمهارة في ميادين العمل المختلفة،
والا
فلو كان الكل ياخذ من الاجور بمقدار واحد ستخبو
الهمم
للعمل، ولا يرغب الناس في المثابرة والجد، بل ان
ذلك يعد
ظلما وجورا وليس من باب العدل، فلكل حسب ما يحسنه من
عمل وتخصص.
فالاموال العامة اذا هي التي تقسم بالسوية بين
الناس، وهنا
نشير الى مسالة، وهي عندما تكون الثروات العامة
محدودة،
فالالتزام بالقسط والعدل يلزم الدولة باسلوب
توزيع آخر يكون
بموجبه العطاء للمناطق الفقيرة اكثر واسرع من باقي
المناطق
في المجتمع، لكنه مع الفرض بان الاموال العامة في
عصر
الامام المهدي ستكون تحت تصرفه ولا تكون محدودة بل
هي
متوافرة ومتنامية، لذا سيكون توزيع الثروة بصورة
متساوية
للجميع امرا مقبولا.
وفي بعض الروايات ورد: «.. يملا الارض عدلا، يفيض
المال
فيضا»((636)).
فالاموال في عصره تزداد ولا تنقص، ولا نفاد
لها فلا وجه للاحتراز من قلة الثروة وتقسيمها حسب
الاولويات. 9- الغنى العام في مجتمع المهدي(عج) سيكون الناس في دولة الامام المهدي(عج) متنعمين في
حياتهم الاقتصادية وفي رفاهية، فلا اثر للبؤس
والحرمان، او
الجوع، ولا يستغل الناس بعضهم بعضا في سبيل كسب
الاموال.
وقد وردت روايات كثيرة في هذا الشان نذكر منها ما
ياتي: «... يتنعم
[ابناء]
امتي، في زمانه، نعيما لم
يتنعموا مثله قط:
البر والفاجر»((637)).
«... ويجعل الله الغنى في
قلوب هذه
الامة»((638))
فهم لا يستشعرون الحاجة بل الكل يعيشون
الغنى، «.. والمال يومئذ كدوس يقوم الرجل فيقول: يا
مهدي
اعطني، فيقول: خذ»((639)) فالمقام يومئذ لا يسعه
الحساب
ولاتحديد المبلغ بل كل ما يريد الفرد يعطيه حتى
يعيش الغنى
في نفسه ويكتفي من العطاء. «... ويملا الله قلوب امة
محمد
غنى، ويسعهم عدله حتى يامر مناديا
ينادي يقول: من له
في
المال حاجة؟ فما يقوم من الناس الا رجل واحد فيقول:
انا،
فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقل له: ان المهدي
يامرك ان تعطيني مالا،فيقول له: احث حتى اذا جعله في
حجره وابرزه ندم... فيرده ولا يقبل منه، فيقال له:
انا لا ناخذ
شيئا اعطيناه...»((640)).
وايضا في موضع آخر: «.. فيجيء الرجل فيقول: يا مهدي
اعطني
اعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع ان يحمله»((641))
اي لا يوجد اي تحديد في مقدارالمال الماخوذ من بيت المال، والظاهر ان هكذا عطاء هو
غير ما يعطى بالسوية كحصص
للناس جميعهم، بل هذه زيادة عن تلك الحصص التي بها
يستغني اكثرالناس، وبالتالي نرى ان المطالبين
بالزيادة لا
يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد، وهذا بخلاف ما هو
المعهود في
مجتمعنا من تهالك الناس على الاشياء المجانية
اوزهيدة
السعر، ومن خلال المقارنة نستطيع ادراك القدر
العظيم من
الثروة التي يحويها بيت المال في دولة المهدي(عج).
وفيها ايضا: «... يعطي المال بغير عدد»((642))
فلا حساب
للعطاء ولا تسجيل لاسماء الاخذين، وكذلك ورد فيها:
«...يطلب الرجل منكم من يصله بماله وياخذ من زكاته لا
يوجد
احد يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما رزقهم الله من
فضله...»((643))
وفي اخرى: «...ولا يجد الرجل منكم يومئذ
موضعا لصدقته ولا لبره، لشمول الغنى جميع
المؤمنين»((644)).
على اي حال، فمنذ القديم والبشرية تتمنى اليوم الذي
ينعدم
فيه الفقر والحرمان من العالم، ويعيش افراد
المجتمع جميعهم
عيشا كريما، وهم على درجة عالية من الغنى. وهذه
الامنية
ستحقق في عصر الامام المهدي(عج) ويضحي الجميع
اغنياء
وفي رفاهية من العيش، ولا تجد مدينا يهرب من دائنه
خجلا،
ولا رب اسرة يعجز عن نفقة عياله ولا صاحب عمل يعجز
عن
اجرة عماله. 10- الاعمار
ستعمر في عصر الامام المهدي(عج) بقاع الارض جميعها، وستمتلى خضرة، حيث لا تجد بقعة
بلا زرع ولا محصول، وستخرج الارض كنوزها ومعادنها وثرواتهاوزخرفها، وتفتح السماء
ابوابها وتفيض امطارها على الارض فتكثر النعم والارزاق، ولا تخلو بقعة من الارض ليس
فيها زرع وعمران.
ونعرض، في هذا الشان، عددا من الروايات:
«... وتخرج له الارض افلاذ كبدها»((645)) اي ما بها من كنوز
ومعادن، و«... ويرسل السماء عليهم مدرارا ولا تدخر
الارض
شيئا من نباتها»((646)) و«...تنزل له السماء قطرها
وتخرج له
الارض بذرها»((647)) فيزيد الزرع وتتوافر نعم
الله على الناس
حتى «... يتمنى الاحياء الاموات»((648)) ليروا ما هم
فيه من
نعمة ورزق، «و... وتلقي (الارض) اليه سلما مقاليدها»((649)).
