ان عددنا النهج والايديولوجية ملاك الاحزاب السياسية، فان
الاديان الالهية هي اول مؤسس الاحزاب، وان راينا
ان التنظيمات هي معيار وجود للاحزاب، فان اقوى التنظيمات
واعظمها، طوال التاريخ، تعود للانبياء. يعتقد بعض الباحثين بان
المفهوم السياسي للحزب يعني وجود الاعضاء والانصار الذين
يؤمنون باهدافه ومبادئه، وحسب هذاالفرض لا بد من القول: ان
الاسباط والحواريين وجميع الاتباع الامناء والمؤمنين بمدرسة
الانبياء كانوا يشكلون لبنات الاحزاب السياسية.
وان كان فتح جبهة جديدة، في الجهاد الاجتماعي، يعد من
انشطة العمل السياسي للاحزاب، فان ابرز مظاهر ذلك يمكن
مشاهدتها في الحياة الاجتماعية والسياسية للانبياء. وعلى
سبيل المثال، فقد فتح موسى(ع) جبهة متراصة في وجه
فرعون وملئه (اي حاشيته ورجال سلطته) [الشعراء/16
والاعراف/103] وبعض الايات الاخرى.
وكذلك فعل عيسى(ع) امام قيصر. وياتي في طليعة
المجاهدين ابراهيم(ع) ضد نمرود((13)).
ولم يأل اهل الدنيا، من محبي الرئاسة والتسلط، والذين كانوا
يقفون بقوة في وجه الانبياء ونهضتهم التي كانت تحول دون
بقاء دولهم، جهدا بغية القضاء على رسالتهم وعلى اتباعهم، ولم
يتورعوا عن اللجوء الى ممارسة اقذر الاساليب بحقهم، من عنف
وقتل واغتيال وتشريد وما شابه ذلك.
وعادة ما كانت تسفر مجابهة الانبياء لطواغيت عصورهم عن
انقسام المجتمعات البشرية الى قطبين، ولم تكن هذه التجزئة
السياسية لتتم بارادة التيار الثوري الملتزم بتعاليم الوحي، بل
كانت قضية فرضها التيار الغاشم الذي كان يعرض الامة للظلم
والجور ويهضم حقوقها.
ولو لم ينوه القرآن بهذه الحقبة السياسية، من ذلك التاريخ، ولو
لم يعرض لهؤلاء الثوار الذين صنعوا التاريخ، والذين كان لهم
بالغ الاثر على الصعيدين: السياسي الديني، فمما لا شك فيه ان
التاريخ السياسي العالمي ذا النظرة الاحادية كان سيعمد الى
طمس اسماء اولئك الانبياء العظام وآثارهم، فضلا عن
انجازاتهم وانصارهم وحوارييهم. الا ان القرآن الكريم ايقظ
ضمير التاريخ وحفظ للانبياء جهادهم ونضالهم المرير، وفضح
سياسة التاريخ آحادية القطب، فكان القطب الاول يمثل بالملا
والمتكبرين والمسرفين والمترفين، والقطب الاخر
بالمستضعفين، وكان الصراع قائما على قدم وساق بين هذين
القطبين؛ حيث كان انصار القطب الاول هم الكفار والمشركون
والمنافقون والفاسقون والمفسدون، بينما كان انصار القطب
الثاني يمثلون الموحدين والمؤمنين والمتقين والصالحين
والمجاهدين والشهداء.
والتصنيف القائم يفيد بوضوح ان لكل من القطبين: المستكبر
والمستضعف قواعد عقدية معينة، فقاعدة عقائد القطب الاول
كانت الشرك والكفر والنفاق والفسق والفساد، وقاعدة القطب
الثاني كانت الايمان والتوحيد والصلاح والاصلاح والتقوى.
ومطالعة آيات سورة الاعراف، من 50 الى 137، في شان تاريخ
الانبياء، كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى(ع) تكشف
عن صراع قطبي الاستضعاف والاستكبار وعن اسلوب تفكير
حماتهما في المجتمع والدولة. ان العنصرالاساسي للمجتمع
والدولة هو الناس الذين يمثلون السند الرئيسي لدعوة الانبياء.
وقد خاطبهم القرآن، على لسان انبيائه، بالناس، وفي طليعتهم
الانبياء انفسهم، وبصورة عامة، فان ارادة الناس تمثل ارادة الله
(ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة
ونجعلهم الوارثين) [القصص/5].
كانت وظيفة موسى(ع)، في اوائل دعوته، ان يتجه صوب
فرعون، ويطرح قضية الحكومة: (اذهب الى فرعون انه
طغى فقل هل لك الى ان تتزكى واهديك الى ربك فتخشى)
[النازعات/17 - 19]، (اذهبا الى فرعون انه طغى فقولا له قولالينا
لعله يتذكر او يخشى) [طه/43
و44] ثم يزف للمتقين، في
الختام، البشارة بوراثة الحكومة: (قال موسى لقومه استعينوا
بالله واصبروا ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة
للمتقين) [الاعراف/128]. وكذلك بشر داود قومه بان الحكومة
للصلحاء، وهكذا طرح الانبياء من قبل حكومة العدل وسيادة
القانون الالهي: (ولقد كتبنا في الزبور من بعدالذكر ان الارض
يرثها عبادي الصالحون) [الانبياء/105].
ان القرآن الكريم، وهو يطرح اتجاه فرعون الاستكباري يرفض
الحكومات الاستكبارية - الذين كانوا يقيمون حكمهم على هذا
الاساس، ويدعون انهم يمثلون البلاد والدولة والقانون،
ويستبدلون المنظمات السياسية الصالحة باساليبهم الشخصية
القائمة: (ان فرعون علا في الارض، وجعل اهلها شيعا يستضعف
طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحيي نساءهم انه كان من
المفسدين) [القصص/4].
لقد استضعف فرعون قومه واستعبدهم واذاقهم الذل والهوان
من خلال حكومته الاستكبارية الجبارة وبثه للتمييزالعنصري
والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والعقدي في صفوفهم.
ويتابع القرآن وصف ماهية الحكومة الاستكبارية وآثارها
الوخيمة على الامة متحدثا عن الارادة الحاكمة للتاريخ التي
تناهض على الدوام ارادة الاجهزة الاستكبارية الفاسدة، وتقارع
ارادة الجبابرة المتغطرسين.
ولا شك في ان هذه هي ارادة الله التي كانت تتجلى في حركة
الشعوب والانبياء وفي ارادة المستضعفين الجماعية التي كانت
تدفع عجلتها باتجاه السيادة والحاكمية: (نريد ان نمن على
الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين
ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم
ما كانوا يحذرون) [القصص/5و6].
