الصفحة التالية

الصفحة السابقة

ونلاحظ ذلك في رواية سماعة بن مهران التي سبق ذكرها، والقائلة: ان ما يتوافر فيها من جنود العقل لا يجتمع الا في نبي او وصي نبي. اما سائر الموالي الاخرين (اي سائر الناس) فان احدهم لا يخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل، بمعنى ان الانسان لا يخلو من طغيان صفة على اخرى، وما ذلك الا للتاثيرات البيئية او الوراثية على ما يملكه الانسان من استعدادات ذاتية وما يطرا على حياته الاجتماعية من مؤثرات على سلوكه، كاليتم والفقر والغنى والبطر.ونلاحظ، ايضا، ان هناك اتفاقا على ان الانسان يسعى الى الكمال بالطاقة العقلية المودعة فيه، فهي تقوده الى الكمال العلوي، اما الطاقة الشهوية فتقوده الى الارض: (ثم اخلد الى الارض). الا اننا نحتاج الى الرجوع الى الوراء قليلا للتعرف الى الاستعدادات الاولية التي تعد المؤثر الاوفر حظا في التاثير على هذه المرحلة المتوسطة((309)).

ونلاحظ، من خلال خطبة الامام علي(ع)، المتعلقة بصفة خلق آدم(ع) وكيفية تكوينه الجسدي ان هذا التكوين هوالمؤثر في توجهه النفسي((310)). ونقتطف هنا بعضا منها، وهو ما يهم البحث، والا فان الخطبة مليئة بالمعاني العالية.قال:

«ثم جمع، سبحانه، من حزن الارض وسهلها وعذبها وسبخها، تربة سنها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالب لة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات احناء ووصول، واعضاء وفصول. .

ثم نفخ فيها من روحه، فمثلت انسانا ذا اذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وادوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل والاذواق والمشام والالوان والاجناس.

معجونا بطينة الالوان المختلفة، والاشباه المؤتلفة، والاضداد المتعادية، والاخلاط المتباينة من الحر والبرد والبلة والجمود...

واجتبالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله وواتر اليهم انبياءه، ليستادوهم ميثاق فطرته،ويذكروهم منسي نعمته ويحتجون عليهم بالتبليغ، ويثيروا اليهم دفائن العقول ويروهم آيات المقدرة..».

والخطبة بالغة الفائدة، مترابطة المعاني، الا اننا اقتطفنا ما يمكن الافادة منه في خصوص موضوع البحث. وفي هذاالصدد نلاحظ ما ياتي:

1. ان الطبيعة البشرية المجبولة في الانسان تتكون من عدة متضادات، كالعذب والسبخ والحزن والسهل، وهذه اشارة واضحة الى ان تكوين هذا الانسان من التراب والماء، فتركيبة التراب تشمل الارض السهلة المطيعة والحزنة الصعبة والماء الذي يكون من العذب والسبخ، اي المالح، وهذا اوضح مثال على تعدد عناصر تركيبة الطبيعة البشرية.

ويمكن القول: ان ذلك اشارة الى الاستعدادات الطبيعية في النفس البشرية على تكونها من هذه المتضادات، والتي من شانها ان تخلق في الانسان الاستعداد لجميع الاتجاهات.

فاذا ذهبنا بعيدا، في مراجعة النظرية هذه، من خلال هذاالنص، فاننا نستطيع الادعاء ان الشخص (ا) قد تتكون فيه نسبة اكبر، من الارض السهلة، مما يتكون في الشخص (ب)، وقد يحدث هذا، ايضا، في تركيبته المائية. وهذا ما يعلل الاختلافات التي نراها في ان استعداده (ا) لاتجاه معين منذصغره اقوى منه من (ب) ، وحتى لو افترضنا القابلية الوراثية فانها وفاقا لنظرية الجينات الحديثة لا تعطيك سوى قدرات نفسية. ولكننا نلاحظ، من خلال مجموعة من الاخوة، ان الشخص (ا) تتركز عنده استعدادات الكرم اكثر مما تتركز في(ب)، وهكذا في طريقة التعامل مع حالة البذل او الحرص مثلا((311)).

2. ان نفخ الروح يحمل عدة معان ادراكية في النفس البشرية، وهنا يمكن وضع اطار تدرج الخلق، اي بعد تمام التكوين الجسدي نفخ فيه من روحه. ونلاحظ ان هذه النفخة حملت، اضافة الى الحياة الحيوانية المتحركة، امورا اخرى هي الذهن والفكر واستعمال الجوارح والمعرفة التي يدرك بها الحق والباطل.

وهذه اشارة الى ان الروح، من خلال النص، تحمل عدة مناشى هي:

- الروح، وهي الباعثة على حياة الانسان من جموده.
- نفس تدرك الحواس الجسمية، وتدرك بها العالم الخارج عن الجسد.
- عقل، ويحمل معاني الذهن والفكر وادراك الحق والباطل.

3. ان الانسان، لو خلي ونفسه، فان الشيطان يؤثر على سلوكه. ونلاحظ التعبير ب «اجتبالتهم» الشياطين، اي اخرجتهم عن معرفته سبحانه، وقطعتهم عن عبادته، فكان المعرفة متصلة بالعبادة اتصالا وثيقا.

4. ان الله، سبحانه، لم يترك خلقه مجالا لالاعيب الشياطين، بل بعث الانبياء ليذكروهم بالفطرة التي جبلوا عليها وبنعم الله. ودمج الفطرة بالنعمة، هنا، قد يفيد ان الفطرة ليست مجرد التوحيد، بل هي الاعتراف به وبوحدانيته وبنعمه سبحانه. ونلاحظ تعبيره(ع): «ليستادوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته»، فالانسان اودع في فطرته ميثاق الوجدان والنعمة، والشيطان يوسوس له وينسيه ذلك، والانبياء يذكرون بهذه الفطرة.

وملخص النص ان الانسان يملك الاستعداد الفطري (الروحي) لمعرفة الامور الحسنة التي اودعها سبحانه فيه، وان كيانه الحيواني فيه استعدادات الخير او الشر جميعها، وهذا مصداق قوله تعالى: (انا هديناه النجدين)، اي طريق الحق وطريق الباطل الى جانب استعداده لكليهما. الا اننا - كما سنناقش في ما بعد نلاحظ ان الانسان، لو خلي وطبعه، فانه يبتعد عن الخط الالهي، وبخاصة بتاثير الشياطين. ونلاحظ، من خلال النص، ان الانبياء بعثوا لتذكير الناس وتصحيح توجههم.بمعنى آخر: ان الانسان، في واقع سعيه الطبيعي، يتجه الى كماله المتمثل بالوصول الى الله سبحانه، الا ان الشياطين تحرف هذا الاتجاه الى وجهاتها الخاطئة، والله سبحانه وتعالى يبعث الانبياء لتصحيح المسار الخاطى، ليوجههم الى الاتجاه الصحيح، ولو لم يكن عند الانسان تلك الاستعدادات القوية نحو الكمال (العقل) لما استطاع الانبياء توجيه هذه النفوس المنحرفة.