...وانزل بركات من السماء والارض وتزهر الارض بحسن
نباتها
وتخرج كل ثمارها وانواع طيبها»... «وتزيد المياه في
دولته وتمد
الانهار وتضعف الارض اكلها وتستخرج كنوزها»((650)). ...
ولا
يبقى في الارض خراب الا يعمر»((651)) فلا تجدبقعة على
وجه الارض الا وقد عمرها الامام المهدي(عج) . «... حتى
تمشي المراة بين العراق الى الشام لا تضع قدميها
الا على
النبات»((652)).
فاذا ما قارنا بين ما نحن فيه الان وما عليه عصر
الامام
المهدي(عج) ندرك عظمة ما سيحدث في عصره من اعمار
للبلاد وما سيعمها من نعم ورزق. فنحن اذا ماحاولنا
اعمار بلد
من بلدان العالم واصلاح اراضيه وتحويل الاراضي
القاحلة الى
اراض زراعية ومكافحة الافات والادغال التي فيها
فسيكلفنا
ذلك الكثير الكثيرمن النفقات، وعلينا الانتظار
سنوات طويلة
كي نرى هل نفلح في ذلك او لا، فالنتيجة ليست قطعية.
لكن في عصر الامام المهدي(عج) ستتضافر العوامل
والظروف
جميعها: الارض والسماء وكل ما على الارض لاعمار
الكرة
الارضية حتى لا تبقى بقعة منها بلازرع ولا حاصل،
وهذه هي
امنية البشرية التي ستتحقق في عصر الامام المهدي ان
شاء
الله. 11- الامان العام في المجتمع
الامن والامان يعنيان السلامة من المخاطر وما قد يحيق بالانسان من اضرار وسوء، وهما
يرجعان الى السكون والطمانينة.
ويجسد اهمية هذا الجانب دعاء النبي ابراهيم(ع) في
القرآن
الكريم: (رب اجعل هذا بلدا آمنا)((653)) او (رب اجعل هذا
البلد آمنا)((654)) وقد
استجاب الله له فجعل
مكة حرما آمنا
(ومن دخله كان آمنا)((655)).
ويكفي في ابراز قيمة الامن والامان قول الملائكة
لاصحاب
الجنة: (ادخلوها بسلام آمنين)((656)) فهم يدخلونها
يومئذ
بسلام وآمنين من كل خطر قديحتمل للانسان، فلا تعب
ولا
مرض ولا خوف في الجنة.
وبعد التبشير بالسلام والامن، ياتي السياق في
السورة حول رفع
الصفات السيئة (ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا
على سرر
متقابلين)((657)).
فالكل اخوان لا يتميز احدهم من الثاني بلا مسوغ،
وهذا من
اهم اسباب السكون والطمانينة.
ومن الجدير بالذكر ان السلام والامن ليسا مبتدا
النعمة في
الجنة، بل هما الاساس لكل نعمة اخرى، ومن دونهما لا
يمكن
الاستفادة والتلذذ بالنعم الاخرى كماورد في
الحديث: «نعمتان
مجهولتان: الامن والعافية»((658)). وغالبا ما يغفل
الانسان عن
هاتين النعمتين، وما دام الفرد يتمتع بالعافية او
الامان فلا
يستطيع ادراك اهميتهما في حياته.
وفي ضوء ما سبق، نقول: من الجوانب المهمة في مجتمع
الامام
المهدي(عج)، والتي اكد عليها كثيرا في الروايات،
مسالة
الامان في عصر الامام المهدي(عج)افراد المجتمع
جميعهم،
وفي الابعاد جميعها، حيث ان مال الانسان ونفسه
وكرامته
وشخصيته وفكره وثقافته وعقائده محترمة ومصانة وفي
اتم
الامان، وكذلك يعيش المجتمع حالة الامن
والطمانينة، فلا
يتعدى فيه على الاخرين، والناس في صفاء عيش وسكون
وطمانينة كاملة. وكما جاء في القرآن الكريم: (وعد
الله
الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
الارض
كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي
ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنايعبدونني لا
يشركون بي شيئا)((659)).
ففي هذه الاية، تم التاكيد على ابدال خوف المؤمنين
وقلقهم
بالامن، وهذا الامان الكامل انما يتم في دولة
الصالحين
وخلافتهم.
وهذا الامان ليس هدفا للمسيرة بحد ذاته، بل هو
مقدمة
لتحصيل الظرف والجو المناسبين والمطمئنين لعبادة
الله
وحده بلا شريك، وقد وردت ايضا روايات في هذا الشان
ننقل
بعضا منها:
ففي هذه الاية، تم التاكيد على ابدال خوف المؤمنين
وقلقهم
بالامن، وهذا الامان الكامل انما يتم في دولة
الصالحين
وخلافتهم.
وهذا الامان ليس هدفا للمسيرة بحد ذاته بل هو مقدمة
لتحصيل الظرف والجو المناسب والمطمئن لعبادة الله
وحده
بلا شريك، وقد وردت ايضا روايات في هذاالشان ننقل
بعضا
منها:
«... حتى يامن الشاة والذئب والبقرة والاسد والانسان
والحية
وحتى لا تقرض فارة جرابا»((660)). وكما ذكرنا سابقا «... حتى
تمشي المراة بين العراق والشام... وعلى راسها
زنبيلها لا يهيجها
سبع ولا تخافه»((661)). وايضا ورد في الروايات: «..
واذا قام
القائم حكم بالعدل وارتفع في ايامه الجور وامنت
به السبل»((662)) و«... حتى تخرج العجوز
الضعيفة من المشرق
تريد المغرب ولا ينهاها احد»((663)). |