الصفحة التالية

الصفحة السابقة

الاستفتاء حول نوع النظام

من الامور التي جرى الاستفتاء الشعبي في شانها، ونصت عليها المادة الاولى من الدستور الايراني التي ذكرناها في اول المقالة، هو نوع النظام في ايران.

وقد يشكل على ذلك بان نوع النظام متعين في الاسلام بالجمهورية الاسلامية، فلا يصح اخضاعه للاستفتاء الشعبي بعدوضوح حكمه في الشريعة، اذ انما يرجع الى الاستفتاء الشعبي في غير الامور المبين حكمها من قبل الله سبحانه، كما تقدم توضيح قاعدته قبل قليل.

لكن الاشكال في غير محله لما تقدم منا في مقالة سابقة من ان الاسلام لا نظر له الى نوع نظام معين، وانما يهمه التطبيق الافضل لاحكام الاسلام مشروطا بعدم التجاوز على حقوق الاخرين.

غير ان هذا الشرط يتعذر تحقيقه غالبا لاقتضاء ادارة المجتمع تقييدا في الحريات، ومصادرة للاموال، وفرضا للضرائب والغرامات، ومنعا من بعض الانتفاعات، وغير ذلك مما يتوقف على رضا اصحابها، فمن هنا احتاج النظام الى الاستنادالى آراء الشعب، وهو معنى الجمهورية، فهي على مقتضى الاصل، والبواقي تحتاج الى راي الشعب ايضا((269)).

وعلى هذا الاساس يكون للتصويت بشان نوع نظام الحكم وجه وجيه.

بين الجمهورية وولاية الفقيه

يشكل بعض الاشخاص على دستور الجمهورية الاسلامية ونظامها بانه يجمع بين نظامين مختلفتين:

فالدستور الايراني يصرح، من جهة، بان نوع نظام الحكم هو الجمهورية الاسلامية (المادة 1)، ما يعني استناد مشروعية النظام الى آراء الشعب، وانتخاب رئيس الجمهورية، وهو اعلى منصب في البلاد من قبله، كما مر بيان ذلك في معنى الجمهورية. ويصرح، من جهة اخرى، بان ولاية الامر وامامة الامة بيد الفقيه العادل في عصر الغيبة (المادة 5)، وان رئيس الجمهورية يمارس صلاحياته تحت اشرافه (المادة 57)، ما يعني انه دون الفقيه رتبة، وان الفقيه لا رئيس الجمهورية يحتل اعلى منصب في البلاد، وهو ما افادته المادة 113 من الدستور ايضا.

وهذا تهافت واضح بين المواد:

اولا: في المنصب الاعلى في البلاد، هل هو لرئيس الجمهورية كما يوحي به عنوانه او للولي الفقيه؟

وثانيا: في نوع النظام، هل هو النظام الجمهوري المستند في مشروعيته الى الشعب، او الولائي المستند في مشروعيته الى المنصب الالهي المجعول للفقيه من الله بوساطة المعصوم(ع) الوكالي والنيابي المستند في مشروعيته الى الوكالي والنيابي المجعولة للفقيه من المعصوم(ع)؟

وثالثا: في طبيعة الصلاحيات، فصلاحيات رئيس الجمهورية تختلف سعة وضيقا تبعا لما يمنحه الشعب له منها، وان كان الغالب في اكثر الدول تخويله صلاحيات معينة. وصلاحيات الولي الفقيه واسعة بسعة ما يستفاد من ادلة الولاية وتستمد من الله مباشرة، وصلاحيات الوكيل الفقيه صلاحيات محدودة بحدود ما للمعصوم(ع) من الولاية، وما يستنيبه ويوكله منها، وتكون مستمدة من المعصوم(ع) طبعا.

وهذا اشكال في غاية الاهمية يحتاج الى جواب تفصيلي لا تستوعبه هذه المقالة.

فقه الانتصار

تجربة المقاومة في لبنان وفلسطين، ودورها في ادامة الصراع واستنزاف العدو واستنهاض الامة

د. رفعت سيد احمد

«ما غزي قوم قط في عقر دارهم الا ذلوا».
 الامام علي(ع)

في البدء

مثل انتصار المقاومة الاسلامية في لبنان، في الخامس والعشرين من ايار (مايو)، عام 2000م.، انتصارا نوعيا للامة وليس للبنان فحسب. واسس، من حيث اراد اصحابه ام لم يريدوا، بدايات صحيحة معاصرة لما يمكن ان نسميه بفقه الانتصار، ذلك الفقه الذي استحضر عصارته، من صدر الاسلام، ومن ملاحم الغزوات والمعارك التاريخية عبرته، ومن نهج النبوة والقرآن رايته ومعالمه.

ولم يلبث هذا الفقه القديمر الجديد، ان اينع في فلسطين، وبعد اقل من اربعة اشهر، فانتج الانتفاضة الثانية المباركة(انتفاضة الاقصى) التي لا تزال، رغم محاولات وادها، قائمة ومستمرة.

ان الخط الواصل بين الجنوب اللبناني والجنوب الفلسطيني، لا نبالغ ان قلنا: انه خط كربلائي، حين اراد ان ينتصر، فكان الحسينيون من ابناء الجنوب، ومن ابناء فلسطين، يتزاحمون على بوابات الزمن، يطلبون «الموت»، لكي يبعثوا «الحياة» في هذه الامة، وقد كان لهم ذلك.. واذا بالجنوب، وبعد ثمانية عشر عاما من الاحتلال، يتطهر، واذا بفلسطين (ما قبل 1948 وما بعدها) تنتفض لتجسد هذه الطهارة في عمليات نوعية جماهيرية وجهادية متميزة، وهي عمليات لا تزال جارية، تماما مثلما هي مستمرة في الجنوب، حتى تتحرر «مزارع شبعا»، ويطلق سراح الاسرى، ويعود اللاجئون الفلسطينيون الى ديارهم، ويعوض لبنان عما فقده من جراء الاحتلال.

اننا امام فقه جديد، فقه يؤسس لانطلاقة الامة، العربية والاسلامية، انطلاقا من قطب الرحى بالنسبة اليها، من فلسطين،وهو فقه وجد ترجمته في تجربتين رائدتين: الاولى في الجنوب اللبناني، بل عبر لبنان كله، ممثلا في «حزب اللهومقاومته الاسلامية»، والثانية في «فلسطين المحتلة ممثلة في انتفاضتها الثانية».

ماذا عن هاتين التجربتين؟ وماذا عن فقه الانتصار حين تجلى؟

ذلك هو موضوع بحثنا هذا المؤلف من محورين هما: المحور الاول: تجربة حزب الله ومقاومته الاسلامية، المحورالثاني: تجربة الانتفاضة الفلسطينية ودروسها.

المحور الاول: تجربة حزب الله ومقاومته الاسلامية

لقد قدم حزب الله، عبر حرب استنزاف وحرب عصابات، طويلة النفس، واعية بالسياق والزمن والارض واطراف الصراع والمتغيرات الاقليمية والدولية، قدم اسلوبه، وعبر تجربة ثمانية عشر عاما من الصراع (1982 - 2000)، بوصفه احد ابرز الاساليب الناجحة لتحقيق «السلام» في منطقة غادرها هذا المفهوم وانتحر.