عندنا، اذا، مرحلة التكون الجسدي، وهذه تكون حين انعقاد النطفة، والحياة الرحمية في خلق التكوين الجسدي والاستعدادات النفسية والوراثية. ثم مرحلة التربية والتاثر، خلال المرحلتين الاوليين، وبالخصوص المرحلة الثانية.وتبدا رحلة الصراعات خلال تكامل الانسان النفسي، لتكون قوية تجاه امر، والقبول بامر آخر، والسعي لامر ثالث وهكذا. فهو يريد ان يلعب كثيرا فيمنع، وتعتمد هنا ردود افعاله على قدراته ونشاطاته الجسمية الدافعة نحو اللعب.فقبوله بامر يعتمد على تركيبته وقدرته النفسية، من حيث مستوى العناد وهكذا، ونتقدم الى المراحل المتقدمة للتعرف على صراعات الدوافع هناك.

ونستعرض هنا حديثا، وان كان طويلا، لنستخلص منه بعض اشكال صراع الدوافع. جاء في صحيحة ابي ولاد، قال:«قلت لابي عبدالله(ع): جعلت فداك، ان رجلا من اصحابنا ورعا مسلما كثير الصلاة قد ابتلي بحب اللهو، وهو يسمع الغناء، فقال: ايمنعه ذلك من الصلاة لوقتها، او من صوم، او من عيادة مريض، او حضور جنازة، او زيارة الخ؟ قال: قلت:لا، ليس يمنعه ذلك من شيء من الخير والبر، قال: فقال: هذا من خطرات الشيطان، مغفور له ذلك ان شاء الله. ثم قال: ان طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات - اعني الحلال وليس الحرام قال: فانف الله للمؤمنين، من ولدآدم، من تعيير الملائكة لهم، قال: فالقى الله في همة اولئك الملائكة اللذات والشهوات، كي لا يعيبوا المؤمنين. قال: فلما احسوا ذلك من همهم عجوا الى الله من ذلك فقالوا: ربنا عفوك عفوك، ردنا الى ما خلقنا له واجبرتنا عليه، فانا نخاف ان نصير في امر مريج، قال: فنزع الله ذلك من همهم. قال: فاذا كان يوم القيامة، وصار اهل الجنة في الجنة، استاذن اولئك الملائكة على اهل الجنة، فيؤذن لهم، فيدخلون عليهم، فيسلمون عليهم ويقولون لهم: «سلام عليكم بما صبرتم» في الدنيا عن اللذات والشهوات الحلال»((312)).

ويمكن ان نلاحظ، بعد قراءة، هذا النص عدة امور هي:

1. ان الانسان يعيش صراعا بين دوافع الكمال ودوافع الشهوات، وذلك بالرغم من تكامله بالورع، كما نلاحظ، في النص الذي يتحدث الحديث عن مؤمن ورع، ان المؤثر في دوافع الشهوات هو الخطرات الشيطانية.

2. ان الملائكة، على الرغم من تكاملها العقلي، لم تستطع حينما غرزت الشهوات فيها ان تصمد قبال مؤثرات الشهوة،فتحولت الى حالة اضطراب، فطلبت من ربها سحب تلك الغرائز، حتى لا تقترف المعاصي او تبتعد عن ساحة القداسة.وهذه اشارة الى قوة حالة الشهوة في التاثير على سلوك الانسان.

3. ان النص تحدث عن اللذات والشهوات الحلال، وبين ان المؤمن يقع، بالرغم من قوة الدافع العقلي لديه، تحت غلبة المؤثرات الشهوية، فما بالك بالاقل منه؟ وقد نلاحظ هنا، ايضا، متذكرين الحديث السابق ذكره عن عقل الملائكة وشهوة البهائم، ان الانسان حينما يغلب عقله على شهوته يكون افضل من الملائكة؛ وذلك لوجود دافع مضاد قوي،ومع ذلك تغلب على الشهوة، واذا غلبت الشهوة فهو اقل من البهائم لوجود دافع مضاد وهو العقل.

4. التعبير بان هذا من خطرات الشيطان يشير الى ان هذا الكيان الانساني له القابلية القصوى على عمل الخير، ولكن وسوسات الشيطان هي التي غيرته، واثرت عليه للاندفاع نحو حالة اللهو.

وهنا نجد ان الحالة النفسية التي يواجهها الانسان تؤثر عليها عدة امور، وهذا يعتمد على التركيبة النفسية في الانسان الفرد، فاولا هناك من يضع حدا عاليا للدافع العقلي (الكمال)، ويتضح ذلك في القادة المعصومين من انبياء ورسل واوصياء، ويقل هذا الدافع كلما تدرجت بالسلم الى الاسفل، الى ان تصل الى الحياة البهيمية. ولذا لا نتردد في وصف الانسان الغارق في شهواته بالحيوان.

فنلاحظ، من خلال الرسم البياني هذا، ان د (س) هي النسبة المئوية للحد الوسطي وهي تتحرك بمقدار قرب المجتمع من شدة المعوقات وضعفها الغريزي (الشهوي) وجهاز الحرية الاجتماعية من قيم وافكار، فكلما قل المستوى زادت النسبة في جانب الموروثات الاجتماعية التي تشكل مؤثرا تربويا في جهاز الانسان الداخلي والخارجي.

يضاف الى ذلك ان مستوى التربية النفسية للفرد تجاه اشباع رغباته لما ينشا عليه من حالات اجتماعية واقتصادية بالارتفاع والانخفاض. وبالنتيجة د (س) : د (القيم، الحرية، الموروثات، الرغبات، الاقتصاد، الاستقرار)، فالمجتمع المستقر اقتصاديا واجتماعيا، ولكن جهاز القيم فيه ضعيف، فان د (س) تكون اقرب الى جهة الشهوات بعكس ما اذا كان جهاز القيم في ذلك المجتمع نفسه اقوى، فان المنحنى يميل الى جهة الكمال اكثر.

اما على مستوى التكوين الفردي فان الشخص الذي ينشا، في بيئة تتوافر له فيها مستلزمات الحياة المادية الكاملة، يكون اقرب الى الملذات والشهوات. والنفس الناشئة، في هذه البيئة، تعيش الصراع النفسي بين صنوف الشهوات المادية،بخلاف البيئة التي تقل فيها عناصر المؤثرات المادية تلك. فان الصراع يقل بين الشهوات والمعنويات.

