على ضوء ذلك كله، اذا ما حدد النظام الحقوقي عقوبة لفعل
معين، فان النظام الاخلاقي يتحرك من جهته للقضاء
على ارضية الجرم والحؤول دون مقدماته. ذهب بعض الباحثين
الى ان الجانب «الامضائي» يغلب على النظام
الحقوقي الاسلامي، ولما كانت العادات والتقاليد السائدة في
الجزيرة العربية قائمة على اساس النظام القبلي، فقد جاء
الاسلام وامضى ذلك النظام. اما الان فقد تفسخت العلاقات
القبلية، وتحللت، واستبدلها المجتمع بثقافة جديدة،
وبعلاقات جديدة اخذت مكانها بدلا من علاقات النظام القبلي
القديم!
لقد ظن هؤلاء ان كل ما يتصل بالقديم هو متخلف ورجعي، وقد
فاتهم ان النظم الحقوقية تسعى، بغية اثبات اصالتها،الى البحث
عن جذور لها متوغلة في عمق التاريخ. فعلى سبيل المثال،
يتالف القسم المهم من كتب الحقوق المدنية، في فرنسا
والسويد، من تحليل الحقوق الرومانية وتجزئتها، اما في امريكا
وبريطانيا فان الحقوق تدرس بالمقارنة مع «تفصيل الدعاوى
والمرافعات»، لكي يتوفر الدارس على معرفة مسار القواعد من
خلال آراء المحاكم((529)).
ولا تزال الكتابات الحقوقية الانجليزية تحتوي على عبارات
لاتينية كثيرة بعنوان انها قواعد واصول حقوقية. كما ليس عبثا
ان يبادر محقق واستاذ معروف ك «ريبر» الى سلخ سنوات
مديدة من نشاطه العلمي لكي يثبت ان المصدر
الاساسي للقواعد والالتزامات في القانون المدني الفرنسي هو
الاخلاق الدينية((530)).
بالتزامن مع التقدم الحضاري وتحقق العلاقات الاجتماعية
الحديثة، ينبغي الكشف عن قواعد موائمة وعرضها
بطريقة جديدة من خلال الاستفادة من المصادر الاصلية. وفي
ما يتعلق بالاسلام؛ بخاصة، فقد استطاع هذا الدين ان
يواجه مسائل العصر على مدار اربعة عشر قرنا على نحو
اجتهادي وفعال، وان يبادر الى توفير الحلول لها. واذ استطاع
الاسلام ان يعالج مسائل النظام القبلي، ايضا، فذلك لا يصح ان
يكون دليلا على ان هذا الدين يختص بذلك النظام وحده،
ولافاعلية له خارج ذلك النطاق. فمن جهة، لم تكن جميع
العلاقات الفردية قائمة على اساس قبلي، ومن جهة اخرى،
اذاكانت العلاقات قبلية، وكانت موضوعية، فان هذه
الموضوعية تحتاج الى دليل وينبغي اثباتها. لهذا السبب لم
تبرزالحاجة الى تغيير الاحكام بالرغم من اتساع رقعة العالم
الاسلامي وامتداد الاسلام، وبالرغم ايضا من السيادة التي
كانت تفرضها النظم الاجتماعية الاخرى.
ومما قيل، كذلك: ان هيمنة نسق التفكير الابوي على عملية
استنباط الاحكام الفقهية اثرت لصالح الرجال، واكتسبت عملية
كشف القواعد الفقهية وتفسيرها طابعا ابويا رجوليا. يستدعي
تحليل هذه الفكرة دراسة منهج الاستدلال الفقهي والوقوف
عليه اجمالا لمعرفة المرحلة، او الدائرة، التي يمكن ان يسود
فيها نسق التفكير الابوي، ثم يصار الى دراسة الامثلة التي
ذكروها نتيجة لهيمنة التفكير الابوي على منهج الاستنباط.
لا تتصف عمليات استنباط الحكم الشرعي الكلي من الادلة
الفقهية المعتبرة بالطابع المزاجي، وليست هي
بالظاهرة الذوقية حتى يمكن وصمها بسهولة بالابوية، او
بالعصبوية النسوية، بل ينتظم الاستنباط مسارا منطقيا محددا
يرتكز الى مبادى ومناهج معروفة بالكامل، يصار الارتكاز اليها
في بلوغ الحكم من الادلة الفقهية المعتبرة. فاذا ما كان الدليل
قطعيا،من جهة السند، فهو حجة من جهة الدلالة ايضا اذا ما
كان له ظهور معتبر، والا لا يصح الاستدلال به. ثم ان الظهور
صفة للفظ ولا علاقة له بجنسية الافراد وانتمائهم النسوي او
الذكوري.
يمكن لبعضهم ان يدعي ان الروحية الرجولية تحولت الى باعث
لتحقق الاجماع وقيامه في بعض الموارد. وهنا ينبغي ان يلحظ
ان صرف الاجماع لايكفي عند الشيعة، وانما سيرة المعصوم هي
ملاك الاجماع، وهذه السيرة لا يمكن حملهاعلى النزوعات
السلوكية الجنسية.
اما لو كان مستند الحكم هو دليل العقل، فهنا لا يمكن ايضا ربط
هذا الدليل بالانتماء الجنسي؛ حيث ينبغي ان يكون الدليل
العقلي دليلا قطعيا حتى يكون مرجعا للحكم، والاحكام العقلية
القطعية لا علاقة لها بالانتماء الجنسي، وفي مااذا كان الذي
يمارس الدليل رجلا ام امراة.
بهذا ليس هناك موقع لهذه الشبهة في هذه المرحلة ايضا.
وقد يقال: ان الاستفادة من عنصر روح القانون، او ما يطلق
عليه «شم الفقاهة» هو امر ذوقي، اذن فهناك اثر
للنزعة الرجولية في هذا المجال! لكن ما ينبغي ان يلحظ ان هذا
العنصر ليس هو الاخر بالامر الذوقي المحض، وانما يتم
التوفرعلى اصول كلية عامة من خلال مجموعة من القواعد
والمؤسسات الحقوقية وحسب، ثم يصار للاستفادة منها
في الموارد التي يسكت فيها القانون.
من الادلة الاخرى التي يمكن توظيفها، في عمليات استنباط
الحكم الشرعي، الاستناد الى «الشهرة». والشهرة على ضربين
هما: «الشهرة الروائية» التي تعني نقل الخبر بوساطة عدد من
الرواة، لا يبلغ حد التواتر، ثم «الشهرة في الفتوى»
التي تعني
شيوع فتوى عند الفقهاء بحكم شرعي لدرجة لا تبلغ به حد
الاجماع.