وسلام حزب الله سلام لا يفهم لغة التفاوض القائمة على الشعور المسبق بالعجز حيال الاخر، والذي يكبل بالتزامات سياسية وامنية ثقيلة ومؤذية، ولا يفهم لغة بعثرة اوراق الضغط من بين يديه بطريقة مجانية، كما فعل ياسر عرفات ويفعل. ويعلم جيدا اهمية ان يكون الانتصار وليد حركة شعبية اسلامية عربية لبنانية، اوسع من ان تنحصر في حالة اسلامية شيعية ضيقة، حركة يكون لمفهوم الجهاد والاستشهاد فيها مناط القيادة والمرجعية.

عن انموذج حزب الله لتحقيق السلام (او الانتصار) الوحيد الحقيقي على المشروع الصهيوني، في المنطقة حتى اليوم،مع اعتبار ان الانتفاضة رالثورة في فلسطين هي مشروع للانتصار الثاني المؤكد باذن الله، نطرح هذه الملاحظات، علهاتفيد وسط فورة الغضب العربي الشعبي وعجز الحكومات وهزيمتها النفسية من الداخل:

1. انطلقت تجربة حزب الله والمقاومة المسلحة للمشروع الصهيوني عقب الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، ولم يعلن الحزب عن وجوده الا عام 1984، وظلت عملياته الاستشهادية النوعية وقتها تنسب لاخرين الى ان اعلن وجوده، فعلمنا وقتها بحقيقة من قاتل من دون ضجيج، ومن قاتل بالاعلام فحسب. علمنا، مثلا، ان واحدة من ابرز عمليات مقاومة العدو الصهيوني في لبنان، والتي تمت في 11/11/1983، وهي عملية نسف مقر الحاكم العسكري الاسرائيلي في صور، كانت لامير الاستشهاديين - كما سمي لبنانيا احمد قصير، ابن حزب الله، والتي اودت ب 160 قتيلا وقرابة المئتي جريح اسرائيلي، ما دفع الجيش الاسرائيلي للتقهقر وقتها الى ما سمي بالشريط الحدودي المحتل، بعد ان كان قد وصل الى شارع الحمراء في قلب بيروت، بل واتخذ من الاشرفية مقرا لقيادته. وبدات، بعد هذه العملية، مرحلة جديدة تماما من حرب العصابات وحرب الاستشهاديين طويلة المدى.

2. المعلوم، ايضا، ان الارض اللبنانية التي كانت محتلة وصل طولها الى 1100 كلم في شريط يتراوح عرضه بين 10 و16كلم، يحتوي 60 مدينة وقرية وضيعة، يحميه جيش اسرائيلي وجيش مساند من العملاء (جيش انطوان لحد)، الاول لايقل تعداده عن عشرة آلاف جندي مزودين باحدث الاسلحة البرية والجوية والبحرية، والثاني يتراوح عدده ما بين 7و12 الف عميل لحدي، تواجههما مقاومة كانت واسعة ومتعددة في البداية، ثم تقلصت لعوامل ذاتية في اغلبهاوموضوعية في بعضها، الى ان تركزت في «حزب الله»، وجناحه العسكري (المقاومة الاسلامية) التي يقدر تعدادها بعشرة آلاف مقاتل واستشهادي. وظلت الحرب عبر هذا الانموذج دائرة طوال الثمانية عشر عاما الماضية، ليتكبد فيهاالاسرائيليون ما يزيد على 1500 قتيل، فضلا عن مئات الجرحى، واللحديون الفي قتيل وحوالى 5 آلاف جريح، وليرتفع من «حزب الله» 1568 شهيدا..؛ وذلك خلال اكثر من سبعة آلاف عملية جهادية، بعضها كان استشهاديا لافتا ومؤثرا.

وكان طبيعيا ان ينتصر هذا الحزب الذي ادار مقاومته على ارضية مختلفة تقوم على رباعية جديدة لادارة الصراع تتمثل اركانهافي ما ياتي: ايمان عقدي، قيادة حازمة مضحية، استنهاض مدروس للشعب اللبناني والعربي، فهم دقيق لفقه الاولويات الذي يضع مقاومة المحتل في سلم الاولويات ولا ينشغل بالصغائر.

3. من المعلوم ان هذه الرباعية التي اكدها حزب الله، كانت قائمة وموجودة عبر خبرة المئة واربعة اعوام من الصراع مع العدو الصهيوني، ولكن ما ميز «حزب الله» من غيره انه عرف كيف يديرها، ويبدع فيها، ويضفي عليها، من روحانيته واسلاميته الناضجة، الكثير. فعندما يقدم حزب الله امينه العام شهيدا (السيد عباس الموسوي واسرته في 16/2/1992م، وابن امينه العام الحالي السيد هادي حسن نصر الله عام 1997م)، ويدير صراعه وفق ادراك عقدي مسبق مفاده انه يتعامل مع ورم سرطاني وليس مع «دولة معتدية» فحسب. والورم، كما هو مفهوم طبيا، لا بد من استئصاله كيميائيا، وبتره، والا انتشر وامات. حزب، بهذه المواصفات، لا بد من ان ينتصر. واذا اضفنا انه حزب وعى جيدا اهمية الاطار الاقليمي العربي والاسلامي، فاقام علاقاته وتحالفاته على ارضية من الوعي والاستقلال والفهم الجيد لهذاالميحط باحباطاته وثوراته وتوازناته، فانه كان طبيعيا ان ينتصر. واذا علمنا، ايضا، انه حزب وعى مبكرا ما نسميه «فقه الاولويات»، فلم يتصارع مع الدولة او الحاكم، ولم ينشغل بمغانم السياسة وفساد الاقتصاد وطموحات الصغار، بل صوب طاقاته واولوياته في الاتجاه الصحيح لبوصلة الامة والوطن، وهو اتجاه مقاومة هذا المحتل العنصري، فما كان من الامة الا ان اجمعت عليه تقديرا ومساندة، ولم نصادف، عبر رصدنا لتاريخ المقاومات العربية ضد العدو الصهيوني،طوال القرن العشرين، مثل هذا الاجماع الواسع على احترام جهاد «حزب الله» وانموذجه الراقي في ادارة الصراع مع العدو الصهيوني، وفهمه الصحيح لما يجمع (وبخاصة في بيئة لبنانية طائفية طاردة للاجماع اصلا، بيئة تحتوي، كمانعلم جميعا، على 19 طائفة متصارعة)، وفي بيئة عربية مهزومة ومتراجعة امام جبروت المشروع الصهيوني والمساندة الامريكية الكاملة له (95 مليار دولار دعم امريكي لاسرائيل منذ عام 1948م حتى عام 2001م، ومثلها عبر التبرعات اليهودية غير الرسمية). حزب وعى هذا جميعه، وآمن بعقيدة الاستشهاد الواعي والمدروس، كان لا بد من ان ينتصر،وان يظل - وهذا هو الاهم، مواصلا للانتصار. وجميعنا تابع بعزة وفخر، قضية اسر عقيد الموساد والجنود الثلاثة، الذين بفضل اسرهم سيتم، باذن الله، الافراج عن 1700 اسير عربي ولبناني من سجون العدو، وليس بفضل هذا السلام البائس،والتسوية البائسة التي يقضى عليها الان بطلقات الالة العدوانية الاسرائيلية على المدنيين العزل في كافة ارجاء فلسطين.هذا الانموذج بدلالاته وخبرته وآفاقه جميعها هو الذي ندعو الى احتذائه، وليس سواه، لانه الوحيد الذي اثبت قدراته على تحقيق «السلام الصحيح»، وليس «السلام الزائف» الذي تدور عجلته لمتابعة مسلسل التسوية المنهارة.