5. نلاحظ، من خلال سؤال الامام(ع) عما اذا كان ذلك يمنعه من الخير والبر؟ ثم القول: انه من خطرات الشيطان، مغفورله ان شاء الله، اشارة يمكن ان تعني ان الانسان اذا كان في تلك الحالة من العبادة والتصرفات الطيبة، فانه قد تتحرك عنده بعض الغرائز كحب اللهو، وهنا ربطها بكونها من خطرات الشيطان، وهذا تعبير عن انه يسلك هذا السلوك بتاثيرات شيطانية وليس بفعل طبيعته الخيرة. وبمعنى آخر: ان الانسان، وان تكامل في العبادة وعمل الخير، فقد تؤثر بعض المؤثرات في سلوكه، وان كانت طينته خيرة. وهذه النفس اكثر ما تكون قريبة من النفس اللوامة، نظرا لان مصادر تاثيرالملامة هو لتصحيح الخطا. وبالرجوع الى حديث سماعة بن مهران، عن ابي عبدالله(ع)، في تعريف خصال العقل وخصال الجهل، نرى انه قال:

1. لا تجتمع هذه الخصال جميعها، من قوى العقل الا في نبي، او وصي نبي، او مؤمن قد امتحن الله قلبه، وثبت فيه الايمان.

2. اما سائر ذلك من موالينا، فان احدهم لا يخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل.

فهنا نلاحظ ان الانبياء والاوصياء والمؤمنين الممتحنين ترتفع عندهم خصال قوى العقل، وعندما تنزل الى سلم الناس العاديين تلاحظ ان خصال العقل وخصال الجهل، اي الخير والشر، تكون ممتزجة فيهم، فالتعبير: «لا يخلو» هو اشارة الى ان الكيان النفسي للانسان بشكله العام يتمثل في غلبة عنصر على آخر في بعضها، وانخفاضه في بعضها آخر، فهذاالمزيج من العناصر يكون جوهر النفس الانسانية، ولذا فقد تغلب خصلة في انسان على حساب خصال اخرى، فخصلة الكرم مثلا تجعل الانسان في كمال اعلى، وان توافرت فيه، ولو قليلا خصلة الكذب، وهكذا.

وخلاصة القول: ان وجهة النظر الاسلامية - كما اتصورها تصنف الدوافع في منحيين هما: العقل وتضع له قوى وخصالامتصلة به، وفي قباله الشهوات والملذات وتضع لها خصالا متصلة بها، ثم يضع خطا معتدلا بين تلك الدوافع لتحريك الانسان من خلالها.

ونلاحظ ذم الاسلام للاسراف: (ولا تسرفوا ان الله لا يحب المسرفين)، (ان المسرفين كانوا اخوان الشياطين)،والاسراف، هنا، اشمل من الاسراف المادي، وهو يشمل الاسراف المعنوي ايضا.

فالاسراف يشمل الافراط في السلوك، في اي جانب، من دون ان يكون لذلك حاجة واقعية، فعندما يسرف الانسان في الاتجاه العقلي، وينسى حاجياته المادية، فانه ينطبق عليه عنوان المسرف، وكذلك من يسرف في الاتجاه الشهوي.

بل ان الانحراف عن الطبيعة البشرية يعد اسرافا، كما في قوله: (انكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء، بل انتم قوم مسرفون) [الاعراف/81]. قول الرسول(ص): «ولكن بعثني بالحنيفية السمحة»((313)) او في المروي في الصحابة الثلاثة الذين آثروا ان يعتزلوا النساء والطعام والطيب، واجابهم النبي(ص): «اما اني آكل اللحم، واشم الطيب، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»((314)).

وهذه النصوص تشير الى ان الاعتدال هو المطلوب: (كذلك خلقناكم امة وسطا) بالاضافة الى ان الانبياء والاوصياء،عندما يزداد عندهم الاتجاه العقلي، فانما يعني ذلك القدرة على موازنة الطلب والحاجة الى اعلى مستويات الموازنة،فقد يكون على حساب انفسهم لامر هو اعلى في الميزان الالهي، كما نلاحظه في: (انما نطعمكم لوجه الله). وهنا يكون الامر لهدف سام هو الخلوص وشكر الله النابع من صفاء نفوسهم، بل قد يلاحظ بعض الزيادة، كمساواة الضعفاء من الناس عند اللباس البالي او لاعطاء اعلى مستوى من الصورة الكمالية للانسان، ونلاحظ تعليلا علويا لذلك المؤمن من اصحابه(ع) عندما قال له: «هذا انت يا امير المؤمنين في جشوبة ماكلك! فقال امير المؤمنين: «ان الله اخذ على الحكام ان يواسوا ضعفة الناس حتى لا يبير بالفقير فقره...».

فقد يتصور الانسان ان الوصول الى تلك المرحلة السامية غير يسير، فمن خلال هؤلاء الصفوة يتعرف على امكانية ذلك.

ففي رواية عن امير المؤمنين(ع) انه قال: «العقل والشهوة ضدان ومؤيد العقل العلم، ومزين الشهوة الهوى، والنفس متنازعة بينهما فايهما قهر كانت في جانبه»((315)).

فالنفس تتكون عندها القوة على احد الاتجاهين، وبذلك تتكون وتقوى خلال تلك الحالة القوة العقلية؛ وذلك بالتعلم والمعرفة اكثر، فان هذه القوى تكون اقدر على لجم القوة الشهوية؛ اذ يعد الهوى المؤثر في تزيين الشهوة.

والتعبير ل «مؤيد للعقل ومزين للشهوة» لا يخلو من فائدة كبيرة؛ اذا ان العقل يتعرف الامور بشكل تلقائي، بينما الشهوة تحتاج الى من يزين لها ذلك العمل، فتتوق وتشتهي عمله.

قال الامام الصادق(ع): «طوبى لعبد جهد لله نفسه وهواه، ومن هزم جند هواه ظفر برضا الله»((316)).

ونلاحظ اسمى تعبير عن ذلك ما اثر عن امير المؤمنين(ع): «يا دنيا اليك عني فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها». فهو اسمى حالة من حالات التجرد النفسي من الماديات، طرحه امير المؤمنين(ع) في الوصول الى الله، ولكنه لم يمتنع عن الاكل اوالشرب او الزواج، بل سار في حياته في شكلها الطبيعي قدر حاجته، لكن لم يجعل هذه الدنيا وشهواتها وملذاتها تقوده وتجعل منه عبدا لها، بل هو الذي قادها.

وبكلمة مختصرة، فان الاعتدال هو في موازنة حاجيات البدن عبر السلوك الصحيح اليه، اي عبر الطرق المباحة، مع الاخذ في الاعتبار ان ما يصل اليه ياخذ منه قدر حاجته من دون نهم، ويكون العقل هو ميزان تغذية هذه الحاجات.

ثالثا: دوافع الطاعة والمعصية
قد اتضح لنا، من خلال ما سبق بحثه ان القوتين المؤثرتين، في توجيه الانسان، هما القوة العقلية، وتوجهه الى العلووالقوة الشهوية وتوجهه الى الدنو.

فالنفس تتركز فيها القوى جميعها، فتقوم باستعمالها في تحريك ارادة الانسان نحو الغاية المعينة، فهي تواجه قوتين من خلال هذا التنظيم، فالقوة الاولى هي مصادر الشهوات وتتعلق بشكل مباشر باستمرار حياة الانسان الدنيوية، والقوة الثانية علوية، وهي العقل (الكمال) لترفع الانسان الى الاعلى.

