الصفحة التالية

الصفحة السابقة

وثالثا - ان «المشرع»، في وقتنا هذا، يقتصر تعامله مع الشريعة الاسلامية على استنطاق ما في داخلها من امهات المسائل واصول الاحكام التي يستفيد منها في تطبيقها على كل عصر، ويستخدمها في استنباط بعض الاحكام الطارئة والموضوعات المستحدثة، لا انه يحكم على ما ثبت جوازه بصراحة ووضوح بانه حرام ويمنعه، لاجل ان الشارع ق دفرض بعض القيود على حكم كان موجودا قبل ذلك، فليس من صلاحيات الحاكم و«المشرع» ان يحرم ما ثبتت حليته بدليل واضح، ولا ان يحرم كذلك.

نعم للحاكم الشرعي ان يمنع تطبيق اي قانون او نظام، او يحرم بعض الاحكام المباحة بحكم ولايته وحكومته، كما له ان يفرض بعض الاحكام كذلك، فيما اذا كانت المصلحة الاجتماعية تستدعي ذلك وتقتضيه الضرورة، الا ان هذا المنع اوالالزام لا يكون شرعيا، بل هو حكم ولائي مؤقت. ويعد هذا من جملة الصلاحيات المعطاة للحاكم وولي الامر، لكن من الواضح ان هذا المنع او الفرض يختلف عن التحريم المراد تطبيقه والمبحوث عنه في مقامنا.

ورابعا - ان الحكم بحرمة التعدد هو حكم جائز بالنسبة للمراة، ويتنافى مع حقوقها المفروضة من قبل الاسلام، ان لم نقل: ان الضرورة الاجتماعية تقتضي هذا الحكم، وذلك لان من الحق الانساني والاجتماعي لكل انثى ان تعيش في بيت مع زوج يحفظ لها عفتها ويعطف عليها ويعاشرها وينجب لها الاولاد، ويتكفل بسد حاجاتها الجنسية والعاطفية، وياخذبيدها نحو الحياة الدافئة والحميمة، حتى تمارس كامل انوثتها وتبرز تمام طاقاتها مع زوجها واولادها، وهذا لا يحصل لكل انثى الا اذا فرضنا ان بعض الرجال قد عمل بنظام تعدد الزوجات، باعتبار ان عدد النساء يزيد على عدد الرجال في الكثير من المجتمعات، كما تشهد بذلك الاحصائيات السكانية الماخوذة عن دوائر الامم المتحدة في العالم. فاذا فرضناان العمل بهذا النظام قد الغي وحظر في المجتمعات التي يزيد عدد النساء المؤهلين للزواج فيها على عدد الرجال كذلك - كما هو الموجود في جميع المجتمعات حتى تلك التي يزيد عدد رجالها على النساء فان نسبة لا باس بها من الاناث سوف تبقى من دون ذكور، ومن ثم سوف يعانين من نقصان اجتماعي وغريزي، يشكل لهن فراغا حقوقيا وشعورا بالظلم المقنن، فضلا عما سوف يتعرضن له من مخاطر تربوية وسلوكية واجتماعية، يعود وبالها على المجتمع برمته. وما نشاهده اليوم من فوضى جنسية غير محدودة في المجتمعات الغربية والاسلامية انما هو نتيجة عوامل عدة، منها، ان لم يكن اهمها، منع تعدد الزوجات قانونيا، كما في الدول الغربية، او المنع منه بالنظرة الاجتماعية، كما في بعض الدول والمجتمعات الاسلامية.

لكن الكاتب رفض فكرة المقايسة والربط بين منع التعدد وبين المصير الذي وصلت اليه المجتمعات الغربية من الفوضى المذكورة، والتي تشكل المثال الابرز في ذلك. حيث يقول: «والدفاع عن تعدد الزوجات، في سياق المساجلة، يقوم على افتراض ضمني فحواه ان الغرب هو المقياس الذي تقاس عليه الامور، وهو منطق معاكس تمام المعاكسة لمشروع النهضة على اساس حضاري مستقل ومتميز، بل هو نقيض له»((540)).

