الصفحة التالية

الصفحة السابقة

وبعد مرحلتي العلقة والمضغة تاتي مرحلتا العظام واللحم، وقد جعلهما المؤلف في الفصل الثامن، وعن العظام يقول المؤلف: ينتقل شكل الجنين من مرحلة النطفة التي لا تحمل شكلا آدميا الى مرحلة العظام التي يغلب عليها شكل الهيكل العظمى المميز للانسان. وتتضمن عملية تكون العظام مجموعة طلائع خلايا الانسجة الوسط ى «النسيج الجنيني الضام» لكل من العظام الغشائية والعظام الغضروفية، وحين تتكون العظام بين الاغشية «كعظام الفك السفلي والفك العلوي»، تتكاثف خلايا النسيج الاوسط مكونة اكداسا من الخلايا، وتتميز على شكل خلية تعظم (او بداءة عظيمة) تفرزبدورها حول نفسها منبتا عضويا للعظام يكون غنيا بالغراء... وتتكون العظام الغضروفية على نحو مماثل تقريبا. ومن العظام، دخل المؤلف في الحديث عن تكون العضلات من الخلايا الابتدائية التي يندمج بعضها مع بعضها، وتشكل الانابيب العضلية، والتي تتطور بدورها حتى تكون النسيج العقلي مواكبا لنظام الهيكل العظمي، بمعنى ان النسيج العضلي يكسو العظام، وهنا ياتي المؤلف بقول الله تعالى: (فكسونا العظام لحما)، ويؤكد علميا ان التعبير القرآني(فكسونا) هو ادق تعبير يمكن استعماله.

«النشاة» هي المرحلة التالية في رحلة تخلق الجنين، ولها خصائص شرحها المؤلف على صفحات الفصل التاسع، وركزفيها على تطور الاعضاء والاجهزة، نفخ الروح (الاحاديث النبوية المروية عن ذلك في صحيح مسلم)، التغيرات في مقاييس الجسم واكتساب الصورة الشخصية: (الذي خلقك فسواك فعدلك، في اي صورة ما شاء ركبك) [الانفطار/7و8]، تحديد الجنس من حيث الذكورة والانوثة. ولمزيد من التفصيل في النشاة بسط المؤلف الكلام على مراحل هذا الطور الجنيني في النقاط الاتية: النشاة خلق آخر، اقل مدة حمل، الحضانة الرحمية (على امتداد الاشهرالثلاثة عقب الشهر السادس من الحمل)، المخاض او الولادة والتيسير الالهي لذلك...

جاء الفصلان العاشر والحادي عشر لينهى المؤلف بهما كتابه، وهما اشبه بتعليقات علمية موجزة على المصطلحات القرآنية والنبوية في خلق الجنين، وخصص لتعليقاته على الايات القرآنية الفصل العاشر، كما خصص لتعليقاته على الاحاديث النبوية الفصل الحادي عشر والاخير. وكان جل تركيزه، في هذا الفصل، على الحديث النبوي المشهوربحديث الاربعينات: «ان احدكم يجمع خلقه في بطن امه اربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر باربع كلمات، بكتب رزقه واجله وعمله وشقي او سعيد».وقد اهتم المؤلف بوصف ما يحدث في الاربعين يوما الاولى للجنين. وتاتي الخاتمة لتستغرق نصف صفحة فقط، وهي فقيرة المحتوى، ولم يضمنها المؤلف النتائج او الاستنتاجات التي توصل اليها في كتابه الذي اتينا على عرضه.

محاولات للتفقه في الدين
المسافة الشرعية للتقصير

عباس النابلسي

نقدم، في ما ياتي، عرضا للكتاب الموسوم بعنوان: «محاولات للتفقه في الدين، المسافة الشرعية للتقصير»((498)) للاستاذحسن خليفة.

قدم للكتاب الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي، فاثار قضية مهمة تتمثل في «طرائق البحث الاستدلالي»، فاشار الى منهجين في التعاط ي مع النص التشريعي، احدهما: المنهج الكلامي الذي يعتمد قواعد علم المنطق ومصطلحات علم الكلام من قواعد ومبادى في معالجة النصوص، والثاني: المنهج اللغوي الاجتماعي، وهو ما يعبر عنه في لغة اصول الفقه بالبحث الدلالي المعرفي الذي يعني دراسة دلالة النصوص دراسة لغوية عرفية اجتماعية، مرجعا العمل بالمنهج اللغوي الاجتماعي الى حقبة الفقهاء الرواة ومرحبا باعادة احيائه لان من شان ذلك ان ينتهي الى منهج تكاملي.

موضوع الكتاب ومنهجه

يتمثل موضوع البحث، في هذا الكتاب، في «تحديد المسافة الشرعية، ومن ثم في معرفة مدى انسجام ذلك التحديد مع مستوى شرعية الافطار والتقصير، وهو العزيمة، ومع علة الشرعية، وهي المشقة، ومع موضوع الشرعية، وهوالسفر».

اعتمد الكاتب، في معالجة هذا الموضوع، كما يقول د. الفضلي، «منهج البحث اللغوي - الاجتماعي، وهو ما يعبر عنه في لغة اصول الفقه بالبحث الدلالي العرفي الذي يعني دراسة دلالة النصوص الشرعية دراسة لغوية عرفية(اجتماعية)».

وسعى، بشكل جاد، للخروج بنتيجة تتصل بواقع النص والواقع المعاصر، متوسطا بين العرض والاستدلال، والفقه الواحد والمقارن في تفصيلات مسائله بحسب ما يقتضيه المقام، ناهجا التراتبية في دراسة مسائل البحث قرآنا فحديثاففقها.

قسم الكاتب مسائل بحثه كما ياتي:

1. مستوى الشرعية بين الرخصة والعزيمة،
2. المشقة وتحديد المسافة وقيمة الوقت في القراءة الزمنية للمسافة،
3. المسافة التلفيقية،
4. ادمان السفر والاقامة،
5. حد الترخص،
6. جدار الاجماع،
7. تحديد موضوع التقصير والافطار.

والسبب الرئيسي الذي دعا الكاتب لدراسة الموضوع هو شعوره بتحول الفتاوى السائدة في الموضوع الى مشكلة واقعية تواجه المكلفين وتعسر عليهم في الوقت الذي كان فيه اصل الحكم الشرعي، في القرآن والسنة، من اجل التيسيرعلى المكلفين.

بين الرخصة والعزيمة قرآنا

في المسالة الاولى، بحث الكاتب في الجدل المثار حول ما اذا كان الافطار في السفر رخصة ام عزيمة، وفي النزاع حول مفهوم الاية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر) [البقرة/185]، اذ يرى المؤلف ان مفهوم الاية، من الناحية الاصولية، هو «من لم يشهد الشهر فلا يصمه» ، ويعينه على ذلك قوله تعالى:(فعدة من ايام اخر) الدالة على وجوب القضاء، في حين يطرح اشكالا آخر في آية سابقة تتضمن معنى هذه الاية نفسه،وهي (فمن تطوع خيرا فهو خير له) [البقرة/184] التي تدل على التخيير في صيام السفر، فيرى الكاتب ان الاية تدل على صيام التطوع، وهو المستحب من الصيام في غير شهر رمضان، وربما يعين على هذا الفهم توجيه الخطاب بضمير المفردالغائب في «له» (ص 10).