الا ان النفس، في موازنتها بين هاتين القوتين، هي اقرب الى اعطاء الاولوية الى القوة الارضية المتعلقة بالبدن وشهواته،الا ان تكون نفس الانسان يستطيع تقوية ارادتها بالعقل منذ البداية، لتكون طوع ارادته على قيادة النفس ومؤثراتها،فيكون سلوكه معتدلا او اقوى منذ البداية. وهنا نجد مصدرين لتاييد هذا المعنى هما:

الاول هو من خطبة للامام علي(ع): فان رسول الله(ص) كان يقول: «ان الجنة حفت بالمكاره، وان النار حفت بالشهوات،واعلموا انه ما من طاعة الله شيء الا ياتي في كره، وما من معصية الله شيء الا ياتي في شهوة، فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فان هذه النفس ابعد شيء منزعا، وانها لا تزال تنزع الى معصية في هوى»((317)).

والثاني ايضا من حكمة((318)) للامام علي(ع): «وانما هي نفسي اروضها بالتقوى لتاتي آمنة يوم الخوف الاكبر وتثبت على جوانب المزلق».

ونلاحظ، من خلال النص الاول، ان النار، وهي، نتيجة المعاصي، قد حفت بالشهوات، وهو قول الرسول الاكرم(ص)وقد اوضحه الامام علي(ع) حيث قال: «وما من معصية الله شيء الا ياتي في شهوة».

فان دوافع الشهوات هي الموجه الى المعصية، بل اضاف(ع): «انها لا تزال تنزع الى معصية في هوى»، ما يشير الى الدوافع نحو المعصية، او التعبير عن ذلك بالنزوع، وهو معنى التوجه نحو الشي ء، فكانما النفس الانسانية هي في توجهها نحو المعاصي كبيرة من خلال الشهوات الا ان يصل الانسان الى مرتبة اعلى بقمع الهوى المؤثر في التوجه نحوالشهوات. ولعل ما اشار اليه(ع) في كلمة اخرى((319)) الناس ابناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب امه»، وهذا تعليل لاسباب هذا الحب لكونهم في الحياة الدنيا التي عبر عنها بكونها امهم.

اما النص الثاني فيشير الى المعنى الثاني المتمثل في ان تربية النفس على المعاني التكاملية العالية انما تتم بالتقوى،وهي ما يجعل النفس الاكثر ضعفا امام تلبية رغباتها الارضية تتوجه بشكل اكبر الى المعاني العالية والقرب الالهي.

وتتدخل التربية بشكل كبير لتوجيه قوى العقل وتقويتها، فتقوى القدرة الارادية النفسية لتاخذ مجالا اكبر في التاثير على قوى النفس الشهوية، بما تزرع فيه من تقوية قوى الخير، لتكون طينته اكثر استعدادا لتقبل تلك الطاقات الفاعلة.

وقدلاحظنا، من خلال روايتي ابن مسكان وابن نباتة، ان الخصال المتعلقة بالعقل ست خصال، وهي: اليقين والقناعة والصبروالشكر والحياء والدين. وفي قبالها قوى الشهوات((320)) وهي: الاستكبار والحرص والحسد وما تشعب منها، وهو حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة((321)).

فالقوى الاساسية، المتواجدة في كل انسان، من الناحية العقلية، هي: اليقين والقناعة والصبر والشكر والحياء والدين،والقوى المواجهة لها هي قوى الشهوات والحرص والكبر والحسد وما تشعب منها.

الا انه بمراجعة هذه القوى العقلية، من الناحية النفسية، نرى انها تمثل قمة الكمال النفسي عند الانسان، وبما ينمي هذه القوى ويقويها يستطيع ان يؤثر، ويكبح جماح القوى الشهوية، الا ان الشهوية تظل القوة الضاغطة الاقوى، فحب العلو،وهو احدى شعب هذه القوى، يجعل عامل الحسد قويا في الانسان، لان من ينافسه في تلك المناصب هو محل نبذ من الناظر من هذه الناحية، فبعض الناس تقوى عندهم هذه القوة، وآخرون تقوى عندهم قوة الصبر على الحالة التي هم فيها، وآخرون تقوى عندهم قوة الحياء((322)).

بالاضافة الى ان قوى الشهوات (الغرائز) هي في الاساس للمحافظة على حياة الانسان ووجوده، فهي المبادرة في العمل، فالطفل يبدا بشرب اللبن لغذائه، ويتطور باستعمال يديه للاكل، وتتطور قدراته في الدفاع عن النفس بل واستعمال الغرائز الاخرى، وتتغير الاساليب خلال مراحل حياته، والتربية تاخذ المجال الاقوى في تحريك القوى العقلية، وهنا نلاحظ تاثير التربية في بلورة القوة العقلية عند الانسان، فكلما تقدم العمر منهم من تكون قوة اليقين اقوى وآخرون قوة الصبر وهكذا.

والخلاصة ان صراع الدوافع يؤثر فيه الاتجاه الارضي الذي يعد قويا الا ان التربية الجيدة تخلق دوافع للسمو الى الاعلى تساعد الانسان على مواجهة مصاعب التزيين الارضي وغوايته.

واساس المعصية هو قوى الشهوات، وهي: الاستكبار والحرص والحسد.

واساس العقل (الطاعة) هو اليقين والقناعة والصبر والشكر والحياء والدين.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا، وهب لنا رحمة.
 

المؤتلف والمختلف في الادبين: الفارسي والمغربي الاندلسي

شعر العرفان انموذجا (الشوشتري وسعدي الشيرازي)

حسين الادريسي

تمهيد

قد يتساءل الباحث عن جدوى هذه الدراسة، ما دامت الاداب العالمية جميعها، ومنها الشعر، تلتقي في محطات،وتفترق في اخرى، مع علمنا ان موضوع الادب يشتمل على انشغالات الانسان المتعددة، ومنها الذهنية المتخيلة،ومنها الاحداث الواقعية، ومنها قضايا الفكر المتعددة. واذا ما نظر الباحث، للوهلة الاولى، الى الادبين: الفارسي والمغربي الاندلسي يجد انهما يتمايزان تمايزا ملحوظا، رغم انهما يلتقيان في اصول عديدة، وهذا التمايز هو الذي يعطي لكل ادب شخصيته المستقلة، وخصوصيته الذاتية.