وهنا نقول: ان اصل المقايسة بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية هو قياس مع الفارق الكبير المتمثل بالفارق الثقافي والديني والحضاري و...، وهذه المقايسة تمثل نوعا من الاعتراف بالمرجعية الغربية في تحديدها للصواب والخطا، ولاتنسجم مع المشروع النهضوي للمسلمين والعرب. الا ان المقايسة التي طرحت في مسالة تعدد الزوجات ليست من هذاالقبيل، بل هي مقايسة تهدف الى تسليط الضوء على الجانب السلبي من القانون المانع للتعدد، والكشف عن وجودخطر اجتماعي كبير في تطبيقه، من باب «والضد يظهر حسنه الضد»، وهذا ما يراعى عادة في دراسة اي مشروع من جهاته السلبية والايجابية، وتؤخذ النتيجة المفترضة - ايجابية كانت ام سلبية بعين الاعتبار، بحيث تؤثر على استمرارهذا المشروع او القانون، لا انها تتنافى مع القول: ان الغرب لا يعد المقياس والميزان لصحة الامور بالنسبة لنا، او رفض هذه المقولة بتاتا.

النقطة الرابعة:
ان العدل يعد من المبادى الاساسية في الاسلام، والحكم بالاباحة يعارض المبدا فيقدم المبدا، وينتفي الحكم بالاباحة.

ونحن نقول: اننا نرتضي القول: ان العدل من المبادى الاساسية في التشريعات الاسلامية جميعها، خصوصا الاجتماعية منها، ومن ثم اشترط الاسلام العدل في حكمه باباحة الزيادة على الزوجة الواحدة، لكننا لا نسلم بان الحكم بالاباحة خلاف العدل، فان منشا هذا القول هو افتراض ان المراد بالعدل الموجود في الاية المجوزة للتعدد والمطلوب كشرط فيه هو العدل نفسه المنفي امكان تحصيله في الاية الاخرى (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولوحرصتم).

والجواب:
اولا - ان هذا الافتراض لم يقبل به احد من المفسرين، حيث ذكروا ان المراد بالاية الاولى هو العدل الواجب في النفقة والمبيت لا اكثر من ذلك، اما العدل المنفي امكانية تحصيله في الاية الاخرى فهو العدل في الحب والميل القلبي، خصوصا اذا لاحظنا ذيل الاية؛ حيث ورد (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة)، فكان الميل القلبي بالشكل الذي لا تكون الزوجة معه معلقة، هو ميل مقبول ومسموح به شرعا، وليس داخلا في نطاق الحكم التكليفي بوجوب العدل، لان العدل بهذا المعنى غير مقدور لاحد من الناس.

وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره لاية (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصم): «ان فيه قولان: الاول لن تقدرواعلى التسوية بينهن في ميل الطباع، واذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين، والثاني: لا تستطيعون التسوية بينهن في الاقوال والافعال لان التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب، لان الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال، واضاف: فلا تميلوا كل الميل انكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي، لان ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن اظهار ذلك التفاوت في القول والفعل»((541)).

وكذا قال ابن جرير الطبري في تفسيره: (لن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء): لن تطيقوا ايها الرجال ان تسووا بين نسائكم وازواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك مما لا تملكونه وليس اليكم، (ولو حرصتم) يقول: ولوحرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك((542)).

واشار العلامة الطباطبائي، في تفسيره، الى وجود شاهد على ذلك، وهو: «ان الذيل يدل على ان المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرف اصلا بلزوم حاق الوسط حقيقة وان المشرع هو العدل التقريبي عملا من غيرتحرج»((543)).

