الصفحة التالية

الصفحة السابقة

التصور الاسلامي

اما التصور الاسلامي فيضع المخالفة الخارجية للامر الالهي معصية، سواء كانت بترك الواجب ام بفعل المحرم، مع اضافة الدافع الداخلي، كما في الرياء الذي يعد ممقوتا عند المشرع الاسلامي، بل يعده عملا محرما. ونرى هنا، ايضا،ان مخالفة بعض العادات الاجتماعية المتسالم عليها اجتماعيا، كالنوع المختلف عن المعتاد من اللباس، اذا كان ممايجعل الانسان شاذا بين الاخرين، عمل محرم، ويطلق عليه لباس الشهرة الا انه في الوقت نفسه يربط النهج الاسلامي العام بالفطرة (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، بمعنى انه يضع النهج الانساني العام في موضع الاتزان، وهو مظهراسلامي ايضا.

ولنستعرض بعض النصوص الاسلامية لتعضيد النظرية المعروضة، فعن امير المؤمنين(ع)، في احدى خطبه: «ما كل ذي قلب بلبيب، ولا كل ذي سمع بسميع، ولا كل ناظر ببصير، فيا عجبا ومالي لا اعجب، من خطا هذه الفرقة على اختلاف حججها في دينها، الا يقتفون اثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب!؟ يعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات، المعروف عندهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما انكروا، مفزعهم في المعضلات الى انفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كان كل امرى منهم امام نفسه، قد اخذ منها في ما يرى بعرى ثقات واسباب محكمة»((274)).

وفي نص آخر: «انتفعوا ببيان الله، واتعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله، فان الله قد اعذر اليكم بالجاهلية، واتخذعليكم الحجة، وبين لكم محابه من الاعمال ومكارهه منها، لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه، فان رسول الله(ص) كان يقول: ان الجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات، فرحم الله امرا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فان هذه النفس ابعدشي ء فزعا، وانها لا تزال تنزع الى معصية في هوى»((275)).

ونرى، من خلال هذين النصين، ما ياتي:

1. ان الخطا هو في مخالفة الامر السماوي، ونرى هذا جليا في قوله: «من خطا هذه الفرقة، على اختلاف حججها في دينها، الا يقتفون اثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي...».

2. ان المعصية مرتبطة بالشهوات: «يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات» ونقل(ع) قول النبي(ص): «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات».

3. ليست الغالبية بمعيار للصحة: «من خطا هذه الفرقة على اختلاف حججها في دينها».

4. ليست القيم الاجتماعية السائدة هي المعيار، ونراه ذلك جليا في قوله: «المعروف عندهم ما عرفوا والمنكر عندهم ماانكروا».

5. وليست الذاتية (اي التصور الذاتي) هي المعيار في الصحة ايضا: «المعروف ما عرفوا والمنكر ما انكروا»؛ اذ ان الحق هو ما صدر على لسان نبيه او وصيه، وهناك تتحرك الذاتيات في تحقيق الحق ونكران الباطل، كان كل انسان يصدر من نفسه.

6. ليست القدرات الانسانية دليلا على كون الانسان متصفا بها: «ما كل ذي قلب بلبيب...».

التصور الاسلامي، اذا، وكما يتبين من خلال هذين النصين، لا يضع المعايير الذاتية مصدرا للسلوك السوي، ولا الغالبية مصدرا للسلوك السوي، ايضا. وهذا ما تؤيده مصادر قرآنية، فالغالبية، كما ورد في غير آية، قد تكون ممن «لا يعلمون» او«لا يعقلون»، كما في قوله تعالى: (ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) ، (ولئن سالتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله، قل الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون)، (ولئن سالتهم من نزل من السماء ماء فاحيا به الارض بعد موتهاليقولن الله، قل الحمد لله بل اكثرهم لا يعقلون). والمروي عن امير المؤمنين(ع) قوله: «الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع...»؛ اذ عبر بالمفرد للعالم والمتعلم، ولكنه عبر بالجمع عن الهمج اشارة الى الكثرة.

فالدين الاسلامي يضع الامر الصادر من الله هو المعيار في الصحة والخطا، اي في السوية والشذوذ. ومع ذلك فان لديناامرين نحتاج الى معالجتهما، وهما:

1. موضوع اجماع الفرقة، او المشهور بينها، او ما اتفقت عليه آراء الناس، كما روي عن رسول الله(ص): «لا تجتمع امتي على خطا»، او عن الائمة(ع)، اي ان الاجماع عند الشيعة الامامية لا يعد مصدرا من مصادر التشريع الا اذا كان كاشفا عن راي المعصوم فتكون له الحجية. ونقل السيد الصدر (قده)، في مبحث حجية الاجماع، ان المصادر السنية تتفق على حجية الاجماع، وترى ان في المشهور: «امتي لا تجتمع على ضلالة». وقد نقل هذا الحديث بصيغتين: الاولى ما نقله ابن ماجه((276)) عن ابي خلف الاعمى، قال: سمعت انس بن مالك يقول: سمعت رسول الله(ص) يقول: «ان امتي لا تجتمع على ضلالة، فاذا رايتم اختلافا فعليكم بالسواد الاعظم». والثانية ما نقله شريح عن ابي مالك الاشعري، قال: قال رسول الله(ص): «ان الله اراكم من ثلاث خلال: ان لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا، وان لا تجتمعوا على ضلالة»((277)). ويستدلون بهذا الحديث على حجية الاجماع بوصفه شهادة من النبي(ص) بعصمة مجموع الامة.

ثم علق السيد الصدر (قده) بقوله: «وقد يناقش، في هذا الاستدلال، بان غاية ما يثبت بهذا المضمون حجية المجموع،وهذا امر صحيح مسلم عندنا، ايضا، لوجود المعصوم ضمن المجموع، وهو الامام(ع) الموجود في كل زمان، فليس في الحديث، على تقدير صدوره، دلالة على اكثر من وجود المعصوم في الامة»((278)).

وجاء، في مرفوعة زرارة، قال: سالت الباقر(ع)، فقلت: جعلت فداك ياتي عنكم الخبران، او الحديثان المتعارضان،فبايهما آخذ، فقال(ع): «يا زرارة، خذ بما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر...»((279)).

2. موضوع ارتباط العمل بالنية: «انما الاعمال بالنيات، ولكل امرى ما نوى»، وقوله(ص): «لا حب الا بالتواضع، ولا كرم الابالتقوى، ولا عمل الا بنية»((280)) اذ ان السلوك الخارجي ما لم يرتبط بالقلب فلا قيمة له. وتكون مسالة الاجماع خارجة عن اطار التعارض. فهي خارجة، اولا، في انه ما معنى ان اكثر الناس لا يعلمون او لا يعقلون، ثم يكونون مصدرا للتشريع،او، ايضا، خارجة، من ناحية اخرى، في ان المخالفة للامر الالهي هي في مخالفة القرآن والسنة فقط.