لقد اشار القرآن الكريم الى هدف الانبياء المتمثل في اقامة
النظام العادل، وقد جعل الحديد، بوصفه رمز الحركة المسلحة،
اداة ووسيلة لاستقرار هذا النظام السياسي - الاقتصادي. وان
اقتران كلمات الميزان والحديد، في الاية القرآنية المباركة،
لتبين المحاور الاصلية لتنظيم سياسي واقامة حكومة الانبياء.
اننا نرى، على مدى التاريخ، ادعاءالسلاطين والهيئات الجبارة
الحاكمة والمتسلطة قضية السلطة وسيادة الامة، وقد مارس
هؤلاء كافة انواع الدكتاتورية والاستبداد والتعسف، وعملوا على
ان تكون ارادتهم واهواؤهم هي القانون، وفرضوا نزعاتهم
الشخصية والفئوية على الامة بالحديد والنار.
لقد تعامل كافة الانبياء مع هذه الحكومات، بجميع اشكالها
والوانها، بطريقة واحدة، فادانوها جملة وتفصيلا، ولم
يقروابشرعيتها؛ وقد تاثرت نهضات الانبياء وحركاتهم
ومدارسهم ومذاهبهم بالشروط السياسية والاجتماعية التي
كانت تسود مجتمع كل منهم. فاذا ما راينا بعض الاختلاف بين
حركة هذا النبي وذاك، كالحركة الجماهيرية الغاضبة
العارمة لموسى(ع)، فان هذا لا يعني تمتع تلك الحركة
بمضمون ومفهوم خاصين، وذلك لان المشروع المشترك
الذي كان يحكم حركة الانبياء هو اقامة حكومة الله المتمثلة
بارادة الجماهير وعزمها ورفض حاكمية غيره واستنكارها. فاذا
ما كان هنالك اختلاف في النهج والاسلوب فلا بد من البحث
عن اسباب ذلك في الشروط الزمنية والمكانية
والمقتضيات السائدة آنذاك.
فحتى اسلوب عيسى(ع) لم يكن بعيدا عن الحلقات المتماسكة
لحركات الانبياء. فلم يكن اسلوبه ونهجه يشملان بعض الامور،
من قبيل: الانعزالية والرهبانية والانطواء عن المسؤوليات
الاجتماعية والحياد وعدم الاكتراث والمبالاة التي تنسب اليه
بالنسبة للتيار الحاكم آنذاك وترك قيصر لنفسه. فقد عد
القرآن الكريم الرهبانية بدعة في دين عيسى(ع):(ورهبانية
ابتدعوها) [الحديد/27].
لقد ورد، في انجيل متى ولوقا، انه(ع) ولد ايام حكومة هيرود،
ذلك الجبار السفاك المشهور، وهو الذي اعدم زوجته وامها
وابنيه بتهمة الت آمر، ولما لم يستطع اخماد ثورة شعبه
المظلوم بالتعذيب والقتل والتنكيل، عمد الى شراء ضمائربعض
الكهنة، ودفعهم الى بث البدع والخرافات والاباطيل، ليجبر
الامة على تقديم عروض الانحناء الذليل ومراسم الطاعة له، واذ
حقق له الكهنة هذه الامنية القديمة مارس سلطته كسائر
الجبابرة والطواغيت سابحا في مستنقع وحل التكبر والغرور
والعنجهية والغطرسة.
لقد قام هذا الحاكم الغاشم بالقاء القبض على يحيى(ع)، واودعه
السجن على اثر انتقاده له واعتراضه على فساده وانتهاكه للعفة،
وقد استشهد(ع) في عهد رسالة عيسى(ع) .
لقد سجلت الاناجيل، بما فيها انجيل مرقس - الباب الاول،
وانجيل متى الباب الرابع، وانجيل لوقا - الباب الرابع،بعض
الخطب الحماسية التي كان يلقيها عيسى(ع) في الناس ومنها:
«ان الله بعثني لابشر المساكين المظلومين واكون انيسا
للمحزونين، واصدع برسالة الاحرار والعبيد واحرر الاسرى».
لقد
ألب عيسى(ع) بخطبه الناس ضد الوضع القائم. ومن جهة
اخرى، فقد بث الذعر في جهاز الدولة الحاكم من خلال عباراته
الغاضبة الحادة التي كان يهاجم فيها حب الاموال والدنيا
والجاه والمقام والرئاسة، والتي كانت تنال من القيم والمثل
والاسس التي شيد عليها هيرود صرح حكومته. وبذلك فقد
تزعم(ع) جبهتين في مجابهته لطاغوت عصره تزامنا مع حملته
الشاملة التي شنها على احبار اليهود الذين كانوا يظهرون
النفاق في اتباعهم لموسى(ع) من جهة، ومن جهة اخرى كانوا
يسدون الخدمات للفراعنة، بغية تحكيم اسس حكومتهم
القائمة ضد الله والامة، ثم فضح فسادهم وكفرهم وشركهم
وكشف زيفهم امام الراي العام.
ان تعليمات عيسى(ع)، التي مهدت السبيل امام انهيار الطغمة
الفاسدة التي كانت تحكم الروم، عرضته اولا الى
هجوم المدافعين عن نظام هيرود، اي كهنة اليهود واحبارهم،
وثانيا الى غضب حراس الامبراطور الذين ت آمروا، بكل
خبث،على قتله على اثر اطلاعهم على مواقفه من
الامبراطور((14)).
ان الحركة التحررية للانبياء لمن اوضح الانشطة السياسية
للرسالات والنبوات، ولذلك كان اول مخاطبي الانبياء
هم جبابرة التاريخ؛ والطلائع الملتزمة بحركة الانبياء هم
محرومو التاريخ ومظلوموه ومستضعفوه.
ويبين القرآن الكريم شعار الانبياء، في هذا البعد من الحركة
السياسية، قائلا: (ان ادوا الي عباد الله اني لكم رسول
امين)[الدخان/18].
ورسالة موسى(ع) كانت: (فارسل معنا بني اسرائيل ولا
تعذبهم) [طه/47]، [الشعراء/17].
واستعمال المفردة «ارسل» يفيد ان موسى اراد ان يفهم
طاغوت عصره انه لا ينوي البقاء ضمن دائرة حكومته،
وهذايعني معارضة نظامه، انه يريد ان يحرر الامة مما تعانيه من
ظلم وعذاب.
خامسا - السياسة من وجهة نظر الدين هدف او وسيلة يعتقد اغلب العلماء ان القوة السياسية هي وسيلة فقط لاقامة الحق وبسط العدالة وتنفيذها، فهي مهمة لهذا الغرض لانهاتصب في خدمة الامة، والا فان السعي اليها وطلبها مناهض للقيم والمثل، وقد امتلا نهج البلاغة بالتعابير التي تتحدث عن هذه القضية.
ويرى بعض المفكرين الاسلاميين ان القدرة او القوة هدف، ولا
بد من الاستعانة بها بغية استتباب حاكمية الدين وسيادته.