وهذا المعنى الذي تبناه المفسرون، هو نفسه الذي يؤيده السياق التاريخي للمسالة، فبما ان دراسة اي مسالة لا بد من ان تنطلق من حيثياتها وظروفها المحيطة بها، كما تفضل الكاتب بذلك((544)) فلا يمكن ان نفهم المراد الحقيقي والجدي من هاتين الايتين الا اذا اخذنا بعين الاعتبار النصوص التاريخية المحيطة بالمسالة، وهذا السياق يفيد في كون المراد من الاية النافية لامكانية العدل هو العدل القلبي، لا ذاك العدل الواجب بين الزوجات. ومما يثبت ذلك الروايات والاخبارالواردة عن الرسول(ص)، وحتى لا نجر المقال الى الدخول في بحث تاريخي وروائي، نذكر على ذلك انموذجا واحدامن الاخبار: «عن عائشة قالت: كان رسول الله(ص) يقسم ويعدل ويقول: «اللهم هذا قسمي في ما املك فلا تلمني في مالا تملك ولا املك» يعني القلب»((545)).

وثانيا: ان الرسول(ص) قد اتى بالتعدد ومارس هذا الحق عمليا، فاذا افترضنا ان العدل الواجب تحصيله هو المنفي في الاية الاخرى عينه، لكان الرسول(ص) هو اول من عصى الاوامر الالهية بتزوجه اكثر من واحدة مع عدم امكانه العدل بينهن - كما افادته الاية من النفي حيث انه(ص) احد المخاطبين بهذه الاية والنفي التي تخبر عنه شامل له - وواضح انه لا يصح اعتبار ان النبي قد خالف الاوامر التي جاء بها وفرضها على سائر المسلمين، مع ملاحظة انه لم يستثن نفسه من الحكم بوجوب العدل، حتى يقال: ان حكم النبي هنا مستقل في هذه الواقعة كما هو الحال في بقية الاحكام الخاصة به(ص).

اضافة الى ان كبار الصحابة(رض) قد مارسوا هذا الامر كذلك، فلو كان النفي الموجود في الاية نفيا للعدل القلبي وانه حرام، لكان على النبي(ص) ان ينبه اصحابه على اجتناب فعل هذا المحرم الكبير - كما ورد مثل هذا التعبير في بعض الروايات الناعتة للمجحف بحق ازواجه كما حصل بالنسبة للافعال التي اعتاد الصحابة القيام بها مع انها لا تتناسب مع التعاليم الاسلامية، فقد غلظ الرسول(ص) على اصحابه في منعهم من الاتيان بها.

وثالثا: اذا راينا ان المراد، من الاية الموجبة للعدل، هو العدل نفسه المنفي امكانية تحصيله في الاية الاخرى، وهو العدل في جميع جوانب حياة الزوج مع زوجته، تصير الاية الاولى المبيحة للزواج باكثر من زوجة واحدة لغوا، ولكان تشريع التعدد من اول الامر بلا فائدة، باعتبار ان الاية تبيح فعلا مشروطا بامر لا يمكن تحصيله حتى مع الحرص على ذلك، كماافادته الاية الثانية: (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)، بل يصير الحكم بالجواز منافيا للتكليف الشرعي،وهو فعل مستهجن ومستبعد صدوره من العقلاء، فكيف برب العقلاء؟

النقطة الخامسة:
وهي ان في الاسلام احكاما مسكوتا عنها ومبينة بطريقة ضمنية في القرآن، وحرمة التعدد من جملة هذه الاحكام، اكتشفت عن طريق ضم الايتين: المقيدة بالعدل والنافية لحصول العدل.