اما في ما يتعلق بالاية: (واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا...) [النساء/101] التي تدل على جواز القصر وليس على وجوبه، فقد راى ان قراءة الاية مجردة عن سياقها يحدث غموضا في الفهم، فلذا يجب ان تقرا ضمن سياقات الايات التي وردت فيها صيغة «ليس عليكم جناح» البالغ عددها (24آية) موزعة على (6 سور)، فان قراءة تلك الايات تبين ان ثمة انزياحا دلاليا في استخدام هذه الصيغة الذي لا يمكن التقاطه بمعزل عن فهم الواقع الذي وردت فيه والاطلاع على سبب نزول الاية في شان الذين تحرجوا من الافطار فسموابالعصاة (ص 21).

- بين الرخصة والعزيمة حديثا

استعرض الكاتب، بداية، جملة من الاحاديث من طرق السنة والشيعة يبين، من خلالها، ان حكم الافطار والتقصيرعزيمة لا رخصة، ومن الاحاديث عن طرق الامامية ما ورد عن زرارة؛ حيث سال ابا عبدالله(ع) عن قول الله عز وجل:(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال: ما ابينها، فمن شهد فليصمه، ومن سافر فلا يصمه. اما من طرق السنة الحديث المشهور: «ليس من البر الصيام في السفر» الذي قراه النبي(ص) بلغة حمير «ليس من امبر امصيام في امسفر». ولشهرة هذاالمبنى لدى الصحابة والتابعين اشتهر عن ابن عمر قوله: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الاثم مثل جبال عرفة». وقداعتمد المؤلف على سياق النص المشار اليه في هذا الحديث: عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لابي جعفر(ع): ماتقول في الصلاة في السفر؟ كيف هي؟ وكم هي؟ فقال: ان الله عز وجل يقول: (واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة) فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا: انما قال الله عز وجل:(فليس عليكم جناح) ولم يقل «افعلوا» فكيف اوجب ذلك كما اوجب التمام في الحضر؟ فقال(ع): اوليس قد قال الله عزوجل «ان الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما، الا ترون ان الطواف بهماواجب مفروض لان الله عز وجل ذكره في كتابه ووصفه نبيه(ص) وكذلك التقصير شيء صنعه النبي(ص) وذكره الله في كتابه».

فنفي الجناح في الاية لا يفيد الجواز بل هو بمثابة انزياح اسلوبي لما يقتضيه واقع النزول. اما الاراء التي استند اليهاالسيد خليفة من السنة ما نقل من مذاهب الصحابة والتابعين واصحاب المذاهب الفقهية، منها ما اشار اليه ابن عبدالوهاب بقوله: «اختلف العلماء، قديما وحديثا، فذهب عمربن الخطاب وابو هريرة وعبد الرحمن بن عوف ان ذلك لايجوز - يعني الصيام في السفر فان صام امر بالاعادة...»، وخلص المؤلف من خلال تتبعه لاراء السنة ان الذين لا يقولون بوجوب الافطار قالوا بافضليته (ص 19 - 23).

- المشقة قرآنا

وقد استدل بالاية الكريمة: (من كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)[البقرة/185] حيث ان ظاهرها مشعر بعلية المشقة والعسر اعفاء للمريض والمسافر عن صيام يزيد مشقتهما، واذا كان الاعذار موضوعه الاعسار اذا لا تيسير على ميسور، فان الاساس النظري في الاستثناء على قاعدة الصوم بالافطار وعلى قاعدة الاتمام بالتقصير هو ما ذكره الله قاعدة واستثناء في الحاضرين رالاصحاءر الاشداء، وفي المطيقين رالمرضى رالمسافرين، بما ينسجم مع العدل الالهي في سوائية التكليف ومع الرحمة الالهية في التيسير والتخفيف (ص 25).

- المشقة حديثا

في البداية، استعرض المؤلف بعض الاحاديث التي تتضمن المشقة، ومنها: عن محمد بن محمد، في «المقنعة»، قال:قال(ع): «ويل لهؤلاء الذين يتمون الصلاة بعرفات، اما يخافون الله؟ فقيل له: فهو سفر؟ فقال: واي سفر اشد منه!؟».

وقداراد الامام ان ينص على علة التقصير، وهي الشدة التي تنال، فيقصر رحمة وتخفيفا لموضع التعب والنصب ووعث السفر (ص 31).

اما عن تقدير المشقة فالمرجع في ذلك، بالنسبة للمرض، صاحب الحالة نفسها، اما بالنسبة للمسافر فالمرجع هو العرف الاجتماعي وليس الافراد، والمجتمع يدرك العسير منه واليسير ويقدره، وهذا ما تؤيده الروايات ايضا (ص 32).

ومن ناحية الاراء الفقهية التي تناولت المشقة بوصفها موضوعا له علاقة في حكم الافطار والتقصير، فقد ذكر غير واحدمن الفقهاء ان المشقة علة التقصير والافطار، ومن ذلك قول الشريف المرتضى: «... وايضا المشقة التي تلحق المسافر هي موجبة للتقصير في الصيام والصلاة، ومن ذكرنا حاله ممن سفره اكثر من حضره ولا مشقة عليه في السفر بل ربما كانت المشقة في الحضر لاختلاف العادة، واذا لم يكن عليه مشقة فلا تقصير عليه» (ص 35).

تحديد المسافة حديثا

الاحاديث مختلفة في شان تحديد المسافة، فمنها ما ذكرت الوحدات الطولية فقط (الفرسخ، البريد، الميل)، ومنها ماذكرت الوحدات الزمنية (بياض يوم، مسيرة يوم)، ومنها ما جمعت بين الوحدتين: الطولية والزمنية، وقد احتوى هذاالقسم الاخير من الروايات على تعليل يمكن الاستعانة به على حل الاختلاف الدلالي في الروايات تحكيما للمعلل منهافي غير المعلل. ويستعرض السيد حسن خليفة الانواع الثلاثة من الاحاديث:

1. وحدات الطول:
عن النبي(ص): «التقصير يجب في بريدين».
عن الرضا(ع) في كتابه الى المامون: «التقصير ثمانية فراسخ وما زاد، واذا قصرت افطرت».
عن ابي عبدالله(ع) في حديثة قال: «في التقصير حده اربعة وعشرون ميلا».

2. وحدات الزمن:
«سالت ابا الحسن(ع) عن الرجل يخرج في سفره وهو مسيرة يوم فقال: يجب عليه التقصير في مسيرة يوم وان كان يدور في عمله».

