|
المراة واشكاليات الانتاج العلمي حيدر حب الله خضعت موضوعة المراة لتجاذبات حادة في القرون الاخيرة،
وخلص الغرب بعمومه نسبيا الى تصور خاص مكتمل لهذا
المفهوم، واختار لنفسه طريقا محددا وشاملا نسبيا على هذا
الصعيد، على الرغم مما مرت به هذه المقولة من مراحل
وخلافات وما دخلته من ارهاصات ومخاضات، لكن القرن
العشرين كان بمثابة نوع من اكتمال الصورة غربيا
لهذه الاشكالية التي بلغت الغاية في التعقيد.
لكن القرن العشرين نفسه كان، على صعيد العالم الاسلامي،
مختلفا جدا، ذلك انه - ولاسباب لا تعنينا فعلا شكل قرن تفجر
الجدل حول هذه المقولة الشائكة، وخلقت نتيجة ذلك
اتجاهات وآراء ومدارس كثيرة ومتنوعة، بلغت درجة التباين
الحاد، وما ميزنا عن الغرب - اي غرب القرن العشرين هو اننا
حتى الان، وعلى الصعيد العام، لم نلتق على عددكبير من
المشتركات، ولم نكمل تصورا يمكن نسبته الى الامة بمجملها،
خلافا لما حصل في غرب الكرة الارضية.
واذا ما حاولنا الاطلالة على المسار التاريخي للخلاف الاسلامي
-الاسلامي في شان المراة، لربما تملكنا شعوربالاستغراب عندما
نجد مع الاحتفاظ بالفوارق - نوعا من اعادة او تكرار او... البحث
حول موضوعات محددة من قاسم امين ومحمد عبده الى
المطهري وابي زيد والسعداوي وشحرور وغيرهم، وهكذا نجد
نوعا من التشابه في المواقف مابين بدايات القرن العشرين
ونهاياته، ولعل اكثر الموضوعات هي الموضوعات.
ان هذا الواقع الثقافي يحكي عن درجة من المراوحة، او فلنقل:
احيانا الكر والفر المحدودين، ولعل قرنا كاملا من الزمن(على
اقل تقدير) ربما يعد مقطعا زمنيا كافيا لانتاج قواسم او بلورة
اوليات يفترض من الناحية التاريخية المحض تجاوزها، ومع
تحقق هذا الامر الا ان الخلاف لا يزال حادا، والاهم بنيويا.
لكن استعراضا توصيفيا في غاية الايجاز لمسيرة الجدل الثقافي
في شان موضوعة المراة يحكي عن نمطين من
التفكيروالتعاطي:
1. نمط ما زال يحتكم الى النص، وما حصل في هذا الفريق
بشقيه المختلفين هو محاولة من دعاة التغيير، او
التجديد
الكلامي والفقهي، لكسر حصار النص من خلال آليتين: احداهما: آلية الحفر خلف الجانب الصدوري للنصوص، وهو امر يتسنى في السنة الشريفة، ويصعب، بل يستحيل عمليا، في القرآن الكريم. ان هذا الحفر الذي يهدف الى تقويض النص من خلال نفي صدوره، وجد لنفسه فرصة ملائمة جدا، والسبب في ذلك هو ان مجموعة تصورات اجتماعية عن المراة لم يعمد المتكلمون والفقهاء المسلمون السابقون الى تحقيقها اتكالا على الوضوح العام في الوعي والعقل الجمعي المسبب عن بنينة خاصة للمجتمع القديم. وقد سعى الحفارون هنا الى هدم النصوص التي تبنت هذه المفاهيم الكلية عن المراة، والتي من ابرزها مفهوم نقصان عقل المراة،لان عدم بحث السلف فيها ادى تدريجيا الى حالة من التغاضي الذي يراكم عيوب النص لتاتي عملية الحفر اللاحقة فتكشفها دفعة واحدة خالقة اشكالية متعددة الاطراف والجبهات، اما لو كان هناك تعامل سابق مع هذه النصوص فان التمادي التاريخي يمكنه ان يخفض احيانا من حدة بعض هذه الاشكالات. ثانيتهما: آلية تكوين قراءة جديدة للنص، تدخله في الحساب التاريخي، والمكسب الذي سيتحقق حينئذ يقوم على محاولة عزل النص عن الواقع الاجتماعي الحالي من خلال وصله ببنى وهيكليات اجتماعية - سياسية سابقة لم يعد بالامكان تحققها اليوم.
هذه التاريخانية لم تتمكن من النفوذ الى معاقل التيارات
المدرسية في الفكر الديني خلافا لمسالة التشكيك في
اسانيدالحديث ومصادره، ولهذا نجد نوعا من المحدودية في
حضور التاريخانية للنص في هذا الوسط قياسا بالاوساط الاخرى
في الساحة الاسلامية، والسبب في ذلك يعود الى نوع من
احساس التنافي بين هذا النوع من القراءة وبين الاوليات
الكلامية والاصولية - الفقهية القاضية بثبات النص ومفاده، اما
على صعيد التشكيكات الصدورية للنصوص الدينية فكان امرا
اخف وطاة، لان الاتجاه المدرسي كان قد الف هذا النمط من
التعاط ي عموما على صعيد علمي الرجال والحديث.
وقد شكل الوضع الاجتماعي - السياسي السابق للمراة اساسا
اوليا لدعاة التاريخانية، وعلى سبيل المثال ربطت مسالة الارث
باقتصاد الاسرة الذي كان قائما على العنصر الذكوري، ووصلت
قضية السلطة بتركيبة الدولة ما قبل الحديثة، وانشات الجسور
ايضا ما بين التخلف العلمي والثقافي والاجتماعي للمراة وما
بين موضوع الطلاق وهكذا...
2. وعلى خلاف هذا النمط من التعاطي مع موضوعة المراة،
والذي شعرت الاتجاهات المدرسية بامكانية التفاهم معه الى
حد معين، كان هناك نمط آخر قرا المراة من زاوية عقلانية،
رافضا وبدرجة كبيرة نسبيا مرجعية النص، ولو تاثرا بتاريخانية
قراءة النصوص.
وقد اعتقد هذا الاتجاه، ولا يزال، بخطا افتراض مرجعية
نصوصية لقضية المراة، وكان يرى ان من الشطط خوض
الجدل مع الاتجاه المدرسي على اساس النص، لان النص
يصعب التعامل معه في موضوع كهذا، وبالتالي فاي اعتراف -
ولو جدلي - بمرجعية كهذه معناه التورط في مرحلة لا نهاية لها
من الممكن ان ينتصر فيها المدرسيون وانصارهم.