فالقوة بكونها صفة الهية مقدسة هي من المبادى العقدية
للاسلام، وان الاقتدار قيمة ومثل، ولذلك وردت الروايات بذم
الانسان الضعيف - وان كان مؤمنا وانتقاده، كالحديث النبوي
الذي يقول: ان الله لا يحب المؤمن الضعيف. قيل: من هو
المؤمن الضعيف؟ قال: الذي لا يامر بالمعروف وينهى عن
المنكر.
اما ان الامام علي(ع) قال بعدم اهمية الحكومة وعدم قيمة
القوة في موضع من نهج البلاغة: «والله لاسالمن ما سلمت امور
المسلمين»، وامتنع بشدة في موضع آخر عن تفويض السلطة
والقوة لمعارضي حكومته؛ اي القاسطين والناكثين والمارقين؛
وذلك لما تتعرض له هذه القيمة من استغلال احيانا وتسخير
بصورة سلبية، وواضح ان امكان هذاالاستغلال لا يقوم دليلا ابدا
على سلبية قيمة القوة والقدرة. وذلك ان كافة القيم السامية
حتى العلم والحياة وسائرالفضائل والمناقب معرضة للاستغلال.
ويبدو ان الرايين جديران بالاهتمام، وكلاهما قد اقر من حيث
منطق الدين. وان هذا المطلب ليصدق في شان الاقتصاد ايضا،
بالاضافة الى انه حتى على الفرض الاول فانه يمكن القول: ان
كون السياسة من وجهة نظر الشريعة وسيلة لا يحد ويقلل من
اهميتها من الناحية الدينية.
والقضية ليست بهذا الشكل في ان ما كان وسيلة فهو فرع قليل
الاعتبار، بل ان هذه الوسائل لتشكل اولى اهداف كل امر.
وبناء على ما تقدم، فان السياسة تمثل عنصرا حيويا مرافقا
للانسان في حياته وشؤونه على الدوام، وان العمل
السياسي وتنقية السياسة كان دائما من اهداف الدين بالغة
الاهمية. وهذا ما يمكن التوصل اليه من خلال النظر الى
اهداف الانبياء. د. محمد طي
عرف العصر الاموي تدهورا واضحا في مجال حقوق الانسان، اذ
لم يعد الحاكم يقيم وزنا لاي امر يمكن ان يحد من سلطانه او
يؤثر على مصالحه، وهكذا فقد ابتدعت جرائم ومورست عقوبات
لم يكن الاسلام ليقرها، بل هو حرمهاصراحة، وذلك لانها تشكل
جرائم في حق الانسان وحق البشرية على وجه عام، فقد منع
حتى اظهار التذمر، ناهيك عن نقد الحكام. وذبح الناس ومثل
بالاحياء والاموات، واستعبد معارضون مسلمون، وساد الفجور
والانصراف الى الشراب مع الجواري واستشرى العبث بمصالح
الناس، بل وانتشر التجسس عليهم منذ بدايات هذا العصر،
وعبث الخلفاء وعمالهم بالمال العام واعتدوا على المال الخاص،
وساد التمييز بوجهه العنصري بين العرب وغير العرب وبين
العرب فيما بينهم، واصبح الرشا عاملا اساسيا في تحديد موقف
القاضي، ناهيك عن الحنث بالعهود وقتل النساء والاسرى.
وكان من سوء طالع الامويين ان اتوا بعد الامام علي، الذي اقام
نظاما للحريات والحقوق تحسدنا عليه البشرية اليوم،فكان ذلك
عاملا في ابراز ما ارتكبوه في حق المسلمين. على اننا لابد من
ان نستثني مما نسب الى بني امية، عمر بن عبد العزيز، الذي
كان علامة فارقة في تلك الاسرة.
وفيما يلي سوف نبين مواقف الامويين وعمالهم من مختلف
الحقوق والحريات التي كرسها الاسلام ترجمة لتكريم بني آدم
وعدم اخضاعهم الا لله واحكامه. شرعية الجرائم والعقوبات
بدا التلاعب بالشرائع منذ وقت مبكر من زمن الحكم الاموي، فقد دشنه معاوية
عندما امر بوضع احاديث واغفال اخرى الى درجة انسائها الناس، ثم عمد الى توقيع
عقوبات لم ينص عليها الشرع، تمثلت بالحرمان من الحقوق وبالقتل وغيرذلك من
الممارسات، ثم سار على ذلك النهج حكام بني امية وغالوا فيه حتى وصلوا الى سبي
المسلمين واسترقاقهم.
وقد بدا معاوية عملية خطيرة، تقوم على التشجيع على
الاهتمام بالشعر وايلائه العناية القصوى، ليصرف الناس
جزئياعن القرآن، ويدفعهم الى العودة الى مثر اسلافهم بمن
فيهم الجاهليين. فكان يقول: «اجعلوا الشعر اكبر همكم
واكثرآدابكم، فان فيه مثر اسلافكم ومواضع ارشادكم. فلقد
رايتني يوم الهزيمة وقد عزمت على الفرار. فما ردني الا قول
ابن الاطنابة الانصاري:
«ابت لي عفتي وابى بلائي
وبعد هذا راح من الناحية العملية يضرب بالشرع عرض الحائط
كلما قضت مصالحه، لا سيما السياسية، بذلك. فهو كي يستميل
زياد بن ابيه، يعلنه اخا له في احتفال اتى اليه بشهود يشهدون
ان ابا سفيان ضاجع «سمية» ام زياد المومس في الطائف
فحملت وولدت زيادا((16)).
ونحن هنا نحاكم الامر على ضوء مبادى ء الشرع الاسلامي، الذي
لو اعلن معاوية تخليه عنه لكان الموقف مختلفا.والشرع يقضي
بان «الولد الفراش» اي انه ينسب لابيه الظاهري ما لم ينازع هذا
الاب في ذلك ويثبت خلافه.
اما في مسالة جمع الصدقات، فبعد ان كان الخلفاء الاول
ياخذون العفو ولا يرضون ان يستخدموا السوط للحصول عليها،
فان معاوية كان يامر بقتل من لا يؤديها، فقد وجه «عبدالله بن
مسعدة الفزاري الى تيماء وامره ان يصدق من حربه من اهل
البوادي، وان يقتل من امتنع عن اعطائه صدقة ماله، ثم ياتي
مكة والمدينة والحجاز يفعل ذلك»((17)).