3. الروايات الحاكمة:
عن الرضا(ع): «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا اقل من ذلك ولا اكثر، لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والاثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم..».

وفي رواية اخرى فيها زيادة على الاولى: وقد يختلف المسير، فسير البقر انما هو اربعة فراسخ وسير الفرس عشرون فرسخا، وانما جعل سير يوم ثمانية فراسخ لان ثمانية فراسخ هو سير الجمال والقوافل، وهو الغالب على المسير، وهواعظم المسير الذي يسيره الجمالون والمكاريون... (ص 41 - 43).

وقد علق المؤلف على تلك المجموعات من الاحاديث بقوله: ليس امامنا حل الا بالترجيح بين الوحدات فنتبع وحدات الزمن دون وحدات الطول، او نتبع وحدات الطول دون وحدات الزمن، او نشترط الجمع بينهما، والاحتمالات جميعها تحكمات ما لم تستند الى دليل، لان الترجيح ينقصه الدليل، وظاهر نصوص الوحدتين (الطولر الزمن) ليس فيها ما يعينناعلى الترجيح. وقد اعتمد السيد خليفة على قاعدة «الحكومة»، وهي حاكمية بعض النصوص على بعضها الاخر لاسباب اهمها وجود علة التقصير في الطائفة الثالثة من الروايات التي ذكرناها، وفسر الرواية: انما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ لينتج لنا هنا ان الحصر جعلي وليس حصرا حقيقيا، لذلك صح التعليل اللاحق، لان ثمانية فراسخ هو مسير الجمال والقوافل لان الحصر جعلي ولو كان حقيقيا لما كان للتعليل من وجه (ص 54)، وهكذا يبرهن المؤلف على وجود ازمة في النظر الاستدلالي لدى الفقهاء الذين لم يلاحظوا وجود علة لحكم التقصير في الروايات السابقة.

لكن المشكلة التي تبرز من جديد حتى لدى القول بالمعيار الزمني الذي توصل اليه الباحث، وهو «مسيرة بياض يوم» ان وسائل النقل الحديثة متفاوتة السرعة بشكل كبير جدا. فاذا امكن السيارة ان تقطع في نهار يوم (12 ساعة) (1200كلم) فان الطائرة تقطع آلاف الكيلومترات في نهار، بينما لا تزال السفن تسير بسرعة ابطا من سرعة السيارات والطائرات، فهل التفاوت بين سرعتي الجمل والفرس يسري على التفاوت بين سرعتي السيارة والطائرة مثلا، او ان ذلك التفاوت مثيل التفاوت بين سرعتي سيارة المسافرين المعتادة وسيارة السباق؟ وبين طائرة المسافرين العادية وطائرة الكونكوردالخارقة لجدار الصوت مثلا؟ ولحل تلك المشكلة يستند الباحث الى الرواية الاتية: «سئل ابو عبدالله(ع) عن رجل اتى يتسوق سوقا بها، وهي من منزله اربعة (سبعة) فراسخ، فان هو اتاها على الدابة اتاها في بعض يوم، وان ركب السفن لم ياتها في يوم، قال: يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما، ويقصر صاحب السفينة»، مستفيدا معيار (وحدة المجال) شرطا للتفاوت بين السرعات؛ اذ انه لا تفاوت بين «مجال البر» من سيارات متنوعة السرعة و«مجال البحر» من سفن متنوعة السرعة و«مجال الجو» من طائرات متنوعة السرعة، فالتفاوت هو بين السرعات ضمن المجال الواحد فقط (برا اوبحرا او جوا). فالعبرة بسرعة سيارات السفر المتعارف عليها لا سيارات السباق السريعة جدا (كالمفاوتة في النصوص بين الجمل المحمل بالاثقال - والناقة الناجية والسفواء..) والعبرة بسرعة الطائرات المستخدمة في السفر لا الطائرات الخارقة لحاجز الصوت او الصواريخ.. والعبرة بالسفن التي تنقل المسافرين لا الطرادات السريعة جدا.. فوحدة المجال،بوصفها معيارا استنبط من الرواية المتقدمة، تبقي لمعيار الزمن المذكور في النصوص واقعيته ومرونته وصلاحيته في استيعاب التطور التكنولوجي في وسائل السفر (ص 58).

ادمان السفر

وهو المعبر عنه بكثرة السفر، وتحديد كثير السفر هو من لا يقيم في بلده عشرة ايام، واما نوعية السفر فيرى الكاتب انهاليست لها علاقة، فمهما كانت نوعية السفر (عمل، دراسة، رحلة) فكثير السفر يتم في سفره (ص 98).

تحديد موضوع الحكم

لعل امرا اساسيا يسجل للبحث وهو انه استطاع، من خلال النصوص، ان يحدد - موضوع الحكم بكل وضوح، وهو«السفر» وليس المسافة، مشيرا الى ان قطع المسافة شرط في التقصير والافطار وليس هو موضوع الحكم، لذا فانه حتى معيار (مسيرة يوم) هو شرط لحكم متحقق مسبقا وهو السفر، وهو ما يتفق مع تحقق المشقة النوعية بحسب فهمه للنصوص، وقد ايد تلك النصوص والنتيجة المستنبطة بالاشارة الى بحث طبي في هذا المجال. وفي تقديري، لو ان الفقهاء انتبهوا لتحديد موضوع الحكم المنصوص عليه قرآنا «على سفر» لا على «مسافة» لتوصلوا - حتى على فرض عدم وجود نصوص تحدد المسافة بمسيرة يوم الى ان قطع «مسافة 8 فراسخ» لم يعد في عصرنا سفرا عرفا، وما دام موضوع الحكم وهو السفر قد انتفى عن «8 فراسخ»، فلا تقصير ولا افطار فيها لانها سالبة بانتفاء موضوعها. الا انه من الضروري الالتفات الى ان موضوع السفر وحده غير كاف، فلو اطلقنا كلمة سافر على المسافرين بالطائرات من بلد الى بلد لا يعد ذلك كافيا من الناحية الحكمية؛ اذ لا بد من ارتباط السفر بالمشقة، وهي محددة زمنيا ببياض يوم (12 ساعة) ولو تلفيقا (6 ساعات ذهابا و6 ساعات ايابا).

وفي النهاية، تبقى محاولة السيد حسن خليفة عملا علميا ينسجم مع استمرار انفتاح باب الاجتهاد في فقه مدرسة اهل البيت(ع) الذي استطاع ان يستمر بحيوية ونشاط مقدما الحلول والاجابات للمشاكل عبر العصور.