مع مراعاة البعد الزمني، نجد ان الادب الفارسي اعمق امتدادا في التاريخ الانساني من نظيره الاندلسي الذي ترعرع مع الحضارة الاسلامية، وفي كنفها في الاندلس. «وكان الادب العربي، في المشرق، قد افاد من الادب اليوناني والفارسي في عهود قديمة، واتصل بالاداب الاوروبية في العصور الوسطى يغذيها بمواد موضوعاتها الادبية في ميدان الشعر وقصص الفروسية والحب»((323)). بهذا نجد انفسنا في مقارنة تختل اطرافها الزمنية، اي بين ادب يمتد في جذور التاريخ، وكان تاثيره واضحا على الادب العربي، وبين ادب اندلسي مغربي شاب ينضح بالحيوية والعنفوان. وهذا ما يزيد المسالة تعقيدا، فكيف سنقارن بين ادب فارسي مر بمرحلة الشباب وهرم، ثم تجدد، وبين ادب جديد تتدفق دماؤه الطرية في عروق جديدة الجدة كلها؟

من داخل هذا الاختلاف تطل المشاكلة براسها، وكاني بالادب الفارسي يقول صائحا: انني لم اهرم، ولم تمسني الشيخوخة، فانا قادر على تجديد شراييني باستمرار، لان الادب، والشعر منه، لغة الاحاسيس المتغيرة. ولغة الاحساس،كلما تقدمت في الزمن، ازدادت اتقادا ومراسا وتجربة وغنى. وبما ان القضايا الكبرى لا تموت بموت الاجيال، اوبانصرام الزمن، ولا تفقد معناها بتغير اشكالها، فان الشعر قادر على الاجابة عن تلك المعضلات التي تستعصي على اهل المنطق والعقلانية. بل ان نقطة قوته وخلوده تكمن في لا منطقية خطابه، وانفلاته «الزئبقي» المستمر من سجن العقل والتاريخ.

وياتي دور الادب الاندلسي المغربي مفتخرا ومدافعا قائلا: اذا كان الادب الفارسي يفتخر بانه وارث ساسان وكسرى والحضارات العريقة جميعها، فاني حديث السن. لكني، وان كنت الاخير زمانه، لات بما لم تستطعه الاوائل. لقد خضت معارك علمية وادبية مع اساتذتي في المشرق، وفقتهم في كثير من الميادين، رغم اني لا انكر استاذيتهم لي، بل ان نقطة قوتي هي حداثة سني وغزارة ادبي وتنوع ذوقي ومناهجي، وتعدد مجتمعي المؤلف من الطوائف والاعراق والاديان جميعها، كما يجب الا تنسوا اني تعرضت على ايدي محاكم التفتيش الى حملة تصفوية قاسية ضاعت معها جل كنوزي الادبية، ووالدي المغربي يحتفظ بالكثير من اسراري، فقلب صفحات شعري لتعلم صدق اقوالي.

كانت هذه «المقامة» الافتخارية مشجعة لي كي الج مضمار المقارنة «الذي يكتسي مدلولا تاريخيا، ذلك انه يدرس مواطن التلاقي بين الاداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، في حاضرها او في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تاثير او تاثر، ايا كانت مظاهر ذلك التاثير او التاثر، سواء تعلقت بالاصول الفنية العامة للاجناس والمذاهب الادبية او التيارات الفكرية، ام اتصلت بطبيعة الموضوعات والمواقف والاشخاص التي تعالج او تحاكي في الادب، ام كانت تمس مسائل الصياغة الفنية والافكار الجزئية في العمل الادبي، ام كانت خاصة بصور البلاد المختلفة، كما تنعكس في آداب الامم الاخرى، بوصفها صلات فنية تربط ما بين الشعوب والدول بروابط انسانية تختلف باختلاف الصوروالكتاب، ثم ما يمت بصلة من عوامل التاثير والتاثر في ادب الرحالة من الكتاب»((324)). لكن الصعوبة تطل براسها من جديد، في المفارقة اللغوية بين الادبين: الفارسي والاندلسي المغربي؛ اذ تصبح عملية الترجمة محفوفة بالمخاطر، لان النص الادبي - الشعري يجد معانيه وحيويته في لغته الاصلية، وكل ترجمة لنص ما هي اعادة انتاج له، ان لم تكن خيانة او تحريف له. ولا تتوقف الاشكالية عند الادب الفارسي، بل تتعداه الى الادب الاندلسي الذي كتبت كثير من كنوزه بلغات اخرى غير العربية، ومنها العبرية والامازيغية، علاوة على الادب المدجن (Litteratura Mudeja) الذي كان يكتب بالعربية، لكن بحروف لاتينية، تقية من محاكم التفتيش المسيحية، والادب الاسلامي المكتوب بالقشتالية.

ولحسم هذه الاشكالية سنعمد الى انموذج عربي صرف من الادب الاندلسي المغربي، والى انموذج من الادب الفارسي كتب بالفارسية والعربية، اي من ذوي اللسانين، مع الاخذ بترجمة نصوصه الفارسية المعربة.

الادب الاندلسي من التقليد الى التجديد

كل من له اطلاع بسيط على الادب الاندلسي المغربي يعلم انه مر بمراحل كثيرة قبل ان يصل الى حالة الاستواءوالاستقلالية، وقد كلفته هذه المسيرة زهاء اربعة قرون من الزمن، حتى قوي عوده واثبت جدارته واستقلاله عن الادب المشرقي. هذا الذي حاول ان يمارس وصايته على الادب الاندلسي على الرغم من كبر سن الاخير. وقد تافف الاندلسيون من هذا الاستتباع، وضاقوا ذرعا بحملات المن والاذى التي كان يشنها بعض اعلام المشرق العربي، وقدعبر ابن بسام الشنتريني عن بعض ذلك في مدونته الادبية الكبرى، الذخيرة، قائلا:

«... وما زال، في افقنا، هذا الاندلسي القصي، الى وقتنا هذا، من فرسان الفنين وائمة النوعين، قوم هم ما هم: طيب مكاسر وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا باطراف الكلام المشقق لعب الدجى بجفون المؤرق، وجدوابفنون السحر المنمق حداء الاعشى ببنات المحلق، فصبوا على قوالب النجوم، وغرائب المنثور والمنظوم، وباهوا غررالضحى والاصائل بعجائب الاشعار والرسائل، نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، او اجتلاه ابن هلال لولاه حكمه، ونظم لوسمعه كثير ما نسب ولا مدح، او تتبعه جرول ما عوى ولا نبح، الا ان اهل هذا الافق ابوا الا متابعة اهل المشرق يرجعون الى اخبارهم المعتادة رجوع الحديث الى قتادة، حتى لو نعق بتلك الافاق غراب، او طن باقصى الشام والعراق ذباب،لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما»((325)).