وقد حاول بعض انصار هذا الاتجاه تخفيف حدة النزعة العقلانية
الرافضة للنص عنده من خلال التخلي عن النصوص الجزئية
الواردة في القرآن والسنة حول المراة، ومحاولة خلع لباس
المقاصدية والخطوط الكلية على قراءتهم انطلاقا من عناوين
العدل والاحسان والحق والمعروف و... وهي عناوين عقلانية
جاءت تاييدات عامة لها في النص الديني.
لكن، وفي قبال هذه الحركة المتعددة الاشكال والمناهج،
كانت هناك تيارات رافضة ذات مظاهر مختلفة ايضا في
ساحة الفكر، يمكن القول انها تختصر في اتجاهين:
(الف) الاتجاه السلفي الماضوي: وهو اتجاه اعتقد برفض شامل
وكامل لاي حديث عن المراة اكتفاء بالنتاج الفكري القديم
وبالوضع الاجتماعي - السياسي السابق لها، وقد انطلق انصار هذا
الاتجاه من سلسلة مترابطة من القناعات تبدا- نظريا - من
كلاميات وفقهيات - وعمليا
-
من تجربة سابقة يرون فيها افضل
انموذج لحفظ الاسرة وتماسكها، وللتخفيف من الفساد
الاخلاقي والاجتماعي، وخفض معدلات الجريمة.
(ب) الاتجاه المدرسي العقلاني: وهو اتجاه برزت فيه
شخصيات كبيرة في القرن العشرين، وقد ركز هذا الاتجاه
نشاطه على صعيدين: احدهما: يمثل تقديم صياغة علمية داخلية لموضوعات المراة غلبت عليها سمة اعادة انتاج من دون تغيير في النتائج، اي اعادة صياغة وتشكيل للنظم المفاهيمية مع الاخذ بعين الاعتبار ثبات النتائج. ثانيهما: تقديم تفسيرات عصرية للنتائج المفروغ منها يمكنها عقلنة معطيات النصوص، اي تقديم تفسيرات لقضاياالحجاب وعلاقته بالحرية، وتعدد الزوجات وعلاقته بالحقوق و... وقد ساعدت التركيبة الذهنية - الاجتماعية، في المجتمعات الاسلامية، على نجاح هذه التفسيرات ومعقوليتها لدى الراي العام، وهو ما قد ينذر بفشل الديمومة، نتيجة التغيرات التي طرات في العقدين الاخيرين سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي - على العقل الجمعي ككل، ومن هنا يلاحظ ان مواصلة هذا الطريق في الاونة الاخيرة عانت من بعض المشاكل نتيجة - ربما الاعتماد على منهج التسويغ السابق الذي سبق التحولات الثقافية الاخيرة في المجتمع الاسلامي. وامام تنوع الاراء والمواقف الى حد التباين ما بين الاتجاهات جميعا ربما يحق لقلم ان يسجل الملاحظات الاتية: الملاحظة الاولى: لعل من ابرز الاشكاليات التي عانت منها الاتجاهات كافة هي مرجعية الغربي، اي ان فريقا كان يرى الامثولة في الانموذج الغربي فكانت الرؤى والقراءات تصاحب هذه الامثولة على الدوام او غالبا، لكن فريقا آخر كان يتموضع في مكانه، والمرجعية العكسية التي تدفعه الى هذا التموضع هي الغرب نفسه. الملاحظة الثانية: ما نحتاجه اليوم هو القيام بانتاجين متوازيين لموضوع المراة، انتاج داخلي يعيد قراءة الموضوع بطريقة اكاديمية تقليدية او غير تقليدية من دون الاخذ بنظر الاعتبار مصادرات مسبقة، وانتاج عقلاني لا يحاول عقلنة مفردات الجدل حول المراة هذه المرة - وان كان امرا مطلوبا بل يحاول عقلنة القراءة الوجودية الشاملة لهذا العنصر الاجتماعي،اي يحاول فلسفة الموضوع لا تبرير المفردة، لان البقاء في تسويغ المفردات من دون المكون التحتي لفلسفة الموضوع، سيفقدنا تكامل الصورة من جهة، ويغرقنا في دوامات تعاني من ازمة تخاطب من جهة ثانية.
وفي سياق تقديم اسهام ينضم الى بقية الاسهامات، تسعى
«المنهاج» الى طرح موضوع المراة مادة للبحث
والمطالعة،
بوصفه رافدا من روافد كلية المعرفة والتصور ان شاء
الله تعالى.
و«المنهاج» التي تدخل اليوم عددها الخامس والعشرين، في رحلة عمر مثمرة ومنتجة،
تدين بوجودها وديمومتها هذه لسماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ خالد العطية
الذي قدم جهودا استثنائية لخدمة هذا الجهد العلمي والديني،وهي اذ تقدم شكرها
بوجودها واستمرارها لسماحته، لا يسعها الا ان تامل له المزيد من الانتاج في
ديار الغربة في لندن رائدا من رواد الفعل الثقافي، وراعيا لمجلة «البلاغ»
الموقرة، وصانعا من صناع الوعي والعقلانية، ان شاء الله
تعالى. الدين والسياسة الشيخ عباس علي عميد زنجاني مقدمة
يطرح البحث، في بدايته، عدة آراء في شان علاقة الدين بالسياسة، وينتقدها بصورة
اجمالية، ثم يحاول، بعد ذلك،وبعيدا عما وقع في التاريخ، ان يعرض لعلاقة الدين
بالسياسة بوصفهما معرفتين سيما من وجهة النظر الاسلامية،ويخلص الى الاستنتاج
بان لهذين الموضوعين، على اساس ماهيتيهما، منطقيا، نوعا من التلازم بغض النظر
عن التلازم المفهومي لمقولتي الدين والسياسة. ثم ينتقد الراي القائل: «ان جميع
الامور في المجتمع الديني، بما فيها السياسة،ستصبح دينية شئنا ام ابينا، وان
هذا التلازم قضية طبيعية تماما»، ويفنده.
ثم يتناول مسالة اخيرة، تتمثل في السؤال الاتي: هل السياسة،
من وجهة النظر الدينية، وسيلة او غاية، ويرى ان
هذين التعبيرين يمكن اعتبارهما مسوغين ومنطقيين من
الناحية الدينية.