منتدى المنهاج

المراة في الاسلام

المشاركون:

د. محمود حكمت نيا
ا. علي اكبر رشاد
الشيخ زين الدين شمس الدين
د. تكتم رضائي
ا. د. طوبى كرماني (حوار)

مناهج تحليل حقوق المراة وتقويمها

حقوق المراة بين الواقع المعيش والمواثيق الدولية

 د. محمود حكمت نيا

لم تمض على عناية الافراد والمؤسسات المختلفة بحقوق المراة، في الغرب، اكثر من مئة سنة. فبعد مدة وجيزة من توقيع المعاهدة الدولية التي تم بموجبها منع بيع الجنس الابيض وشرائه، في عام 1910م، انطلقت اول خطوة على هذاالطريق متمثلة بالتوقيع على معاهدة الغاء بيع النساء والاطفال عام 1921م، عززتها خطوة اخرى عام 1933م تمثلت بتوقيع معاهدة تمنع التعامل بالنساء بيعا وشراء.

تصور هذه المعاهدات جميعها طبيعة الظلم الذي طاول المراة حتى في القرن العشرين، وبخاصة في العالم الغربي. لكن،وعلى الرغم من هذه المواثيق والمعاهدات، لا تزال المشكلة قائمة. فمع وجود الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تحدث عن الحقوق بلغة عامة، بعيدا عن الجنس واللون والدين والانتماء القومي((499))، ومع استخدامه، على نحومكثف الفاظا، من قبيل «كل شخص» (Every one) و«جميع افراد البشر» (All human being)؛ ومع استخدام هذه اللغة العامة، وامتلاء وثيقة اعلان الحقوق بمثل هذه الصيغ والتعبيرات، وما اعقب ذلك من اعلان عام 1975 عاما للمراة، فان الاوضاع التي تحيط بالمراة لاتزال غير موائمة.

في عام 1979م، وضمن اعتراف الجمعية العامة للامم المتحدة بالوضع السيء الذي يحيط بالمراة والوقائع المفجعة التي لا تزال تنزل بساحتها، وبخاصة في الغرب، بادرت هذه الجمعية الى اقرار مشروع عنوانه: «ميثاق القضاء على جميع انماط التمييز ضد المراة»، ثم تم، عام 1980، وعلى نحو مستقل، ولاول مرة، تاكيد حق المراة في التعليم والعمل والسلامة العامة. اما في مؤتمر نيروبي الذي عقد في العاصمة الكينية، عام 1985، فقد انتهى المؤتمرون الى اقراراستراتيجية تتحرك، حتى عام 2000م، تحت عنوان: «تحسين حقوق المراة والارتقاء باوضاعها». بيد ان دوام العنف ضدالمراة وتصاعد الارقام والاحصائيات التي تكشف عن هذه الوتيرة، جعل الامم المتحدة تبادر، في عام 1994، الى دراسة السبل الكفيلة بالقضاء على هذا العنف المتنامي، الامر الذي دفع بها الى عقد مؤتمر عام 1995 تحت عنوان:«الانطلاق نحو المساواة والتنمية والسلام».

لكن، وعلى الرغم من هذه المبادرات، لا تزال الارقام والمعلومات تشير الى ان المشكلة ما برحت تراوح في مكانها،غاية ما هناك ان الاقنعة تبدلت، وراح الظلم يسفر عن وجهه في بعض الموارد في صيغ اخرى واشكال جديدة. فعلى سبيل المثال، تتحدث الارقام في امريكا عن اغتصاب امراة في كل ثماني ثوان، في حين يسجل المشهد الحياتي، هناك،وقوع عملية زنا مصحوبة بالعنف واستخدام القوة ( حرچث ) كل ست دقائق، حتى باتت الخسائر الفادحة التي تنزل بالمراة،في امريكا، على اثر عمليات الاستغلال والعنف والاعتداء الجنسي، تزيد على تلك الناشئة عن حوادث السير، وعن الموت بمرض السرطان والادمان على المخدرات. ففي عام 1993 وحده سجلت الارقام((500))، الناتجة عن بحوث اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الامريكي، ان عدد الفتيات اللائي وقعن ضحية الاعتداء الجنسي، قبل سن السادسة عشرة، وصل الى 54%، وان 25% من النساء تعرضن للتهديد بالموت((501)).

على صعيد آخر، نصت المادة 26، من الميثاق العالمي لحقوق الانسان، على ان التعليم هو حق عام للجميع. تاسيساعلى هذا المبدا، اشارت الارقام الصادرة، عن منظمة اليونيسكو، عام 1994، الى انخفاض النسبة المئوية للامية في العالم، في المدة (1970 - 1990)، بيد انها عادت لتقرر ان المراة تؤلف ما نسبته ثلثا عدد الاميين في العالم((502)).

اضافة الى ذلك، لا تزال قوانين بعض البلدان، في العالم، تدرج المراة في عداد الاموال والثروات، وتعد الاذى الذي يلحقها جزءا من الحقوق العرفية المالوفة في المجتمع، حتى ان هذا النسق من التفكير بلغ حدا من العمق والجذرية دفع عضوا((503)) في المجلس النيابي لاحد البلدان الى ترك الجلسة لمجرد ان المجلس قرر مناقشة الاذى الذي يلحق المراة في ذلك البلد، معللا موقفه بالقول: «ان اذى المراة هو تعبير عن عرف مالوف، ومن ثم فان البحث في هذا الموضوع هواضاعة للوقت»((504))!

علينا ان نعرض، الان، للاهداف التي يتوخاها الخط العام للمواثيق الدولية وللمسار الذي يتحرك فيه المدافعون عن حقوق المراة في اطار الانموذج الغربي. نقرا، على هذا الصعيد، ما جاء في مقدمة ميثاق عام 1979م: «تحتاج عملية التنمية الشاملة للبلد، وتحقيق الرفاه والازدهار، وايجاد السلام؛ الى مشاركة النساء في جميع المضامير كحاجتها الى مشاركة الرجال تماما».

وحدد مؤتمر الامم المتحدة، في عام 1995م، عددا من الموضوعات بوصفها المشكلات الجدية التي تعاني منها المراة في الغرب والشرق في نهاية القرن العشرين. هذه المشكلات التي ينبغي العناية بها، هي: المراة والفقر،تعليم المراة((505)) المراة والسلامة العامة، العنف ضد المراة، المراة والصراعات المسلحة((506))، المراة والاقتصاد،المراة وموقعها في المراتب التنفيذية ودورها في تدوين القوانين((507)) الاليات الاساسية القمينة بتقدم المراة، الحقوق الانسانية للمراة((508)) المراة ووسائل الاتصال، المراة والبيئة، والاطفال البنات((509)). كما اشار المؤتمر المذكور الى مصطلحات من قبيل:
مساو(
Equal
والمساواة (
Equalty
والشرائط المساوية (
Equal terms
والحقوق المساوية (
Equal rights
والحقوق المتشابهة (
Some rights
وتساوي المراة والرجل (
on a basis of equlity of men and women).