من الواضح انه لا مكان لتدخل ذاتيات الافراد في الشهرة
الروائية، لانها تقتصر على نقل الرواية فحسب. اما الشهرة
في الفتوى فهي على قسمين ايضا، فاحيانا يكون مستند الشهرة
هو الخبر والرواية التي وصلتنا، وهذه يطلق عليها
الشهرة العملية((531)). وما دامت هذه الشهرة مرتكزة الى
الروايات، فلا اثر فيها لذوقيات الافراد. لكن هناك شهرة اخرى
لانعرف مرتكزها، فلا نعرف ما اذا كان خبرا لم يتم الاستناد اليه
او انه لا وجود للخبر والرواية اساسا. يطلق على هذه
الشهرة عنوان الشهرة في الفتوى، واقصى ما يمكن ان يقال: ان
روحيات الافراد وذاتياتهم قد تؤثر احيانا في هذا النمط
من الشهرة((532)).
ان هذا الاحتمال، وان كان ممكنا عقلا الا انه يبدو مستبعدا جدا
من الوجهة العملية والواقعية بحكم ملاحظة دقة
الفقهاء
وتكوينهم النفسي في اسناد الحكم الى الله، سبحانه
وتعالى، ومع ملاحظة قيد العدالة ايضا. والمؤكد ان العثور
على حكم يكون دليله الشهرة فقط هو امر صعب بل متعذر.
والاهم من ذلك انه ليس هناك دليل على حجية مثل هذه
الشهرة وقيمتها فقهيا((533)). ظاهرة العصبوية النسوية - رؤية نقدية علي اكبر رشاد مقدمة
لا ريب في ان ضروب الظلم التي حاقت بالمراة هي من افظع
صنوف الظلم واقدمها في التاريخ الانساني، ولا شك في ان
ذلك يحتم على العقلاء وطلاب الخير ان يبادروا عاجلا لمداواة
هذا الجرح الانساني الغائر، واسعاف آلامه المدمنة بالوسائل
العلمية والمنطقية والعملية.
من الطبيعي ان ليس كل مدافع عن «حقوق المراة» هو بالضرورة من انصار نزعة التفوق
النسوي (Feminism)،
كما
انه ليس من الضروري ان يكون كل من يلتزم موقفا نقديا من
ظاهرة العصبوية النسوية (Feminismر)((534))
من مناوئي حقوق المراة، ومن ثم لا ينبغي المساواة بين القضية
الاساسية المتمثلة في الدفاع عن حقوق المراة ومنزلتها
الانسانية وبين النزعة العصبوية النسوية، علاوة على ان اخضاع
نسق فكري معين، او اتجاه ما، الى الدراسة التحليلية النقدية
لايعني بالضرورة انكار الابعاد الايجابية في ذلك الفكر، او
التفريط بالمعطيات الصحيحة لذلك الاتجاه، فما اكثر
الانساق والاتجاهات غير الصحيحة التي تضم، الى جوار الابعاد
السلبية والمكونات الضارة، معطيات ايجابية وعناصر
نافعة تتلازم معها بالضرورة. الظاهرة وتنوع الاتجاهات
لقد انشقت اجواء اوائل القرن السابع عشر الميلادي عن ظهور
النزعة النسوية بوصفها حركة لاستيفاء حقوق المراة،لكنها ما
لبثت ان تحولت، الان، الى «مشروع»، او «اطروحة»، او «منهج
للدرس»، لها حضورها في اغلب حقول العلوم الانسانية كالحقل
المعرفي، والوجودي، وفي مجال الالهيات، والاناسة، وعلم
النفس، وعلم الاجتماع، وفي مضمارفلسفة الاخلاق وفلسفة
الحقوق وفلسفة السياسة. بل ربما امتدت، في مداها، لتسجل
حضورها، احيانا، حتى على مستوى بعض حقول العلوم
الطبيعية كعلم الاحياء مثلا.
تاسيسا على هذا، اكتسبت هذه النزعة هوية ذات اضلاع
متعددة، بحيث راح كل ضلع من اضلاعها يستوعب
وحده،احيانا، مسالك متنوعة ترتكن الى مرتكزات ومنطلقات
مختلفة.
وفي نطاق مجال محدود هو الدراسات الاجتماعية، وحقل علم
النفس الاجتماعي، برزت نحل متنوعة مثل العصبوية النسوية
الليبرالية، الماركسية، والاشتراكية، والنفسية، والوجودية،
والراديكالية، واخيرا عصبوية ما بعد الحداثة.
اذا كان الادعاء بان الفلسفة كانت، في القرون الوسطى، خادمة
للدين، فان العلم قد اضحى، في راينا، في العصر الجديد،خادما
للايديولوجيات! فبدلا من ان يؤلف الجانب المعرفي البنية
التحتية التي تقوم عليها النظريات الحقوقية والسياسية، صارت
النظم السياسية والحقوقية تزور اسسا ومباني معرفية متطابقة
مع محتواها!
لقد نفذت الايديولوجيات الى الواقع المعاصر، فاصبح من
الممكن تلمس بصماتها حتى في علوم كعلم الاحياء، بل تحول
عنوان، مثل «علم الايديولوجيا»، الى واقع قائم. ان العقلاء
يدركون جيدا ان اختلاط حقول البحث والدراسة،وتسييس
العلم والفلسفة ووضعهما تحت طائلة الاتجاهات المختلفة،
وفي معرض المسبقات والفرضيات السياسية، لن يفضي الى
نتيجة غير تحريف الحقائق وغموض فضاء العلم والمعرفة
الانسانية. لقد سعت الماركسية، في يوم من الايام،الى تعميم
الاصول الهشة ل «الديالكتيك الماركسي» كي تشمل، في آن،
مرافق العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية جميعها، بيد انها لم
توفق. وفي برهة اخرى، بادر النازيون الى اقامة مدعياتهم
الفارغة على اسس علمية، مستفيدين من طاقات الوف علماء
الاحياء وعلماء الاجتماع، ومن جهود ثلاثين الف طبيب عضو
في الاتحاد الوطني للاطباء وفي التنظيم الطبي للحزب
النازي، ومع ذلك لم يحصدوا غير الاخفاق. واليوم، ها هي
العصبوية النسوية تعيد الكرة مرة اخرى، وهي تسعى الى تكرار
التجارب المخفقة نفسها بذريعة الدفاع عن حقوق المراة.
ان الدفاع عن الحقوق المشروعة للمراة لا يتطلب، في نظرنا،
تحريف العلوم والافكار، كما لا يحتاج الى قلب
الحقائق الطبيعية والواقعيات الانسانية. تضخيم الفوارق
يؤدي تضخيم الفوارق الطبيعية الواقعية، بين المراة والرجل،
على اسس اجتماعية، ودق اسفين الثنائية بينهما في الجانب
الطبيعي والفسلجي (علم وظائف الاعضاء) ، ارتكازا الى الاسس
نفسها، بحيث يتم تفسير حتى النشاطات الوراثية والفسلجية
والافرازات الهرمونية على انها نتيجة لهيمنة المؤسسة
الحاكمة على المجتمع وحصيلة للتربية الاجتماعية الخاصة...،
يؤدي هذا كله الى تشويه العلوم والمعارف. وما دامت هذه
الرؤية لا تحظى بالطابع العلمي، فهي لن تفضي مطلقا لحل
مشكلة الحقوق المغيبة للمراة، كما لن تؤدي الى استعادة
مكانتها المفقودة.