وللتاكيد على قوة تجربة المقاومة في لبنان، لنتامل هذه الكلمات الشهيرة لوزير الدفاع الاسرائيلي: «ان هذا الحزب -يقصد حزب الله لم يصب الجيش الاسرائيلي فحسب بالجنون، بل اصاب الدولة كلها بالجنون، ومن ثم علينا ان ننسحب في اسرع وقت!». وفي المقابل، لنتامل كلمات سيد المقاومة، السيد حسن نصر الله: «لقد بدا زمن زوال اسرائيل، لقداضحت مستوطناتها تحت اقدام مجاهدينا.. والله.. انها اوهن من بيت العنكبوت».

4. اليوم، وفي ظل هذه الاجواء الملتهبة، وبعد احداث 11/9/2001، وضرب افغانستان، تتعرض المقاومة اللبنانية وحزبها (حزب الله) ودولتها لهجمة ارهابية جديدة من قبل الولايات المتحدة، تحاول ان تجعل منها الهدف القادم؛وذلك لضرب اهم دروس ونماذج المقاومة في امتنا وفي زمننا هذا، ولنبدا من البداية.

لقد خرج قبل ايام السفير النرويجي في لبنان «زيفلج ايدي» بتصريح مهم جاء فيه نصا: «ان حزب الله يعمل فقط كجيش مقاوم.. لقد تابعت نشاطات حزب الله في السنة الماضية، كما تابعته في السنوات العشر الاخيرة، ورايناه يعمل كحركة مقاومة، ومن ثم نحن نرى من غير المفيد وضعه على لائحة الارهاب، وانا لا اعده ارهابيا، واؤيد موقف الحكومة اللبنانية في هذا الخصوص».

جاء تصريح السفير النرويجي مباشرة بعد ان انتهى السفير الامريكي، في بيروت، «فنسنت باتل»، من تفجير قنبلته السياسية التي طالب فيها الحكومة اللبنانية بتجميد الارصدة المالية الموجودة لحزب الله في المصارف اللبنانية باعتباره منظمة ارهابية، وفقا للوائح الامريكية!

جاء موقفا السفيرين متناقضين، تماما مثلما جاءت مواقف العديد من القوى الدولية (روسيا وفرنسا تحديدا) والعربية،والتي رفضت في مجملها، باستثناء «اسرائيل» ، الموقف الامريكي، وعدته منافيا لابسط قواعد القانون الدولي التي تجيز، بل وتفرض المقاومة المشروعة للمحتل، وحزب الله - كان ولا يزال مقاومة مشروعة، وليس ارهابا يجرمه القانون نفسه والمواثيق الدولية!!

ولكن...، ومع هذه المواقف، يطرح سؤال اساسي: لماذا الان، هذه الهجمة «الدبلوماسية» الامريكية على حزب الله؟ وماهو مصيرها في ضوء الرفض القاطع من الحكومة اللبنانية ومن كافة احزاب الداخل اللبناني وتياراته لهذه المطالب الامريكية؟!

للاجابة، نضع هذه النقاط على الحروف..

5. ان التحليل «السريع»، للهجمة الامريكية على حزب الله، قد ينعتها بعض الباحثين بالغباء السياسي، توقيتا ومضمونا،فلا الوقت هو الوقت الملائم، وبخاصة ان حملتها ضد افغانستان لم تنته بعد، وفصول قصة الانتقام من احداث 11سبتمبر (ايلول) لم تكتمل، ولا مضمون الحملة الجديدة موفق في عنوانه؛ وهو، هنا، «حزب مقاوم» لديه اجماع عربي وليس لبنانيا فحسب، على كونه حالة مقاومة مشروعة ونبيلة، وهو حالة يصعب - ان لم يكن يستحيل وصمها بالارهاب او خلط المسائل تجاهها، فهي واضحة وغير ملتبسة مثل حالات اخرى - فلم هذا الغباء السياسي والتسرع في مهاجمتها من بوابة الارصدة المالية!؟

قد يكون هذا هو التحليل العام السريع لما تقوم به الولايات المتحدة تجاه حزب الله هذه الايام، ولكن التعمق اكثر في طبيعة العلاقة، تاريخيا، بين حزب الله والولايات المتحدة، يؤكد ان الامر اكثر تعقيدا من ذلك، وان الولايات المتحدة لم تصبها العجلة، او الحماقة السياسية المفاجئة، ولكنها تنفذ قناعة ثابتة لديها تجاه قوى المقاومة العربية والاسلامية، سواءفي لبنان ام في فلسطين، وهي قناعة تقوم على المصلحة والرؤية الاستراتيجية، وعلى «بناة كبار» داخل مؤسسة الحكم وصناعة القرار الامريكي، وهم بناة عادة من اليهود، او من المسيحيين (الاصولية الجديدة) ذوي الميول الصهيونية المعادين للحقوق العربية الثابتة في فلسطين.

المسالة، اذا، ليست غباء سياسيا، او حماقة سياسية، اصابا فجاة الادارة الامريكية فجعلاها تهجم عبر «فنسنت باتل»،لتطول راس «حزب الله»، الان، و«حماس» و«الجهاد الاسلامي في فلسطين» في ما بعد، ولكنها داء امريكي عضال، ومكون استراتيجي في صناعة سياستها الخارجية تجاه المنطقة العربية والاسلامية، انحاز دائما، وسيظل منحازا الى المصالح الاسرائيلية، فصارت تنظر بعيون اسرائيلية عمياء لاي فعل مقاوم في هذه المنطقة، وترى انه ارهاب. اما ارهاب الدولة المنظم والتاريخي (الارهاب الاسرائيلي) فهو قطعا، لدى الادارة الامريكية، دفاع شرعي عن النفس!

6. ولكن هل تستطيع الولايات المتحدة ان تصل، عبر هذه السياسات والهجمات الدبلوماسية، وربما العسكرية مستقبلا، الى راس «حزب الله»؟! وهل ستنجح في ما اخفقت فيه اسرائيل عبر ثمانية عشر عاما من الاحتلال الاستيطاني العسكري في الجنوب اللبناني؟!