اولا - علاقة الدين بالسياسة
1. ان المفاهيم والتعاليم الدينية مختصة بالاخرة ومصير
الانسان بعد الموت، اما دائرة علم السياسة فهي تختص
بحياة البشر الدنيوية وما يتعلق بكيفية العيش في هذه الدنيا.
2. ان الدين ومبادئه جميعها وقيمه امور مقدسة، سماوية، ثابتة،
تابى النقد والاعتراض والتغيير. بينما السياسة خليط من القضايا
البشرية التي تضاد الاخلاق احيانا، ويشوبها الفساد والتلوث،
وليس لها من ثبات واستقرار قط. وهي معرضة على الدوام
للنقد والرد والتطورات السريعة، حسب الظروف السائدة.
3. ان اهداف الدين لا تنسجم واهداف السياسة على الرغم من
ان بعض تعاليمه تعالج مشاكل الحياة في هذه الدنيا،وتتكفل
ببيان تنظيم شؤونها وامورها. فهي تشتمل على التربية العلمية
الاصيلة والمهذبة للناس والتي تسلك بهم سبل التكامل
المعنوي وتجاوز القضايا المادية للحياة نحو قمة السمو
والتعالي الاخلاقي المنشود. والحال ان هدف السياسة هو ادارة
الشؤون المادية القائمة من دون الالتفات للقضايا المعنوية
والاخلاقية.
4. لم يتناول القرآن، بوصفه المصدر الرائد والاكثر اعتبارا في
معرفة جوهر الاسلام واحكامه، موضوع سياسة الدولة والحكومة،
ولم يرد فيه نص بهذا الشان. لقد الف الدكتور علي عبد الرازق
كتابه: «الاسلام واصول الحكم» عام 1925م على اساس هذه
النظرية، وادعى انه لم يشاهد في القرآن حتى شبه دليل على
وجوب اقامة الحكومة والتصدي للقضايا
السياسية.
ويعتقد علي عبد الرازق بان الشي ء الوحيد الواجب والثابت، في
الشريعة الاسلامية، هو اجراء احكام الله. واذا ما اتفقت الامة على
اجراء الاحكام الالهية فليس هنالك من حاجة لنصب الامام او
الخليفة، او اي فرد آخر ينهض بمسؤولية ادارة الشؤون
السياسية والحكومة((1)).
ويزعم، ايضا، ان اختلاف المتكلمين، في مسالة الامامة
والخلافة، وكون وجوب تنصيب الامام والخليفة قضية عقلية
اوشرعية، وكذا اكتفائهم بوجوب تنصيب الامام والخليفة
بالاجماع ليفيد ضعف اسس دينية الدولة والسياسة
ومبانيهاوتخلخل هذه الاسس والمباني((2)).
ويستند في تسويغه لنظريته على ثلاثة مطالب:
1. الايات والروايات الدالة على اثبات وجوب تنصيب الامام
والخليفة، والتي اعتقد من خلالها بشرعية علاقة
الدين بالسياسة، تمكن مناقشتها، وان كلا منها يمكن تفسيره
وتاويله، اما بعضها فهو ضعيف من حيث الدلالة، وبعضها
الاخرليس له سند يمكن قبوله((3)).
2. بعض المصطلحات التي استعملت، في الايات والروايات من
قبيل: الامامة، الخلافة، بيعة اولي الامر، الامة والجماعة، لم يكن
يقصد منها المعنى المطروح اليوم، والذي يفسرها على اساس
مفاهيم السياسة والدولة المعاصرة.
ان المعاني والتفاسير السياسية التي تطرح في شان هكذا
مقولات شرعية (الامام والخليفة بمعنى رئيس الدولة،
واولوالامر بمعنى الساسة والحكام، والبيعة بمعنى الانتخابات،
والامة والجماعة بمعنى الشعب والدولة والبلد الاسلامي)هي
معان حديثة، وان اطلاق تلك المفردات على هذه المعاني
يتوقف على استنباط هذه المعاني واستعمالها ابان نزول الايات
وصدور الروايات، والواقع انه لا يمكن البرهنة على هذا
الامر((4)).
لقد وردت كافة النصوص الشرعية، في مجال قضايا الدولة
الحكومة، على غرار قول نبي الله عيسى(ع): «دع ما
لقيصرلقيصر». لا شك في ان عيسى(ع) لم يقصد ان قيصر
الجائر والسفاك كان على الحق وان حكومته شرعية والهية.
وهكذا الحال في الاحاديث المرتبطة بالامامة والخلافة، او
البيعة، والتي تدل على الوفاء بالعهد للكفار، اي انه ليس هنالك
من دلالة لاي منها على شرعية حكومة الكفر((5)).
4. كيف يمكن ان يكون الامر بطاعة الساسة والحكام في الاية:
(واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)
كاشفة لشرعية اعمال الخلفاء الظلمة والحكام الفسقة؟((6)).
كان علي عبد الرازق يشغل منصب استاذ لمرحلة الدكتوراه في
كلية الحقوق، في جامعة الازهر المصرية، وقاضيالاحدى
المحاكم الشرعية في القاهرة في اثناء تاليفه لهذا الكتاب. وقد
فقد المنصبين وتقوقع في جامعته بعد تكفيره،على اثر
جرحه((7)) لمشاعر الراي العام، ومخالفته لفقهاء جامعة الازهر
واساتذتها الذين عدوا وجهة نظره تهمة وافتراءيستهدفان هدم
الاسلام، لقد كان هدفه مساندة اطروحة فصل الدين عن
السياسة ودعمها من خلال اتجاه يخلص لنسخ خلافة بني
عثمان، انه ينسب نظرية نفي السياسة والدولة الدينية لاحد
زهاد القرن الثالث الهجري المشهورين، وهو«حاتم الاصم»
الذي كان يعتنق المذهب المعتزلي، وكان يعتقد ان الخوارج
يرون هذا الراي ايضا.
لقد سعى جاهدا، في كتابه المشتمل على 120 صفحة، الى ان
يرد على كتاب الكاتب المصري المعروف رشيد رضاالذي
يحمل عنوان: «الخلافة او الامامة العظمى». وفي الحقيقة فانه
انتهج سلوكا تفريطيا ازاء الاسلوب الافراط ي لرشيدرضا الذي
كان يستشهد بمئات الايات والاحاديث، ليعلن عن مساندته
المطلقة للخلفاء والحكام. ثم يرى الانفصال التام بين الدين
والسياسة، ويرفض بصورة قاطعة الشواهد القرآنية والروايات
الواردة في شان المسائل السياسية.