هل يمكن النظر الى الفوارق الطبيعية والفسلجية وتفسير
الاختلاف الجنسي المشهود، في سلوك الكائنات
الحية الاخرى، مما له شبه كبير بالفوارق والاختلافات
الموجودة بين البشر؟ هل يمكن تفسير ذلك على اساس انه
نتيجة طبيعية وثمرة لتربية اجتماعية وتاريخية خاصة؟ اذا لم
يكن الامر كذلك - وهو ليس كذلك فلماذا نعرض لهذا التصورحيال الانسان وحده، ونقصر
مثل هذا التعاطي عليه؟ هذا النمط من التعاطي يعني السعي الى حل معضل ما
بايجادمعضل اكبر منه! ا لتطرف المزدوج
الافراط والتفريط هما اكبر ساحة نحرت عليها الحقيقة على
مدار التاريخ. ففي برهة من عمر الانسانية، جعل
المفرطون والمفرطون «الانسان» مساويا ل «المذكر» وحسب،
فصارت المراة عندهم في المرتبة الادنى! لقد تحولت هذه
الرؤية المناهضة للدين والانسانية والعلم الى منشا لصنوف من
الظلم لا تحصى اصابت المراة ونزلت بساحتها. اما الان،
فقدراحت العصبوية النسائية الراديكالية تصر على نزعة التفوق
النسوي من خلال الانزلاق الى توجهات متطرفة غير علمية في
الصفات النسوية، وعبر الاتكاء على الفوارق الفسلجية!
ما نراه صائبا، في نظرنا، هو انه لا يمكن دفع مقولة خاطئة
بمقولة خاطئة اخرى، وان الدفاع السيى يلحق اضرارا
بالقضية اكثر مما يفضي اليه الهجوم الجيد.
يبدو ان النزعة «الفيمينسمية» المتطرفة ترى ان وجود ضرب
من سلطة احد الجنسين: الرجل او المراة، على الاخر،
هوحتمية لا بد منها. استنادا الى هذه النظرة ذهبت العصبوية
النسوية الى نعت المنظومة الاجتماعية القديمة بصفة
«النظام الامومي»، كما تصور ذلك «الفيمينسميون»
الماركسيون، من دون الاستناد الى اي دليل عقلي او علمي
معتبر.
انطلاقا من هذا التصور، وتاسيسا عليه، راحت الماركسية تواجه
الوضع القائم الذي يعبر بزعمها عن هيمنة «النظام الابوي»،
لتعيد البشرية، عبر نضالها، الى النظام الامومي! على حين نجد -
في نقد هذا المنزع ان هذا التصور يستند، من جهة، الى فرضية
مسبقة خاطئة، كما نجد من جهة اخرى ان سلوك بعض
المجتمعات، في تنظيم نسق العلاقات الاسرية، في الماضي، لم
يكن صحيحا، كما ننتهي اخيرا الى ان المناهج المتطرفة التي
تتدلى بين حدي الافراط والتفريط، في معالجة المشكلة
الموجودة حاضرا، نات عن جادة الصواب. حكم واحد لموضوعات مختلفة!
من الافات الاخرى التي يفضي اليها المنهج «الفيمينسمي» هو
اصدار حكم واحد على موضوعات مختلفة. فما يترتب،منطقيا
وموضوعيا، على الفوارق البيئية الثقافية العميقة، والفوارق
الدينية، واختلاف الحرف والعادات والتقاليدوالرسوم، وكذلك
تنوع صنوف الظلم التي نالت النساء؛ هو ان يصار بالضرورة الى
دراسة حقوق المراة والوسائل الكفيلة بتامينها على نحو منفصل
من مجتمع الى مجتمع آخر. والا فان اصدار نسخ علاج عامة،
والركون الى توصيات لا تستندالى الرؤية والبصيرة غالبا، ما
ادى الى مضاعفة اوجاع المجتمع الانساني المريض، وافضى
بالبشرية المعاصرة الى زيادة التبعات السلبية واضافة امراض
جديدة! التحليل المتكرر
من الافات الاخرى، التي تبرز على النطاق المعرفي والمنهجي،
هي التحليلات المتكررة الاحادية التي تركن اليها
النزعة «الفيمينسمية». فقد تعاملت هذه النزعة مع مرتكزات
الماركسية والاشتراكية والنفسانية والوجودية،
والمنهجيات المنبثقة عنها، على انها «حق»، مع ان هذه
الاتجاهات عجزت عن مواجهة مئات الاسئلة الفلسفية
والعلمية الاساسية،واعلنت عن استسلامها بازائها. ان تبني
«الفيمينسمية» لهذه الاتجاهات والركون اليها، في تقديم
تفسير للوجود والحياة وتدبير الطبيعية والمعيشة، لم يكن
لهما، في النتيجة، الا عرض طرق عمل مثالية متكررة غير
فاعلة، لم تستطع حتى الان ان تزيل المشكلات وتتخطى
المعضلات، ولن تستطيع.
من بين الفرضيات الخاطئة، في نسق التحليل «الفيمينسمي»،
الاستهانة بالادوار النسوية التي تنهض بها المراة وتحقيرها،كما
هو الحال في الدور المصيري الذي تلعبه الولادة بوصفها اداة
لادامة النسل البشري - الذي يعد بدوره اكليلا في تاج الخليقة،
فضلا عن الاستخفاف، ايضا، بدورها في تربية الاولاد، هذا الدور
الذي يهبها موقعا متفردا في تربية البشرية،وكذلك الاستهانة
بالمهمة التي تضطلع بها على مستوى تدبير المنزل وتنظيم
شؤون الاسرة التي تعد بدورها النواة التي تؤلف المجتمع. ان
نظرة الازدراء هذه التي تحف بالادوار الحياتية العظيمة، فضلا
عن انها تردع المراة عن اداء هذه المهمات على نحو صحيح
مصحوب بالاحساس بالعزة والرضا، ومن ثم تعرض مستقبل
الحياة الانسانية الى الزوال،وتستخف بالدور التاريخي للمراة
ولا تعبا به، وتفتح المجال للتعامل مع ماضي المراة والنظر اليه
بازدراء واحتقار، فانهاتعمد، ايضا، الى اضفاء الصحة على مقولة
التفوق الذاتي للرجل، وتهب قيمة للنظام الرجولي والى ما يقوم
به الرجال من مهمات وحسب. وهذا الامر بنفسه ظلم مضاعف
آخر يلحق النساء بذريعة نزعة التفوق النسوي، وبدعوى الدفاع
عن حقوق المراة!