ولنوضح هاتين المسالتين لمساسهما المباشر بالموضوع، ثم نناقشهما:

الاولى: قد صدر عن الائمة(ع)، في باب الترجيح بين الروايات المتعارضة، اذ ان السائل كان يسال الامام عن تقديم احدالراويين على الاخر: «... قلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الاخر، قال: ينظر الى ماكان من روايتهم عنا في ذلك الذي به حكمنا المجمع عليه من اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه، وانما الامور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، وامر بين غيه فيجتنب،وامر يرد علمه الى الله ورسوله...».
فنجد ان النص يشير الى ان المجمع عليه بين الاصحاب هو مما لا ريب فيه، وقوله ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور.

الثانية: ان النص الوارد في ان الاعمال بالنيات((281)) يؤيد النظرية الخامسة المطروحة في كون الاضطراب هو امرداخلي، كما تذهب اليه تلك النظرية.

ونلاحظ هذا جليا في صحيحة اسحاق بن عمار ويونس، قالا: «سالنا ابا عبدالله(ع) عن قول الله عز وجل: (خذوا ماآتيناكم بقوة)، اقوة في الابدان ام قوة في القلب؟ قال: فيهما جميعا».

وفي رواية اخرى لزيد الشحام قال: قلت لابي عبدالله(ع): اني سمعتك تقول: نية المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خيرا من العمل؟ قال: «لان العمل ربما كان رياء للمخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي، عز وجل، على النية ما لا يعطي على العمل»((282)).

وهذان الامران: الشهرة والنية محل مناقشة

ويرد عليهما بان الرواية الواردة عن الائمة(ع) هي في باب الترجيح بين الروايتين المتعارضتين الواردتين عن الائمة،فباب المرجحات يبدا بالاخذ بالاحدث((283))، ثم الاخذ بالصفات، ثم الاخذ بالشهرة، ثم الاخذ بموافقة الكتاب.وليست الرواية في صدد وضع معيار الصحة والخطا مقارنة للمشهور وعدمه، بمعنى آخر: ان هناك روايتين، او راويين قد نقلا عن الائمة(ع)، وهما متعارضان، فكيف نحل الاشكال وبايهما يؤخذ، وبخاصة ان بعض الروايات قد صدرت تقية؟ فاجابه الامام(ع) بالتسلسل، كما راينا، في رفع التعارض وترجيح احدهما على الاخر. فالعلم الاجمالي بصحة احدهما قد انحل الى تقديم احدهما على الاخر، كما نراه في رواية الكافي في الاخذ بالاخير، اي ما صدرحديثا((284)).

الا ان هناك امرا آخر، وهو باب: «لا تجتمع امتي على خطا»، او «من فارق الجماعة، ومات، فميتته جاهلية»، الى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب. والمسالة هنا محل اشكال في مداليلها، فضلا عن التشكيك في صحتها، الا اذا كان الاجماع المفترض هنا في باب المصدر الرابع من مصادر التشريع التي هي «القرآن والسنة والعقل والاجماع»، فالاجماع المفترض هنا هو مصدر من مصادر التشريع، وهو في طرح حكم شرعي لا في تحديد صحة العمل وخطئه حتى يفترض ان الاجماع مصدر من مصادر تحديد معيار السوية والشذوذ.

وبتوضيح اكثر، فان هناك اختلافا في كيفية اعتبار الاجماع مصدرا للتشريع، فالسنة يرون الاجماع مصدرا من مصادرالتشريع في مقابل الكتاب والسنة، اما اصوليو الشيعة فانهم لا يعدونه دليلا مستقلا، الا اذا كان كاشفا عن قول المعصوم((285)) فيكون من مصادر السنة المتواترة، ولا يكون مصدرا مستقلا.

والامر الثاني، في دخول النيات في صحة العمل، هو من الامور المتفق عليها، وهذا داخل في باب الثواب والعقاب الالهيين، ويدخل معه باب الرياء ايضا؛ اذ يعد الرياء احد انواع الشرك((286)) ومع هذا فان الاسلام، في اطروحاته الكثيرة، يعامل الناس بظاهرهم من دون التركيز على بواطنهم، واعتقد ان هذا متعلق بنحوين من التصرف، فالامرالمتعلق بالافعال الخارجية، في تقييم الناس يتعامل معها بالظاهر. اما الثواب والعقاب فيتعلقان بصحة العمل الذي يعدخلوص النية لله جزءا منه. والمعصية، اذا، منها ما هو ظاهر، وهذا يمكن معرفته؛ اذ ان الحكم الشرعي المتعلق بالظاهرهو المعيار في كون هذا المكلف يعمل بخلاف الامر الشرعي ام لا، ومنها ما هو باطن لا يعلمه الا الله تعالى، وهذا يعتمدعلى اضطراب الشخصية، وهنا يمكننا طرح نظرية سادسة((287)) تتمثل بالمزج بين النظرية الخامسة وتحديد المعيارالاسلامي، فنفترض ان الاضطراب هو المعيار لمرض الشخص (شذوذه) بمخالفة الحكم الالهي من اوامر ونواه، وهي النظرية التي يمكن افتراضها قريبة من النظرية الاسلامية. فكلما كانت النفس الانسانية مطيعة للامر الالهي، ظاهرا وباطنا، وكلما كانت تمثل طلب الشرع الالهي، سواء كانت بقبول الناس ام لا، هي سوية، ونرى بعض المؤشرات الدالة على ذلك، منها ما روي عن امير المؤمنين(ع) انه قال: «لا تزيدني كثرة الناس حولي عزا، ولا تفرقهم عني ذلا»، وهذا اعلى مستويات الاطمئنان النفسي امام المصاعب النفسية.

دوافع الطاعة والمعصية

يشمل البحث، في هذه القضية، ثلاث مسائل نتحدث عن كل واحدة منها لتوضيح الفكرة بشكل اكبر، وهي:
1. نظريات الدوافع،
2. الصراع بين الدوافع،
3. دوافع الطاعة والمعصية.

اولا - نظريات الدوافع
هناك عدة نظريات في تحليل الدوافع، وهي((288))

(الف) - نظرية الغرائز
ويتبناها «مكدوغل»، وتنطلق من كون الغريزة هي المحرك لسلوك الانسان، والغريزة عبارة عن استعداد فطري لا يحتاج الى تعلم، يدفع الكائن الحي الى القيام بسلوك خاص في موقف معين، وقد وضع مكدوغل 14 غريزة، اضاف اليهاغرائز اخرى، ومن اهمها غريزة المقاتلة، البحث عن الطعام، التملك، الجنس، الابوة، الراحة، النوم. ...