لا شك في ان رايه القائل بعدم الشرعية الدينية لحكومة
الخلفاء، في التاريخ السياسي للاسلام، مقبولة تماما، ولعل قصده
كان تلك الحكومات التي لم يكن لاوامرها اي انسجام مع
الشريعة واعمالها وافعالها التي لا تتلاءم والسيرة النبوية،الا ان
اقواله ونظرياته في انكار عشرات الايات ومئات الروايات
المعتبرة غير مقبولة، والادهى من ذلك نفي الثقافة السياسية
والعرف السياسي للمسلمين، والسيرة السياسية للرسول
الاكرم(ص) في اقامة الدولة وتاسيس المؤسسات والمراكز
السياسية وقراراته في شان العلاقات مع الاقليات والشعوب
والبلدان الاخرى وقيادته ل 27 غزوة، وتعبئته اكثرمن اربعين
سرية وبعثة وتكليفه عشرات الهيئات الدبلوماسية بتنفيذ
المهمات السياسية والاقتصادية وحتى الحربية((8))... هذه
الاقوال جميعها هي اقوال لا ينبغي صدروها من محقق، فهي لا
تتناسب وشانه البتة.
وفي الكلام على الترابط الجدلي بين الدين والسياسة، نكتفي،
هنا، بالاشارة الى مسالتين هما:
(الف) لقد قال اغلب منتقدي كتاب: «الاسلام واصول الحكم»:
ان دوافع تاليفه كانت سياسية ومناغمة للغرب
والوطنيين الساعين الى الاطاحة بالخلافة العثمانية، الا انه من
المسلم به هو ان افكار علي عبد الرازق كانت تشتمل على
تصورخاص عن السياسة والدولة بمفهومها المتداول آنذاك،
وهو مفهوم يتكون من عناصر محددة ومؤسسات معينة
واطرخاصة لعالم السياسة المعاصرة. فقد طالعتنا اغلب مباحث
الكتاب بنفي الرابطة بينهما على اثر عدم عثوره على مثل تلك
المميزات في القرآن والسنة العملية للرسول الاكرم(ص)
وكذلك مشاهدته لبعض الخصائص والاسس في الرسالة الدينية
التي لا تمت بصلة للسياسة بمفهومها المعاصر.
(ب) اعتقاد طائفة من علماء العامة ببراءة الخلفاء والحكام
والسلاطين، والملازمة بين وجوب الخلافة والتسليم
والطاعة لحاكمية ادعياء الحكومة، كان قد اضطره لانكار الاصل
بدلا من الخوض في الفرع.
5. عقيدة الخوارج في شان نفي الحكومة البشرية، والقائمة على
اساس انه ليس لاحد الارادة في حكومة الناس سوى ارادة الله.
فالناس لا تطيع سوى اوامر الله الذي لا شريك له في حكمه،
ولا تمتثل الا لها، ولم يمنح الاسلام احدا ممارسة الحكومة
والقيام بشؤونها، وهنا يكمن شعارهم المشهور الذي رفعوه في
وجه الامام علي(ع) قائلين: «الحكم لله لا لك، ياعلي».
وقد رفض بعض المتكلمين الاسلاميين ان تكون كلمة الخوارج
جميعهم قد اتفقت على هذا الشعار فنسبوا لهم النظريات
الاتية((9)).
(الف) تجب اقامة الدولة وتشكيل الحكومة الاسلامية، وعلى
الامة ان تنهض بها بقصد حفظ اساس الدين والنظام والمصلحة
العامة في الشرائط المعقدة التي يخشى فيها الفتنة على
المجتمع الاسلامي.
6. لقد ورد المنع عن اية نهضة لاقامة الحكومة في غيبة ولي
العصر(عج)((10)). ثانيا - تلازم الدين والسياسة مفهوميا ينبغي هنا ان نتناول رابطة هذين النوعين من المعرفة البشرية بالدراسة والتحليل - في انهما يشتملان على قاعدة الهية وعقلانية بغض النظر عن السيرة التاريخية في الغرب القائلة بفصل الدين عن السياسة (العلمانية)، ونتعرض للاراءالنظرية للاديان سيما الاسلام بعيدا عما كان قد حدث وحصل في التاريخ.
وستبدا دراستنا التحليلية لهذه العلاقة من خلال تعريف كل
من الدين والسياسة لنرى مدى العلاقة المنطقية
القائمة بينهما، من حيث المضمون والهدف: (الف) تعريف الدين: يمكن تعريف الدين بانه مجموعة من العقائد المترابطة والافكار المستقاة من الوحي الالهي في مايتعلق بالعالم، والانسان، والمجتمع والانسانية في ما بعد الموت، وهدفه هداية الانسان للعيش بصورة افضل واكمل.
وينسجم هذا التعريف والتفسير الذي ورد في شان الايمان في
بعض الروايات والكتب الكلامية: «اعتقاد بالجنان
وعمل بالاركان واقرار باللسان»، كما يتناسب ايضا والتعريف
الجامع الذي قدمه بعض علماء الاجتماع المعنيين بالاديان،
مثل:نيل جسملسر وفلورانس كلاكون وفرد استراديت
بك((11)). فقد عدوا الدين ضمن مقولة التحمس للقيم التي
عدوهاعبارة عن بعض المبادى الصعبة، وفي الوقت نفسه
المنظمة والمرتبة تماما والتي تبلور الافعال والافكار الانسانية
في ما
يرتبط بحل القضايا الانسانية المشتركة وتنظمها.
وبهذا يرتسم التحمس للقيم في الدين بشكل اطر مقدسة وما
وراء الطبيعة. وتظهر بعض الافكار ك «الاومانيزم»
(Huomanism)، اي تاليه الانسان، بالشكل الذي يفقد معه كل
قداسة. المبدآن الرئيسان للدين هما: العقائد والرؤية العالمية،
المقررات والاحكام والاخلاق والسير التكاملي للانسان.