يلحظ، اساسا، ان الرؤية الذكورية للمراة والتعاطي مع الحياة
والوجود والعلاقات الانسانية، عبر النزعة الرجولية، يفضي الى
التقليل من شان المراة والحط من منزلتها الانسانية الرفيعة.
ف «الذكورية، او الرجولية»، ليست من لوازم «انسانية»المراة، ومن ثم اذا ما اريد
للمراة ان تحقق شانها المتعالي الرفيع، فعلينا ان نتعاطى معها «انسان» لا «رجل»،
و«الرجولة»
ليست من لوازم انسانية المراة.
في الحقيقة ان تشبيه النساء بالرجال ومقارنتهن بهم، وتشبه
النساء بالرجال، هو اقرار بافضلية الرجال. وهذا ما لا يتوافق مع
نظرة الاستهانة والتحقير المفرط الذي تتعامل به
«الفيمينسمية» المتطرفة مع الرجل، كما لا يتسق ايضا مع
الشان الكريم والمنزلة المحترمة اللذين تحظ ى بهما المراة.
لقد ادى تلبس المراة بالطابع الرجولي، في العصر الحاضر، الى
ان تعيش المراة حالة من الاستلاب والغربة عن الذات،والمكوث
في برزخ «المراة - الرجل» دفع المراة الى التورط في ازمة
شخصية والى الانجرار الى دار «الاثنينية» وفصام الشخصية.
لهذا بات النسق السلوكي للسيدات ونمط تصرفهن متغيرا تبعا
لتفاوت «البيئات» واختلاف «الادوار المرتقبة منهن» وبحسب
طبيعة شروط حضورهن في «البيت او المجتمع». ونحن نعرف
جميعا ان حالة كهذه تردع الانسان عن النهوض بالمهمات
الثابتة والنشاطات المؤثرة. تسييس الحياة الخاصة
من النوازع الخاطئة الاخرى للنخبوية النسوية المتطرفة هو
تسييس جميع شؤون الحياة الانسانية، حتى العلاقات الزوجية
والسلوك الجنسي الخاص والعلاقات الاسرية! لقد كانت مقولة
السياسة ولعبة السلطة محصورتين، في يوم من الايام، في
مضمار العلاقات العامة وحسب. لكن، من خلال شعار ان «الامر
الشخصي» هو «امر سياسي» الذي عرض له وتبناه دعاة الموجة
الثانية من العصوبية النسوية، زحفت السياسة ايضا الى دائرة
العلاقات الخاصة، ونفذت الى مدارالعلاقات العائلية (العلاقة
بين المراة والرجل وبين الوالدين والاولاد) كذلك. ومن الجلي
ان رؤية كهذه تجر الى تبديل حالة الصفاء والحب واواصر
التعاون القائمة بين اعضاء الاسرة بالتخاصم والتنابذ، وهذا ما
حصل فعلا! ازدراء مؤسسة الاسرة
ان نسبة صنوف السلوك المضطرب والوان الظلم والاذى الذي
لحق المراة الى اصل وجود مؤسسة الاسرة، والى الزواج القانوني
والشرعي، والاضرار بسمعة مؤسسة الاسرة والنيل من قداستها
وتعريض سلامتها للخطر، عبر تبني نظريات عديدة، مثل:
«الزواج الحر»، و«فصل العلاقات الجنسية عن مدار البيت،
والتفكيك بينها وبين الحمل والولادة» ، والدعوة الى الاسرة
المكونة من اب واحد، والتبشير ب «الحب المفتوح»، و«الاكتفاء
بالجنس المماثل» هذه جميعها، وما شابهها،آفات اخرى اورثت
المجتمع البشري سلبيات كثيرة ومشكلات لا قبل له بها.
لقد عملت هذه الصيغة من التعامل على «محو صورة المسالة»
بدلا من «حلها وعلاجها»، تماما كما يحصل لاهالي بلديسيطر
عليه حاكم ظالم، وتستبد به حكومة ظالمة، فبدلا من ان
يواجه اهل ذلك البلد الحاكم الظالم تراهم يبادرون الى رفض
اصل وجود الحكومة وضرورتها، وينفون اصل الحاجة الى وجود
النظام الاجتماعي! لا ريب في ان اسلوبا كهذايفضي الى تعقيد
المشكلات الموجودة ومضاعفتها.
فضلا عن الافات والتبعات السلبية التي سلفت الاشارة اليها،
فقد تركت مرتكزات الظاهرة «الفيمينسمية» ومنطقها
آثاراسلبية مكثفة على الصعد النفسية والاخلاقية والاجتماعية
والسياسية، وراحت تاخذ بتلابيب المجتمع الانساني المعاصر،
وتضغط عليه بشدة. ومع الاسف، نجد ان الواقع يزداد سوءا على
الرغم من تضاعف الادعاءات والمزاعم وتكاثف المبادرات!
رعاية للاختصار، ستتم الاشارة الى بعض تلك النتائج
والمضاعفات السلبية. في بعض المجتمعات عمدت
حركة العصبوية النسوية الى ضرب النسق التقليدي للعائلة
وتقطيع اوصاله، من دون ان تنجح في استبداله بنظام آخر
معقول ومنطقي يحل مكان النظام القديم، ومن ثم ادت حالة
تراكم الخصومة والصراع، وبث بذور النفاق في رحاب العائلة
وفي ثنايا ربوعها الدافئة، الى استبدال المودة والرحمة بالشن آن
والبغضاء والقسوة، والى تغير الدف ء والوفاء الى البرودة والخيانة!
لقد تحولت العلاقات العاطفية الدافئة، القائمة على اساس
الطبيعة الانسانية، والتي تفيض بالهدوء والسكينة، الى علاقات
اعتبارية متيبسة لا روح فيها، والى ضوابط متكلفة. بكلمة
واحدة، افضت تبعات هذه الحركة الى الهبوط بالعلاقات
الطبيعية الحميمية القائمة بين اعضاء الاسرة، الى مستوى
العلاقات النفعية لشركة تجارية او حزب سياسي،كما نزلت
باجواء الاسرة الى مستوى غدت فيه ساحة لالاعيب السلطة!
اما على مستوى بعض المجتمعات، او الطبقات الاجتماعية،
فنرى ان الدور الحيوي المصيري المتفرد الذي يلعبه الحمل
والولادة، والمهمة المقدسة التي تنهض بها حضانة الاولاد
وتربيتهم، تتحركان على مسار يهوي نحو الافول، مايعرض
سلامة النسل الانساني، ويرمي به الى مهاوي الضياع والخطر.