ونحن نقول: اننا لا ننكر وجود مثل هذه الاحكام؛ فان في القرآن بيانا لكل شيء و(ما فرطنا في الكتاب من شيء)[الانعام/29]، وهو يعتمد على اعمال التحليل في بعض الايات المشتركة في موضوع واحد والربط بينهما كذلك، وهذاما يطلق عليه بعض المفسرين اصطلاح «التفسير الموضوعي للقرآن»، او «تفسير القرآن بالقرآن». الا ان استخراج مثل هذه الاحكام خاضع لضوابط معينة وشروط محددة، لا يمكن استخراج اي من الاحكام من دونها، ومن جملة تلك الشروط بل واهمها ان لا يكون الحكم المستخرج بوساطة ضم آيتين مذكورا ضمن آيات واضحة الدلالة على خلاف هذاالحكم، ولا بد من ان يكون الحكم «المسكوت عنه» والمكشوف بوساطة الضم المدعى، غير مذكور صريحا في مكان آخر من القرآن او في غيره من مصادر التشريع، كما هو الحال في مسالتنا، فان اباحة التعدد حكم قرآني مذكور في آية واضحة الدلالة على ذلك، وان كان مذكورا في مكان آخر، لكان ذلك قرينة على عدم ارادة هذا الجمع واستخراج هذاالمعنى، ومن ثم فلا يعود مسكوتا عنه، لصيرورته حكما منطوقا به لا مسكوتا عنه.

النقطة السادسة:
وهي ان الحكم باباحة الاربع هو في الواقع تضييق لتعدد اوسع منه، وهو صياغة قانونية معدلة لحكم اجتماعي لم يعد يلائم تطور وعي الجماعة، ومن ثم لا يصدق عليه اسم (المباح). واذا انتفى اسم المباح عنه امكن الغاؤه، ولا يكون الغاؤه من باب تحريم المباح.

حتى لو قلنا: انه مباح ويصدق عليه هذا العنوان، فان المنع عنه لا يكون فعلا محرما ولا عقاب عليه.

والجواب
اولا - انه لم يتضح مراده من قوله: «اذا كانت اباحة التعدد هي في الواقع تضيق لتعدد اوسع سابق على حكمها. فان اسم الاباحة لا ينطبق عليها»((546)).

فان كان مراده هو عدم صدق الاباحة الشرعية على التعدد، فما معنى قوله، اولا، اباحة التعدد؟ فهل يحتمل فيها غيرالاباحة التي اطلقها القرآن في الاية؟ واذا كان كذلك كانت الاباحة شرعية وصدق عليها عنوان الاباحة مقابل عنواني الحرمة والوجوب.

وان كان مراده هو ان هذا الحكم بالاباحة نتيجة رغبة الشارع في وضع حد مضيق للتعدد السابق، بمعنى ان الخطاب متوجه الى بيان تضييق الحكم من دون بيان اباحة الاربعة بالمعنى الشائع للاباحة، ولا يكون التضييق كاشفا عن وجوداباحة شرعية ولكن من باب ضيق الخناق عبر بما يستوحى منه الاباحة، فيكون المراد بالاية هو: لا تنكحوا اكثر من اربع نساء، وليس مرادها جواز التزوج من اربعة. ان كان مراده هذا، فيرد عليه بان هذا الخطاب لا ينسجم مع الطريقة المتبعة في القرآن لبيان احكامه، وللزم ان تكون الاية بخلاف ما يظهر منها، حيث ان الظاهر من الاية هو العكس من ذلك، بمعنى ان الاية تريد بيان حكم التزوج من الاربعة، وانه مباح، خصوصا انها تشتمل على خطاب (ما طاب لكم) الذي يستفادمنه الاباحة بوجه قوي، بل ان هذه العبارة تفيد كون الخطاب نصا في الاباحة كما هو الملاحظ بوضوح، واما ارادة التضييق من خلال بيان هذا الحكم فهي على منوال القواعد الخطابية والبلاغية للقرآن، فلا يكون متنافيا واصل الاباحة.

فيكون المراد من الاية بيان امرين في وقت واحد: احدهما اباحة التزوج باربع نساء وجواز الزيادة على الزوجة الواحدة،والثاني هو التضييق على الحالة التي كانت قبل هذا التشريع، وحصر الاباحة بالاربعة فقط من دون الزيادة على ذلك،وعليه فلا موجب لحصر مراد الاية باحد هذين الامرين من دون الاخر.