ويرى القرآن صراحة ان الشريعة جزء لا يمكن فصله عن الدين
في جميع الاديان السماوية، ولا يعد الاعتقاد المجرد
تدينا، وان
كان صوابا ما لم يرافقه عمل بالاحكام والمقررات الدينية. فقد
جاء في سورة الاعراف، الاية 173: (شرع لكم من الدين ما وصى
به نوحا والذي اوحينا اليك...). فالمنحنى البياني الدائمي
الماهوي، كما جاء في سورة النور، الاية (62: انما المؤمنون
الذين آمنوا بالله ورسوله، واذا كانوا معه على امر جامع لم
يذهبوا حتى يستاذنوه). للدين افكار منظمة ومرتبة في مجال
الرؤية العالمية الشاملة والشريعة، وليس هدفها الغائي سمو
الانسان وتعاليه في هذه الحياة الدنيا
فقط.
لا شك في ان جزءا من الانسان هو حياته الجماعية والسياسة،
والحكومة هي ايضا جزء لا يتجزا من اجزاء المجتمع.
فكيف وانى
للدين، طبق هذا التعريف والهدف، ان يغفل عن هذا الجزء
المهم من حياة الانسان، ويزعم هدايته، والاخذ
بيده لمصير
ومستقبل افضل في الدنيا والاخرة؟ وقد اذعن جميع من تناول
تعريف الدين لهذه الحقيقة، وهي ان هدفه وغايته تنظيم حياة
البشرية. (ب) تعريف السياسة: على الرغم من ان تقديم تعريف جامع ومانع للسياسة امر معقد، وهو في الحقيقة سهل وممتنع.ولكن، وكما اوردنا في موضع آخر من هذا المقال، فان السياسة تعني الادارة الفائقة للدولة وتفعيل الشؤون العامة باتجاه المصالح الجماعية وانتقاء الاساليب الناجعة في ادارة شؤون البلاد، او انها علم ادارة شؤون المجتمع، او هي فن تسييرشؤون الناس في ما يتعلق بالدولة، والذي يتعامل دائما مع حقل وجزء من حياة الانسان. وحيث ان لها علاقة بعمل الانسان، كان لابد من ان تحتك بالدين الذي تكفل ببيان طرق العيش واساليبه؛ ولذلك فهي تقوم باعمالها متفقة اومتضادة معه، وفي كلا الحالتين فان للدين تعلق بالسياسة، والسياسة تعمل بدورها هي الاخرى ضمن نطاق الدين واطاره ايضا.
والان، وبالنظر لما ورد، في مفهوم الدين والسياسة، يمكن ان
نستشف بجلاء ان القضية المنطقية، في عدم انفصال الدين عن
السياسة هي من المصاديق الواضحة للقاعدة المنطقية
والفلسفية القائلة: ان «القضايا قياساتها معها»((12)). (ج) ماهية علاقة الدين بالسياسة في الاسلام: ناهيك عن الملازمة المفهومة لمقولتي الدين والسياسة، فان الاهمية التي اولتها التعاليم الاسلامية لثلاثة مجالات مبدئية، وهي: الايديولوجية والتشريع والاخلاق، لتكشف وتبين هذه العلاقة العميقة والراسخة، والتي تابى الانفصال بينهما، وبالالتفات الى المضمون والقضايا الماهوية للدين والسياسة، فانه سوف لن يبقى هناك من تردد في ان علاقة الدين بالسياسة في الاسلام هي علاقة منطقية وجوهرية، وان كلا منهما لازم وملزوم لصاحبه، ويابى الانفكاك عنه. وبعبارة اخرى: ان هذه العلاقة تمثل اساسا ومبدا كليا وبنية تحتية في التفكيرالاسلامي يتعذر انكارها. ويمكن طرح هذه القضية وجوهرية هذه العلاقة المنطقية في عدة صور: 1.
ففي المجال السياسي ونطاق الدين، هناك مشتركات تربطهما معا في الاهداف، وفي
مجموعة من القضايا ذات الاهمية بالنسبة للحياة الاجتماعية. ولكن، وفي الوقت
نفسه، فان لكل منهما مميزاته وصفاته الخاصة به، وهذا ما يؤدي الى فصل احدهما عن
الاخر في بعض الظروف والحالات الخاصة، كان ينتهج الدين سبيل العزلة والانطواء
على نفسه داعيا اتباعه الى اعتزال التلوث بالسياسة اذا ما ساد الفساد اجهزة
الدولة وطاقمها السياسي الحاكم، واغلق الطريق امام اية اصلاحات او تغيير، وهكذا
يفعل الساسة اذا ما ساد الاستبداد الديني، واستولى الفساد على اهل الدين،
فلعلهم يلجاون الى طرد الدين، وان كانوا انفسهم من اهله واصحابه.
وهذا الامر نفسه دعا بعض الباحثين، في دراستهم لافكار
الاسلام السياسية، الى ان يسلموا لعلاقة الدين بالسياسة
في اطار تلك الحدود المشتركة لهاتين المقولتين، ويلتزمون
بصورة مشروطة بهذه العلاقة ولا يرون مفرا من الانفصال
النسبي بينهما.
ويبدو ان هذا النوع من الاستنتاج الخاص، بعلاقة الدين
بالسياسة، قد نشا من ان بعض الباحثين نظروا الى ان كلا
منهمايمثل المفهوم العيني للاخر. وفي هذه الحالة، يمكن
فرض ان احدهما، او كلاهما، قد انحرف عن مساره وهدفه،
والحال ان الغرض المسبق كان على اساس ان يفسر مفهوم كل
منهما بتفسير صحيح، وبذلك سوف لن يكون هنالك
امكان لقبول فرض الانفصال بينهما.
2. ان قسما عظيما من القضايا الدينية واقع ضمن اطار السياسة
ونطاقها، وبالمقابل، وفي مجال السياسة، فان اغلب قضاياها
مرتبط بالاطر الدينية ايضا.
بعبارة اخرى: لا مناص لكل منهما من ان يقع في دائرة الاخر
سواء من حيث الابعاد النظرية ام التطبيقية، وعليه فان السياسة
لا تستغني عن الدين، ولا يستغني الدين عن السياسة.
وهنا يمكن مناقشة هذا الاستنتاج، وهو ان دائرة الدين، بما
عليه من جامعية، تشمل الاصعدة السياسية كافة، وليس هنالك
من راي او فعل سياسي لم يتناوله الدين حتى في الموارد التي
لم يرد فيها نص شرعي (اي المباحات التي ليس فيها الزام
شرعي)، فان الدين امر الانسان بان يعمل بحسب ما يقتضيه
العقل، ويمكن القول: ان هذه الموارد ليست بخارجة عن دائرة
الدين ايضا.