لقد راحت ظاهرة اولاد الشوارع والفتيات والفتية اليافعين
الذين يعيشون ضغوطات عقدة غياب الاب وفقدانه،ويفتقدون
الى حنان الام وافيائها التي تتضوع بشذى الحب، تهدد
المجتمع الحديث. ثم ان هذه التبعات جميعها هي من نتائج
نظريات «الحب المفتوح» و«الزواج المشاعي» و«العلاقات الحرة»
و«الام العازبة!» و«الزواج المشترك» ، وما الى ذلك من ضروب
النزعات الشاذة. الصحة النفسية
ان اول ما تخسره المراة المفتونة بشعارات العصبوية النسوية هو
الجوهرة النفيسة المتمثلة ب «الصحة النفسية». ان تلظ ي المراة
التي لا ملجا لها، ولا ملاذ، ولا مستقبل، في اتون الازمة
النفسية، وعيشها في ظل حياة كئيبة، ومعاناتها للضياع...ذلك
كله يعكس عقدة مغلقة اخرى من عقد الحياة الاجتماعية
ومعضلاتها في العالم المعاصر!
لقد استبدلت المراة الغربية «الحرية الحقيقية» ب «احساس
الحرية»؛ هذا الاحساس الذي لا يزيد عن كونه حالة
نفسية كاذبة. لذلك، ما ان تنتبه هذه المراة قليلا، وتعود للحظة
الى ذاتها، حتى تدرك كذب هذه الحالة، وتكون في
مواجهة المضاعفات المشار اليها في ما سبق من قول.
ان الازمة الاخلاقية الضاربة كالاخطبوط في شعاب حياة
الانسان الغربي ووجوده، هي من بين تبعات
شعارات «الفيمينسمية» المتطرفة ونسقها السلوكي. كما ان
شيوع العلاقات الجنسية الشاذة والمناهضة للفطرة، مثل
الاكتفاءبالممارسة الجنسية المثلية والنزعة الذكورية، والميل
الى الامتاع الذاتي (بالعادة السرية والمساحقة) صارت
باجمعهاسببا لشيوع امراض جسمية ونفسية لا تحصى.
لقد نفخت البرجوازية بداية عصر النهضة بلهيب الشعارات
الفيمينسمية، بهدف استغلال المراة واستثمار طاقتها، وبذريعة
تحريرها من اسر العمل في المنزل، وبدعوى تخليصها من اداء
الوظيفة في نطاق العائلة المغلقة، ما ادى بها الى العمل في
المصانع والخدمة في المجتمع (الاسرة الكبيرة والمفتوحة)،
بوصفها طاقة عمل رخيصة، علاوة على ماتتصف به من دقة
وطاقة واناة في الاداء. لكن لم يكن نصيبها في اطار الموقع
الجديد غير المواقع الهامشية التافهة وغيرالاساسية، ولم يعهد
اليها بغير المشاغل الاسرية وشبه الاسرية.
الامتاع وعروض الجمال، وممارسة الاغراء عبر مهمات الضيافة
والاستقبال والسكرتارية، والعمل في التربية ورياض الاطفال،
وممارسة البيع، والنهوض بدور جذب المشتري في المتاجر
والمعارض، وبقية ضروب العمل الخدمي هي المصاديق الغالبة
في العمل النسوي.
تعاني المراة، اليوم، من تبعات جسمية ونفسية فادحة وكثيرة؛
ناشئة عن عملها خارج المنزل، وعلى نحو ما من المسؤولية
المضاعفة التي تتحملها نتيجة العمل المزدوج في المنزل
والمجتمع، والدور الذي تنهض به على الصعيدين.
ولم يكن الاستغلال السياسي للعصبوية النسوية والحركة
الفيمينسمية، كما في استثمار المراة في نطاق
المنافع الايديولوجية والحزبية، اقل من استغلالها اقتصاديا.
و«الفيمينسمية الماركسية»، من خلال ما ذهبت اليه من ان
الاختلاف بين المراة والرجل هو جزء من الحرب الطبقية، ومن
ثم ادخال المراة في عداد البروليتاريا، انكرت عمليا اولية
النضال من اجل حل مشكلة المراة، هذا علاوة على ما انتهت
اليه من تحريف الواقع وايجاد الانحراف في مسار النضال.
اذا كان ظهور الحركة «الفيمينسمية» يومى، في البدء، الى
وجود الظلم بحق المراة، فان تطور هذه الحركة
وانبثاق اتجاهاتها الجديدة تحول الى دليل على عدم فاعلية هذا
المسار والوسائل التي استخدمت في الدفاع عن المراة
وتامين حقوقها الضائعة.
بعد اربعة قرون من بزوغ هذه الحركة والجهود التي بذلت، في
هذا الاتجاه، لا نجد، في سجل هذه الحركة، غيرالسلبيات
والجرائم، مثل تحريف الحقائق العلمية، وزيادة الغموض في
مقولة الحقوق، وزيغ مسار النضال، وعدم نيل الحقوق
المشروعة للمراة، وتسعير حالة التخاصم والصراع، وزوال حالة
الصفاء، وانعدام الوفاء، وشيوع التبعات الروحية والجسمية
الفادحة، وتفشي الاضرار الاقتصادية والاجتماعية، وغياب
الارصدة الاخلاقية، وافتقاد الملاذات الدينية والتقليدية. وفي
النهاية، هبوط منزلة المراة وعدم نيلها للشان الذي يليق بها
في المجتمع المعاصر. وقفة مع د. نصر حامد ابو زيد في نظرته الى تعدد الزوجات الشيخ زين الدين شمس الدين تمهيد
ان الحديث عن تحرير المراة ومساواتها بالرجل اخذ طابعا جديا
عند الكتاب العرب والمسلمين منذ اواخر القرن التاسع عشر،
واوائل القرن العشرين، وكانت باكورة ظهوره قد حصلت في
مصر عندما طرح الشيخ محمد عبده بعض المسائل حول
المراة، منطلقا من اشكاليات خاصة بالمجتمع المصري، وتبعه
على ذلك تلميذه قاسم امين في كتابه «تحريرالمراة»، وغيرهما
من الكتاب والمفكرين((535)) الذين انطلقوا في معالجتهم
لهذه المسالة وامثالها من باب محاكاة الحضارة الغربية في
تطورها ونموها واعتبار ان التمسك بالتراث في بعض المسائل
يعوق المواكبة الحضارية، بل ويتنافى مع الحداثة المطلوب
تحقيقها في مجتمعاتنا، ومن اهم تلك المسائل مسالة حقوق
المراة وما يتعلق بها من موضوعات، فقد صار من المسلم به ان
اي مشروع نهضة، على المستويين: الاجتماعي والحضاري، لا
يمكن ان يستثني في برنامجه موضوع المراة وحقوقها، لما
للمراة من اهمية كبيرة في حياة الانسان الاجتماعية، فانها
تشكل نصف المجتمع في اغلب الاحيان.