الاجابة ببساطة: لن يحدث هذا، وربما يكون هذا السلوك الامريكي، ذو العيون والروح الاسرائيلية، مقتل هذه السياسة في المنطقة مستقبلا؛ وكما يقولون: «معظم النار من مستصغر الشرر». واذا حاولت الولايات المتحدة ان تنقل ضغطهاعلى لبنان، من دائرة الفعل الدبلوماسي، الى دائرة الفعل الاقتصادي (عبر قطع المعونات المنتظرة)، او دائرة الفعل العسكري، عبر بعض العمليات النوعية لاصطياد عناصر من حزب الله، ترى امريكا انها كانت قبل ثمانية عشر عاما لهاتاريخ في ضرب طائرات ومصالح امريكية ابان الحرب الاهلية في لبنان، (وهم تحديدا: حسن عز الدين - علي عطوى عماد مغنية)؛ فاننا ساعتها نتوقع اشتعال الشمال الفلسطيني المزروعة فيه المستوطنات الاسرائيلية، وكذلك مزارع شبعا المحتلة (وهي تمثل 13% من مساحة جنوب لبنان)، وربما في الجولان المحتلة؛ ومن ثم ستتوتر العلاقات مع المملكة العربية السعودية وسوريا ومصر، وقد تشتعل حروب او احداث عنف اقليمية صغيرة تطول مصالح امريكافي المنطقة، ذلك كله تنفيذا لمطالب ومصالح اسرائيلية في الاساس.

7. وفي هذا السياق، ياتي التحليل السياسي المهم لقيادة حزب الله لهذه الهجمة الامريكية الجديدة عليه، والتي لخصهاالسيد حسن نصر الله، الامين العام لحزب الله، بقوله: «ان بعضهم يقول: لماذا لا تناقشون الامريكيين في ادراج اسم حزب الله في لوائح الارهاب، فهل الامريكيون اصحاب قرار في هذا الموضوع؟ الامريكيون، هنا، يلتزمون تماما الطلبات الاسرائيلية ويلبونها، هذا مطلب اسرائيلي، ولا اعتقد ان احدا منا مستعد لان يناقش الاسرائيليين».

واضاف: «الادارة الامريكية تنظر الى منطقتنا بالعين الاسرائيلية، وتنفذ سياسة اسرائيلية كاملة، وارى ان ادراج اسم حزب الله وفصائل المقاومة على اللوائح الارهابية الامريكية هو استجابة مطلقة للرغبات والشروط والطلبات الاسرائيلية».

واستدرك نصر الله: «انهم يحاولون تفكيك اللبنانيين وتفكيك العرب بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر)، هناك من يسعى الى حرب عالمية بين المسلمين والمسيحيين، وفي الدائرة الاسرائيلية هناك من يسعى لحرب بين المسلمين، بعضهم مع بعض، وهذا هو مشروع كل مستعمر ومستكبر وطاغية ومستبد، وفي المقابل يجب ان نتمسك بوحدتنا في لبنان لاننا نتحدث عن مصير وطن».

المسعى الامريكي الجديد، اذا، سيبوء بالاخفاق امام حزب هذه هي نوعية قيادته، وسيؤدي هذا المسعى الذي نراه،للاسف، يبدا، الى تفجير المنطقة. وهذا المسعى نراه يتصاعد تحت ضغط «اللوبي الصهيوني» في الادارة الامريكية؛ ذلك اللوبي الذي تتفق رؤيته مع رؤية وزير الدفاع الاسرائيلي (بن اليعازر) الذي يقول: ان «حزب الله يمثل تهديدااستراتيجيا لامن اسرائيل ولمصالح امريكا معا».

وفي هذه الاجواء سوف تؤدي هذه التطورات ليس الى اصطياد راس حزب الله، او حماس او الجهاد الاسلامي، ولكن الى اصطياد «مصالح امريكا» في منطقة تمدها بقرابة ثمانمئة مليار دولار، ما بين نفط ورؤوس اموال وشراء اسلحة، وتبادل تجاري.. الخ!

8. واذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع ان تفرق بين «الارهاب» و«المقاومة»، فهذه مشكلتها هي، ولكن العقلاء يرون ان هذا لا يسوغ انفراد امريكا بالعالم تقسمه هي، وليس «بن لادن»، وحده الى فسطاطين، الم يقل جورج دبليو بوش قبله:«اما معنا او ضدنا: اما مع امريكا او مع الارهاب». واذا كان الامر بالنسبة لحزب الله محيرا الى هذه الدرجة التي دفعت السفير الامريكي في بيروت، «فنسنت باتل»، ورجال الادارة الامريكية الى العجلة والطلب من الحكومة اللبنانية تجميدارصدة حزب الله المالية (وهو بالمناسبة ليس لديه ارصدة في المصارف كما هو شائع؛ حيث ان امواله تاتي وتذهب من منافذ اهلية طوعية تحكمها مسالة التبرعات والخمس وما شابه ذلك).. اذا كان الامر ملتبسا الى هذا الحد لديهم،وصارت «مقاومة الاحتلال» ارهابا، فان امين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، كفاهم مؤونة التفكير وشرح جوهرمقاومة حزبه، واهداف مقاومة هذا الحزب، وكيف انها كانت هي المحور الذي من حوله كانت تدور كافة انشطة الحزب،وفي هذا المعنى قال في الافطار الرمضاني لحزبه (22/11/2001م):

«كانت مقاومة الاحتلال القطب الذي كانت تدور حوله كل انشطة حزب الله وتشكيلاته واجهزته.. فلم تكن المقاومة، في مسيرتنا، ولا في ادبياتنا، طريقا الى السياسة، او الى المنصب، او الجاه، بل كنا، ونحن نحمل دماءنا وارواحنا واعزاءناالى ساحة الموت والشهادة، نصنع كل شي ء في خدمة هذه المقاومة بما فيه السياسة والمال والمنصب والجاه، اماالمقاومة فهدفها هو الهدف المقدس: تحرير الارض من الاحتلال وتحرير الانسان من قيود الغزاة، والكرامات من التدنيس والاستباحة، هذا هو تعريفنا لانفسنا منذ سنوات طويلة قبل ان يطالبنا احد بان نعرف انفسنا».

ونظن انه، بعد هذه الكلمات المعبرة والواضحة، لا مجال للمزيد، وان راس «حزب الله» ابعد كثيرا مما يتصور الامريكان،او الاسرائيليون!! وانها، ربما تكون بداية اللعنة التي ستصيبهما معا، في هذه المنطقة، بعد اغلاق الملف الافغاني.

9. ان انتصار المقاومة في لبنان، والذي نتحدث عنه الان للاستفادة من دروسه، ومع دخول الانتفاضة الفلسطينية عامهاالثاني (مرت الان اربعة اشهر على بدء هذا العام)، وبعدد شهداء يقترب من ال «1500 شهيد» وجرحى يزيدون على ال «70الفا». في هذا التوقيت، ينبغي علينا، ونحن نحتفل بانتصار المقاومة ونتامل دلالات تجربة انتصار لبنان ودروسها، ان نؤكدما ياتي:

اولا: لن تتحرر فلسطين الا عبر خيار المقاومة، وما حدث في الجنوب اللبناني، في جوهره، وفي معانيه الاساسية القائمة على التضحية والشهادة والبذل؛ بامكانه ان يتكرر في فلسطين وان يخلق واقعا جديدا يمهد - بصدق للطريق الصحيح لاستعادة فلسطين، واستقلالها من البحر الى النهر.