على ان اخطر ما فعله معاوية هو محاولة التاثير في مكانة رسول
الله في اعين المسلمين وذلك في مجالسه الخاصة جداوذلك
بقصد الحط من منزلته تمهيدا للاستهتار بسنته. فقد اورد
الزبير بن بكار عن لسان المغيرة بن شعبة انه قال لمعاوية في
احدى خلواته معه: «انك قد بلغت سنا يا امير المؤمنين، فلو
اظهرت عدلا وبسطت خيرا. . ولو نظرت الى اخوانك من بني
هاشم، فوصلت ارحامهم... فقال: هيهات هيهات، اي ذكر ارجو
بقاءه! ملك اخو تيم فعدل وفعل ما فعل. فماعدا ان هلك حتى
هلك ذكره الا ان يقول قائل: ابو بكر. ثم ملك اخو عدي،
فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا انه هلك حتى هلك ذكره،
الا ان يقول قائل: عمر.
وان ابن ابي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات (اشهد ان
محمدا رسول الله). فاي عمل يبقى واي ذكر يدوم بعد هذا لاابا
لك؟ لا والله الا دفنا دفنا»((18)).
وظهر الاستهتار بالنبي فيما بعد على يد بعض القادة الامويين
دونما ردع من الخلفاء، فهذا خالد بن عبدالله القسري يسال
الناس في مكة: «ايهما اعظم، اخليفة الرجل في اهله، ام رسوله
اليهم. والله لو لم تعلموا فضل الخليفة، الا ان ابراهيم خليل
الرحمة استسقى فسقاه ملحا اجاجا. واستسقاه الخليفة، فسقاه
عذبا فراتا»((19)). وهذا عبدالله بن صيفي يسال الخليفة هشام بن عبد الملك: «يا امير المؤمنين خليفتك في اهلك احب اليك وآثر عندك لم رسولك؟ قال هشام: بل خليفتي في اهلي.
قال: فانت خليفة الله في ارضه وخلقه، ومحمد رسول الله
اليهم، فانت اكرم على الله منه». فلم ينكر هذه المقالة
من عبدالله بن صيفي»((20)).
ولعل ما يتجاوز كل ذلك هو وضع الاحاديث على لسان الرسول
او تشويه الاحاديث الصحيحة، الامر الذي يؤدي الى بلبلة
المصدر الثاني للشرع الاسلامي الحنيف.
فقد امر معاوية عماله بالبراءة ممن يروي الاحاديث في فضل
اهل البيت، كما امر بوضع الاحاديث لصالح الصحابة الاخرين
وخاصة عثمان بن عفان، كما امر بمعارضة كل حديث خاص
بعلي بآخر في احد الصحابة. فقد روى المدائني في كتاب
«الاحداث»: ان معاوية كتب نسخة موحدة الى عماله بعد
استيلائه على الحكم: «ان برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل
ابي تراب واهل بيته». كما كتب نسخة اخرى: «ان انظروا من
قبلكم من شيعة عثمان واهل ولايته من الذين يروون فضائله
ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم، واكتبوا الي بكل
ما يروي كل رجل منهم»، ففعلوا.
ثم كتب معاوية الى عماله: «ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا
في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فاذا جاءكم كتابي هذا،
فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين،
ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في ابي تراب الا
وتؤتوني بمناقض له في الصحابة. فان هذا احب الي واقر لعيني،
وادحض لحجة ابي تراب...» فرويت اخباركثيرة، لا حقيقة لها،
وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى وما يذكر في ذلك،
على المنابر، والقي الى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم
وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى تعلموه الى جانب
القرآن، وحتى علموه نساءهم وحشمهم».
وكانت النتيجة ان ظهر حديث كثير موضوع وبهتان، فنشر،
ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة. وكان اعظم الناس في
ذلك بلية القراء المراؤون المستضعفون، الذين يظهرون
الخشوع والنسك، فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك
عندولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الاموال والضياع
والمنازل، حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى
ايدي الديانين، الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فتقبلوها
ورووها على انها صحيحة»((21)).
وحتى تتبين حقيقة التحوير الذي طال الشريعة، لا بد من
التذكير بان الحط من قدر انسان ينسحب على مواقفه
واقواله فتفقد حجيتها، اما الاشادة بانسان بدون وجه حق فهي
تعني اضفاء الثقة على سلوكه واقواله والاقتداء بها، وهكذا
فقدكان من نتيجة ما قام به معاوية، ان تهمل احاديث علي
واهل البيت النبوي(ع) عن رسول الله(ص)، وتعتمد
احاديث بعضها موضوع، وتعد حاملة للشرع.
على ان وضع الاحاديث لم يتوقف عند ولاية معاوية، بل هو
تعداها الى ما بعده، واصبح سنة تتبع في زمن بني امية ثم في
زمن بني العباس.
واذا كان وضع الاحاديث واهمالها ضروريا لتحقيق اغراض
معينة فان خلفاء بني امية لم يعودوا يجدون ضرورة لاتباع اي
شرع، من قرآن او حديث.
فعبد الملك بن مروان يهجر القرآن فور مبايعته، اذ كان القرآن
«في حجره يقراه»، فاطبقه وقال: «هذا آخر العهد بك»((22)).
ثم كان اول من نهى عن الامر بالمعروف((23)) وكان يقول:
«والله لا يامرني احد بتقوى الله بعد مقامي هذا الا
ضربت عنقه»((24)). اما الحجاج، عامل عبد الملك واولاده،
فكان يرى الشرع ما يشرعه الخليفة، فقد دعاه الوليد بن عبد
الملك الى شرب النبيذ، فقال: «يا امير المؤمنين آكل ما احللت،
ولكني انهى عنه اهل العراق واهل عملي»((25)).
والى هذا كان الحجاج يرى في المشقة بين يدي الخليفة اجرا،
فقد التقى الخليفة الوليد بن عبد الملك «في بعض
نزهه فاستقبله. فلما رآه ترجل له (الحجاج) وقبل يده، وجعل
يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية. فقال له الوليد: اركب
ياابا محمد. فقال: دعني يا امير المؤمنين استكثر من
الجهاد»((26)).
ومن الجرائم التي شرعها الحجاج، مجرد مخالفة اوامره، حتى
ولو لم يترتب عليها اي نتيجة. فقد كان يقول: «والله لوامرت
الناس ان يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر، لحلت
لي دماؤهم واموالهم»((27)) كما يقول: «اما واللهلو آمر الناس
ان يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤهم لي
حلالا»((28)).
اما في مجال شرعية العقوبات فهناك الطامة الكبرى، فقد اتى
بنو امية بعقوبات مبتدعة في الاسلام كشفت عن
استبدادوضيق صدر لم يكن يتخيلهما المسلمون الاوائل.