وقد كان مكدوغل يعبر عن هذه الغرائز بالغرائز الفطرية. الا ان هذه النظرية لقيت بعض النقد، ومن اهم ما وجه اليها من نقد نذكر:

1. تنافي اتجاه الغرائز الفطرية مع الاتجاه العلمي للبحث، وكونها خارجة عن اطار السيطرة والتحكم، اذ ان الغريزة من الامور الانفعالية.

2. التشكيك في عدد الغرائز المطروحة (بين 14 و36) ويصل العدد، في راي وليم جيمس، الى مئة غريزة.

3. يرى علماء الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع ان الاختلاف، في سلوك الانسان، يعود الى الاختلاف في الثقافة بين مجتمع وآخر، فتنتفي بعض الغرائز عند بعض المجتمعات، كغريزة المقاتلة، مثلا، اذ ان بعض المجتمعات، كالهنودالحمر، في كندا، يتنازلون عن الممتلكات تعبيرا عن الفوز بالمعركة، كان تحدي الانسان لدافع التملك دليل على الفوز.
الا ان هذه الانتقادات في الحقيقة لا ترقى الى مستوى دحض النظرية بكاملها؛ اذ ان كون الغريزة خارجة عن اطارالبحث والتدقيق العلمي، لا ينفي وجودها، فضلا عن ان الاختلاف في عددها لا ينفي ايضا وجودها؛ اذ قد يكون هناك اختلاف في بعض الغرائز، ولكن هناك اتفاق على بعضها من دون اشكال، كغريزة الاكل والجنس وحب الاستطلاع والتملك، بل والشعور بها وجدانا.

(ب) نظرية مدرسة التحليل النفسي
وزعيم هذه المدرسة هو «فرويد»، وقد عرف فرويد الغريزة بانها تعبير عن قوة نفسية راسخة تصدر من صميم الكائن العضوي، وتنبع اصلا من حاجات البدن، بما يجري في الجسم من حاجات فيزيولوجية؛ اذ ان هذه الحاجات تثير توترانفسيا، فاما ان تلبى فينخفض التوتر، او تبقى، وتتحول الى اللاشعور، وتغدو حالة من الحالات، كالكبت والاحباط.

وطرح فرويد نظريتين للغرائز:

1. نظرية التعارض بين الغرائز الجنسية وغرائز الانا، فالاشباع الجنسي يعارضه القلق والاثم والمثل الخلقية والجمالية للانا، ومن ثم فان القوى المعارضة للنزعات الجنسية، وهي القوى التي تعمل على ضبط الانا، تسمى «غرائز الانا». واذاتفوقت غرائز الانا على النزعات الجنسية فانها تقوم بكبت هذه النزعات((289)).
2. نظرية التمييز بين غرائز الحياة وغرائز الموت، فالاولى تهدف الى بقاء الكائن الحي والاخرى على خلافها.

وقد قسم فرويد الجهاز النفسي الى ثلاثة اقسام هي: الانا والهو والانا الاعلى، فالهو يحتوي على الفطري والموروثات والغرائز بشكلها العام، بما تحمل من رغبات وميول. والانا يقوم بالتوفيق بين مطالب الهو والواقع، فيشبع الرغبات والميول في بعض الحالات ويؤجلها الى حالات اخرى، والانا الاعلى يمثل الجهاز الذي يكتسبه الطفل خلال حياته فيسمح باشباع بعضها وتاجيل الاخرى.

الا ان فرويد وضع جوهر نظريته تحت فرضيتين هما: «اللبيدو»، وهو المراحل الاولى للطفل، و«عقدة اوديب»، وهي المرحلة الثانية. الا ان هذه النظرية لقيت بعض الانتقادات، ومن اهمها:

1. انطلاقها من كون «اللبيدو» هو المحرك الاصلي للسلوك، وهي في ذاتها غير خاضعة للبحث او التجريب.
2. الصراع الذي تعيشه النفس الانسانية بين الهو والانا غير خاضع للملاحظة العلمية.
3. انطلق فرويد، في نظريته، من دراسة مرضاه، في مدينة «فيينا»، وجميعهم كانوا من الطبقة المتوسطة، ما يعني محدودية الاطار الواقعي لانطلاقة النظرية. الا ان هذه الانتقادات لا تخلو من ضعف، فعدم امكانية رؤية الصورة الواضحة للبيدو او اللاشعور او حالة الصراع، لا ينفي حقيقة ما تلاقيه النفس، وجدانا، او ما يمكن اثباته من خلال العناصر الخارجية الدالة على تلك الحالة، ومع ذلك فان ترتيبه مراحل تكون اللبيدو، او عقدة اوديب، خال من الربط المنطقي.

(ج) النظرية السلوكية
وهي، في حقيقتها، ردود فعل على مدرسة التحليل النفسي التي طرحها فرويد. وصاحب هذه النظرية هو «واطسون» (
Watson). انطلقت المدرسة السلوكية من دراسة المثير والاستجابة وتكون العادة، ويرى واطسن ان السلوك والشعورمتناقضان. وفتح «ثورنديك» باب دراسة سلوك الحيوان للتعرف الى بعض سلوك الانسان كوجود الحاجز بين الحيوان والطعام ومحاولات الحيوان الوصول الى الاكل بعدة طرق، ولكن هذه المحاولات تقل في المحاولات التالية نظرا لتكررالعادة.

وقد تطورت المدرسة السلوكية على يد «واطسن» الذي استفاد من ابحاث «بافلوف» و«بختريف» في الفعل المنعكس الشرطي، فالخوف والغضب والحب هي نماذج لانفعالات اصلية، ولكل واحد منها مثيره المرتبط به اصلا، ولكن حينماتقترن تلك المثيرات بمثيرات اخرى شرطية فان المثير الشرطي يمكن ان يحل محل المثير الاصلي.

وقد طور «كلارك هل» النظرية السلوكية بشكل كبير، واعتمد على نظريات «بافلوف» في الاقتران الشرطي، وعد المنعكس الشرطي الوحدة السلوكية البسيطة((290)).

والنظرية السلوكية متاثرة اساسا بنظرية نيوتن، ما ادى الى تسميتها ب «النظرية الذرية» (Atomic Theory وهي قريبة، في تحليلها السلوك بالفعل ورد الفعل، من الشكل الميكانيكي، فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار، ومختلف عنه في الاتجاه.