ثانيا: على الفاعليات العربية - الشعبية جميعها، ان تبادر الى دعم المقاومة في فلسطين ولبنان، بكافة السبل والوسائل،وان هذا العدو لا يفهم سوى لغة القوة. ومن الواجب علينا ان نبقي على هذه «المقاومة» قوية، لانها بذلك تصبح قادرة على استعادة حقوق امتنا الضائعة.

ثالثا: لا تزال مزارع شبعا اللبنانية محتلة، ولا يزال الاسرى اللبنانيون والعرب في سجون العدو، ولا يزال ملف ال «350الف لاجى فلسطيني في لبنان» مفتوحا. ومن ثم، فالمقاومة لا ينبغي لها ان تتوقف، وعلى جميع المخلصين والمحبين للبنان ان يؤكدوا هذا المعنى، وان يحموا ظهر هذه المقاومة بقيادة «حزب الله»، وبخاصة ان نوايا العدو في العدوان لاتزال ماثلة (ضرب محطة الرادار السوري في ضهر البيدر، والاعتداءات المتتالية على الجنوب، وعلى ما يسمى بالخط الازرق، انموذجا) .

رابعا: ان مقاومة التطبيع ومقاطعة السلع الامريكية والاسرائيلية، وتقديم الدعم المادي والانساني والسياسي للانتفاضة والمقاومة، وتفعيل دور الفتوى الدينية في الصراع...، هذه جميعها وسائل ضغط مشروعة من الشعب العربي ينبغي التاكيد عليها، وبقوة، خلال الايام القادمة. وتنبغي اعادة الاعتبار لها في بلاد الطوق العربية المحيطة بالعدو الصهيوني، وهي وسائل شعبية قادرة على البقاء والاستمرار...

المحور الثاني: تجربة الانتفاضة الفلسطينية ودروسها

ان المتامل في تطورات الاحداث، في فلسطين، اليوم، وبعد التدخل المباشر من «المخابرات الامريكية»، لايقاف الانتفاضة تحت مسمى مضلل اسمه «ايقاف العنف»، ومن خلال استخدام السلطة الفلسطينية مخلب قط لنهش لحم قوى الصمود (حماس والجهاد وغيرها من قوى المقاومة)، ان المتامل في هذه الحال يلحظ ان الكيان الصهيوني يزدادعنتا وشراسة كلما ازداد الحديث عن السلام والتسوية. ويتمثل هذا العنف في زيادة وتيرة التسلح بكافة اشكاله، لتصبح «اسرائيل» وفقا للمقولة الماثورة لاكبر فلاسفة هذا الكيان، الفيلسوف الراحل ياشايا عوليبوفيتش (الذي رحل عن 91عاما، عاصر فيها قيام دولتهم ونموها العسكري السرطاني)، وهي: «ان دولة اسرائيل اضحت، بفضل التسلح والعنف البنيوي في داخلها، ليس مجرد دولة تمتلك جيشا، بل جيش يمتلك دولة».

نعم، نحن امام جيش يمتلك دولة، او بمعنى ادق امام «غيتو حربي»، كما قال الكاتب الاسرائيلي المعروف «اسرائيل شاحاك» الذي اضاف: ان اسرائيل تحولت الى «اسبرطة يهودية يساندها الحكام العرب كخدم وعمال».

اننا بعبارة موجزة امام «ثكنة عسكرية»، بكل ما تعنيه الكلمات من معان.

ان الانتفاضة الفلسطينية، كشفت بوضوح، وبعد استخدام شارون (وجميعهم، بالمناسبة، في مواجهة العرب والانتفاضة شارون) لل «اف 16»، الابعاد العنصرية والعسكرية المتطورة للكيان الصهيوني. وبالمقابل، ورغم هذا التفوق العسكري والمستمر، فان «الانتفاضة» استطاعت ان تربكه وان تشل فاعليته، وان «يتالم» كما يتالم اهل الانتفاضة وان تقدم لنا جملة من الدروس والدلالات المهمة.

فهذا الواقع يجعلنا، ومع دخول الانتفاضة الشهر السابع من عامها الثاني، نتوقف امام ثلاث قضايا اكدتها الانتفاضة،وتبينت التفاصيل التي يراد اغفالها: الاولى تتصل بالوجه العنصري الفاشي لهذا الكيان، والثانية الالم الذي حاق بالثكنة العسكرية المسماة «اسرائيل» بسبب الانتفاضة، والثالثة حقيقة التسلح الاسرائيلي وتناميه، وصمت «السلاح العربي» في مواجهته، على الرغم من انه يتطور وينمو ويشترى من الاسواق الغربية، ولكنه يخزن بلا فاعلية في كافة البلاد العربية،وبخاصة تلك المحيطة بالكيان الصهيوني.

ان هذه الوجوه (القضايا) الثلاثة مترابطة، وهي، في ترابطها، تؤكد اهمية الانتفاضة وجدواها، ومن ثم خطرها على تلك الانظمة العربية المتحالفة مع الغرب (الولايات المتحدة تحديدا) والتي تستهدف واد الانتفاضة تماما تحت عنوان مضلل اسمه «حقن دماء الفلسطينيين».

ترى ماذا عن هذه القضايا ودلالاتها؟

(1) القضية الاولى: عنصرية الكيان الصهيوني
كشفت الانتفاضة، بجراتها وحركتها الشعبية وتضحياتها (حوالى 1500 شهيد و70 الف جريح)، الوجه العنصرير النازي للكيان الصهيوني؛ اذ لم يتورع هذا الكيان عن قتل الاطفال (يزيد عدد الشهداء منهم على 150 طفل) والنساء والشيوخ بدعوى مشاركتهم في اعمال العنف، وهو تعبير، كما قلنا، مضلل يعني مشاركتهم في الانتفاضة والاحتجاج على الاعمال النازية الصهيونية تجاههم.

ويكفي ان نستشهد، في هذا المقال، بكلمات معبرة قيلت، ولا تزال تقال، في اثناء الانتفاضة الراهنة، لقادة اسرائيل،وهي تعكس هذه العنصرية التي عرتها الانتفاضة وكشفتها بجلاء.