تعيش المراة الان حصارا كبيرا، وهي تتعرض الى اقصى ضروب الاذى، وتعاني من ضغوطات وحشية، حيث لا تزال تنتابها المشكلات، وتنهال عليها من كل حدب وصوب في الشرق والغرب، ولا تزال معاناتها مستمرة في نهاية القرن العشرين؛ حيث يصيبها الظلم مضاعفا في البلدان التي لا تتبع التشريعات الاسلامية. لكن مع ذلك كله، نجد ان بعض الباحثين يحمل على نظام حقوق المراة في الاسلام تقليدا للمستشرقين واحتذاء لهم، بدعوى وجود عدد ضئيل من موارد الاختلاف في قواعد الحقوق بين المراة والرجل، متخطيا ذلك الى المناداة ليس بالتساوي بينهما، بل الى المطالبة بالتشابه التام المطلق بين الجنسين في جميع التفاصيل والجزئيات، وذلك على الرغم من وجود التفاوت الطبيعي بينهمافي عدد من الحالات والموارد.

الطريف في ذلك كله ان هؤلاء يلجاون الى توجيه نصال سهامهم الى احكام الاسلام ويستهدفون تشريعات هذا الدين برميات اقلامهم، بدلا من ان يتجهوا عمقا ليدرسوا جذور المشكلة ويحللوا الواقع القائم على اسس علمية وموضوعية؛ هذا الواقع الذي يشهد بتضييع حقوق المراة في الغرب واستهدافها بالعنف الموجه على نحو متزايد لا سابق له، كماتدل على ذلك الارقام الموجودة امام ناظريه.

نقد النظام الحقوقي الاسلامي

يكتب احدهم، في سياق تحليل المادة (1043) من القانون، التي تقضي بلزوم اذن الاب في زواج البنت الباكر، ما نصه:«تشهد الفاظ هذه المادة على ان المشرع الايراني قد اولى التفاوت الجنسي، بين المراة والرجل،في عملية التشريع الحساسة، اهمية تفوق المقتضيات الاجتماعية المعاصرة للبلد»((510)). في حين ذهب آخر الى ان اختلاف الاحكام يتعارض مع حقوق المواطنة، ليقول: «هناك اشكال من عدم التساوي تتعارض مع حقوق المواطنة. هذا التضاد بين الاثنين يمكن ان يعبر عن نفسه في حقل المسائل العائلية، او في مضمار قوانين العمل، او في مجال السياسة»((511)).

كما وصف احد هؤلاء منظومة الحقوق الاسلامية والنظام المنبثق عنها بانها «متخلفة»! حين كتب ما نصه: «ان قوانينناتتناسب مع ثقافة عصر صدر الاسلام ومجتمعه. ففي ذلك العصر، كان من اليسير على المراة ان ترضع طفلها اللبن، ثم تطالب الزوج باجرة ذلك، كما كان مالوفا ان تكتفي بالتمكين الجنسي من دون ان تمارس اي عمل آخر. كان ميسورا لهاايضا ان تطالب باستخدام خادم.

على هذا الضوء يتبين ان هذه المنظومة الحقوقية كانت صحيحة بالنسبة اليها، لكن ماذا اذا ما قالت المراة الان: انني ارضع طفلي، واريد ان اتقاضى على ذلك اجرا؟ ربما يصار الى وصفها بانها مجرمة لو فعلت ذلك!

كذلك لو قالت لزوجها: اريد ان اجلس في البيت هكذا من دون ان اؤدي اي عمل، اذهب وات بخادمة. لو فعلت ذلك لقيل، في وضعها: انها انسانة مغرورة وعجيبة»((512)).

يضيف الكاتب نفسه: «ان نظامنا الحقوقي هو نظام تمييزي، بل يمكن القول: انه «متخلف»((513)).

وسعت كاتبة اخرى الى ان تظهر الاحكام ذات الصلة بالمراة على انها تعبير عن مظالم تطول المراة: «تعمل بعض القوانين الموجودة على تاييد المظالم التي تنزل بالمراة، كما هو الحال في الاحكام التي ترتبط بحق الطلاق وتعدد الزوجات وغير ذلك».

من جهة اخرى ذهبت الكاتبة نفسها الى ان المتغيرات العلمية تملي تغييرا مماثلا في جميع الرؤى والقيم((514)).

مثال آخر لهذا النمط من الكتابات يستدعي التامل، ويتمثل في ما يذهب اليه من توجيه للجهاز التشريعي في ايران،على النحو الاتي: «بمقدور المشرع الايراني ان يغير بنية ولاية الاب لصالح الحقوق الانسانية للامهات والاطفال الايرانيين، وذلك بمعزل عن الامزجة والاذواق الشخصية، وبعيدا عن النزعة الرجولية التي تجعل الرجل محورا. بيد ان تحولا كهذا لم يحصل حتى الان، فلا تزال بنية الولاية القهرية ترمي بظلالها المفزعة على وجوه الامهات الايرانيات. ثم ان هذا التركيز على ان «الجنة تحت اقدام الامهات»، وان الام تهز بيد مهد الطفل، وتهز العالم باليد الاخرى هو كلام لاطائل من ورائه ولا فائدة ترجى منه»((515)).

كاتبة اخرى تصف منظومة حقوق المراة، في ايران، بانها واقعة في اسر مجموعة من الممنوعات، وهي تزعم: «اذا ما قدرلامراة ان امتنعت عن المشاركة((516)) في دفع نفقة الاولاد، بالاستناد الى هذه المواد القانونية (القوانين ذات الصلة بنفقة الاولاد)، تكون في الحقيقة قد اساءت استخدام القانون، ومن ثم فهي لم تكن قادرة على ادراك المفهوم السامي المتمثل بالمشاركة والمساواة»((517)).

وذهبت كاتبة اخرى الى ان مشكلة عدم تساوي الحقوق ناشئة برمتها عن النظام الابوي، ثم قالت: «القانون هو مظهريعكس نسق تفكير الهيئة الحاكمة»((518)).

تمشيا مع الرؤية نفسها سجلت الكاتبة نفسها ان اي تفاوت هو تعبير عن الظلم، وراحت تعلن: «ينبغي لنا جميعا ان نعلن معا ان مبدا المساواة بين البشر هو امر حسن»((519)).

مقدمات تمهيدية

قبل تناول الادعاءات التي تضمها النصوص اعلاه واخضاعها للدراسة والتحليل، من الضروري الاشارة الى المسائل الاتية:

المسالة الاولى: يعبر عن الحقوق، تارة، بانها «مجموعة الضوابط التي تهيمن على مجتمع معين في برهة زمنية محددة»،كما يعبر عنها تارة اخرى بالقول: «لكي تؤدي الحقوق هدفها النهائي المنشود المتمثل باستقرار العدالة، في نطاق العلاقات التي تنتظم الناس، وعلى مستوى حفظ النظام في المجتمع، لا بد من الاعتراف بوجود فروقات في بعض الحقوق والتكاليف بين الناس، فمن خلال وضع تكليف لجماعة تعط ى مزايا وامكانات لجماعة اخرى. هذه المزاياوالامكانات الحقوقية التي يهبها اي مجتمع منظم لاعضائه هي التي تسمى حقا، وجمعها حقوق»((520)).