فمعاوية يقتل حجر بن عدي الكندي وصحبه، دون ان يرتكبوا
اي جريمة، اللهم الا دفاعهم عن احد المستضعفين من اهل
الذمة، الذي قتله عربي مسلم ورفض زياد بن ابيه ان يعاقب
القاتل، فطلب معاوية من زياد الايقاع بحجر بن عدي، فحشد
زياد شهود الزور، ثم لقنهم الشهادة، اذ لم تكن شهادتهم الاولى
اعجبته «فكانت شهادة ابي بردة بن ابي موسى الاشعري: الله
رب العالمين شهد ان حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق
الجماعة ولعن الخليفة ودعا الى الحرب والفتنة، وجمع اليه
الجموع يدعوهم الى نكث البيعة وخلع امير المؤمنين معاوية،
وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء».
فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. اما والله لاجهدن
على قطع خيط عنق الخائن الاحمق. فشهد رؤوس الارباع على
مثل شهادته، وكانوا اربعة، ثم ان زيادا دعا الناس فقال: اشهدوا
على مثل شهادة رؤوس الارباع. ودونت شهادات كان بعض
اصحابها غائبين وكتب في الشهود شريح بن الحارث، القاضي،
وشريح بن هانىء الحارثي. فاما شريح القاضي فقال: سالني عنه،
فاخبرته انه كان صواما قواما. واما شريح بن هانى ء الحارثي فكان
يقول: ما شهدت، ولقد بلغني ان قدكتبت شهادتي فاكذبته
ولمته»((29)).
كما اغتال معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ذلك ان عبد
الرحمن عظم شانه بالشام، فخافه معاوية «فامر ابن اثال ان
يحتال في قتله، وضمن له، ان هو فعل ذلك، ان يضع عنه
خراجه ما عاش وان يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد
الرحمن بن خالد الى حمص منصرفا من بلاد الروم، دس اليه
ابن اثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربهافمات»((30)).
ومن مثر زياد ايضا تكريسه جماعية العقوبات، فقد انذر الناس
في خطبته عند توليته من قبل معاوية فقال: «واني اقسم بالله
لاخذن الولي بالمولى والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر
والمطيع بالعاصي والصحيح منكم في نفسه بالسقيم،
حتى يلقى الرجل منكم اخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد،
او تستقيم قناتكم»((31)).
وقد نفذ زياد وعيده، فانذر اهل البصرة «بقتل من يوجد بعد
صلاة العشاء خارج بيته. وامهلهم شهرا، ثم امر صاحب شرطته
عبدالله اليربوعي بتنفيذ اوامره، فاتاه في الليلة الاولى
بتسعماية راس، وفي الليلة الثانية بخمسين راسا وفي
الثالثة براس واحد»((32)).
وقد اتاه صاحب شرطته في احدى الليالي باعرابي، فساءله زياد
ثم قال له: «اظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح هذه الامة،
ثم امر به فضربت عنقه...»((33)).
ومن عقوباته الجماعية انه فيما كان يخطب، فاخذوا يحصبونه،
فامر من وقف على ابواب المسجد وقال: «لياخذ كل رجل منكم
جليسه، ولا يقولن: لا ادري من جليسي. ثم امر بكرسي له،
فوضع له على باب المسجد، فدعاهم اربعة اربعة يحلفون بالله ما
منا من حصبك. فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه وعزله،
حتى صاروا الى ثلاثين، ويقال بل كانواثمانين، فقطع ايديهم
على المكان»((34)).
وقد وصل به الامر ان يقتل النساء البريئات، فقد صدف ان
وعظه عروة بن ادية، فامر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم
قتله وارسل الى ابنته فقتلها»((35)). وعلى خطى زياد سار خليفته على البصرة سمرة بن جندب، فكان من العمال الذين قتلوا الالاف دون ذنب يستحقون به القتل واحيانا دون اي ذنب. فقد جاء الكوفة وقتل فيها ثمانية آلاف من الناس. فقيل له: هل تخاف ان تكون قتلت احدابريئا. قال: لو قتلت اليهم مثلهم ما خشيت»((36)).
كما ان هذا الرجل اتي في البصرة «بناس كثير، واناس بين يديه،
فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول: اشهد ان لا اله الا اللهوحده لا
شريك له وان محمدا عبده ورسوله، واني بري ء من الحرورية
(الخوارج) فيقدم فيضرب عنقه»((37)).
وكان سمرة بن جندب يرى ان على الناس ان يبتعدوا عندما
يركب للمسير، فقد فاجا خيله «رجل من اسد، فقتلوه فلمارآه
سمرة واستفسر عن امره قال: اذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا
اسنتنا»((38)).
وبعد زمن معاوية استمرت العقوبات الكيفية البعيدة عن روح
الاسلام.
فيزيد يجعل ابا دهبل الشاعر في صندوق ويدفنه حبا لانه شبب
باخته عاتكة بنت معاوية((39)). وعبيدالله بن زياديخاطب اهل
البصرة مهددا بالعقوبات الجماعية فيقول: «... واياكم والخلاف
والارجاف، والذي لا اله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خلاف
لاقتلنه وعريفه ووليه، ولاخذن الادنى بالاقصى حتى تستمعوا
لي ولا يكون فيكم مخالف»((40)).
ومروان بن الحكم يقتل ابنة اخيه لركوبها الخيل، وقد جرى
ذلك بامر من معاوية الذي قال له: «اكفني بنت اخيك».
«فحفرلها حفرة وغطاها، فسقطت فيها فكانت قبرها»((41)).
على ان الامر تفاقم الى ابعد الحدود على يدي عبد الملك بن
مروان وعماله وخاصة الحجاج بن يوسف الثقفي.فالخليفة الذي
غدر بعمرو بن سعيد بن العاص يهدد بقتل الناس بالطريقة
نفسها. فقد خطب في الحج فقال: «... وان الجامعة (الكلبجة)
التي وضعتها في عنق عمرو (بن سعيد) عندي. واني اقسم بالله
لا اضعها في عنق احد، فانزعها منه الا صعدا»((42)).
وقد اوصى عبد الملك ابنه الوليد عندما حضرته الوفاة فقال له:
«اذا مت فشمر وائتزر والبس جلد النمر وضع سيفك على
عاتقك، فمن ابدى ذات نفسه، فاضرب عنقه ومن سكت مات
بدائه»((43)).
وغضب عبد الملك بن مروان غضبة على آل علي(ع) وآل
الزبير. فكتب الى عامله بالمدينة: «... ان اقم آل علي
يشتمون عليا، واقم آل الزبير يشتمون عبدالله بن الزبير، فلما
بلغ الكتاب آل علي وآل الزبير، كتبوا وصاياهم»((44)).
وعندما تصدى الحجاج لحكم العراق، كان مما زكاه في عيني
عبد الملك بن مروان ان قال: «البس جلد النمر، ثم
اخوض الغمرات، واتبع الهلكات، فمن نازعني طلبته، ومن
لحقته قتلته بشدة وعجل وريث وتبر وازورار وطلاقة واكفهرار
ورفق وجفاء وصلة وحرمان، فان استقاموا كنت لهم وليا حفيا
وان خالفوا لم ابق منهم طوبا»((45)).