ولعل ابن بسام يقدم بعض الدوافع التي جعلته يصنف مصنفه الموسوعي للتعريف بجواهر الادب الاندلسي، وفق تنامي النزعة الاندلسية المستقلة التي ظهرت في مقدمات المصنفات الادبية الكبرى عند الفتح بن خاقان، في مقدمة القلائد، وابن فرج الجياني صاحب الحدائق (الضائع)، وابي الوليد اسماعيل الاشبيلي صاحب «البديع في وصف الربيع»، وابي الوليد الشقندي صاحب الرسالة في المفاضلة بين البرين، ومع بعضهم بعد ذلك كابن الخطيب والمقري، فضلا عن المعاجم والبرامج وكتب التراجم المختلفة. هؤلاء جميعهم حاولوا ان يبرزوا هذا الخط الادبي الاندلسي المستقل النابع من اعتزازهم ببلدهم، وبعمق الانتماء اليه والولاء له، مع القطع بالتفوق والاصالة. وكان الاندلسيون، في رؤيتهم هذه، يعتمدون المنهج الاقليمي، والمعاصرة، اعلانا منهم لبداية التاريخ الادبي لادابهم واعلامهم، ولم تبن هذه الاستقلالية على المكابرة او المزايدة وتضخيم الذات امام الادب المشرقي، بل بنت قواعدها على الروائع الشعرية والنثرية للاندلسيين التي حظيت باعتراف حتى من المشارقة، على الخصوص في عصري الطوائف والمرابطين، والزمن الموحدي، الذي عرف بزوغ شعراء لامعين، امثال ابن دراج القسطلي (وكان اول شاعر امازيغي ابدع في العربية)، وابن حزم، وابن شهيد، وابن زيدون، وابن خفاجة، والمعتمد بن عباد، وابن الزقاق البلنسي، وابن صارة الشنتريني، وابن قزمان، وابن الابار البلنسي وابن عربي، والشوشتري. والقائمة طويلة جدا لا يمكن حصرها، ما دام هناك تراث اندلسي هائل محجوب عنا الى اللحظة الراهنة. وقد عبر هؤلاء الاعلام الاندلسيون عن نهاية مقولة الصاحب بن عباد: «بضاعتنا ردت الينا»، بعد اطلاعه على كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه، مع العلم ان ابن عبد ربه، حينما كتب «العقد الفريد»، لم يكتبه للمشارقة انما كتبه للاندلسيين والمغاربة، ليعرفهم بادب المشرق، غير ان اصالة الادب الاندلسي لم ترق كثيراللنقاد من القدماء والمحدثين، حينما ذهبوا الى القول: ان الادب الاندلسي ما هو الا صورة مكرورة وباهتة للادب المشرقي، ولا شك في ان كثيرا من تلك الاراء كانت نابعة من نزعة استعلاء اكثر مما هي قائمة على اسس علمية.

الادب الفارسي: من الاستقلال الى الاشتراك

ربما كان الادب الفارسي، في سيرته، على العكس من الادب الاندلسي، لانه انطلق في البداية ليعبر عن واقعه الخاص الذي كان يختلف كثيرا عن الواقع العربي قبل البعثة الاسلامية، وكانت استقلاليته موضوعية وفنية تعكس الشخصية الايرانية بابعادها الثقافية والتاريخية والجغرافية جميعها، مستقلا، في ذلك، عن الجار العربي الذي كان يعيش بدوره خصوصيته وشخصيته الثقافية والبيئية. واذا كانت العلاقة بين الفرس والعرب علاقة غير ثابتة تترجح بين التوافق والاحتراب، فان البعثة الاسلامية كانت قد خلقت واقعا جديدا، مؤسسة بذلك معاني وقواعد جديدة للتعارف والتوافق والامتزاج. وقد انعكست هذه القواعد الاسلامية على الحقل الادبي، وبهذا عرف الادب الفارسي مرحلة جديدة طبعته بطابع التفاعل والاشتراك بعد ان كان هذا الادب الايراني القديم صلة بين الادبين: الهندي والعربي في ما يخص الحكايات الشعبية والاسطورية المروية على لسان الحيوان. كما تروي المصادر انه على عهد «كسرى انوشروان» حصل طبيبه الخاص «بروزيه» على نسخة من كتاب «پنج تانترا» الهندي ونقله الى اللغة البهلولية، واضاف اليه قصصا اخرى لم نقف بعد على مصادرها جميعها. والحيوانان الرئيسان في ذلك الكتاب من فصيلة ابن آوى، ويسميان «كارتاكا» و«داماناكا»، ومنهما استخرج اسم الكتاب الفارسي «كليلة ودمنة الذي ترجمه عبدالله بن المقفع من اللغة البهلوية الى اللغة العربية حوالى منتصف القرن الثامن الميلادي»((326)).

ولم تقتصر الاداب العامة على مجال القصص الخرافية والاسطورية، بل شملت ميادين اخرى، منها ما قدمه الفردوسي في «الشاهنامه»، وكان هذا النوع الادبي خليطا من الاخبار التي تحكى عن الملوك، وتتجاهل اخبار العامة واحوالهم. كماانها كانت مزيجا من التاريخ والقصص الخرافية التي يستحيل تصديقها عقليا، وكان هذا الصنف شائعا على نحو واسع،ولو ان ابا الفضل محمدبن حسين البيهقي (ت 470هر1077م) كان قد نبه في تاريخه... «الا يتقبل شيئا مما يرفضه العقل من الاخبار التي تقرا عليه... ولكن اكثر الناس من العامة يفضلون الباطل والممتنع، مثل اخبار الشياطين والجن والغول...وما يشبه هذه الخرافات التي ينام عليها الجهال حين تتلى عليهم في المساء، واما اولئك الذين يتطلبون القول الصحيح لكي يصدقوه، فهم الذين يعدون من العلماء، وعددهم جد قليل، يتقبلون الطيب ويطرحون ما عداه، ورحم الله ابا الفتح السبتي الذي قال، وما اجمل ما قال:

ان العقول لها موازين بها
تلقى رشاد الامن، وهي تجارب»((327))

واذا كان العرب يعتمدون المصادر الشفوية والرواية، في نقل اخبارهم والحفاظ على استمرارها، فان الفرس على العكس من ذلك قد اعتمدوا الكتابة والنقل من مصادر مدونة. وكان هذا النقل التوثيقي مشجعا على بروز انواع ادبية متنوعة في الادب الايراني القديم، منها ادب المناظرة التي كانت تدور بين وجهتي نظر مختلفتين. وقد بقي لنا من الادب الايراني القديم حوار ادبي عنوانه: «الشجرة الاشورية» (درخت اسوريغ)، وهي النخلة، وموضوعه حوار بين النخلة والتيس ايهما افضل من الاخر، وقد وصلت الينا هذه القطعة مكتوبة عن طريق النثر، ولكن العالم الفرنسي «بنفست» (E Benvensite) اكتشف انها في الاصل ذات وزن وقواف، وان النساخ كتبوها في صورة النثر جهلا منهم بالشعر الايراني القديم، وهذا الوزن قريب من المتقارب المثنوي المعروف في العربية، ثم في الفارسية الحديثة بعد الفتح الاسلامي»((328)).

وقد تاثر الادب العربي، بعد ذلك، بهذه الفنون الادبية الفارسية ايما تاثر، ونجد صدى لهذه المناظرات في المقامات العربية عند الحريري وغيره. كما ان الادب الفارسي نفسه كان قد تاثر بالادب العربي بعد الفتح الاسلامي، ووصل في بعض الفنون الى حد الامتزاج والتلاقح الفنيين والفكريين. ومن اخص الخصائص التي تاثر فيها الادب الفارسي بالادب العربي العروض والقافية؛ «ذلك ان الايرانيين القدماء لم يكن لهم اوزان من الشعر وهم لذلك مدينون، في اوزان شعرهم جميعها، في لغتهم بعد الفتح، للغة العربية التي كانت تستاثر وحدها بالاوزان العروضية والقافية. هذا ما كان يقرره مؤرخو الادبين: العربي والفارسي، ويقول محمد عوفي: ان اول شعراء الفرس كان «بهرام مور» لاتصاله بالعرب وتثقفه بثقافتهم واجادته لغتهم، وبعده لم يقل الشعر الفارسي احد. اما غناء «باربد» فكان في مطلق من الكلام غير منظوم. وحين عرف الفرس لغة الغرب، واطلعوا على لطائفهم، نقلوا اوزان شعرهم»((329)).