وقد انتقدت النظرية السلوكية من منطلق المقارنة بالنظرية الميكانيكية نفسه (نيوتن)، فهي تنطلق، في تحليل السلوك، من المثيرات والاستجابات من دون الاهتمام بجانب الادراك في تفسير السلوك((291)). وننقل هنا ما نقله د. مصطفى فهمي عن الدكتور نجيب اسكندر في نقد النظرية السلوكية.

ويتضح، من كل ما سبق، ان الاتجاه التحليلي الجزئي الميكانيكي عند «هل» يظهر بوضوح في اصراره على التمسك بمبدا التدعيم باعتباره الاساس الوحيد للتعلم، وهو مبدا يؤدي الى البحث عن الدقائق المادية للظاهرة، والى اغفال المجال الكلي التي تحدث فيه((292)).

وما يؤخذ على هذه النظرية من انها ميكانيكية في تصور المثير والاستجابة، او انها قريبة من العناصر المادية في تصورالظاهرة، غير كاف لردها، فالنظرية انما ترد اذا كانت قاصرة عن ربط المثيرات بالاستجابات، بحيث تعد غير مترابطة في تحليل العناصر المختلفة من مثير واستجابة وكيان نفسي داخلي، ولذا فان نقدها من حيث عدم اهتمامها بجانب الادراك قد يعد من الانتقادات المثيرة.

(د) نظرية الاستقلال الوظيفي
صاحب هذه النظرية الباحث «غوردن البورت»، وتنطلق من ان الميول والاتجاهات الاولية (الفطرية) تكون العنصرالاساسي للسلوك الاول، وهو يمهد الى تكون حاجات وميول اخرى تكون السلوك الثاني. وهكذا فالانسان يتولد عنده السلوك كلما اصبح في سلوك معين. وما يؤخذ عليها هو عدم ثبات سلوك الانسان، فهو في تحرك مستمر ويصعب رصده، بالاضافة الى ان الملاحظ في الخارج هو ثبات كثير من مظاهر السلوك عند الناس كصفات الكرم والشجاعة والحلم التي تعد ثابتة، الا ان بعض التصرفات الخارجية المرتبطة بها قد تتغير، فقد ترى فقيرا فتعطيه كذا ريالا، وتراه في يوم آخر، فتعطيه اكثر او اقل، فهذا لا يرتبط بحالة الكرم، وانما يتعلق بشكل كبير بالحالة النفسية في تقييم الشخص المقابل.

(ه) نظرية ديناميكية السلوك
تعتمد هذه النظرية على العلاقة بين السلوك والمجال النفسي، ومحورها هو اللاشعور وما يسببه من حالة توتر تحرك الفرد نحو الهدف، فيضاعف مجهوده او يبدل الغرض الاصلي او يشعر بالاحباط، وتنتج عن ذلك كله حالات الاعتداءاو النكوص او الكبت او الاسقاط، او التفكير الاجتراري، او التقمص.

فالمجال النفسي للانسان يتمثل في شبكة من الاتجاهات والمواقف، ما يجعل حاجات الفرد ومطالبه عبارة عن قوى واضحة بانماط مختلفة من السلوك.

وخلاصة النظرية، بشكل ادق، هي العلاقة بين القوة الدافعة والغاية التي تتجه اليها هذه القوة، وهو ما يعبر عنه بديناميكية السلوك((293)). ويبدو ان هذه النظرية، على قوة طرحها، ليست متداولة بشكل كبير، وقد يكون سبب ذلك هو عدم وجود دراسات واسعة وتطبيقية عنها، ما يجعلها محدودة في الاطار النظري اكثر منها في الاطار العملي، وربمايكون هناك سبب آخر، هو عدم ظهور مستوى عال من المتحمسين لها لترويجها اكثر.

ثانيا - محاولة تكوين النظرية الاسلامية
بالرغم من صعوبة طرح نظرية تمثل وجهة النظر الاسلامية الى الدوافع الانسانية الا اننا سنحاول التعرف الى ما هومطروح على الساحة الاسلامية على ايدي المتخصصين، ومن ثم التعليق عليه.

النظرية الاولى
وهي النظرية التي طرحها الدكتور محمد البستاني((294)) وهي ان النشاط الاولي ينطلق من مبدا البحث عن اللذة واجتناب الالم. وطرفا التجاذب هما الشهوة والعقل، او الذات والموضوع. وتمثل الشهوة الاشباع المطلق والاخرالاشباع المقيد بالضوابط المقررة. ويوازن هذا الاصل النفسي اصل عقلي قائم على قدرة التمييز بين نمطي الاشباع المذكورين، وهما الهام الفجور والتقوى، وهو مجسد بثنائية طاقة متوازنة، لا هيمنة لاحدهما على الاخر الا من خلال الطريقة التي يختارها الكائن، الا وهي طريقة بحثه عن الاشباع.

وقد انطلق الدكتور البستاني، في نظريته، من مصدرين اسلاميين: اولهما قول الامام علي(ع): «ان الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم»((295)).

فهذه الكلمة تعكس التكوين الفطري للطبيعة البشرية. والمصدر الاخر هو قوله تعالى: (ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها)، اي ان الهام الفجور والتقوى يعنيان الادراك لمبادى الشهوة والعقل. وبذلك تجتمع ثنائية التركيبة النفسية البشرية، وتتمثل في عنصري الادراك والوجدان، في صياغة اللذة والالم.

ويمكن ان نسجل على هذه النظرية الم آخذ الاتية:

1. ان قول الامام علي(ع) المذكور هو في تحليل التركيبة النفسية من الشهوة والعقل، فالشهوة تمثل الحاجة الحيوانية من شهوة البطن والفرج، والعقل يمثل قمة الاتزان التكاملي للنفس، وبخاصة بقرينة المقابلة الملاحظة في الرواية، بين البهائم، وهي الاشباع من دون مراعاة للوسيلة، والملائكة، وهي عدم وجود الحاجة المادية اصلا، ولكن هناك القوة العقلية التي تسعى الى الموازنة بوصفها حالة اولى، والى الكمال التكويني عبر طاعة الله وعبادته بوصفها حالة ثانية.
فالانسان، بما يملك من هاتين القوتين: الشهوة والعقل، يتحرك الى اشباع حاجاته الحيوانية، وتمثل الشهوة المحرك لذلك. اما العقل فهو العامل الموازن بين تلك الحاجات وبين المعوقات الموجودة امامها ومقدار قدرة الكبح، فبسلطة العقل تتبلور شخصية الانسان وتظهر نمط سلوك في شخصيته. وهذان الامران لا علاقة لهما مباشرة باللذة والالم حتى يمكننا تصيد النظرية الاسلامية منهما.
فالشهوة، بما تمثله من حب لاشباع البطن والفرج، تحتاج الى محرك، فقد يكون المحرك هو الجوع، وقد يكون العادة،فالمعتاد على الغذاء في وقت محدد، فانه ياكل حتى لو لم يكن محتاجا الى الاكل، ولذا فان الماثور عن النبي(ص):«نحن قوم لا ناكل حتى نجوع، واذا اكلنا لا نشبع»، هو مما يشير الى ان الاكل ينبغي ان يكون لحاجة، ومفهومه اننا لا نريدان نتعود على الاكل حتى مع عدم الجوع، واذا اكلنا لا نشبع، اي اننا لا نتعود على الاكل حتى التخمة. والمفهوم من الحديث النبوي ان الانسان قد يتعود على تلك الحالة من دون ان يكون مرتبطا بالحاجة نفسها. وملخص هذه النقطة ان المصدر الشرعي للنظرية اجنبي عن النظرية نفسها.