وكأن عبد الملك لم تكفه هذه النوايا، فيوصي الحجاج بالتنكيل
باهل الكوفة فيقول له: «يا حجاج قد وليتك العراقين صدقة، فاذا
قدمت الكوفة فطاها وطاة يتضاءل منها اهل البصرة»((46)).
فلما قدم الحجاج الكوفة، انذر اهلها وتوعدهم في خطبته التي
قال فيها: «واني ارى رؤسا قد اينعت وحان قطافها
واني لصاحبها، واني انظر الى الدماء تترقرق بين العمائم
واللحى... والله لالحونكم لحو العصا، ولاعصبنكم عصب
السلمة،ولاضربنكم ضرب غرائب الابل»((47)).
وعند عزم الحجاج على التوجه الى الحج خطب الناس وقال:
«قد استخلفت عليكم ابني هذا واوصيته بخلاف مااوصى به
رسول الله في الانصار، ان رسول الله قد اوصى ان يقبل من
محسنهم وان يتجاوز عن مسيئهم. واني امرته الايقبل من
محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم..»((48)).
وبدا الحجاج عمليات القتل، فقد اعتذر عمير بن ضابى ء
التميمي عن اللحاق بالجيش وارسل ابنه، ولكنه علم انه
كان ممن حاصروا عثمان. فقال له: «اني لاحسب في قتلك
صلاح المصرين» فقتله وانهب ماله((49)).
واتي برجل من البصرة لم يلتحق بالجيش فساله، فقال الرجل:
ان بي فتقا وقد رآه قائدي فعذرني، وهذا عطائي مردودفي
بيت المال. فلم يقبل منه وقتله((50)).
كما اتي الحجاج بجحدر بن مالك، وكان فاتكا بارض اليمامة.
ولما اراد قتله، انباه انه فارس شجاع يستفيد منه
الامير.فسجنه، واتى باسد اجاعه اياما. ثم وضعهما وجها لوجه،
وجحدر مقيد اليد اليمنى الى عنقه، فصرع الاسد
فعفا عنه((51)).
كانت هذه نماذج من اعمال القتل العادي، اما القتل السياسي
الذي ذهب ضحيته عشرات الالاف فسنتناوله لاحقا. على ان
جرائم الحجاج لم تتوقف عند القتل، بل وصلت الى التمثيل،
فقد كان يختم اصحاب النبي استخفافا
باعناقهم وايديهم((52)).
اما سجن الناس فقد بلغ فيه الحجاج شاوا بعيدا وشانا غريبا،
فقد كان يسجن النساء والرجال في مكان واحد، و«لم
يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من
المطر والبرد في الشتاء»((53)). فقد «مر الحجاج في يوم
جمعة،فسمع استغاثة. فقال: ما هذا؟ فقيل: اهل السجن
يقولون: قتلنا الحر. فقال: قولوا لهم (اخساوا فيها ولا
تكلمون)[المؤمنون/208]((54)) تشبها برب العزة!
حتى المراة لم تنج من سجن الحجاج كما اشرنا بل ومن سيفه،
ومن جملة ما قام به ان «اتي بامراة من الخوارج فجعل يكلمها
وهي لا تنظر اليه ولا ترد عليه كلاما، فقال لها بعض الشرط:
يكلمك الامير وانت معرضة عنه؟ فقالت: اني لاستحيي من الله
ان انظر الى من لا ينظر اليه. فامر بها فقتلت»((55)). هذا وقتل
سفيان بن الابرد الكلبي احد قادة الحجاج شبيب بن يزيد
الشيباني الحروري (الخارجي) و«احتز راسه وارسله الى
الحجاج وقتل امراته وامه سنة 78((56)).
وعلى خطىالحجاج وقادته سار قادة بني امية فيما بعد، وها
هو التاريخ يحمل لنا حديثا دار بين صالح بن علي
العباسي وبنات مروان بن محمد اللائي اسرهن جيشه، اذ
يسالهن: «الم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي... وقتل
امراة زيدبالحيرة على يدي يوسف بن عمر الثقفي؟»((57)).
هذا وكان الحجاج يفاخر بمجازره فقد جابه خالد بن يزيد بن
معاوية الذي استخف به بقوله: «... ولقد ضربت بسيفي هذااكثر
من مائة الف كلهم يشهد انك واباك وجدك من اهل النار. ثم
لم اجد لذلك عندك اجرا»((58)).
وقد «مات الحجاج سنة خمس وتسعين.. واحصي من قتله صبرا
(اي مقبوضا عليه) سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد
مائة وعشرون الفا، ومات في حبسه خمسون الف رجل وثلاثون
الف امراة» كما يروي المؤرخون((59)). ومن العقوبات المبتكرة
خارج الشرع في ايام الامويين، ان يعمد مروان بن الحكم الى
قطع يد رجل كسر درهما من دراهم فارس((60)).
كما ان الوليد بن عبد الملك قتل وضاح اليمن الشاعر، لانه
استجاب لزوجة الخليفة ام البنين بنت عبد العزيز ان يتغزل بها،
بعدما احبته((61)).
ولعل اخطر ما في العقاب الكيدي ما قام به سليمان بن عبد
الملك بموسى بن نصير وابنه، بعد فتحه الاندلس. فقد«توجه
موسى بن نصير، بعد استتباب الامر بالاندلس الى الشام. ولما
فصل من مصر وكان الوليد بن عبد الملك في مرضه الذين مات
فيه، فارسل اليه سليمان ان يبطىء حتى يكون تولى. ثم ارسل
اليه الوليد يستحثه ليلحقه قبل موته. فقرر ان يسير بمسيرة
نفسه. وقدم وكان الوليد ما زال حيا، فقدم اليه تلك الطرائف
من الدر والياقوت والزبرجد، والوصفاءوالوصائف والوشي ومائدة
سليمان بن داود(ع) ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان...
فقبض الوليد الجميع. وامربالمائدة فكسرت، وعمد الى افخر ما
فيها والتيجان والجزع فجعله في بيت الله الحرام. وفرق غير
ذلك، ولم يلبث الوليدان مات».
ثم ان سليمان، لما افضت اليه الخلافة، بعث الى موسى فعنفه
وكان هدده ان يصلبه. ولكنه امر به «ان يوقف في يوم صائف
شديد الحر على طريقه. وكانت بموسى نسمة (ربو) فلما اصابه
حر الشمس واتعبه الوقوف هاجت عليه..وجعلت قرب العرق
تتصبب منه، فما زال كذلك حتى سقط». ثم قتل سليمان يوما
ابن موسى عبد العزيز ورمى براسه بين يدي ابيه((62)). فكان
ذلك جزاء موسى بن نصير بعد فتح الاندلس.