قال شارون تعليقا على عمل لجنة ميتشل: «لا يحق لاي كائن في العالم ان يقدم اسرائيل الى المحاكمة. ليس هناك احدله حق ان يحيل الشعب اليهودي الى محاكمة امام شعوب العالم، بل العكس هو الصحيح، لنا وحدنا ودائما حق محاكمة الاخرين». اليست هذه عنصرية مقيتة تعلي من شان اليهود من دون جميع خلق الله!؟ وها هو الحاخام عوفيديا يوسف،الزعيم الروحي لحزب «شاس»، الذي وصف العرب مرة بالقردة ومرة بالافاعي، ودعا الى ابادتهم بالصواريخ، وقال:«يجب الا نترحم عليهم. يجب ان نطلق الصواريخ وندمرهم، هؤلاء الاشرار الملعونون». وقد دعا الله للقضاء على نسل العرب ونفيهم في العالم. وهذا الحاخام يتراس ثالث حزب في اسرائيل ومشهور عنه وقاحته وعنصريته البالغة. اما وزيرالبنية التحتية «افيغدور ليبرمان»، فقد طالب بنسف السد العالي، اي قتل ملايين البشر في وادي النيل، وضرب طهران بالصواريخ، اي قتل ملايين آخرين. اما وزير السياحة «رحبعام زئيفى» فهو يتراس حزبا سياسته الوحيدة تسفيرالفلسطينيين من بلادهم، وقد دعا يوما الى ان يرتدي الفلسطينيون في اسرائيل اشارة صفراء تدل عليهم، وهذا العمل مماثل تماما لما فعله النازيون تجاه اليهود في المانيا وغيرها. اما الجنرال المتقاعد «روفئيل ايتان» فقد قال: «ان العرب صراصير يجب سحقها بالجزمة»، هذا الكشف كله تم بسبب الانتفاضة الباسلة التي اجبرتهم على ان يقولوا ما يعتقدونه منذ زمن، وان يكشفوا عن وجههم العنصري - النازي الذي يتخفى خلف غلالات زائفة من السلام ودعوات التسوية.

(2) القضية الثانية
ان العدو الصهيوني يعاني، وبمرارة، من هذه الانتفاضة الباسلة، وما التحركات المخابراتية الامريكية والغربية، وجهودكوفي عنان والسماسرة العرب ومن لف لفهم، الا لانقاذ هذا الكيان من مازق الانتفاضة الذي يؤلم. والم الانتفاضة متعددالجوانب، فهو الم سياسي واقتصادي وثقافي وبشري، ولعل العمليات الاستشهادية، بفاعليتها وقدرتها على خلق «توازن رعب» بديلا من الخلل في توازن القوى، سوى انموذج فذ للايلام الفلسطيني تجاه الكيان العنصري الصهيوني، والقتلى من الاسرائيليين يقتربون، بعد عشرة اشهر من بدء الانتفاضة، من مئتي قتيل، وهم بحساب النسبة والتناسب مع عددالعرب والمسلمين والفلسطينيين، يمثلون قيمة كبيرة قياسا بشهدائنا الخمسمئة في فلسطين. والالم، على المستويين:السياسي والاقتصادي، شديد وقاس، فالكيان الصهيوني خسر ما يقرب من سبعة مليارات دولار في المدة الماضية،وتوقفت المصانع والمزارع التي تعتمد على عمالة عربية، و60% من المشاريع السياحية توقفت عن العمل وفقا للصحف الاسرائيلية. وفي هذا السياق، يمكن ايراد بعض ارقام الهبوط في انتاج صناعات معينة يعزوها المسؤولون الى انخفاض الاستهلاك في المناطق المحتلة، فشركة «عليت» للحلويات والقهوة، وهي اكبر شركات المنتجات الغذائية في اسرائيل،اشارت الى انخفاض مقداره
30% من انتاجها، والى مخاوف من استمرار الاوضاع التي تؤدي الى هذا الانخفاض.ومصانع غذائية اخرى، مثل «تلما» و«اوسم» ، تحدثت عن انخفاض لم تذكر مقداره، ومصانع البلاستيك، والنسيج شكت من صعوبات مماثلة، ووصل الامر باحدها الى اغلاق مصنع «اوال اسرائيل» في «بيتح تكفا» قرب تل ابيب. اما الفروع الاخرى، مثل الاثاث والكيماويات والمنتجات الكهربائية وباقي فروع المواد غير الاساسية، فلا تخفي ان سوق المناطق المحتلة توقف عن استهلاك منتجاتها تماما، اذ اعلن تجار المواد الكهربائية عن تباطؤ شديد في المبيعات يتجاوز ال 60%، وان اجمالي خسائر الاقتصاد الاسرائيلي في كافة فروعه قد وصلت الى اكثر من سبعة مليارات دولار في قطاعات «الزراعة والسياحة والصناعة والتجارة بفروعها المختلفة»، ذلك كله بفضل الانتفاضة.

(3) القضية الثالثة
وسلطت الانتفاضة الاضواء على الترسانة العسكرية التي يمتلكها العدو الصهيوني، وهي ترسانة خطيرة بكافة الحسابات العسكرية والسياسية، خطيرة في حجمها، خطيرة في آثارها المستقبلية على المنطقة العربية والاسلامية،
تلك المنطقة التي داب حكامها على تخزين اسلحتهم منذ عقود، في مخازن لتصدا فوق رؤوسهم، في حين ان الكيان الصهيوني يستحوذ على هذه الاسلحة، ويخصص 5.9% من ميزانيته لها، لكي يجربها على المنتفضين، وعلى كل من يفكر في دعمهم، ولعل في استخدام شارون لل «اف 16» وعشرات الاسلحة دليلا كافيا على انه ياتي بالسلاح لكي يستخدمه، لا لكي يخزنه!

ان هذا المشهد البائس يدفعنا الى تقليب اوراق احدث التقارير الاستراتيجية الدولية الخاصة بمتابعة شؤون التسلح في الكيان الاسرائيلي، لكي نقراها ونخرج منها بهذه المعلومات الخطيرة، التي تعني اننا امام ثكنة عسكرية قابلة للانفجار(وقد حدثت بدايات هذا الانفجار في هذه الانتفاضة) في وجوهنا جميعا.

ان التقارير التي بين ايدينا تخلص الى هذه الارقام والمعلومات العسكرية المهمة:

كما هو معلوم، هناك 180 الف مستوطن يهودي في غزة والضفة الغربية، اضافة الى 217 الفا في القدس الشرقية، و150الفا في الجولان، واجمالي تعداد القوات المسلحة الصهيونية: 172 الفا تحت السلاح، منهم 107500 مجند نظامي،وهناك تدريب سنوي لجنود الاحتياط، حتى بلوغهم سن ال41 (بعض المختصين حتى سن 54) عددهم 425 الفا.

وهناك 40000 قوات برية و50000 قوات بحرية و36000 قوات جوية.

اما القوات الاستراتيجية، فثمة اعتقاد شائع مفاده ان لاسرائيل قدرة نووية تقدر بحوالى مئة راس نووي يمكن تحميلهاعلى صواريخ من طراز اريحا - 1 ارضر ارض، مداها خمسمئة كيلو متر، واريحا - 2 الذي تم تجريبه خلال المدة(1989 - 1987) وبلغ مداه 1500 كيلو متر.