2. ان اللذة والالم هما من الاحوال الانفعالية، وليسا من الاحوال الفاعلية حتى يفترض انهما يمثلان دافعا للنشاط الانساني. بمعنى آخر: ان اللذة هي ادراك الملائم، وهو الاحساس بان هذا الفعل ينشى حالة من الشعور باللذة(السعادة)، وهذا الفعل ينشى ء حالة من الشعور بالالم (الشقاء). وان افترض ان الانسان يبتعد عن الالم لما يسببه من توتر نفسي يحتاج معه الى رفعه بوساطة عمل ما، ولكن هذا الانفعال يسبب حالة الالم الفعلية ما يدفع جهاز العقل الى رفعه كليا او رفع بعضه او تحمله لوجود غاية افضل، فان مواجهة شخص اعتدى عليك تضعك امام عدة انفعالات، فاماان ترده بكامل قدراتك وهو رفع حالة التوتر مطلقا، او رفع بعضه بالثار لنفسك ببعض القول والنصح، او تركه مطلقاوتحمل تلك الالام من اجل امر افضل، وهو المحافظة على مهابة شخصك، او اي امر آخر تراه حسب انفعالاتك الذاتية من دوافع شهوية (عاطفية) او عقلية، او قد يكون امرا نفسيا آخر، وهو الخوف من اعتداءاته اللاحقة.

3. هناك نظريتان تنقضان نظرية اللذة والالم المطلقين، والقائلة: انهما محرك السلوك، اولاهما نظرية «سرحي» و«ندت»و«ريبو»، فالاول ذهب الى حيادية اللذة والالم، اي انه توجد في النفس حالة لا لذة ولا الم فيها((296)) والثاني استخدم الرسم البياني، وبين ان ما كان فوق الخط هو ايجابي، اي لذة، وما كان تحته هو سلبي، اي الم، وما وقع على الخط ليس لذة ولا الما. والثالث ضرب مثلا على الحالة الحيادية، وهو عندما يدخل الانسان الى البيت، ويرى اثاثه على حالته السابقة، فعند ذلك لا تولد عنده لذة ولا الم. وثانيتهما هي نظرية تحول اللذة الى الالم والعكس. وقد اوضح افلاطون في كتابه «الفدون» حالة الانسان في التعاقب بين اللذة والالم، وكان الانسان لا يصل الى اللذة المطلقة او الالم المطلق، ففي كل حالة الم هناك نسبة من اللذة وبالعكس، بل قد يكون هناك الم نفسي، ولكن معه لذة جسمية وبالعكس.

4. ان منطوق الاية، في معنى «الهمها»، هو المعنى المتصور نفسه في الرواية؛ اذ ان معنى الالهام هو استعدادها لقبول الفجور والتقوى على حد سواء، بمعنى آخر: ان الانسان يستطيع ان يكون تقيا وان يكون فاجرا. نعم قد تكون بمعنى ان النفس تعرف بالطريق الفطري المعاني المؤدية الى التقوى والمعاني المؤدية الى الفجور، وهو معنى الادراك الذي ذكره د.

بستاني الا انه يمكن التوصل اليه بافتراض عدم معقولية الالهام من دون الادراك. وهو مما لا برهان عليه؛ اذ ان الحيوان يتحرك بطريق الالهام كنسج العنكبوت لخيوطه من دون ان يدرك غايتها او سبيلها. فالالهام يمكن فصله عن الادراك. ومع افتراض ارتباط الالهام بالادراك، فالنظرية غير تامة لانثلام احد عنصريها السابقين.

النظرية الثانية
وهي التي طرحها الدكتور نبيل محمد توفيق السمالوطي((297)) وقد قسم الدوافع الى نوعين: 1. الدوافع الانسانية المادية الشهوية والروحية السامية. 2. الدوافع الفطرية وهي الامكانات والاستعدادات.

ثم هناك دوافع اخرى، وهي على قسمين ايضا: دوافع لا شعورية، وهي التي لا يشعر بها الانسان، وهي تفيد تشخيص الكثير من حالات عدم الاستواء النفسي كالقلق والاكتئاب، ودوافع شعورية وهي دوافع تنبه الانسان اليها. ثم قسمها الى دوافع لازمة لاستمرار الانسان، وهي دوافع الاكل والجنس والملكية والابوة، مستندا الى قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون)، وخلق الدوافع المنظمة لممارستها كقوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) وقوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم).

الا ان د. السمالوطي، في الحقيقة، لم يوفق الى طرح نظرية اسلامية في الدوافع؛ وذلك لامرين:

1. ان تقسيمه للشعورية واللاشعورية هو تقسيم لا يعتمد على مصادر اسلامية. وان كانت بعض المصادر الاسلامية تشيرالى ذلك، الا انها ليست المصادر التي اعتمد عليها في هذا الطرح حتى يمكن نسبة النظرية الى الوجهة الاسلامية. وماذكره من تقسيمات هو من باب الدراسة العلمية البحتة المستندة الى نظرية فرويد في التحليل النفسي، وقد قال: «ويجب ان نشير هنا الى ان قبول فكرة الدوافع اللاشعورية لا يعني قبول نظرية التحليل النفسي باكملها».

2. ان الامر بالاعتدال، في الاكل والشرب، لا علاقة له بالدوافع؛ اذ ان هذه الاوامر هي لتعديل سلوك الممارسة الانسانية حين المبالغة في الاكل والشرب، وتتمثل بالامر بالاتزان وبعدم الاسراف. وكما يبدو فان الشاهد الثاني: في الجنس يفيدعكس ما ذهب اليه، فقد ذكرت الاية (انى شئتم)، وسواء كانت «انى» على نحو الظرف المكاني ام الزماني، فقد اطلقت ممارسة الجنس مع الزوجة من القيود.