3. لقد فسر بعض الباحثين علاقة الدين بالسياسة بان جميع
الاشياء، في المجتمع الديني، بما فيها السياسة، تصبح
دينية شئنا ام ابينا، وان هذا التلازم امر طبيعي ونوع من
الاجبار، فاذا ما عاشت الامة فى مجتمع متدين فان السياسة
ستكون هي الاخرى دينية، وهذه صفة مميزة للامة حين تلتزم
بدينها، ولا يمكن الحيلولة دون وقوعها. ولفصل السياسة
عن الدين لا بد من فصل الامة عن دينها بادى ذي بدء، وآنذاك
سيفقد المجتمع دينه، وتصبح السياسة غير دينية ايضا.
لا شك في ان هذا التفسير لعلاقة الدين بالسياسة لا يمكن له
ان يكون بمعنى العلاقة الماهوية بينهما، والتي ستتبع
النهج الديني للمجتمع، فضلا عن مقتضى الدين نفسه، بحيث
اذا افترضنا ان المجتمع الديني لم يشا ان يمزج الدين بالسياسة،
فان السياسة، في هذه الحالة، ستكون لا دينية. وكذلك ان كان
هذا الفرض يمكن تحققه في ما اذا ارادالمجتمع اللاديني ان
يعمل بالدين، فان السياسة ستكون دينية. وبعبارة اوضح، فانه،
وطبق هذا التفسير، ففي الواقع ان التلازم ليس بين الدين
والسياسة، بل بينها وبين ارادة الامة التي تعين اتجاه السياسة،
وتنبغي اضافة هذه النقطة لتسويغ هذا الراي وذلك التفسير،
وهي انه اذا لم يكن هناك من ملازمة ماهوية بين الدين
والسياسة، وان الدين لا يجر السياسة اليه، فان المتدين لا
يتطلع ابدا الى ان تكون سياسته دينية. فان سيس المجتمع
الديني الدين، فان ذلك يعود لان الدين قد اقتضى ذلك، وليس
هنالك من سبيل امام المتدين والمجتمع الديني للهروب
والفرار من ذلك. ثالثا. الاهداف السياسية للدين ورسالة الانبياء لقد سطر فكر الانبياء السياسي فصولا بارزة وجلية في تاريخ الافكار السياسية، وانجازاتهم هذه تعد من العناصر المهمة والمصيرية في التاريخ السياسي العالمي، كما ان هنالك انجازات خاصة بالانظمة السياسية القائمة على اساس مبادى الدين والانبياء في تاريخ الانظمة السياسية العالمية، وهي جديرة بالدراسة والتامل. .. وقد سعى كتاب تاريخ الافكارالسياسية، في الغرب، لتمييز علم السياسة والافكار السياسية عن الافكار الدينية، ولذلك اقدموا تاريخيا على تجاهل تلك الانجازات، وهذه جريمة لا تغتفر دينيا ولا علميا. وقد ظلت اقوال هومر وسقراط وافلاطون وارسطو، وسيسرون هي السائدة، في تاريخ الافكار السياسية، حتى القرن الخامس الميلادي وبعد گوستين حتى القرن العشرين، الا انه - وكما ذكر سابقا لم يشاهد فصل باسم الافكار السياسية للاديان والانبياء في اية زاوية من زوايا هذا التاريخ السياسي الشامل والواسع. ورغم الدور التاريخي الذي اضطلع به الفكر الديني للانبياء، لم يرد ذكر لاسمائهم، لا في تاريخ الانظمة السياسية ولا في تاريخ الافكار السياسية.
حصيلة اعمال موسى(ع) تمثل انقاذ القوم مما عانوه من ظلم
وعذاب؛ فهي، وبغض النظر عن كونها عملا لنبي ورسول من
رسل الله الا انها كانت عملا سياسيا وسندا لتلك النهضة
العملاقة، فمما لا شك فيه انها كانت تيارا سياسيا
ومدرسة عميقة متجذرة لم يرد ذكرها قط في التاريخ الغربي
للافكار السياسية.
لقد قارع ابراهيم(ع)، المؤسس العظيم لمدرسة التوحيد،
وبطلها السياسي لعشرين قرنا خلت، قبل ميلاد
السيدالمسيح(ع)، السلطة السياسية الغاشمة الحاكمة آنذاك،
من خلال ايجاده لاسس رصينة متينة ومذهب ذي
جذورعميقة، وقد سطر اوراقه باحرف من نور في عمق التاريخ
السياسي للافكار العالمية، ولم يتمكن، من خلالها، من الاطاحة
بتلك السلطة الحاكمة، وينقذ شعبه فحسب، بل فتح الباب
على مصراعيه للامم، ملقنا اياها دروسا في النضال ونهج
الخلاص.
وقد قاد نبي الله موسى(ع)، هذا النبي المجاهد الدؤوب، قبل
اثنى عشر قرنا خلت قبل ميلاد السيد المسيح(ع)،
الكفاح والجهاد ضد اعتى سلطة في التاريخ، ثم تمكن من
الاطاحة بتلك الافكار السياسية السائدة، وتزعم نضال شعبه
وفق الاسس السياسية المستندة للتوحيد، وقد كتب لها النصر،
وبذلك فقد تلالات مرة اخرى الافكار السياسية
التوحيدية لتبيين الانتصارات والهزائم.
وقد عزز الانبياء من بعد موسى(ع)، وحتى ظهور السيد
المسيح(ع)، نهجه، فاصبحت الافكار السياسية القائمة
على التوحيد معالم على طريق العمل السياسي لعدة قرون. وقد
مضى عيسى(ع) في هذا الجهاد الذي لا يقهر، وواصله
حتى انتهى بصلبه وصعوده حبل المشنقة. ان هذا الاتصال
التاريخي للسنن الالهية، منذ بعثة نبي الاسلام(ص) ثم الى
يومناالمعاصر، وعلى امتداد التاريخ، قد خلف اعظم الوقائع
السياسية التاريخية، وسجل اروع الافكار السياسية المشرقة.