وثانيا - لم تتضح العلاقة بين انتفاء الاباحة وعدم صدق اسم المباح على التعدد، وبين امكانية الغائه وتحريمه، ولعل هذا الترابط بينهما مستند الى النظرة القائلة: ان الاباحة تعني رفع اليد من قبل الشارع عن هذه الواقعة وهذا الموضوع،وايكال الحكم فيه الى اختيار الناس، فان شاؤوا اطلقوا عليها الحرمة، وان شاءوا اطلقوا عليها عنوانا آخر. واغلب الظن ان هذه النظرة تعتمد على تفسير التشريعات الاسلامية على اسس علمانية قائمة على نفي ضرورة وجود حكم في كل واقعة من وقائع الحياة.

وتوضيح ذلك ان التشريع الاسلامي قد فرض وجود حكم لكل واقعة بحيث لا يخلو فعل من الافعال، او اي امر، من دون ان يكون له احد الاحكام التشريعية الخمسة (الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والاباحة)، ومن ثم فان انتفاء الاباحة معناه ثبوت احد الاحكام الاربعة الاخرى مكانه بشكل تلقائي، فلا معنى لان يكون الفعل الخارج من حكم الاباحة الشرعية، قد ثبت انه حرام او ممنوع عنه شرعا، لان الحرمة هنا متساوية النسبة مع بقية الاحكام الاخرى،فلماذا اخترنا الحرمة ولم يحكم على هذا الفعل المنتقل من مرحلة الاباحة بانه واجب او مستحب او مكروه؟، وهل هناك مرجح للحرمة على غيرها من الاحكام؟ الظاهر ان هذا من باب الترجيح من دون مرجح القبيح في نظر العقلاء،وهو لا يصح مستندا على المستوى التشريعي والقانوني. لكن الظاهر ان مراد الكاتب هو عدم ضرورة وجود حكم في كل واقعة، واذا لم يكن هناك حكم امكننا ان نجعل محله حكما آخر حسبما نرى نحن المصلحة في ذلك، وسوف ياتي مزيد من التوضيح لهذا الامر في الجواب على النقطة السابعة.

وثالثا - ان قوله «ومع التسليم بان تعدد الزوجات حكم يقع في دائرة المباح، فان عدم فعله - ولو بالمنع منه لا عقاب عليه بحسب القاعدة الفقهية»((547)). هذا الكلام يستبطن تناقضا واضحا وتنافيا صريحا؛ فان معنى الاباحة الشرعية -كما هو المفهوم من كلامه وكما وضح الكاتب ذلك في كتابه((548)) هو جواز فعله وجواز تركه، ومعنى المنع عنه وتحريمه هو عدم جواز فعله، فكيف يمكننا ان نحكم على مباح بالحرمة ونمنعه؟ بل كيف يمكن ان نجمع بين حكمين متضادين على موضوع واحد؟ نعم، يمكن ان لا نفعل المباح ونمتنع عن فعله خارجا، لكن هذا الامتناع امتناع على مستوى الفعل والتطبيق، ولا اشكال في ذلك، انما الاشكال في منعه على مستوى التشريع والقانون، كما هو المراد اثباته من قبل الكاتب.

النقطة السابعة:
وهي انه بعد انتفاء الاباحة عن حكم التعدد، كما تقدم في النقطة السابقة، لا يكون الغاؤه تحريما. بل ان الغاءه وقصر الزواج على واحدة يعد نقلة تضييقية اخرى راى المشرع انها تناسب تطور المجتمع، فتكون كسائر الاحكام المدنية.