غير ان هذا لا يعني القول بتاثير ايراني في العروض العربي في ما يخص البحور الايرانية القديمة التي وجدت في العربية، وقد يكون هذا المدخل التاثيري «عن طريق الحيرة مثلا»، هذا ما يفترضه المستشرق الدانمركي «كريستنسن». وليست الاوزان او العروض هي المساحة المشتركة الوحيدة للالتقاء الادبي الفارسي - العربي، اذ كانت اللغة اداة للالتقاء رغم اختلافها؛ وذلك راجع للعلاقات الوثيقة التي كانت تربط بين ايران وجيرانها العرب.

ويقدم الباحث المغربي المرحوم الدكتور عبد اللطيف السعداني (خريج جامعة طهران سنة 1964) بحثا قيما عن ذوي اللسانين من الشعراء العرب الذين ضمنوا اشعارهم الفاظا ومعاني فارسية، تنم عن اطلاع واسع على هذه اللغة، ويدل ايضا على اتقان لها. وظاهرة الازدواج اللغوي كانت منتشرة حتى بين شعراء فارس. يقول الدكتور عبد اللطيف السعداني: وبين اللسانين اتصال يعود الى اعصر بعيدة، وبين القومين صلة بلغ بها المؤرخون المسلمون درجة القرابة والنسب، فقالوا: ان الفرس ابناء اسحاق. وفي هذا يقول الشاعر العربي جرير بن عطية الخطفي (ت 111ه)، مشيرا الى ان فارس والروم والعرب هم جميعا اولاد اسحاق بن ابراهيم:

وابناء اسحاق الليوث اذ ارتدوا
حمائل ملك لابسن السنورا
فيوما سرابيل الحديد عليهم
ويوما ترى خزا وعصبا منيرا
اذا افتخروا عدوا الصهبذ منهم
وكسرى وآل الهرمزان وقيصرا
ترى منهم مستبصرين على الهدى
وذا التاج يضحي مرزبانا مسورا
اغر شبيها بالفنيق اذا ارتدى
على القبطري الفارسي المزررا
وكان كتاب فيهم ونبوة
وكانوا باصطخر الملوك وتسترا
لقد جاهد الوضاح بالحق معلما
فاورث مجدا باقيا اهل بربرا
ابونا ابو اسحاق يجمع بيننا
اب كان مهديا نبيا مطهرا
فيجمعنا والغر ابناء سارة
اب لا نبالي بعده من تعذرا
ابونا خليل الله، والله ربنا
رضينا بما اعطى الاله وقدرا((330))

ويستمر المرحوم الدكتور السعداني في ذكر اواصر القرابة بين العرب والفرس، فياتي برواية المؤرخين عن رباط المصاهرة بينهما، فيقول: «ذلك ان الضحاك قد كان عربيا من تبابعة اليمن، وان ملك كابل الذي كان من اولاده قد زوج بنته روذابه بزال بن بسام، وكان ثمرة هذا الزواج بطل الفرس الملحمي رستم بن زال»((331)) كما تحكي الشاهنامة هذه الاحداث بالتفصيل. «وتاكدت صلة المودة بين العرب والفرس حينما قدم انوشروان العون لسيف بن ذي يزن، ملك اليمن، ليساعده على صد غزو الاحباش سنة 522م، فسمي لذلك جيش الفرس جيش النجاة، وانحازت اليمن الى بلادفارس من ذلك الحين»((332)). ولم تقف حدود العلاقة عند التاثير والتاثر الادبيين بين الطرفين، او عند علاقات المصاهرة والنسب فحسب، بل امتدت الى العلاقات الدينية، حينما انتشرت المجوسية في بلاد العرب، «حتى لقبت احدى قبائلهم بها، وهي بنو مخزوم الذين دعوا بالمجوس»((333)). وهذا ما يؤكده ابن قتيبة في المعارف حول اديان العرب، وحينما اتى الاسلام عامل المجوس معاملة اهل الكتاب، فقد قال الرسول(ص)، في حق مجوس هجر: «سنوا فيهم سنة اهل الكتاب»، فاخذت منهم الجزية((334)). وعندما هدى الله سلمان الفارسي الى الاسلام بعد المجوسية، انفتح عالم فارس من جديد للعرب في ظل الاسلام، وكانت حظوة سلمان لدى النبي(ص) ايذانا بالدور الذي ستقوم به هذه الامة في بناء الحضارة الاسلامية.

العلاقات الفارسية العربية بعد الاسلام

لم تكن العلاقات، بعد الاسلام، اضعف مما كانت عليه قبل الاسلام، بل زادت وتوثقت مكتسبة معاني جديدة وقيماسامية ذات معان متعددة، فاستمرت بذلك صلات الروح والفكر والعقائد والنسب بين العرب والفرس. يقول الدكتورالسعداني في هذا الصدد: «.. ويرمز الى هذه (المناسبة) زواج ثلاثة من نجباء العرب وورثة الصديقية والفاروقية والحيدرية، وهم: القاسم بن محمدبن ابي بكر، وسالم بن عبدالله بن عمر، وعلي بن الحسين، زين العابدين بن علي،ثلاث بنات من يزد جرد الثالث آخر ملوك الدولة الساسانية. والزواج الاخير على الخصوص انجب فكرة دعمت الحكم عند الفرس؛ حيث جمع فيه شرف النسب النبوي وسلالة سؤدد الملك الكسروي»((335)). ولا نمر بهذا الشاهد من دون اثارة قضية مهمة تتعلق بزواج الامام الحسين(ع) بشهر بانويه، وهو الزواج الذي ذهب الشهيد مطهري الى التشكيك فيه قائلا: «نحن، ان تعمقنا في تحقيق قصة زواج الامام الحسين(ع) بشهر نابويه من الناحية التاريخية، لبدت قصة مشكوكافي صحتها من الاساس»((336)). ويناقش الشهيد مطهري هذه القضية بعمق، معتمدا في ذلك على مجموعة من المصادرالتاريخية والحديثية التي لم تذكرها، ما عدا ما اثبته اليعقوبي. ولقد رفض هذه القصة «ادوار براون»، وشكك فيها «كرستن سن»، وعدها السيد سعيد النفيسي من الاساطير((337)). وقد توقفنا عند هذه الحادثة، لان هناك شبهة يروجها بعض الباحثين مفادها ان الفرس تشيعوا لان ولادة الائمة الاطهار(ع) من سلالة ملوك الفرس. ويجيب الشهيد مطهري عن هذه الاشكالية قائلا: «يعلم الله، ويعلم كل شيعي فارسي انه ليس لشهر بانويه عندنا مقام ارفع ولا اعلى من سائر امهات الائمة الاطهار، وهن من العرب والروم والمغرب والبربر وافريقية»((338)). ان هذه القضية تشبه قول من قال: افترس الذئب الامام يعقوب على منارة في البصرة! فاجابوه: انه لم يكن يعقوب بل يوسف، ولم يكن في البصرة بل في مصر، ولم يفترسه الذئب بل كذب عليه اخوته بذلك((339)).