النظرية الثالثة
وهي نظرية دافع الكمال، وتعني ان الانسان يملك الدوافع الاساسية للمحافظة على بقاء كيانه الحيواني، اي جسمه:البقاء بالاكل والشرب، وعلى كيانه الحيواني النوعي: الاستمرار بالجنس، وهذا هو البقاء الايجابي، كما انه يملك الدوافع الاساسية للمحافظة عليه بامتلاك القدرة على الدفاع عنه، وهذا هو البقاء بطريقة السلب. ثم ياتي جهاز القيم الاجتماعية، ويقف خطا معوقا في بعض الاحيان او موافقا في احيان اخرى، وللموازنة بين تلك الدوافع بالتاثير على هذه او تلك تقف القوة العقلية. والانسان بين تلك الدوافع والمعوقات جميعها يسعى الى كماله.

اصول هذه النظرية في المصادر الاسلامية

(الف) الحديث الذي سبق ذكره المروي عن الامام علي(ع): «ان الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة... البهائم شهوة بلاعقل... بني آدم كليهما...»، فان هذا الحديث يشير الى قدرتين: احداهما الطبيعة الموجودة في الحيوان، وهي الشهوة،اي شهوة البطن والجنس والمقاتلة (المغالبة)، والاخرى العقل، وهي، مقابلة بما لدى الملائكة تعني السعي الى تكاملهابرضا الله، ولذا نجد الملائكة لا تتردد في قبول امر الله سبحانه بمجرد صدور الامر من دون ان تجابه الامر بنقد اوعصيان، اما الانسان فانه يتحرك بين هذه القوى المؤثرة، فتسحبه الى الارض بالدوافع الشهوانية، او ترفعه الى الاعلى بالدوافع العقلية (الكمالية).
فكلما سعى الانسان الى رضا ربه قل سعيه الى رضى شهواته.
ونلاحظ ان هناك نقطة التقاء بين السعي العقلي والشهواني والالهي، وهي نقطة الوسط، وتتمثل في موازنة ارضاء هذه القوى المؤثرة الثلاث.

(ب) نلاحظ الاشارة القرآنية الى ان الهدف من عبادة الاوثان هو القرب من الله: (وما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفا)، اي ان عبادة الوثن، من حجارة واصنام، كانت احدى طرق الوصول الى القرب من الله، وهذه اولى خطوات السعي الى الكمال، وان كان السبيل اليها خاطئا.

(ج) قوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) هو اشارة واضحة الى ان كيان الانسان يملك القدرة الاساسية على عبادة الله سبحانه، والى انحصار هدف الخلق في العبادة، ما يعني ان استعداد الانسان الى الكمال هو اقوى من استعداده الى غير ذلك. وهنا نرى ان الانسان المتكامل هو العابد ربه على اكمل وجه، راجيا رضاه، ونرى ان الاشخاص المتفانين في رضى الله هم اقرب الى الكمال ممن هم اقل تفانيا في ذلك.

(د) قوله تعالى: (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه)، فانت، مهما سعيت وعملت، متجه، في المحصلة،الى الله سبحانه، وهذا يقتضي ان يكون توجه الانسان هو لله سبحانه.

(ه) الفطرة الالهية القائمة على توحيد الله، فعن هشام بن سالم، عن ابي عبدالله(ع) قال: سالته عن قول الله عز وجل:(فطرة الله التي فطر الناس عليها)؟ قال: هي الاسلام، فطرهم؛ حيث اخذ ميثاقهم على التوحيد، قال: الست بربكم، وفيهم المؤمن والكافر((298)) فنلاحظ ان اساس الفطرة الانسانية هو توحيد الله، اي على اعلى مستويات الخلوص النفسي من اي تعلق بشي ء سوى الله.

ونظرا لارتباط النظريات الاسلامية جميعها بثلاثة مفاهيم، وهي: العقل والشهوة، والنفس، فلنوضح هذه المفاهيم:

1. العقل
العقل هو القدرة على تمييز الحق من الباطل. ذكر العلامة المجلسي، في بحار الانوار((299)) ست معان للعقل نذكرهاملخصة:

(1) قوة ادراك الخير والشر والتمييز بينهما. فهو مناط التكليف والثواب والعقاب.
(2) ملكة في النفس تدعو الى اختيار الخير والنفع واجتناب الشرور والمضار.
(3) القوة المنظمة لحياة الناس، فان وافقت الشرع سميت عقل المعاش.
(4) مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريات، وهي العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد.
(5) النفس الانسانية المتميزة من البهائم.
(6) الجوهر المجرد غير المتعلق بالمادة.

فالعقل، اذا، هو القدرة على ادراك الخير والشر والتمييز بينهما، ودفع الانسان الى الاعلى. ونلاحظ، في كيفية خلق العقل، عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر(ع) انه قال: «لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: اقبل، فاقبل، ثم قال له:ادبر، فادبر، ثم قال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا هو احب الي منك، ولا اكملتك الا في من احب، اما اني اياك آمر، واياك انهي، واياك اعاقب، واياك اثيب»((300)).

ونجد ذلك جليا، في حديث طويل((301)) (نقتطف بعضا منه) عن سماعة بن مهران، قال: كنت عند ابي عبدالله(ع)،وعنده جماعة من مواليه، فجرى ذكر العقل والجهل، فقال ابو عبدالله(ع): «اعرفوا العقل وجنده واعرفو الجهل وجنده تهتدوا..... الخير، وهو وزير العقل، وضده الشر، وهو وزير الجهل، والايمان وضده الكفر، والعلم وضده الجهل...والتواضع وضده الكبر... فلا تجتمع هذه الخصال كلها من اجناد العقل الا في نبي، او وصي نبي، او مؤمن قد امتحن اللهقلبه للايمان، اما سائر ذلك من موالينا فان احدهم لا يخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود، وحتى يستكمل، وانمايدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده».

فكلما قويت القوة العاقلة، وامسكت بزمام النفس، يقرب الانسان من الكمال، الا انه، كما ترى من خلال الرواية، لا يخلوالانسان من مزيج بين تلك العناصر في شخصيته تظهر، في النهاية، في الفئة الغالبة، فقد تظهر بعض الصفات الحميدة التي تغلب صفات سيئة اخرى.

يقول السيد الامام (قده): «انها الفطرة التي تعشق الكمال. فانت، اذا تجولت في جميع الادوار التي مر بها الانسان، واستنطقت كل فرد من الافراد، وكل طائفة من الطوائف، وكل ملة من الملل، تجد هذا العشق والحب قد جبل في طينة،فتجد قلبه متوجها نحو الكمال»((302)).