والى هذا فان سليمان اعاد الى الاذهان مبادى ء زياد والحجاج
اذ كان ياخذ الولي بالولي والجار بالجار((63)).
ومن اغرب ما قام به احراقه المجذومين وقوله: «لو كان الله يريد
بهؤلاء خيرا ما ابتلاهم بهذا البلاء»((64)).
هذا وقد تفنن قادة الامويين في قتل الناس بجريرة بعضهم
بعضا، فزياد يقتل ابنة عروة بن ادية لان عروة وعظه،
وابنه عبيدالله يهدد بقتل كل مسؤول عن رجل يخالف، اذ
اوصى اهل البصرة وكان يهم بمغادرتها بقوله: «... فوالله الذي لا
اله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعريفه
ووليه، ولاخذن الادنى بالاقصى حتى تستمعوا الي ولا
يكون فيكم مخالف»((65)).
والحجاج بن يوسف يمحو اسم احد المسلمين من الديوان
ويهدم داره، لان اخاه خرج مع ابن الاشعث ويجيبه
عندما
يساله:
ولرب ماخوذ بذنب قريبه
كما يقول: «والله لو اخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله
حلالا»((67)). تعطيل الحدود والعقوبات
واذا كان الخلفاء قد ابتدعوا عقوبات لم ترد في الشرع، فانهم عطلوا الحدود
عندما كانت تقضي مصالحهم ايضا بذلك.
فمعاوية لا يعاقب عماله، اذ شكي اليه عامله على البصرة انه
قطع يد رجل دون وجه حق، فقال: «اما القود (العقوبة المماثلة
للجرم) من عمالي فلا، ولكن ان شئتم وديت (عوضت على)
صاحبكم»((68)).
وعبدالله بن عامر عامل معاوية على البصرة لا ينزل العقوبات
المشددة (الحدود) حياء من الناس((69)).
ومن كسر الخراج وفر من زياد الى معاوية يعفى، لان الخليفة
والعامل يجب الا يسوسا «الناس بسياسة واحدة»((70))ومروان
بن الحكم يعاقب عبد الرحمن بن سرحان لانه شرب عند اخي
معاوية عتبة بن ابي سفيان، فيأمر معاوية مروان» بان يبطل
الحد (ويعتذر) ويدفع اليه الفي درهم((71)).
وعبد الملك بن مروان يعفو عن السارق طهمان بن عمرو
بسبب ان امه كلمته في ذلك((72)). التمثيل بالاحياء والاموات
خلافا لما يقضي به الشرع من تحريم التمثيل بالاحياء والاموات
بناء على الحديث القائل: «اياكم والمثلة ولو
بالكلب العقور»((73)) فان قادة الامويين لم يتورعوا عن
التمثيل بالبشر احياءا وامواتا.
اما التمثيل بالاموات، فقد بداه معاوية بن خديج السكوني، من
قادة عمرو بن العاص في مصر، عندما قتل محمد بن ابي بكر
بعد ان قبض عليه اعزل في خربة، ثم وضعه في جيفة حمار
واحرقه((74)).
ثم ان هشام بن عبد الملك امر بنبش جسد زيد بن علي بن
الحسين الذي كان قطع راسه يوسف بن عمر الثقفي
وارسله الى الخليفة، فامر الخليفة بصلبه عريانا، فبقي مصلوبا
خمسين شهرا، كما امر الوليد بن عبد الملك بحرق جثة يحيى
بن زيد وذر رمادها في الفرات((75)).
وبقي التقليد سائدا طيلة العصر الاموي، فقد امر مروان بن
محمد آخر الخلفاء والامويين «بنبش يزيد الناقص، فاخرجه من
قبره، وصلبه بالكوفة»((76)).
اما التممثيل بالاحياء فمن امثلته ان حميد بن بحدل الكلبي،
وكان من قادة عبد الملك بن مروان، قطع شفاه الاسرى
كماالقتلى وانوفهم بعد انتصاره على عمير بن الحباب في
منطقة قرقيسيا، وجعلها في خيط وحملها الى الشام((77)). الحق بالحرية
وفي هذا المجال عاد الامويون الى ممارسات الحكام الذين يدعون الالوهية، كما
في مجال الحق بالحياة، فقد اخذوايستعبدون المسلمين رجالا ونساء بعد الاسر
والسبي، وكان الاسلام قد حرم سبي المسلمين واستعبادهم ونهب اموالهم، وهذا ما
كرسه الامام علي كما هو معلوم.
وهكذا فقد هاجم بسر بن ابي ارطاة همدان فقتل وسبي
نساءهم، وكن اول نساء مسلمات يسبين في الاسلام((78)).
كما سبى زياد ذراري قريب وزحاف الخارجيين، وكذلك
سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري وبنت لقطري بن
الفجاءة المازني وام يزيد بن عمرو بن هبيرة واسترققن. وكذلك
اسر واسترق رجال آخرون كواصل بن عمرو القنا
وسعيد الحروري، الى من سباهم المهلب بن ابي صفرا الا ان
الدائرة دارت على المهلب وذريته، فقد هددهم مسلمة بن
عبدالملك قائلا: لابيعن ذريتهم، الا انه اعمل السيف في
رقابهم((79)).
كما ان اسد بن عبد الله القسري ارسل قائدا له الى بني برزى
في قلعة التيوشكان فقتلهم وسبى عامة اهل المدينة
وباعهم بالمزاد في سوق بلخ((80)).
والى هذا فقد كان الامويون يبيعون احيانا الرجل بالدين، كمعز
ابي عمير بن معن الكاتب، الذي اشتراه ابو سعيد بن زيادبن
عمرو العنكبي وعلي بن بشير الماحوز الذي باعه الحجاج، لانه
قتل رسول المهلب الى رجل من الازد، كل ذلك الى جانب اخذ
البيعة ليزيد بن معاوية من اهل المدينة على انهم عبيد ارقاء
له((81)). الحقوق والحريات السياسية
ان اهم الحقوق التي طالتها الانتهاكات الاموية هي الحقوق والحريات ذات الطابع
السياسي التي انعدمت من الناحية الشرعية سواء في مجال الاختيار والبيعة ام في
مجال محاسبة الخليفة وابداء الراي المعارض. اختيار الخليفة
لقد تنكر الحكام الامويون للتقليد الذي رسخ حول اختيار الخليفة بحيث لا يكون
نابعا من الهوى، وتؤكده البيعة الحرة من قبل الناس.