من هنا كثرت الكتابات عن المراة عند كتابنا، ومن جملة ما
تناولوه بالبحث والدراسة مسالة «تعدد الزوجات»، وحق الرجل
في الزيادة على الزوجة الواحدة، فضلا عن غيرها من المسائل
الشائكة - بنظرهم والتي قد لا تقل اهمية عن مسالتنا، كمسالة
الحجاب والارث والديات وغيرها...
فكان من الطبيعي ان تعد مسالة التعدد والزواج الثاني - في نظر
بعض هؤلاء الكتاب والباحثين في ظل ظاهرة الحداثة ظلما
للمراة، وهدرا لحقوقها، وتجاهلا لمشاعرها تعزيزا لحقوق الرجل
ومشاعره، بل ذهب بعضهم الى تصويرالمسالة بشكل اكثر قبحا
واشد ايلاما من الناحية الانسانية، باعتبار ان هذه المظلومية
للمراة كانت لحساب شهوات الرجل ونزواته، وبالتالي فان هذه
المسالة كانت خاضعة لضوابط انانية ومعايير حيوانية بعيدة
البعد كله عن احترام مشاعر المراة بوصفها انسانا، وتتنافى مع
قدسيتها وحقوقها التي منحها اياها الاسلام، بل انها تجانب، في
كثير من الاحيان، ابسط الحقوق الانسانية للمراة، والتي
اصبحت في وقتنا هذا من الامور التي لا يختلف عليها اثنان.
من هنا وقع بعض هؤلاء الكتاب في سجال كبير، تارة، تحت
عنوان الدفاع عن الاسلام ونظامه ودفع هذه التهمة
المشينة عنه، واخرى تحت عنوان الالتحاق بركب الحداثة
وازالة كل ما يعوق ذلك ويمنعه، عبر قولهم: ان هذا القانون
الاسلامي كان خاضعا لظروف النظام القبلي الذي كان سائدا
في فجر الدولة الاسلامية، ومنسجما مع حياة المجتمعات
البدائية،ومن ثم فلا يمكن لنا اعتبار هذا التشريع تشريعا خالدا
يتناسب مع جميع الظروف، وينسجم مع المجتمعات كافة
وفي الاوقات جميعها، وبالاخص في هذا العصر الذي تطورت
فيه الحياة الاجتماعية الى الحد الذي لم يسبق له مثيل،
وصارتطبيق مثل هذا القانون من علامات التخلف الحضاري
والتقوقع في زاوية من زوايا التاريخ.
ولعله من المفيد ان نشير هنا الى ان الهجوم على نظام تعدد
الزوجات في الاسلام واعتبار هذا القانون منافيا
للفطرة،ومنسجما مع التسلط الذكوري على المراة، كان قد
استلم دفته وقاد الحرب فيه المبشرون المسيحيون في
القرون الوسطى، كما يستوحى من كلمات ول ديورانت في
كتابه «قصة الحضارة»((536)).
وقد طالعنا، منذ امد غير بعيد، بعض الكتاب الذين نقضوا على
اجراء قانون تعدد الزوجات في هذا الوقت، وانتصرواللقانون
التونسي الذي اقر المنع من الزيادة، ومنع من الزواج المتعدد،
اعني به الدكتور نصر حامد ابو زيد، فقد تناول هذه المسالة
بشكل عابر في كتابه «دوائر الخوف، قراءة في خطاب المراة»،
والكتاب المذكور، وان كان يلاحظ احتواؤه على الكثير من
المطالب المهمة والشائكة التي يستدعي البحث فيها
ومناقشتها مجالا اوسع من هذه المقالة المتواضعة، الا ان هذا لا
يمنعنا من الاشارة الى هذه المسالة بالذات في كتابه، ومن ان
نضع بعض الملاحظات في شانها.
وسوف نستعرض دليله مع توضيح وتلخيص، مسلطين الضوء
على اهم المطالب المرتبطة ببحثنا، والتي اوردها ضمن فصل
مستقل، ونحاول قدر الامكان ان نبين بعض الملاحظات عليه
من دون الدخول في سجال عام ومناقشة شاملة لاصل هذه
المسالة (تعدد الزوجات)، باعتبار ان البحث في جميع الجوانب
المرتبطة بها يحتاج الى كتاب مفصل، لسنافي صدده الان. استعراض دليل ابو زيد
في بيانه لمنع العمل بتعدد الزوجات، اعتمد الكاتب المذكور على دليل واحد
يتالف من ثلاثة محاور: المحور الاول: هو ان الاية التي تتحدث عن اباحة التعدد: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وان خفتم الا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم) [النساء/3]، مذيلة باباحة معاشرة ملك اليمين، ومعاشرة ملك اليمين منصوص عليها بالدرجة نفسها من الاباحة والوضوح الموجودين في مسالة تعدد الزوجات، والحال ان معاشرة ملك اليمين قدغابت تلقائيا بفضل التطور الواقع لوعي الانسان عبر العصور، وتقدم السنن الاجتماعية وسيرورة الحياة.
فاباحة تعدد اربع نساء يجب ان تفهم من خلال طبيعة العلاقة
بين الرجل والمراة قبل الاسلام، باعتبار ان الاسلام قد جاءفي
ظرف كان الرجل فيه لا يقف عند حد معين من النساء في
مسالة الزواج، فكان بعضهم يتزوج العشرة والعشرين، وفي هذا
السياق نرى ان اباحة هذا العدد - اي الاربعة - يمثل تضييقا
لفوضى امتلاك المراة من قبل الرجل قبل الاسلام، ونقلة نوعية
في طريق تحرير المراة من الارتهان الذكوري. المحور الثاني: وجود بعد في القرآن الكريم غير مذكور بصراحة، وهو البعد المضمر، و«المسكوت عنه» في الخطاب.
هذا البعد المسكوت عنه نصل اليه عبر الجمع بين الايتين (وان
خفتم الا تعدلوا فواحدة) و(لن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء
ولو حرصتم) [النساء/129]. فان الاية الاولى - والتي هي مؤكدة
للمحور الاول من حيث اعتبارها تضييقا للتعدد تشترط الزيادة
بالعدل.
والاية الثانية تنفي العدل بين النساء في حالة التعدد، وهو نفي
مركب على مستوى الدلالة: نفي امكانية العدل بين النساءنفيا
ابديا، ونفي محاولة الحرص على تحقيق هذا العدل.
واذا اضفنا الى ذلك ان العدل مبدا من المبادى الجوهرية في
الاسلام، نجد ان ثمة تعارضا - من وجهة نظر القرآن - بين «المبدا»
الذي هو العدل، وبين الحكم ب «الاباحة» ، واذا تعارض الحكم
مع المبدا فلا بد من التضحية بالحكم حفاظا على المبدا.