فالكيان الانساني يدفعه واقع الكمال العقلي، بشكل قوي، والا فان بعض الاشخاص يرى كماله في هذه السلطة او تلك اللذة او تلك المعيشة المعينة، وذلك لتاثر الاستعداد النفسي لديه بالممارسة المستمرة، ما يجعل تلك الدوافع سهلة الاجتماع. ولا يمكننا ان ننطلق اكثر في هذا المجال، فان الانسان يشعر، في بعض الحالات، بالحاجة الى عمل اكمل، ولكنه يكتفي بما هو اقل، نظرا لقدراته واستعداداته النفسية التي تعودت على حالة رخاء، او حالة سكون، او حالة عدم القدرة على المقاومة تجاه تلك المغريات التي يواجهها تجاه نفسه: «ربنا غلبت علينا شقوتنا»، وهو ابلغ وصف الى عدم القدرة على مقاومة الحالة التي يواجهها الانسان.

ونرى المشرع الاسلامي يضع ملامح الخصال المتعلقة بالقوة العقلية، ويتمثل ذلك في ما ياتي:

1. صحيحة ابن مسكان، عن ابي عبدالله(ع) قال: «لم يقسم بين العباد اقل من خمس: اليقين والقنوع والصبر والشكروالذي يكمل له هذا كله العقل»((303)).
وهي تشير الى ان مصادر القوى الاساسية، في كيان الانسان، اربع، والمنظم لها العقل، ولا يوجد عند اي انسان اقل منها،وان كانت تختلف قوة وضعفا بين شخص وآخر بالتمرس والاستمرار على التعامل معها، بما يقوم به العقل من تاثير فيهاوتنظيم لها.

2. رواية ابن نباتة عن الامام علي(ع) قال: «هبط جبريل على آدم(ع) فقال: يا آدم، اني امرت ان اخيرك واحدة من ثلاث،فاختر واحدة، ودع اثنتين، فقال له آدم(ع): وما الثلاث يا جبريل؟ فقال: العقل والحياء والدين، فقال آدم: فاني قداخترت العقل حيثما كان، فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا له: يا جبرئيل، اننا امرنا ان نكون مع العقل، قال: فشانكما وعرج»((304)). ونلاحظ هنا ان الحياء والدين متلازمان مع العقل، ونضيف هاتين الخصلتين الى الخصال السابقة، فتكون الخصال المرتبطة بالعقل بالاضافة الى الخصال الاربع السابقة هما خصلتا الحياء والدين.

2. الشهوات
يضع التعبير الاسلامي الشهوة في قبال الامور الروحية العقلية التي تسعى الى العلو، فكل ما ليس من هذه الامور يدخل تحت عنوان الشهوة؛ فالشهوة هي القوة الطبيعية الدافعة للكيان الحيواني نحو النمو والبقاء. ونذكر الروايات المتعلقة بذلك على نحو العموم:

(1) الشهوات هي الميل الى النساء والمال والحياة. ونجد ذلك في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساءوالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث) [آل عمران/14]. ونلاحظ هنا ان الشهوات المذكورة هي امور طبيعية يحتاجها الانسان في استمرار حياته بعلاقته بالطرف الاخر، اي بين الرجال والنساء، والمال والمعبر عنه بالذهب والفضة، وان كان يمكن حملها على مستوى اعلى من الشغف بالمال، وهو تعبير عن حالة الطمع في النفس. فهذه الامور هي ادوات الدوافع في الانسان بشكل عام.

(2) الحديث العلوي السابق: «ان الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة وركب في البهائم شهوة بلا عقل وركب في بني آدم كليهما...».

فنلاحظ، بالمقابلة بين ما ركب في الملائكة، وهو العقل، وبين ما ركب في البهائم، وهو الشهوة، ان عنوان الشهوة هنا هوكل ما يتعلق بحياة الحيوان الحياتية من حيث بقاء جسمه واستمرار نوعه. ونلاحظ ان الحياة الحيوانية، من خلال الاستقراء، يتركز فيها الاكل والشرب وكل ما هو قوام الجسد، كالجنس الذي هو لبقاء النوع والقتال الذي هو للدفاع عن الذات. وهذه الامور هي الاصول بالنسبة الى غيرها ايضا، ويمكن ان نضع الغرائز التي اشارت اليها نظرية الغرائز بوصفهامجموعة لانواع الشهوات الموجودة في الانسان. ويمكن ان نتبين فيها نظرية الغرائز التي ذكرها مكدوغل، للتعرف على الدوافعر الشهوة من قبل المشرع الاسلامي، فهي على اقل تقدير اقرب في حصر النظرية في الاطار الاسلامي في البحث.

ويمكننا اعادة تصنيف الشهوات في عدة اصناف هي:

(1) شهوات جسمية: وهي الشهوات المغذية للجسم من اكل وشرب وملبس وجنس.
(2) شهوات نفسية: وهي الشهوات التي يتركز فيها حب الذات والمال والهوى.
(3) شهوات اجتماعية: وهي الشهوات التي يتركز فيها حب العلو والسيطرة.
(4) شهوات روحية: وهي شهوة حب البقاء.
(5) شهوات قلبية: وهي العواطف والانتفعالات.

3. النفس وقواها
لاحظنا، من خلال النصوص السابقة، ان الاسلام يرى ان صفة الكمال تتمثل في غلبة القوة العقلية، وهي اعلى المراتب،وتتكامل هذه القوة في الملائكة، وان صفة البهيمية تتمثل في الشهوات. وما نحتاجه، الان، هو وضع اطار تحليلي لماذكره فلاسفة الاسلام عن قوى النفس وصفاتها.

ولنبدا بتقسيمات «الملا صدرا» في كتابه الاسفار.

تنقسم النفس، كما يرى الملا صدرا، الى اجزاء ثلاثة، اي نفوس ثلاثة هي((305)):

(1) نفس نباتية، وموضعها الكبد.
(2) نفس حيوانية وموضعها القلب، وهي تخدم الانسانية والحيوانية النباتية، ولها ثلاث قوى هي: الغاذية والمنمية والمولدة. والحيوانية لها قوتان: محركة ومدركة، فالمحركة اما باعثة، وهي الباعثة بالشوق، ولها شعبتان: شهوية وغضبية،والاخرى المدركة: خارجية وداخلية.
(3) نفس انسانية وسلطانها الدماغ. وتنقسم الى عاملة وعالمة، فالعاملة هي التي يتم بها تدبير البدن، ولها القدرة على السيطرة على سائر القوى الحيوانية. والعالمة هي القوة النظرية التي تستفيد من العلوم والحقائق.

يقول الملا صدرا: ان الانسان يبتدى وجوده اولا من ادنى المنازل، ويرتفع قليلا الى درجة العقل والمعقول، كما اشارسبحانه: (هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) الى قوله: (اما شاكرا واما كفورا).