هنا تتجلى بوضوح النظرة العلمانية التي ترتكز عليها هذه النقطة، فان نفي حكم الاباحة عن فعل اجتماعي داخل في الاصل ضمن نطاق التشريع الاسلامي ودائرته، يعد رؤية علمانية ضيقة للاسلام، تقصر الدين الاسلامي واحكامه في خصوص العلاقة الذاتية مع الله، وتحشرها في زاوية العبادات والنشاطات الروحية والشخصية، حتى ما كان منها ذا طابع اجتماعي، او ما يرتبط بها حكم تكليفي وتقطع صلاتها بكل ما سواها. والتفصيل الموجود في كلامه بين الاحكام الدينية والاحكام المدنية، خير شاهد على ذلك.

والجواب على هذه النقطة من جهاتها كافة يقتضي استئناف بحث حول العلمانية والاسلام، لا شك في ان المقام لايتسع لذلك، لكن مما ينبغي ذكره هنا ولا يضر التذكير به - وان كان لاثباته مكان آخر هو ان الاحكام الاسلامية عبارة عن مجموع كلي من الاحكام العبادية والمدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها...، فانه لا يمكن الفصل بين هذه الاحكام اصلا، او التفريق بينها بتاتا، خصوصا فيما اذا كانت المسالة مذكورة الحكم بشكل مباشر، كما في مثل هذاالمقام؛ فان مسالة التعدد قد وردت صريحة في القرآن الكريم وفي مصادر التشريع الاخرى، وتم التعرض لحكمهابشكل مفصل، وتعلقت بها احكام تكليفية اخرى من قبيل وجوب النفقة والمبيت والعدل وغيرها، فكيف يمكن القول،بعد ذلك: ان حكم تعدد الزوجات ليس حكما دينيا، بل هو حكم مدني واجتماعي؟ واذا كان الامر كذلك امكننا ان نحول الكثير من الاحكام الشرعية الى احكام مدنية ونضع لها احكاما تختلف عما هو موجود في الشريعة، بحجة ان الحكم فيها هو حكم مدني او اجتماعي محض.

ومن هنا نلاحظ ان البحث في مسالة تعدد الزوجات لا يمكن ان نخرج منه بنتيجة واضحة ومكتملة بمجرد طرح بعض المداليل النصية المنقوصة، من دون دراسة تفصيلية للمسالة على ضوء رؤية شاملة للنص القرآني والروائي معا، ودراسة تاريخية مفصلة الى جانب ملاحقة التداعيات العملية وما يحتوي تطبيقها من ايجابيات او سلبيات، وعلى ضوء ذلك كله يتمكن الباحث من الخروج بنتيجة اكثر وضوحا وشمولية واستيعابا.

المراة في الاسلام حقوق ام حماية

د. تكتم رضائي

بعد القاء نظرة سريعة وخاطفة، في مجموع ما ورد من تعاليم الاسلام، في خصوص المراة، نجد في هذه التعاليم ميلاشديدا ودفاعا واسع النطاق عنها، مبنيان على اسس قويمة، وقد يكونان احيانا افضل واوسع نطاقا حتى من الحق الذي منحه القانون لها، بل ان ما ورد في شريعة الاسلام، في هذا الخصوص، اسمى بكثير من الاراء والرؤى التي تتضمنها اي دعوة وضعية تعمل لصالح المراة. وبالطبع، دائرة البحث، في هذا المجال، واسعة جدا، فيتعذر احصاء جميع نماذجهافي هذا المقال، ولهذا نكتفي فيه بالاشارة الى عدة قضايا، وهي:

1. المساواة:
وهي اصل لا ريب في ثبوته في الاسلام، وحدوده واسعة النطاق جدا. وهذا الاصل يجري في قضايا الحياة جميعها، وفي حق الناس جميعهم. فقد ورد في بعض الاحاديث التاكيد على ضرورة رعاية المساواة بين الابناء وافرادالاسرة في التوجه والالتفات اليهم، بل حتى في توزيع النظرات عليهم، فقد روي انه: «نظر رسول الله(ص) الى رجل له ابنان، فقبل احدهما وترك الاخر، فقال النبي(ص): فهلا واسيت بينهما؟!»((549)).