المصطلح الذي يعادل المعنى الاول، في اللغة الانجليزية، هو: (Law)، اما المصطلح الذي يماثل المعنى الثاني، في اللغة نفسها فهو: (rights). والمقصود بحقوق المراة والدفاع عنها، في هذا المقال، هو الحقوق بالمعنى الثاني. والمراد من حقوق المراة تحديدا هو مجموعة الامكانات القانونية والحريات التي تمنح للمراة، ومما ينطوي على ضمانة تنفيذية.

طبيعي ان يذهب بعض المدافعين عن حقوق المراة الى ضرورة المساواة في الحقوق حتى بالمعنى الاول؛ اذ ينبغي ان تكون جميع المقررات واحدة بين المراة والرجل.

المسالة الثانية: تنطوي قضية الدفاع عن حقوق المراة على بعدين: احدهما البعد القانوني الذي يدور حول المحورالاتي: ماهو المدى الذي تتحرك فيه القوانين لصالح المراة؟ وكم تهبها من المزايا والامكانات؟ والى اي مدى تنهض بحمايتها؟ اما البعد الاخر، فهو البعد التنفيذي، فمن الممكن ان تتصف القوانين بالعدل، بيد انها تخفق في مرحلة التنفيذ، ولا تنجح في مضمار التطبيق؛ حيث يستغلها الافراد، بل وتكتسب طابعا عرفيا من خلال التطبيق السيى داخل المجتمعات، وربما تخط ى الامر هذه التخوم الى ان تكتسب الحالة ضربا من القدسية.

لكن ينبغي ان يكون واضحا ان البعد الثاني لا صلة له بالنظام الحقوقي، ومن ثم فان عملية معرفة الموانع التي تحول دون تطبيق القوانين، على نحو صحيح، او تجاوزها وعدم الاعتناء بها، تحتاج الى تحليل نقدي يلم بالاسباب والبواعث، كماتحتاج ايضا الى بيان وسائل تربوية وتنفيذية واشاعة جو تثقيفي حول المسالة. وفي هذا السياق، تنطوي بعض الوصاياذات الطابع الدولي الصادرة عن اجهزة ومؤسسات ومؤتمرات عالمية على نفع ملحوظ.

اذا اردنا ان تتحسن وضعية المراة، فمن المناسب البحث عن الثغرات ونقاط الفراغ على هذا المسار، كما ينبغي معرفة السبل التي تسمح باستغلال المراة، ثم ننعطف بعدئذ لعرض برامج الحلول التي تستند الى الاسلام. لكن مع ذلك كله لايتجه البحث هذه الوجهة، وانما يتركز الاهتمام على الجانب الاول فقط الذي يعنى بدراسة القواعد والاحكام الاسلامية التي لها صلة بالمراة وتحليلها.

من الحري بنا الانتباه الى اننا حين نقول: ان الاحكام الاسلامية ذات الصلة بالمراة تتصف بالعدالة، فان ذلك لا يعني ان المجتمعات الاسلامية ملتزمة باجراء هذه الاحكام عمليا، كما لا يعني ايضا ان الاعراف والسنن الاجتماعية الجارية بين المسلمين تتوافق مع اصول الاسلام واحكامه.

المسالة الثالثة: تشمل الحقوق قواعد وضوابط لها ضمانة تنفيذية من قبل الدولة. وهذه الضوابط على نوعين: مدون وغير مدون؛ حيث ينبغي الانتباه الى كلا النوعين عند تحليل القواعد. كما ينطوي الجزء المهم، من هذه المقررات والقوانين والضوابط، على رؤى لعدد من الفقهاء تعكس المشهور الفقهي في الاغلب، وان كان ذلك لا يعني خلو المشهد من نظرات فقهية اخرى تعد دراستها نافعة على مستوى اغناء المركب الحقوقي وبيان حركيته.

المسالة الرابعة: ان لكل علم لغة ومصطلاحات خاصة به تؤدي دورا مؤثرا في تحليل مسائله، ولا يشذ الفقه والمركب الحقوقي بعامة عن هذه القاعدة. على هذا، ينبغي التزام جانب الدقة لكي تعكس الصيغ العلمية معانيها في افقهاالخاص بها، ولا يصار الى استغلالها في غير مواردها المحددة. على سبيل المثال، نقرا، في نص المادة (1133)، من القانون المدني: «بمقدور الرجل ان يطلق زوجته وقتما يشاء». فاذا ما اردنا ان نفسر هذه المادة بصورة عادية، فان المعنى الذي يستفاد منها هو ان الرجل حر في ان يطلق زوجته كيفما شاء من دون اي قيود او ضوابط، ورؤية مثل هذه للمادة هي ظلم بحق المراة. لكن اذا ما استبدلنا هذه النظرة العادية بنظرة حقوقية سنجد ان المادة عهدت حق الطلاق الى الرجل بعنوان كونه ايقاعا، ثم عاد القانون ليحدد، في موارد اخرى، شروط هذه الحالة، ومن ثم حدد حق الطلاق في نطاق تلك الشروط.

المسالة الخامسة: ينطوي كل علم على منهج خاص في دراسة قضاياه ومعالجتها، وان لكل نظام حقوقي اسلوبه المحددفي الاستنباط. ففي اطار نظام «كامن لا» الحقوقي، يتعين على القاضي ان يصدر رايه على اساس اطروحة «الخلفية القضائية». لذلك، قاعدة الخلفية القضائية هي اسم تقني يطلق على القاعدة التي ينبغي للقاضي ان يتبع على ضوئهاالاسلوب والقواعد المعلنة من قبل المحاكم العليا((521)).

يعمد القاضي، على اساس هذه الاطروحة، الى دراسة الخلفية القضائية من اجل الكشف عن حكم الموضوع، وبعد ان يميز العلة الاساسية للراي (Ratio decidencli) من الامور الفرعية (obiter dicta) يتبع العلة الاصلية، ثم يصدر حكمه على هذاالاساس((522)).

اما في النظام الحقوقي الاسلامي، فان علم اصول الفقه هو الذي ينهض ببيان اسلوب استنباط الاحكام، ومن ثم فان اهماله واتباع الامور الحدسية والذوقية يتساوق مع تصدع النظام الحقوقي وانهدام اركانه. وما يلحظ، في بعض الكتابات، انها تهمل العناية بهذه المسالة المنهجية.