بالاضافة لما سبق، فلقد ذكرت بعض الدوريات العربية المتخصصة ارقاما وانواعا مذهلة من الاسلحة المحرمة دولياالتي يستخدمها المجرم الارهابي شارون ضد الانتفاضة الفلسطينية المجاهدة. وهذه الاسلحة، في مجملها، تاتي مصنعة او «مفككة ثم تصنع» من قبل دول الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، وهي دول تصدع رؤوسنا، صباح مساء، بالكلام على حقوق الانسان، نسالها سؤالا برئيا ومباشرا: اين حقوق البشر في استخدام مثل هذه الاسلحة لقمع ثورة شعب اعزل؟ «الا يعد هذا نفاقا يا دولا، ويا شعوبا، ويا مثقفين غربيين؟!».

والى ضمائركم «الحية جدا» بعض انواع هذه الاسلحة علها تزيل هذا النفاق الرخيص:

1. فضلا عما هو معروف من استخدام الطائرات اف 16، فانه استخدم ذخائر اليورانيوم المستنفد التي تتزود بها الاسلحة البحرية والجوية لاختراق الحواجز والمتاريس والدشم والتحصينات المختلفة، وتترك آثارا سرطانية، كما هو الحال في حرب الخليج والبلقان؛ حيث اصيب جنود بتخثر دموي قضى عليهم في ايطاليا وفرنسا وبريطانيا، كما ان عددا من سكان جنوب العراق اصيبوا بتشوهات مختلفة من جراء الاشعاعات التي تستمر سنوات طويلة في الارض، وينابيع المياه، وهو ما يحدث اليوم في فلسطين.

2. تقنيات قمع الشغب وتفريق التظاهرات لا تريق الدماء، لكنها تصيب بالشلل او بالاغماء المؤقت، وتستعد اسرائيل لاستخدامها على نطاق واسع، على خلفية عدم اثارة ضجة دولية بعد ان استخدمتها على نطاق محدود في قطاع غزة.

3. طلقات مطاطية «تكتيكية» تطلق روائح يصعب تحملها، او بريقا ساطعا يصيب بالعمى، والهدف ايضا هو الحذر من ردود الراي العام العالمي.

4. ذخائر الكترومغناطيسية تضخ حزما اشعاعية تحرق الاجسام.

5. اسلحة ليزرية ذات طاقة منخفضة، وانظمة الميكرويف والموجات تحت الصوتية، ومحفزات الخداع والتضليل البصري. ومن شان هذه المنظومة احداث حالات شلل واحتراق تستشرى في حال عدم معالجتها بمحاليل خاصة، كماانها تحدث صدمات كهربائية تصعق الافراد المستهدفين.

6. رذاذ الفلفل الذي يشل القدرة، ويصيب حواس البصر، والسمع، والشم، وهو اشبه بالرغوة كيميائية التركيب، وقداستخدمته القوات الاندونيسية والهندية، واستخدم في قمع تظاهرات مدينة سياتل الامريكية ضد العولمة وقمة الغات، وكان الهدف اعادة الانضباط. وتردد ان اسرائيل تستخدم هذا الرذاذ ضد قناصة حركة فتح والجهاد الاسلامي وحماس في مدينة الخليل؛ حيث هناك جيب من المستوطنين اليهود.

7. الغام ضد الافراد يجري تفجيرها عن بعد، واختبرتها اسرائيل ضد متظاهري رام الله، ومعبر المنطار في غزة، وتردد ان عددا من مستوطنات غزة، ذات الموقع الجغرافي في الحرج، مثل نتساريم، احيطت باحزمة من هذه الالغام ذات القدرة على الاستشعار عن بعد، والتي تنفجر اذا كان المتسلل يرتدي البسة معينة، او مزودا بنوع من الاسلحة المحددة، وحتى اذا كان ينتعل حذاء مصنوعا من مادة الياف كاوتشوكية.

8. كوكتيل من غازات الاعصاب، وقد شجب استعمالها وزير الصحة الفلسطيني رياض الزعنون، وكان رئيس السلطة الفلسطينية قد طلب منه تشكيل لجنة طبية لحصر نوعية الغازات السامة التي استهدفت مخيم خان يونس، وجنوب قطاع غزة، قبل عدة اشهر. ورات شخصيات قيادية فلسطينية ان اطلاق هذا النوع من الغازات سابقة خطرة، وتم استدعاء اختصاصيين عرب من اجل تفحص عينات وحالات الاصابة بالسموم.

روح الامة

وبعد، وعلى الرغم من هذه المعاناة، وتلك الاسلحة المحرمة دوليا، ف «فقه الانتصار» الذي تاسس في لبنان وفلسطين،والذي سينتصر حتما على الرغم من ترسانة شارون العسكرية واسلحته النووية، وعلى الرغم من خذلان ذوى القربى وارهاب الولايات المتحدة تجاه المقاومة والانتفاضة.. سينتصر لانه «روح الامة»، وروح الامة ليس سهلا تفكيكها لانهاليست تنظيما كما قال بحق، وقبل ايام، سيد المقاومة الاسلامية في لبنان، السيد حسن نصر الله.

ان هذا الفقه الجديد/ القديم يتطلب بيئة عربية واسلامية مساندة، بيئة تحتضنه وتدافع عنه وتحميه من غوائل الزمن ومحنه، واستنهاض هذه البيئة، بل واعادة تخليقها من جديد، هو مهمة العلماء وقادة الفكر والسياسة من شرفاء هذه الامة، وهم حين يفعلون ذلك لا يدافعون عن المقاومة والانتفاضة او يحمونها، بل يدافعون عن انفسهم اولا. وتلك، في ظني، هي ابلغ دروس تجربة الانتصار، في لبنان وفلسطين، حين تصبح المقاومة نحن، وحين نصبح نحن المقاومة،وتصير الامة كلها مشروعا للمواجهة، مشروعا للانتصار..

ان هذه الكلمات (المقاومة - الانتفاضة - الانتصار - الثورة - الامة - المواجهة) لم تكن لتصبح ذات دلالة ومعنى الا عندماوجدت من يستشهد في سبيلها، فدبت فيها الحياة، وصدق الشهيد الراحل «سيد قطب» حين قال: «ان كلماتنا ستظل عرائس من شمع حتى اذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة». وهكذا فعلت المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين..ولا تزال تفعل.

سيكولوجية المعصية

ا. حسين علي البيات

معنى المعصية

المعصية هي الخروج عن طاعة الله، سواء كانت بعدم تنفيذ اوامره الواجبة ام باقتراف نواهيه المحرمة من دون مسوغ مقبول شرعا، كما في اكل الميتة او شرب الخمر للمضطر. اما مخالفة الاوامر الاستحبابية، او النواهي المكروهة، فلا تعد معصية((270)).

ولغة: عصى العبد ربه اذا خالف امره، وعصى فلان اميره يعصية عصيا وعصيانا ومعصية، اذا لم يطعه، فهو عاص وعصي((271)) والعصيان هو الاسم.