الا انه، ولان الاقلام التي تكتب التاريخ وقعت بيد الغرب، فانها
اقتصرت على تسطير ما يختص به فقط، وركزت على بعده
المادي التاريخي، مغفلة التاريخ السياسي لحركة الانبياء وتاريخ
الافكار التوحيدية، وازالتهما عن مسرح التاريخين: السياسي
والعلمي. وقد عمدت العلمانية الى فعل ذلك بعدما نشات في
الغرب، وعمل هذا على تعميمها على كافة الازمنة والقرون
الماضية، واودع جميع الاثار الرائعة للانجاز الديني في زوايا
النسيان.
فلم يرد الكلام على تاريخ الانبياء في التاريخ السياسي وفي
تاريخ العلوم بصورة عامة. ان المقصود من التاريخ
السياسي الغربي هو النفوذ الفكري للغرب لا جغرافيته المكانية،
التكنولوجية، والتي ليست من نتاجات سكان الغرب
بمعناه الجغرافي بل هي خلاصة الفكر البشري في التاريخ:
«العلم هو الميراث المشترك للبشرية جمعاء».
لا يرد لافريقيا اليوم ذكر في التاريخ، وهذا لا يعني انه ليس لها
من دور يذكر، فالعالم ليس وطنيا ولا جغرافيا. وذلك ان العلم
هو الذي يمنح التكامل لكافة الجهود والمحاولات البشرية في
جميع المناطق الجغرافية. وبناء على ذلك، فان العلم لا يمكنه
ان يكون تابعا للجغرافية والوطنية والقومية، وتكامل العلوم
حلقات يتصل بعضها ببعضها الاخرويتشابك، وللعلم ارتباط
كامل بكافة هذه الحلقات التي تابى احداها الانفكاك عن
الاخرى.
ان المقصود من الاهداف السياسية للانبياء هو تلك الاهداف
المرسومة مسبقا والتي جاهد الانبياء، وعلى اساس
الوحي الالهي لتحقيقها، ولم يالوا جهدا، في السعي الحثيث
بغية تحقيقها والتضحية بالغالي والنفيس من اجل ذلك.
وفي الحقيقة، فان هذه الاهداف مبينة لافكار الاديان العظمى
المطروحة في التاريخ، والتي كانت عنصرا مهما في
بعض التطورات الشاملة في التاريخ، وكان لها دور تاريخي وبالغ
الاهمية في الحضارة والثقافة العالميتين. ان دراسة
الاهداف السياسية للانبياء، في تحليل المباني الفكرية السياسية
الاسلامية، يمكنها ان تكون من اهم المباحث في تبيين
علاقة الدين بالسياسة. ويمكن القول: ان هنالك ثلاثة اهداف
رئيسية للاديان الالهية، وهي: الاول: بسط القسط والحق، وهداية المجتمعات البشرية وتوجيهها باتجاه العدالة. ولكل من هذه الاهداف السامية الثلاثة ارتباط وثيق بالقضايا السياسية، ولا يمكن تحققها من دون توافر فكر سياسي مناسب ومنظم وفلسفة سياسية واضحة. وهنا يطرح سؤال نفسه في شان اهداف الانبياء، وهو: اذا كان هدف الانبياءوالاولياء جميعهم هو اقامة العدل وبسط القسط، في المجتمع، فكيف يمكن ان يكون عمل الانبياء وفكرهم منفصلا عن السياسة؟
ومن المفروغ منه ان بسط القسط والعدالة يتطلب قانونا، والقانون بدوره لا
يتبلور، ايضا، من دون وجود نظام حقوقي واضح، ولا يمكن تطبيق هذا الاخير من دون
وجود نظام سياسي، وكذلك لا يمكن تحقق حكومة ونظام سياسي بمعزل عن فكر سياسي،
وبالنتيجة ما لم تتوافر سلسلة المراتب هذه لا يمكن بلوغ الحق والعدالة.
ان من ابرز تعاليم الانبياء واهمها التشريع الذي يتكفل ببيان
النظام الحقوقي المحدد والمتمايز، نظام حقوقي يمثل،
من جهة، الارضية الخصبة وليس القوانين والمقررات الحاكمة
فحسب، ومن جهة اخرى يطالب بتشكيل سلطة
سياسية تنفيذية تنهض بمسؤولية ضمان تنفيذ تلك القوانين.
الهدف الثاني لرسالة الانبياء هو دعوة الناس لله وهدايتهم
المعنوية وتمهيد السبيل امام تعاليهم ورقيهم، وهذا لا يتيسر الا
في ظل خطة عمل سياسية وحكومة بشرية. فاول عمل قام
به ابراهيم(ع) هو دعوة الناس للايمان بالله، وكانت اولى
مجابهاته تلك التي كانت مع نمرود الذي ضرب امامه طوقا
من حديد. واول اجراء اتخذه في تلك المجابهة اعلانه للجهاد
الشامل بكافة ابعاده. وكان اساس هذا الجهاد الفكر
السياسي،فالدعوة تتطلب خطة مبرمجة وتنظيمها، وان كل
تنظيم او برمجة هو عمل سياسي. وان الهداية تعني القيادة
وتمحور فئة حول ايديولجية ذات اهداف معينة مدروسة، وهذا
يعني اقتحام العمل السياسي بكل ما يتمخض عنه من معان.
وعليه، فان هداية الانبياء تعني الزعامة والقيادة، وهما عملان
سياسيان.
الهدف الثالث للاديان هو تحرير الانسان من كافة القيود التي
تحول دون تكامله، والتي تمثل عقبة كؤودا امام قربه من الله،
ولا يمكن لهكذا هدف يتضمن تحقيق الحرية، في المجالات
الفردية والاجتماعية والدولية، ان يتحقق بمعزل عن نضال
سياسي دؤوب.
ان الحرية، في منطق الدين، تعني العبودية لله وعدم عبودية ما
سواه. وقد جاء في القرآن الكريم: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا
ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم
من حقت عليه الضلالة) [النحل/36].
ان المفهوم الديني للعبودية ليس الا التحرر المطلق من كافة
العوامل غير الالهية والخلاص من جميع عقبات
التعالي والتكامل، وكذلك التحرر من قيد الشهوات النفسانية
وغير العقلانية. ولا شك في ان الحرية، بهذا المفهوم الشامل،
تتمتع برؤية فلسفية وسياسية عميقة تضاعف علاقة الدين
بالسياسة.