على سبيل المثال، سجل القانون المدني ما نصه: «يتوقف نكاح البنت الباكر على اذن الاب، او جدها من جهة ابيها،حتى لو كانت بالغة. لكن لو حصل واعتذر الاب او الجد عن اجازتها في الزواج من دون سبب وجيه، فان اذنهما يسقط،وعندئذ يكون بمقدور الفتاة ان تعلن من دون اذن ابيها عن الشخص الذي تريد الزواج منه، وعن طبيعة شروط النكاح ومقدار المهر المتفق عليه، ثم تبادر الى المكاتب الرسمية لتسجيل زواجها بعد ان تحصل على اذن من المحكمة المدنية الخاصة». ازاء هذا النص القانوني، بادرت احدى الكاتبات ممن تعنيهن الملاحظة التي تتحدث عنها هذه المادة، الى الزعم بان عدم منح مثل هذا الحق الى الام هو نتيجة لعدم الاهتمام بالمنزلة الشامخة التي تحظ ى بها الام. تسجل الكاتبة هذا الراي في الوقت الذي تتجه فيه المادة((523)) لعرض مفهوم حقوقي، ومن ثم فهي ليست في صدد الحديث عن مبادى اخلاقية، مثل المشورة، والا فان الواجب الاخلاقي يملي على الاولاد مشورة الابوين كليهما عند الاقدام على الزواج.

ان بين ايدينا قاعدة حقوقية تقضي بعدم ولاية اي فرد على فرد آخر، وعلى ضوء هذه القاعدة فان كل انسان حر في اتخاذ القرار الذي يرتبط به، واذا ما اردنا ان نقيد اصل حرية الافراد في الجانب الحقوقي، فاننا نحتاج الى دليل. هذا هوما يقضي به المنهج الاستنباط ي العقلاني، وبذلك اذا ما اردنا ان نقيد حرية المراة اكثر من مفاد النص (كان نقول مثلا: ان زواج البنت البكر يكون باذن امها) فاننا نحتاج الى الدليل ايضا.

مناهج تحليل القواعد الحقوقية

المنهج الاول: التحليل المقطعي
القاعدة الحقوقية هي القاعدة التي تسري على اعمال الاشخاص، وتضبطها لجهة كونهم اعضاء في المجتمع، وهي الى ذلك مضمونة التنفيذ من طرف الدولة((524)).

اما الحكم الشرعي فهو قانون صادر من الله (سبحانه) لتنظيم الحياة الانسانية وتوجيهها، وهو ينقسم الى حكمين: وضعي وتكليفي. فالحكم الوضعي هو الحكم الذي يتعلق بافعال الانسان مباشرة، في حين تقع الاحكام الوضعية في الغالب موضوعا للحكم التكليفي((525)).

في اطار منهج تحليل القواعد الحقوقية والاحكام الشرعية، تتم دراسة كل قاعدة وتقويمها على نحو منفصل؛ حيث يمكن ان تطوي هذه المنهجية في ثناياها دراسة الاثار الفردية والاجتماعية، فضلا عن النفسية والاقتصادية ايضا. وما يلحظ، على هذا الصعيد، ان اكثر المقالات النقدية التي تتجه الى النظام الحقوقي الاسلامي وضوابطه هي من هذا النوع.

يعد هذا المنهج، في التحليل، مناسبا لاستنباط الحكم الشرعي من المصادر الفقهية الاصلية، ويتصف بالفاعلية ايضا،بيد انه لا يعد كفوءا ولا كافيا على صعيد تقويم هذه الاحكام ومعرفة طبيعتها، وفيما اذا كانت تتصف بالظلم والاجحاف ام لا، وبخاصة عندما نركز على عنصر اختلاف الحكم بين المراة والرجل فحسب، ونتصور ان صرف وجود مثل هذاالاختلاف يملي التبعيض والظلم.

اما سبب ذلك فيعود الى ما ياتي:

اولا: لا يعد كل تبعيض ظلما، فما اكثر ما ينطوي عليه اختلاف الحكم من فوائد تصب في صالح الافراد وتاتي لحمايتهم.فعلى سبيل المثال، يلحظ ان قانون العمل في ايران الذي اقره مجلس الشورى الاسلامي، عام 1989م، وامضاه مجمع تشخيص مصلحة النظام عام 1990م، يتحدث، في المبحث الرابع، عن اوضاع عمل المراة وشروطه، حيث اقرب الاختلاف بين عمل المراة والرجل، ووضع فارقا بينهما، بيد ان احدا لم يعترض قط، ويرى ان هذا التمييز ينطوي على الظلم؛ وذلك لما يعود به على المراة من نفع وحماية.

ثانيا: يتالف اي نظام حقوقي من مجموعة قواعد مترابطة تنتظمها علاقات منطقية، ومن ثم من غير الممكن، ولاالمنطقي، تقويم كل قاعدة من هذه القواعد بمعزل عن القواعد الاخرى. وبذلك تملي عملية تقويم القواعد الحقوقية الحاجة الى الدراسة الشاملة، والى بحث للاحكام متعدد الابعاد.

المنهج الثاني: التحليل البنيوي والمؤسسي
المؤسسة الحقوقية هى مركب من القواعد الحقوقية التي تقتضي رابطة معينة وثابتة في الحياة الاجتماعية، من اجل بلوغ هدف خاص. لقد ذكرنا((526)) ان القواعد الحقوقية ليست مستقلة ولا ينفصل بعضها عن بعضها، ومن ثم فان كل مجموعة تنهض بادارة واحدة من العلاقات الاجتماعية بهدف الوصول الى هدف خاص. ومن حصيلة هذه المجاميع ينشا ما يصطلح على تسميته بالمؤسسة الحقوقية التي لها دور مهم في تعيين حقوق الافراد وتحديد تكاليفهم.

من الضروري الانتباه الى الاهداف في عملية التحليل البنيوي ر المؤسسي، فاذا ما اردنا ان ندرس، مثلا، المؤسسة الحقوقية للزواج، فمن الضروري ان نقوم الشروط والموانع، وحقوق المراة والرجل وتكاليفهما، وكذلك حقوق الاولاد وتكاليفهم. فلهذه العناصر جميعها علاقة بالهدف من الزواج وتكوين الاسرة في نطاق النظام الحقوقي الاسلامي، كما لهاعلاقة بطبيعة صلة الاحكام بالاهداف، ولها علاقة ايضا بصلة القواعد بعضها ببعض.

من الممكن لمنهجية التحليل البنيوير المؤسسي للقواعد ان يكون لها اثر حتى في معرفة دقائق الاحكام وماهيتها الحقوقية ومدى القابلية لتغييرها. لكن هذا المنهج، مع جميع المزايا التي يحظ ى بها، ينطوي على نقص في الجانبين:الثبوتي والاثباتي. فكما ان معرفة اهداف اي مؤسسة على نحو دقيق، وتشخيص قواعدها والاحكام المتوخاة منها هي عملية تعتورها المشكلات، فكذلك تعد معرفة تاثير كل قاعدة ومقدار ما تسهم به في تامين ذلك الهدف مشكلة اخرى، وبخاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار انه لا يمكن التنبؤ بسهولة بالاثار المستقبلية التي تتركها كل قاعدة في الحياة الاجتماعية وعلى العلاقات التي تخضع لسيطرة تلك المؤسسة. فاذا ما اردنا ان نغير قاعدة معينة في الوقت الحاضر، او نبادر الى حذفها، ينبغي ان نكون قادرين على التنبؤ بالنسق الذي يبرز فيه النظام الحقوقي الناشى عن تلك القاعدة، في المستقبل.