والمعصية، في اطارها النفسي، هي سلوك شاذ عن الفطرة السليمة التي اودعها الله في النفس البشرية، فيما اذا كانت متعلقة بتوحيد الله، ولا يفرق في ذلك بين من تربى على ذلك النهج الفطري وبين الخارج عنه. اما اذا كانت مخالفة للامرالالهي، في الواجب والمحرم، فقد لا ندعي شذوذ السلوك، ولكننا نرى انه يخرج عن اطار السوية السلوكية لمن تربواعلى القيم الدينية والاسلامية، بمعنى ان الشخص الذي عاش في مجتمع تسود فيه القيم الدينية السامية، ومع ذلك فانه يقترف المعاصي، فان هذا يعد شذوذا سلوكيا عن القيم الاجتماعية السائدة. وقد ذهب الدكتور البستاني الى ان الشخصية المؤمنة بوجود المبدع اذا التزمت بمبادى السماء فهي «سوية»، واذا لم تلتزم فهي مريضة((272)).

وهذا التعريف يتوافق مع ما طرحناه، الا ان الاختلاف هو في اننا نشترط الخروج عن السوية بوجود التربية والتعليم على المبادى ء الالهية، فيعد الخروج عليها شذوذا، اما اذا كان مجرد اعتراف بالمبدع فلا يكفي في خروج الشخصية عن السوية.

ويدخل في المعصية، في اطارها النفسي لا الشرعي، ما يدور في النفس البشرية من الخلجات النفسية او الفكرية،كالحيرة بين ارضاء امر الله، او امر المجتمع، او التفكير في «اثنينية» الخالق وذاته. وذلك اننا نفترض ان الاتجاه الطبيعي للنفس الانسانية هو في ارضاء الله، وذلك اما من باب شكر المنعم الخالق باتباع اوامره او لدفع الضرر المحتمل عن دخول النار. اذ نلاحظ، من خلال الاية الشريفة، (وتخشى الناس والله احق ان تخشاه)، ان الله، سبحانه وتعالى، اولى بالطاعة والخشية من الناس، وهذه الاحقية هي احقية عقلية، اما في الرد على «اثنينية» الخالق فيقول سبحانه وتعالى: (لوكان فيهما آلهة الا الله لفسدتا)، وهذا دليل عقلي ايضا على ان البرهان والعقل الصحيح سيتوصلان الى وحدانية الخالق.

السلوك البشري

يقسم السلوك البشري الى قسمين: 1. سلوك سوي. 2. سلوك شاذ. وقبل ان نتحدث عن كل منهما لا بد من الاجابة عن السؤال الاتي: ما هو السلوك؟

في الاجابة عن هذا السؤال نقول: السلوك هو التصرف الذي يقوم به الفرد في ظروف محيطه البيئية والاجتماعية، في شكلها العام، انطلاقا من حالة نفسية داخلية جعلت الانسان يتصرف ذلك التصرف.

السلوك : تصرف خارجي + التركيبة النفسية + الظرف (المحيط)

ونجد، في معادلة السلوك هذه، مزجا بين ثلاثة عناصر نجدها في المعادلة تحدد معنى السلوك السوي والشاذ، اي السلوك الذي تعد فيه النفس البشرية سوية او شاذة.

قبل الاسترسال اكثر في الموضوع، نتوقف لنتعرف الى معنى السلوك السوي ومعنى السلوك الشاذ((273)).

السلوك الشاذ

هناك عدة نظريات مطروحة يستند الباحثون اليها في تحديد معيار السلوك الشاذ.

النظرية الاولى - الاتجاه الذاتي في تحديد الشذوذ: ويتبنى هذا المعيار الدكتوران موس (ثثتت ) وهانت (ژذس ب ) في كتابهما: «اسس علم الشذوذ النفسي»، وهي تنطلق من الاحكام التي نصدرها على الناس بكونهم سويين او شاذين، بعداستعراض ظروفهم وتصرفاتهم ومقايستها مع افكارنا وتصوراتنا الذاتية، فالسوي هو من يتلاءم سلوكه مع رغائبناالشخصية، والشاذ هو المعاكس لها.

النظرية الثانية - الاتجاه الطبيعي في تحديد الشذوذ: وتنطلق من ان الطبيعة تملك الكمال، فما ناسب الطبيعة بنظامهاالشامل يعد سويا وما خالفها يعد شاذا، فالطبيعة الانسانية بشكلها العام هي التي تحدد السلوك. فالطفل يبدا الاكل بعدعدة اشهر من ولادته، ولكن حينما نرى ان طفلا بدا ياكل في اسبوعه الاول فنعده شاذا عن الحالة الطبيعية، وما ورد في معجزة المسيح عيسى بن مريم عن كلامه، وهو في المهد، هو احدى الحالات المخالفة للطبيعة البشرية.

النظرية الثالثة - الاتجاه الاجتماعي في تحديد الشذوذ: وينادي بهذه النظرية علماء الاجتماع، فالمجتمع، بما يضم من تقاليد وعادات وافكار وقيم هو المعيار، فما وافق هذه المفاهيم الاجتماعية التي يصطلح عليها علماء الانثروبولوجياب «الثقافة» هو سوي، اي ان السوي هو الذي يكون متوافقا معها. وهذه النظرية اكثر مرونة في تحديد السلوك الشاذخارج الاطار الاجتماعي، فما كان في مجتمع ضمن ثقافته سويا قد يعد في مجتمع آخر مختلف عنه في بعض عناصرالثقافة، شاذا.

النظرية الرابعة - الاتجاه الاحصائي في تحديد الشذوذ: وتنطلق من اعتبار ان المعدل المتوسط هو السوي؛ اذ ان متوسط الناس يشكلون الاستواء والاعتدال، والتطرف في الخارج عن اطار المعدل المتوسط، وهو يعد شاذا، الا ان هذاالمذهب الاحصائي يمزج بين النادر والشاذ، فالمبدعون والاذكياء يعدون في القلة، عند ملاحظة متوسط الرسم البياني، في حين يعد غالب الناس الذين يسعون الى الملذات اسوياء.

النظرية الخامسة - الاتجاه النفسي الموضوعي في تحديد الشذوذ: وتنطلق من العمق النفسي المتمثل في ان السلوك اذا كان مختلفا عن المالوف، نظرا لوجود اضطراب في الوظيفة، هو شاذ، وقد يكون من باب تقريب المثال، حينما تمرعلى فقير محتاج الى مساعدة، فان كان تقديم المساعدة من باب الشفقة والاعانة، حيث تحركت نفسك الى ذلك، فانهاتعد سوية، واذا كانت رياء عدت شاذة، لوجود اضطراب نفسي في انطلاقة السلوك، فالنظرية توسعت اكثر، حيث مزجت بين النظرية الاحصائية في الحكم على الغالبية مع مقارنة الحالة النفسية التي تحركها من دوافع واغراض.فالمجال الاحصائي يرى ان الغالبية هي السوية، والقليلة هي المضطربة الشاذة التي تعد خارجة عن نطاق الغالبية،واضافت هذه النظرية الى ذلك دافع العمل ايضا.

فالنظريات تدور بين ان يكون معيار الشذوذ: 1) ذات الانسان 2) المجتمع 3) الطبيعة 4) المتوسط الاحصائي 5)الاضطراب النفسي الداخلي مع اضافة المتوسط الاحصائي.