وان كان الفرس يحترمون الائمة الاطهار لانتسابهم الى يزدجرد (اسرة الساسانيين) كان يجب ان يقولوا بمثله للاسرة الاموية ايضا، اذ حتى الذين ينكرون ابنة يزدجرد باسم شهر بانويه يقولون: «ان قتيبة بن مسلم عثر، في عهد الوليد بن عبد الملك، في احدى الحروب على «شاه افريد» حفيد يزدجرد، فاسرها وبعث بها الى الوليد بن عبد الملك فتزوجهالنفسه، فولدت له يزيد بن الوليد بن عبد الملك»، الملقب بالناقص. اذن فالخليفة الاموي يزيد الناقص كان ينتسب، من طرف امه، الى الملوك الفرس قطعا، فلماذا لم يتعاطف الفرس مع الوليد بن عبد الملك بعنوان انه صهر ملكهم، ولا مع يزيد الناقص بعنوان انه واولاده من احفاد سلسلة الساسانيين؟ مع انهم احبوا الامام الرضا(ع)، مثلا، لانه ينتهي في جده السادس الى يزدجرد! بل لو كان للفرس هكذا عواطف قومية لكان يجب عليهم ان يحترموا عبيدالله بن زياد احتراماكبيرا! لان عبيدالله فارسي من قبل امه قطعا، وان كان ابوه رجلا مجهول النسب، ولكن امه «مرجانة» او «مهركان» بالفارسية من فارس شيراز، تزوجها زياد حينما كان واليا على فارس((340)) مع العلم ان الفرس كانوا سنة، وكان بعضهم من المتعصبين ضد التشيع، اذ كانوا يسبون الامام عليا(ع)، على منابرهم بتاثير من دعايات الامويين حتى قيل: ان بعض مدن ايران قاومت منع عمر بن عبد العزيز ذلك، فاصرت على سبه(ع)((341)).

ويسوق الشهيد مطهري حججا قوية لدحض هذا القول، يضيق المقام عن ايرادها جميعها، ولا ندري كيف لم ينتبه الى هذا الامر باحث حصيف في حجم الدكتور عبد اللطيف السعداني، ولعل ما يشفع للمرحوم السعداني انه كان يبحث عن نقاط الالتقاء، اكثر من الافتراق، وان كانت بعض عناصر الالتقاء تخلق لتشويه الحقيقة، وضرب الحق، وتوسيع الشقة بين المسلمين، مع العلم ان علاقات العقيدة والفكر هي ارقى من علاقات المصاهرة والنسب. وما دمنا، في اطارالعلاقات الثقافية والادبية بين ايران وافريقيا، ومنها حدود التماس التاريخي بين ايران والمغرب - الاندلس المحسوبتين على الغرب الاسلامي حسب اصطلاح «ليفي بروفنال»، لقد كان المغرب يمثل صمام الامان بالنسبة للاندلس، اذ كان المغرب، باعتباره بلدا افريقيا مسلما، القاعدة والمنطلق لفتح الاندلس بقيادة الزعيم المغربي الامازيغي طارق بن زياد الذي كان تحت قيادة موسى بن نصير الذي كان من القادة المسلمين الايرانيين، حسب تحقيق الشهيدالمطهري((342)). فلنا اذن ان نعلن، نحن المغاربة والايرانيين، شراكة فتح اسبانيا الاسلامية، كما كان المغرب الدرع الواقي للاندلس من حملات المسيحيين الاستردادية، وكان المغرب الجسر العلمي الامن لمعبر العلماء من الاندلس واليها، كماان المغرب خسر الشيء الكثير في الدفاع عن ترابها وحرماتها في ظل ميوعة حكامها، وبهذا يحق لنا القول: ان القطرالاندلسي كان مغربيا بامتياز في كل شي ء، مع العلم ان المغاربة كانوا يتركون للاندلسيين حريتهم واستقلاليتهم حفاظاعلى خصوصيتهم داخل العائلة الواحدة.

علاقات التاثير والتاثر بين ايران والمغرب

اذا حاولنا ان نتوقف عند جل العلاقات الفكرية والادبية بين ايران والمغرب، فلن ينتهي بنا البحث الا على مدونات ومجلدات، لعمق هذه العلاقة وتعدد مجالاتها، ولذلك سنركز الحديث، في هذه العجالة، على مجال دون آخر وبخاصة ما يتعلق بمباحث الادب، واللغة التي شغف المغاربة والاندلسيون بها ايما شغف، عكسه اهتمامهم المتزايدب «الكتاب» لسيبويه الايراني. وقد تجلى هذا الشغف المغربي في الشروحات الكثيرة والمتنوعة ل «كتاب» حتى بلغ المغاربة والاندلسيون حد البراعة والتفوق في علوم اللسان «اذ كان اول ما ذاع بينهم منها كتاب الكسائي وسيبويه، كما قام ابو الحجاج يوسف بن عيسى (ت 475ه) بشرح كتاب سيبويه من الشعر ونقد نحوه، ويعد ابو الحسن علي بن محمدالحضرمي المعروف بابن خروف الاشبيلي (ت 602ه) صاحب شروح معروفة على سيبويه من النحو في عصره»((343)).

واذا اردنا ان نحصي جميع شروح المغاربة والاندلسيين لكتاب سيبويه، في النحو العربي، لاقتضى ذلك منا ببليوغرافياخاصة، وما يمكن استخلاصه، في هذه المسالة، انه قدر لعلوم النحو واللسان العربي ان تنطلق وتتاسس في بلاد ايران على ايد وعقول ايرانية فذة، وكان لها ايضا ان تصل الى المغرب والاندلس لتزدهر وتتفرع وتشرح وتفصل وتقوم وتنقدايضا، على يد علماء المغرب والاندلس. ولم يكتف المغاربة والاندلسيون بشرح كتاب سيبويه في النحو العربي فحسب، بل انهم زادوا على ذلك بان الفوا وصنفوا في النحو الفارسي والنحو التركي، وهذا ما تؤكده كتب التاريخ الادبي، عن ابي حيان محمدبن يوسف بن النفزي الاثري الغرناطي (654 - 745ه) الذي درس في غرناطة ومالقة، وكان يلقب ب «شيخ النحاة» لعلمه الغزير في هذا الباب. وكان، الى جانب ذلك، واسع المعرفة في فروع اخرى من العلوم الاسلامية، وقد اتقن اللغات الفارسية والتركية والحبشية. وقد الف ابو حيان كذلك في نحو الفارسية ونحوالتركية((344)).