على سبيل المثال، يقولون: لماذا يتمركز حق الطلاق، في مؤسسة الطلاق، بيد الرجل؟ الم يكن من الافضل ان تتمتع المراة بهذا الحق؟ والسؤال: اذا ما كان مفترضا ان نعط ي المراة حق الطلاق، ايضا، في اطار النظام الحقوقي، فهل بالمقدور التنبؤ بما سيؤول اليه وضع الاسرة في المستقبل ام لا؟ لا ريب في ان الجواب عن هذا السؤال صعب جدا.

علاوة على الاشكالية الاثباتية هذه يواجه نسق التحليل المؤسسير البنيوي للقواعد اشكالية ثبوتية ايضا. مرد ذلك الى ان كل مؤسسة ومنظمة حقوقية لها صلة منطقية ببقية المؤسسات الحقوقية. فعلى سبيل المثال، ترتبط مؤسسة الطلاق بانظمة حقوقية اخرى هي الزواج والارث والنفقة، ومن ثم لا يمكن دراسة كل واحدة من هذه المؤسسات وتحليلها بمعزل عن البؤر الحقوقية والمؤسسية الاخرى.

المنهج الثالث: تحليل القواعد في اطار النظام الحقوقي
النظام عبارة عن مجموعة من الاجزاء المنسجمة والمترابطة التي تتوخى هدفا واحدا. والنظام الحقوقي هو مجموعة من القوانين المتسقة والضوابط المنسجمة التي تنتظم على اساس اصول خاصة لجهة تحقيق اهدافها المحددة. في اطارهذه المنهجية التحليلية لا تخضع القواعد والمؤسسات للدراسة والتقويم فحسب، وانما يصار ايضا الى التعاط ي مع مؤسستها والعلاقات الحقوقية التي تنتظمها من خلال رؤية استراتيجية عامة، او يصار الى تقويم الاهداف العامة للنظام الحقوقي والاصول التي يستند اليها والى دراسة ذلك كله((527)).

لو اردنا النظر، مثلا، الى الاشكال الذي يتصل بحق الرجال في اختيار الطلاق، لوجدنا ان الاسلام قد اباح تعدد الزوجات في حين حرم تعدد الازواج، ومنع ذلك مطلقا. من جهة اخرى، يعد استقرار العائلة وثباتها من الاصول التي ايدهاالاسلام وتدبر مجموعة مقدمات من اجل تحقيق هذا الاستقرار، منها الاتحاد في الانتماء الديني وان يكون الزوجان كفئين: احدهما للاخر، وغير ذلك. على ضوء هاتين القاعدتين لو خول الاسلام المراة حق اختيار الطلاق، ايضا،لارتفعت معدلات الطلاق بشدة، لان الطريق الوحيد المتبقي للاقتران بزوج جديد هو الطلاق، الامر الذي يؤدي الى اهتزاز استقرار الاسرة وزواله.

اما بالنسبة الى الرجل فان الطريق الى الزواج الجديد لا يتمثل بالطلاق بوصفه خيارا وحيدا، بل بمقدوره ان يبادر الى الزواج ثانية في اطار شروط محددة.

على جهة اخرى، نعرف ان مسؤولية حفظ الولد والعناية به والانفاق عليه تقع على الاب، بعد السنتين، كما يتحمل الاب المسؤولية نفسها عن البنت بعد السابعة على ما هو عليه المشهور الفقهي وما تقره المواد القانونية. على هذاالضوء، اذا ما عهدنا بهذه المسؤولية الجسيمة الى الام بالمطلق، فان ذلك، وان كان يمكن ان يتوافق مع مقتضيات العاطفة على نحو مؤقت، الا انه يقود الى تبعات خطيرة. فقد يبادر الرجل الذي يمتلك حق الطلاق الى ضرب استقرارالعائلة بسهولة، بعد ان يرى نفسه في امان من مشكلات ما بعد الطلاق ومن تحمل تبعات قراره، وفي الوقت نفسه لاتكون المراة قادرة على تامين نفقات اولادها وما يحتاجونه.

طبيعي، لا يعني هذا الكلام تحري «علة» الحكم التشريعي والعثور عليها حتى يزعم بعض الباحثين ان مفاده لا ينطبق على الافراد الذين لا اولاد لهم، انما كل ما نبغيه هو التدليل على وجود الصلة المنطقية بين المؤسسات والقواعدالحقوقية والتوفر على بيانها اجمالا. اما طبيعة هذه الصلة ومداها فهو امر بعيد عن متناول هذا البحث.

على اساس هذا الترابط المنظومي للقواعد، يعتقد بعض الحقوقيين: «اذا ما نفذ قانون، او نظرية حقوقية غريبة، الى داخل نظام حقوقي معين وبقي، او بقيت، جزءا غريبا غير متسق مع ذلك النظام، لا يعدو مصيره، او مصيرها، احدى حالتين: اما ان يقوم الجسد الحي بلفظ ذلك النافذ وطرده، او انه يبقى لكنه يخل بالنظم الموجود فيه ويفضي الى اثارة الاضطراب. لا يكفي لادامة الحياة في هذا البدن الحي ان لا يتعارض القانون مع الشرع او مع الدستور، وانما ينبغي لهذاالقانون ان يكتسب موقعا طبيعيا في اطار النظام الحقوقي، وان لا يعبر عن نفسه على نحو ناشز ازاء بقية القواعدالحقوقية في ذلك النظام»((528)).

على هذا، فان مهاجمة القواعد والمؤسسات الذاتية، والتوصية بوصفات مستوردة من النظم الحقوقية الاخرى، من دون رعاية النظم الحاكمة على نظام الحقوق الاسلامي، لن تكون له نتيجة تذكر الا خلط المسائل والاخلال بها وبروزالمشكلات.

تتطلب منهجية التحليل المنظومي للقواعد الحقوقية، في الاسلام، معرفة النظام الاخلاقي والتربوي، علاوة على النظامين: الاقتصادي والسياسي. فهذه النظم هي اجزاء لجسم واحد، وقد استندت الى مبادى معرفة الانسان، والى التوحيد والمعاد ومعرفة الدين، ومن ثم فان معرفة كل جزء من هذه الاجزاء وتحليل نطاقه العملي ومجاله الاستعمالي تحتاج الى معرفة مجالات استعمال الاجزاء الاخرى. فعلى سبيل المثال، ابيحت العلاقات الجنسية في اطار القانون فحسب، بحيث ان هناك عقوبة تترتب، من الوجهة الحقوقية على الممارسة اللامشروعة. فالاولاد غير الشرعيين يحرمون من بعض الحقوق. على هذا، جاء النظام الاخلاقي ليعنى بهذا البعد، فالنظر المقترن بالشهوة المحرمة الى غيرالمحرم حرام، وخلوة الرجل الغريب مع المراة الغريبة واجتماعهما في مكان واحد ممنوع هو الاخر، والحجاب واجب على المراة، وهكذا الى بقية العناصر.