النفس الانسانية، اذا، هي التي يتركز فيها المؤثر العقلي، وهي بقواها تؤثر في تدبير البدن بتحريك قواه، والسيطرة على القوة الحيوانية التي تتركز فيها القوتان: الشهوية والغضبية. وان كان هذا الادراك يلاحظ لدى الحيوان الا انه لا يخرج عن كونه ادراكا بسيطا.

ونلاحظ ان النفس الانسانية تبدا من ادنى منازل الحيوانية، وهي الشهوية والغضبية، وتؤثر النفس الانسانية عبر العقل في تقوية القدرة الادراكية والعلمية، لتزداد بذلك السيطرة على القوة الحيوانية، وبمقدار ما يسيطر الانسان عليها فانه يرتفع الى المراتب العلوية من الانسانية.

وهذا التقسيم هو تقسيم الشيخ ابن سينا نفسه كما شرحه الخواجه نصير الدين الطوسي((306)). ونقتطف، هنا، بعض تفصيلاته في النفس الحيوانية والناطقة كما يسميها.

النفس النباتية، لدى ابن سينا، هي تماما كما فصلها الملا صدرا. اما النفس الحيوانية فلها قوتان: قوة ادراك وقوة تحريك،ارادي او تسخيري (غير ارادي).

اما قوة الادراك، فمنها ما يدرك ظاهر البدن، ومنها ما يدرك باطن البدن، والاولى تسمى بالحواس؛ وهي خمس: الابصاروالسمع والشم والذوق واللمس، والثانية الباطنة خمس ايضا: الاولى الحس المشترك، وهو صورة المحسوسات الظاهرة. والثانية الخيال وهو خزانة تلك الصور، والثالثة المتعرفة، وهي باعتبار تصرفها في المحسوسات تسمى متخيلة،وباعتبار تصرفها في المعقولات مفكرة، والرابعة الوهم، وهو ادراك المعاني الجزئية كالصداقة والعداوة والانس والنفرة،وهذه تتواجد في الانسان والحيوان ايضا، والخامسة الحافظة وهي مركبة من فعلين: مشاهدة وحفظ.

اما قوة التحريك الارادي فلها قوتان وآلات، والقوتان هما: الشهوة، وهي الباعثة على جذب الملائم، والثانية الغضب،وهي الباعثة الى دفع غير الملائم.

اما النفس الناطقة فهي مجردة عن الاجسام، مفارقة للمواد، مرتبطة على الابدان، تفيض عليها صورة حيوانية منطبعة في البدن فيها، وتعبر عنها الافعال النباتية والحيوانية بالالات، وتنقسم الى عقل نظري وعملي.

والنظري هو تعقلها لنفسها في ما يجب ان تتعقل، ولها مراتب:

الاولى: الاستعداد، ويشمل الطفل ايضا، ويسمى عقلا هيولانيا.
الثانية: المكتسبة، وتشمل العلوم النظرية باسرها، وتسمى عقلا مستفادا.
ا
لثالثة: المستفاد، وهو استحضار تلك العلوم ومشاهدتها، وتسمى عقلا مستفادا.
الرابعة: خزانة المعقولات، وهي العقل الفعال.

اما العقل العملي فهو الذي يستنبط للنفس آراء جزئية من آراء كلية، وهي قضايا اولية او مشهورة او تجريبية.

والملاحظ ان تقسيم علماء الاخلاق للنفس قريب من التقسيم الفلسفي، فالشيخ النراقي، في كتابه: جامع السعادات، في تعريف النفس وقواها يقول((307)) (ملخصا):

1. ان النفس مجردة في الذات من دون الفعل لافتقادها الى الجسم والالة، وهي جوهر ملكوتي تستخدم البدن في حاجاتها، فتسمى روحا لتوقف حياة البدن عليها، وعقلا لادراكها المعقولات، وقلبا لتقلبها في الخواطر.

2. ان قوى النفس اربع، وهي:
الاولى: عقلية ملكية، وشانها ادراك حقائق الامور والتمييز بين الخير والشر.
الثانية: الغضبية، وشانها صدور افعال السباع من الغضب والبغضاء والتوثب على الناس بالاذى.
الثالثة: الشهوية البهيمية، وهي التي تصدر عنها افعال البهائم، من عبودية الفرج والبطن والحرص على الجماع والاكل.
الرابعة: الوهمية الشيطانية، وشانها استنباط وجوه المكر والحيل والتوصل الى الاغراض بالتلبس والخداع.

ويضيف الشيخ النراقي فيرى ان الغضبية يستعملها العقل لكسر قوة الشهوة الشيطانية. ويستشهد بما ورد في القرآن الكريم عن النفس المطمئنة واللوامة والامارة بالسوء، فالاولى التي تكون تحت سيطرة الاوامر والنواهي، وهي منقادة لها، اما اذا كان بينها تدافع، فانها تكون لوامة، اما اذا صارت مغلوبة بالقوى الشيطانية فتسمى امارة بالسوء.

من هذه التقسيمات الفلسفية والاخلاقية للنفس نلاحظ ان الفلاسفة الاسلاميين لم يخرجوا عن اطار الفلسفة اليونانية في تقسيم النفس، الا ان الفلاسفة والاخلاقيين يختلفون في القوة العاقلة، فالفلاسفة يتحدثون عنها بوصفها قوة عقلية نظرية او عملية، والاخلاقيون يتحدثون عنها بوصفها قوة مؤثرة في توجيه طاقات الانسان الاخرى من بهيمية وسبعية.

الصراع بين دافعي العقل (الكمال) والشهوة (البهيمية)

تحمل النفس الانسانية قوتين هما: القوة العقلية والقوة الشهوية، كما يشير الى ذلك امير المؤمنين(ع)((308)). اي ان الانسان يحمل القوة العقلية، وهي التي تكون خالصة في الملائكة، لعدم وجود الدوافع الشهوية المتعلقة بالحيوانية،والقوة الشهوية، وهي التي تكون خالصة في البهائم، وتوجهها الاساس هو مجرد الحياة. واعتقد ان القوة الشهوية تحمل العناصر المؤثرة في القوتين: الغضبية والشيطانية، وهي التي يذهب اليها الفلاسفة او الاخلاقيون. فالقوة الشهوية، اذاكانت لخدمة كيان البدن، فانها تتحرك في هذا الاطار في تغذيته او الدفاع عنه، الا ان تلك القوى تتحرك في اطار تركيبة الانسان التربوية، اي في جهازه النفسي كله، بما يحمل من مبادى وقوى محركة وتراكمات الخبرة الحياتية، بالاضافة الى تكامل القوة العقلية وقوتها في تاثيرها على توازن هذه الدوافع وتوجيهها.