وهكذا يكاد القرآن - في تطور سياقه الداخلي - يحرم تعدد
الزوجات بطريقة ضمنية، او بدلالة المسكوت عنه. المحور الثالث: وهو محور منطقي مبني على المحورين السابقين ومؤكد لهما، فاذا فرضنا ان اباحة الاربع نساء كانت تضييقا لتعدد اوسع منه، فان عنوان الاباحة لا ينطبق على هذا التضييق الذي كان بخطاب الاباحة؛ باعتبار ان التقييديمثل صياغة قانونية معدلة لحكم اجتماعي لم يعد يلائم تطور وعي الجماعة، ولا مستوى الوعي الذي اراد القرآن تحقيقه. واذا انتفت صفة الاباحة عنه لم يعد داخلا تحت المباحات، ومن ثم لا يكون الغاؤه محرما. بل الاحرى ان نقول ان الغاءه وقصر الزواج على زوجة واحدة يعد بمثابة تضييق آخر راى المشرع انه يناسب تطور المجتمع. وهذا التضييق لا يندرج تحت باب «تحريم المباح»، اي انه يخرج من حيز الاحكام الدينية ويدخل في حيز الاحكام المدنية.
ولو سلمنا ان تعدد الزوجات حكم يقع ضمن دائرة المباح، فان
عدم فعله - ولو بالمنع عنه - لا عقاب عليه بحسب القاعدة
الفقهية.
هذا خلاصة ما استدل به «الدكتور ابو زيد» في كتابه المذكور
لتوضيح دعواه في هذه المسالة((537)). بحث ومناقشة
وكلامه هذا يتضمن عدة نقاط، سنفرد كلا منها على حدة ونحاول طرح بعض الملاحظات
عليها: النقطة الاولى: ان وجود ملك اليمين، في الاية المجوزة للتعدد، يكشف عن وجود ارتباط حكمي بينهما؛ فاذا انتفى الحكم الاول للاسباب التاريخية والوعي الاجتماعي ينتفي حكم الثاني للاسباب نفسها.
وهنا نقول: ثانيا: انه من غير المسلم به ان المشرع قد حرم نكاح ملك اليمين، بل الحكم بالاباحة لا يزال موجودا، لكن الذي حصل هو ان موضوع هذا الحكم قد اختفى تدريجيا بفضل تطور الحياة الاجتماعية((538)) فان انتفاء موضوع حكم ما، لايستلزم انتفاء حكمه ثبوتا، بل يكون انتفاء حكمه على نحو القضية السالبة بانتفاء الموضوع، فلو فرض وجود موضوع له - كان يفترض عودة التداول بظاهرة ملك اليمين الى المجتمعات لعاد - الحكم الاسلامي السابق الى ما كان عليه في عصرالنص من الاباحة. النقطة الثانية: ان الوعي الاجتماعي وسيرورة الحياة اللذين فرضا الغاء ظاهرة ملك اليمين، هما اللذان ينبغي ان يفرضاالغاء ظاهرة التعدد في المجتمع.
وهنا نقول:
من هنا نستكشف وجود سياسة في الاسلام تهدف الى تحرير
العبيد والمماليك عبر مدة زمنية تتناسب مع وعي الناس في
ذلك الحين، وتنسجم مع سيرورة الحياة، ما يؤدي الى الحد
من هذه الظاهرة في المجتمع بشكل تدريجي، بل والغاؤها
عمليا من قاموس الحياة الاجتماعية للمسلمين. ومثل هذه
السياسة لا نجدها بالنسبة الى تعدد الزوجات.
بل نلاحظ العكس من ذلك تماما، فاننا اذا القينا نظرة على
البرنامج والنظام التربوي الذي تتربى عليه المراة
المسلمة والمجتمع المسلم، لا نجد فيه اي هدف للاسلام، او
اي سياسة تستوجب القضاء على هذه الظاهرة مع مرور الزمن،
ان لم نقل: ان النتيجة قد تكون عكسية تماما، فان التربية
الاسلامية للمراة تنسجم اشد الانسجام مع مسالة التعدد.
والذي يشير الى ذلك وجود كم لا باس به من الخطابات
الشرعية مشفوعة ببعض المفاهيم الاخلاقية - التي تلاحظ
بوضوح عند مراجعة سريعة لمصادر التشريع الاسلامية التي
تساعد على القبول بفكرة الزوجة الثانية لدى النساء والرضا
بوجودضرة لها. وليس هنا مكان ابراز هذه الخطابات والادلة،
بل لها مقام آخر.
وما نراه من اخلاقيات عند المسلمين تتنافى مع تطبيق هذا
القانون في هذا الوقت، انما هو نتيجة ابتعادنا عن
التعاليم الاسلامية وما تريد ان توصلنا اليه من تربية وسلوك،
فهل هناك من تزوج زوجة ثانية، وحافظ على العدل الواجب
شرعابين الزوجتين؟ او هل كانت الزيجات الاخرى منطلقة من
واقع المسؤولية التي كلف بها الزوج اتجاه زوجاته؟
الجواب واضح بالسلب، وذلك نتيجة تاثر اكثر مجتمعاتنا
بالثقافة الغربية وتطبعها بها، تلك الثقافة التي تجعل من اهم
اولوياتها سعادة الفرد ولذاته الخاصة مقابل اقل قدر من
المسؤولية التي يتحملها امام الاخرين، فيقوم الزوج بالتزوج
ثانيا ارضاءلهذه النزوة، من دون التوجه الى الوظيفة الملقاة
على عاقته بعد اقدامه على هذا الفعل. وهذه الثقافة تختلف
كثيرا عن الثقافة الاسلامية التي تعتمد على مشاركة الفرد في
تحمل مسؤولياته الاجتماعية اتجاه كل فرد من افراد
المجتمع خصوصا الاقرب فالاقرب، وهذه الثقافة تجعل في
سلم اهدافها واولوياتها صلاح الانسان ككل وسعادته
كنوع،خصوصا فيما لو فرض تعارض الصلاح الاجتماعي مع
المصالح الشخصية. وثانيا - ان هناك مقولة ترى ان القانون الاسلامي لم يتعامل مع نظام الرق وملك اليمين من منظور نفعي واستغلالي محض، بل ترى ان مواجهة هذا النظام في صدر الاسلام كان سيواجه متاعب كثيرة على صعيد تطبيقه، وسيثير فوضى اجتماعية عارمة. لذا عمد الاسلام الى تطبيق سياسة التدريج في تنفيذ هذا القانون، ومن اهم الشواهد على هذه المقولة هو ان الاسلام لم يكن يرى سببا لعبودية الانسان الحر غير الاسر في الحروب والغزوات، وهذا السبب لانشاء العبودية في الاسلام لم يكن من جملة تشريعاته الابتدائية، بل كان امضائيا نتيجة قانون المعاملة بالمثل، حيث كان القانون الحربي عند اكثر المجتمعات في ذلك الوقت هو استرقاق الاسرى - في احسن الحالات، حيث كانوا يقتلون الاسرى احيانا - ولم يكن الاسترقاق وانشاء العبودية لاشخاص ولدوا احرارا من جملة قوانينه، كما ذكر الشهيد السيد محمد باقرالصدر: «ونحن اذا لاحظنا حكم الاسلام بشان الاسير، خلال التطبيق في الحياة السياسية للدولة الاسلامية، وجدنا ان الاسترقاق لم يحدث الا في تلك الحالات التي كان الاسترقاق فيها اصلح الحالات الثلاث - القتل والفداء والاسر - لان العدو الذي اشتبكت معه الدولة الاسلامية في معاركها كان يتبع نفس الطريقة مع اسراه»((539)).