ان التعاليم الدينية في شان موقف الانسان بالنسبة من الله
والشيطان لتمثل الخط الفاصل بين حرية الانسان او اسره
من جهة: (من يطع الرسول فقد اطاع الله) [النساء/80]. ومن
جهة اخرى، فان اي اتباع واذعان لحاكمية غير الله يعد
حركة شيطانية: (وقالوا: ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا
السبيلا) [الاحزاب/67].
ان المنطق الديني يرى ان التعلق بالدنيا والاهواء هو تعلق
بمعسكر الطاغوت، ويحتاج الفراعنة لبسط سيطرتهم
وبسط نفوذهم الى قواعد في باطن الناس المقيدين، ولا تكمن
هذه القواعد الا في وسط تلك الحاجات، والا اذا عاش
الانسان في اسر الشهوات..
ان الفرعنة تنبثق من ذلك التعلق بالدنيا، وهو التوق للسلطة
الايل للزوال، الا ان هؤلاء التواقين قد يستندون، من
جهة اخرى، الى قواعد مستقرة تلتمس مواضعها في بواطن
الناس المقيدة الاسيرة، ولذلك فهم باقون ويتزايدون
قدرة وسلطة.
واليوم، فان تبعية الامم المستضعفة، فضلا عن خضوعها
لحاجاتها المادية وشهواتها الرذيلة المؤدية الى وقوع
الخسائر،لتمثل اهم قواعد التسلط الشيطاني الاستكباري
لامريكا.
وان السبيل الوحيد للتخلص من هذه القواعد الداخلية
للاستبداد والاستكبار الخارجيين والتخلص منهما ليكمن
في الحرية وفق المفهوم المتمثل في هدف الدين ورسالة
الانبياء. لا شك في ان طرح النضال والجهاد ضد
الاستبداد والاستكبار فكرة سياسية، على الرغم من ان رفض
الاستبداد ومناهضة الاستكبار يعد مزية اخلاقية ناشئة من
تهذيب النفس، ومن ثم فهي حركة اخلاقية، الا ان هذه المزية
الذاتية للدين لا تفصل قضايا الحياة احداها عن الاخرى،
بل تجعلها مترابطة متماسكة. هذا ما يستفيده الانسان من
نتائجها في مساره ونهجه التكامليين. ولذلك، فقد ورد ما
لايستهان به من القضايا والافكار السياسية الاسلامية الاصيلة
خلال المباحث العرفانية والاخلاقية، فكان العرفاء هم اغلب
زعماء نهضتنا وحركاتنا الثورية في تاريخنا الاسلامي وقادتها.
لقد صنف علماء الاخلاق بث الرعب والخوف في الاخرين ضمن
الصفات الرذيلة والذنوب الكبيرة، ثم قالوا، وبالاستناد للروايات:
«من ارعب بريئا جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من
رحمة الله». وفحوى هذا الحديث الاخلاقي مسالة سياسية كاملة
تتصدى بوضوح لبيان اهمية القضية الامنية في المجتمع
وخطورتها.
لقد قال ابو الاحرار الامام الحسين(ع): «ان لم يكن لكم دين،
وكنتم لا تخشون المعاد فكونوا احرارا في دنياكم»، اي
انتقواسبيل الاحرار، اي التفكير المتعقل والحر. يعني التفكير
والحركة على اساس العقل. رابعا. الدور السياسي للاديان لقد اقصيت التعاليم السياسية للاديان الرئيسية، كالمسيحية واليهودية عمليا عن المسرح السياسي على المستويين:الوطني والدولي. وان كان هناك ثمة دور للاديان والمذاهب، في السياسات الدولية، فان ذلك يعود لاستغلال نفوذهاالمعنوي في تمرير مخططاتها ومشاريعها السياسية، وقد استغل هذا النفوذ للاديان استغلالا بشعا، وهذا ما فعله سماسرة السياسة على مدى التاريخ في لجوئهم لكافة الوسائل، بغية تحقيق مربهم واطماعهم.
اذا ما شوهد دور للمسيحية واليهودية، في الاحداث السياسية
الدولية، فان ذلك يعزى الى ان دورهما يوظف في السياسة. وقد سلمت المسيحية العالمية المعاصرة، بعد عصر مديد من النزاع التاريخي، للعلمانية، بينما ابتعد اليهود غيرالصهاينة عن السياسة. وهنا يطرح سؤال نفسه، وهو: هل القرب من السياسة او البعد عنها جزء من تعاليم الدينين المذكورين ونابع من طبيعتهما او انه كسائر الظواهر التاريخية التي تنشا على اثر مجابهة بعض العوامل المختلفة التي تمثل اسبابها الخاصة؟
يعد الاسلام العلمنة وفصل الدين عن السياسة انحرافا عظيما خطيرا يتنافى وطبيعة
الاديان، ويرى ان ابتعاد الاديان عن السياسة هو انعكاس لهزيمة المتدينين امام
الغزو الالحادي التاريخي الذي يشن ضد حاكمية الاديان. وقد اشار القرآن صراحة
الى هذه المجابهة التاريخية المستمرة، مادحا استقامة حماة مدرسة الانبياء
وثباتهم قائلا: (وكاين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم في
سبيل الله وما ضعفوا...) [آل عمران/146].
ووفاقا لوجهة نظر القرآن الكريم، فانه يعد الضعف، في هذا
المجال، غير جائز كما انه يدين الصلح المصحوب بالذلة
من موقع الضعف، وهذا ما تقوله الاية الكريمة: (فلا تهنوا وتدعوا
الى السلم وانتم الاعلون) [محمد/35].
اننا نشاهد، من خلال مطالعتنا لسير الانبياء، ان ابرز فعالياتهم
وانشطتهم قد تركزت في الجانب السياسي، وهذه الحقيقة ترى
بوضوح في القرآن الكريم، حين يصف حياتهم الاجتماعية. ان كانت القدرة تعد المحور الاساسي للسياسة، فان الانبياء كانوا يتحدثون دائما من موقع القوة، وهذا ما نلمسه في المفردة «النذير» [هود/25] التي ورد استعمالها، في آيات كثيرة، وفي عدة صور في شان الانبياء، لتكشف بوضوح عن ذلك الموقع. وان الوعد بالنصر النهائي للانبياء وانصار مذهبهم قد تبين بالمفردة «ليظهره» [التوبة/33] وعدة آيات اخرى،وهي تفيد القوة التي كان يسعى الانبياء للظفر بها، وقد يعبر عن ذلك ب «السلطان المبين» الذي يبين تلك الحقيقة ايضا. |