فمعاوية نازع الخليفة الشرعي الذي اختاره الناس، وتوسل من
اجل ذلك بانواع المكائد، اذ ادعى المطالبة بدم عثمان،بعد ان
خذله عندما هاجمه الثوار في المدينة، وحمل دمه عليا، وهو
يعلم انه كان اكثر الصحابة منافحة عن عثمان، ثم انه قدم
الوعود للامام الحسن بن علي(ع)، حتى تم الصلح بينهما في
تلك الظروف، وما ان نفذ الحسن ما تعهد به حتى تنكر له
معاوية فلم يف له بشي ء، وخطب في اهل الكوفة على اثر الصلح
فاعلن حنثه بعهوده اذ قال: «... وكل شرط شرطته فتحت قدمي
هاتين. الا ان كل شي ء اعطيته الحسن بن علي تحت قدمي
هاتين لا افي به»((82)) وخاطب اهل الكوفة فاعلمهم انه لم
يقاتلهم ليقيم الشريعة وينصر الحق، بل ليتحكم بهم: «... انما
قاتلتكم لاتامر عليكم، وقد اعطاني الله ذلك وانتم
كارهون»((83)).
كما خطب معاوية في اهل المدينة فقال: «والله، ما وليتها
بمحبة منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم عليها
بسيفي هذا مجالدة...»((84)).
ثم دشن معاوية اسلوب العهد للاولاد، وكان ابنه يزيد غير
متمتع باي من الصفات الضرورية للخلافة ومع ذلك راح يسعى
لترشيحه لخلافته. فقد اجتمعت عنده «وفود الامصار بدمشق..
(فدعا) الضحاك بن قيس الفهري فقال له: اذاجلست على
المنبر وفرغت من بعض مواعظ ي وكلامي فاستاذني للقيام.
فاذا اذنت لك، فاحمد الله تعالى واذكر يزيد،وقل فيه الذي يحق
له عليك من حسن الثناء عليه، ثم ادعني الى توليته من بعدي،
فاني رايت واجمعت على توليته.فاسال الله في ذلك وفي غيره
الخيرة وحسن القضاء، ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي
وعبدالله بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبدالله بن
عصام الاشعري. فامرهم ان يقوموا اذا فرغ الضحاك ان يصدقوا
قوله ويدعوا الى بيعة يزيد»((85)) وبعد الخطبة «تكلم رجل من
الازد (وقيل ابو خنيف او يزيد بن المقنع العذري) فقال: امير
المؤمنين هذا(واشار الى معاوية) فان هلك فهذا (واشار الى
يزيد) فمن ابى فهذا (واشار الى السيف) فقال معاوية: انت
اخطب القوم واكرمهم»((86)).
ثم كلف معاوية عماله بالدعوة الى بيعة يزيد، فقام مروان بن
الحكم وكان في المدينة فخطب فقال: «ان امير المؤمنين راى
ان يستخلف عليكم ولده، يريد سنة ابي بكر وعمر» فرد عبد
الرحمن بن ابي بكر فقال: بل سنة كسرى وقيصر، ان ابابكر
وعمر لم يجعلاها في اولادهما ولا في احد من اهل
بيتهما»((87)).
الا ان كبار قادة الراي في المدينة رفضوا البيعة ليزيد، فدعا
معاوية الحسين بن علي(ع) وعبدالله بن عمر وعبدالله
بن عباس وعبدالله بن الزبير الى المسجد، ووكل بهم من يضرب
اعناقهم اذا تكلموا وقال: انهم بايعوا وسمعواواطاعوا»((88)).
ولما توفي معاوية راح يزيد يطلب البيعة، وقد كتب الى
الوليدبن عتبة: اما بعد فخذ حسينا وعبدالله بن عمر وعبدالله
بن الزبير بالبيعة اخذا شديدا((89)). واقترح بعدها مروان بن
الحكم على الوليدبن عتبة ان يدعو هؤلاء القادة الى بيعة
يزيد والطاعة «فان فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وان ابو
قدمتهم فضربت اعناقهم»((90)).
وشرح معاوية العهد ليزيد الى السيدة عائشة، ثم لعبدالله بن
عمر فقال: «ان امر يزيد كان قضاء من القضاء وليس للعبادخيرة
من امرهم»((91)) وهكذا تدخل المسالة في باب قضاء الله الذي
لا راد له! وكان من نتائج بيعة يزيد ثورة الحسين بن علي(ع)
الذي راي في حكم يزيد هدما للاسلام لا يمكن السكوت عنه،
كما كان حكم عبدالله بن الزبير لقسم واسع من بلاد المسلمين.
واصبح الامر سنة في بني امية ومن تلاهم. فهذا عبد الملك بن
مروان يوصي ابنه باستخدام السيف «... ائتزر وشمروالبس جلد
النمر وادع الناس الى البيعة ثانية. فمن قال براسه: كذا، فقل
بالسيف كذا»((92)).
على ان اطرف ما في العهود ذلك العهد الذي كتبه سليمان بن
عبد الملك سرا وامر الناس بالبيعة للمعهود له. فقد
اعطىكتاب العهد المختوم لصاحب شرطته رجاء بن حيوة
وقال له: «اجمع اليك اخوتي وعمومتي وجميع اهل بيتي
وعظماءاجناد الشام، واحملهم على البيعة لمن سميت في هذا
الكتاب، فمن الى ان يبايع فاضرب عنقه» ، ففعل((93)).
وهكذا يتحول حكم المسلمين من الشورى والبيعة الى
الاغتصاب فتسيل الدماء مضرجة انحاء البلاد جميعا. سلوك الخلفاء الامويين
لم يكن الخلفاء الامويون يخفون عزمهم على الحكم الاستبدادي الكيفي وتنكرهم
لتعاليم الاسلام ولسيرة الخلفاءالذين سبقوهم.
فقد خطب معاوية في المدينة بعد استيلائه على الخلافة فقال:
«... ولقد رضت لكم نفسي على عمل بن ابي قحافة (ابي بكر)
واردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا، واردتها
على (مثل) ثنيات عثمان، فابت علي...»((94)). واشرف عبد الملك بن مروان يوما على اصحابه وهم يذكرون سيرة عمر، فغاظه ذلك فقال: «ايها عن ذكر عمر، فانه ازراءعلى الولاة مفسدة للرعية»((95)) ثم هو يتهم الناس تبريرا لموقفه: «تريدون منا سيرة ابي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في انفسكم بسيرة رعية ابي بكر وعمر». والحجاج بن يوسف يدعو الى الانتقام من احد القضاة لانه يحدث الناس بسيرة ابي بكر وعمر، فقد كلم الحجاج وهو في مصر اباه حول سليم بن عنز التجيبي وكان قاضيا يريد الاعتزال فقال: «ما على اميرالمؤمنين اضر من هذا وامثاله. فقال له: ولم يا بني؟ قال: لان هذا وامثاله يجتمع الناس اليهم، فيحدثونهم عن سيرة ابي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة امير المؤمنين، ولا يرونها شيئا عند سيرتهما، فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه ولايرون طاعته. والله لو خلص لي من الامر شي ء، لاضربن عنق هذا وامثاله»((96)). |