وهذا خير دليل على الفارق الجوهري الموجود في كلتا
المسالتين المطروحتين في هذه الاية. النقطة الثالثة: ان مسالة التعدد يجب ان تفهم من خلال العلاقة القائمة بين الرجل والمراة قبل الاسلام، وان الاباحة تعدتضييقا لحالة الزواج غير المحدودة التي كانت عليها سابقا، ومن ثم يمكن للمشرع الان ان يحصر الزواج في امراة واحدة بعد هذه المراحل من تطور البشرية ووعيها، بعد ان صارت الارضية مناسبة له الان، فان هذا الحصر يعد نقلة طبيعية وامتدادا للطريق الذي بداه النظام الاسلامي.
والجواب:
تماما كما هو الحال في مسالة الارث وغيرها من مسائل
المفاضلة بين الرجل والمراة كالديات والشهادات، فانه لا
يمكن لنا ان ندعي ان راي الاسلام في هذا الوقت هو في ان ترث
المراة كما يرث الرجل مثلا، بدعوى انها لم تكن تورث
قبل الاسلام، وان الاسلام قد اعطاها نصف ما اعطى للرجل
تحت عنوان الخطوة الاولى في طريق تحريرها من
الحرمان الذي كان الرجل يعاملها به، ونحن الان نكمل الطريق
الذي بداه الاسلام في سبيل ذلك. ان مثل هذا الحكم، ان لم
يكن تشريعا واضحا، لا يمكننا الاتيان به او نسبته الى الاسلام، الا
بعد التعرف على ملاك التشريع السابق بشكل واضح ومعقول.
فهو لا اقل يعتمد على بعض التحاليل التاريخية التي لا ترتكز
على اصل موضوعي يشرح لنا ملابسات هذاالتشريع ويكشف
النقاب عن تداعيات ظروفه. ومع عدم التعرف على العلة
والملاك للحكم كذلك نبقى على الحكم الاول.
نعم اذا قام دليل صريح على ان الغاية لحصر التعدد في اربع
نساء في الاية انما كانت لتقييد نشاط الرجل الجنسي في ذاك
الوقت ضمن هذا الحد، كان هذا الكلام في غير محله، لكن ما
جاء به الكاتب لا يكفي لاثبات ذلك. اضافة الى انه يمكن النقض بان الملاك لهذا التضييق قد يكون عدم وجود ارتباط عقدي وزوجي بين الرجل والمراة اصلا، واقتصار الارتباط بينهما على العلاقة الجنسية العابرة، باعتبار ان نفي هذا الارتباط هو تضييق آخر يمكن للمشرع ان يفعله اذا كان منسجما مع تطور وعي الجماعة وسيرورة الحياة، فمن اين لنا ان نقتصر في اثباتنا بان الملاك للتضييق هو خصوص الاقتصار على الزوجة الواحدة من دون غيره من التقييدات التي قد تنسجم لاحقا مع وعي المجتمع، وتفرزها التطورات المستمرة للحياة الاجتماعية؟
وبعبارة اخرى، اذا فرضنا ان الارتباط الزوجي بين الرجل
والمراة صار في وقت ما لا يتناسب مع التطور
الثقافي للمجتمع، واصبح المناسب لهذا التطور هو العلاقة
الجنسية الانية بينهما، فهل يمكن ان ندعي ان مثل هذا
القانون يفهم من ظاهر هذه الاية، بدعوى ان هذا القانون هو
بمثابة تضييق آخر - بمعنى عدم ممارسة عقود الزواج اصلا
يمكن للمشرع او للحاكم ان يفرضه؟ اذ بناء على ما تفضل به
الكاتب يصح هذا الكلام، بل لابد من ذلك للمحافظة على
تطورالبشرية وسيرورة الحياة، الا ان مثل هذا الكلام والخروج
بهذه النتيجة، فضلا عن افتقاره للاصول الموضوعية
والضوابط المنطقية لاستنباط الاحكام، هو نتيجة لا اظن احدا
حتى الكاتب يرضى بها او يقول بمقتضاها، الا ان كلامه يوصل
الى ذلك، ومن الواضح ان نسبة هذا الحكم الى الاسلام غير
دقيقة، ويعد ذلك مسخا للاحكام الشرعية والقوانين
الاسلامية المتعارف عليها. وثانيا - ان القانون الاسلامي قد عامل المراة معاملة حسنة جدا، وانتشلها من براثن الوحشية والظلم، التي كانت تعيشهما قبل ذلك من قبل الانظمة والقوانين التي كانت سائدة ما قبل عصر النص، وان المراة في النظام الاسلامي قداحترمت احتراما لم يسبقه ولم يلحقه مثيل، والتشريع الاسلامي قد وفاها حقوقها على اتم وجه واكمل بيان، ولم يسوف لها شيئا من حقوقها التي فرضها لها؛ فلا داعي بعد ذلك الى القول: ان المراة لا تزال اسيرة بيد الرجل، ولابد الان من الاستمرار في عملية تحريرها، واكمال الطريق الذي بداه الاسلام في اخراجه للمراة من قيودها، فان مثل هذا الكلام انمايصح اذا لم نكن نرى ان الاسلام قد اسلف المراة حقوقها وانقدها عملية التحرير المرجوة لها، من دون ان يخشى من غضب المجتمع الذي كان يسيطر عليه الرجل. اما ما نجده من خلاف ذلك في المجتمعات الاسلامية، من هدر لحقوق المراة واستخفاف بها، فهو نتيجة عدم التزام المسلمين بالقانون والتشريع الاسلاميين، ومن ثم فهو خلل في المسلمين ناتج عن قلة ادراكهم ومعرفتهم بالنظام الاسلامي وعدم التزامهم بتشريعاته، فلا يمكننا اعتباره خللا تشريعيا فيه. |