ومع ذلك، نجد ان الاسلام قد سمح بالتمييز في التعامل بين البنت والولد، قال رسول الله(ص): «من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها الى عياله، كان كحامل صدقة الى قوم محاويج، وليبدا بالاناث قبل الذكور...»((550)). فمن الواضح،كما نرى، انه قد روعي، في هذا الحديث الشريف، جانب الاناث اكثر من الذكور.

وقد ذكر الحر العاملي (قدس سره) هذا الحديث في الوسائل تحت عنوان: «باب استحباب شراء التحف للعيال والابتداء بالاناث».

وروي، ايضا، في بعض المصادر، عن النبي(ص) انه قال: «ساووا بين اولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا لفضلت النساء»((551)).

2. زيادة الرقة على البنات:
اثنى الاسلام على معاملة الابناء بالتودد اليهم والعطف عليهم، وخص الاناث بمزيد من ذلك، فقد اكد كثيرا على هذا الامر، فورد عن الامام ابي الحسن الرضا(ص) انه قال: «قال رسول الله(ص): ان الله، تبارك وتعالى، على الاناث ارق منه على الذكور...»((552)). وعلى هذا الاساس اورد الحر العاملي (ق دس سره)، في «الوسائل»،بابا تحت عنوان: «باب استحباب زيادة الرقة على البنات».

3. منزلة الام الخاصة:
ان للاب والام في الاسلام مقاما رفيعا وساميا، وعليه فلا بد من احترامهما وتكريمهما، خصوصاالام التي ورد في حقها تاكيد اشد، لما لها من منزلة خاصة، فورد عن النبي الكريم(ص) انه قال: «اذا كنت في صلاة التطوع فان دعاك والدك فلا تقطعها، وان دعتك والدتك فاقطعها»((553)). وقال، صلوات الله عليه وآله، ايضا:
«الجنة تحت اقدام الامهات»((554)). وعن الامام ابي جعفر محمد الباقر(ع) انه قال: «قال موسى بن عمران: يا رب اوصني... قال:اوصيك بامك. قال: رب اوصني، قال: اوصيك بامك. قال: رب اوصني، قال: اوصيك بامك. قال: رب اوصني، قال:اوصيك بابيك. قال: لاجل ذلك ان للام ثلثي البر وللاب الثلث»((555)).

وقال الامام ابو الحسن الرضا(ع): «واعلم ان حق الام الزم الحقوق واوجبها لانها حملت حيث لا يحمل احد احدا،ووقت بالسمع والبصر وجميع الجوارح مسرورة مستبشرة بذلك. فحملته بما فيه من المكروه الذي لا يصبر عليه احد، ورضيت بان تجوع ويشبع، وتظما ويروى، وتعرى ويكتسي، وتظله وتضحى. فليكن الشكر لها والبر والرفق بها على قدرذلك، وان كنتم لا تطيقون بادنى حقها، الا بعون الله»((556)).

وحينئذ، لما كان للام، بلحاظ كونها امراة، حقوقا او مكانة وقيمة اكثر من الاب، بوصفه رجلا، نطرح التساؤل الاتي: هل قنن المناصرون للمراة والمدافعون عن حقوقها - بمن فيهم المتطرفون منهم حقوقا كهذه الحقوق؟! وهل ارتفعوا بالمراة الى هذا المقام السامي الذي رفعها الاسلام اليه؟!

4. الوحي يوصي بالمراة:
ان جبرائيل(ع) كان يوصي بالنساء خيرا، وبهذا ورد الخبر عن رسول الله(ص)؛ حيث قال: «مازال جبرائيل يوصيني بالمراة حتى ظننت انه لا ينبغي طلاقها الا من فاحشة مبينة»((557)).

فالتعبير ب «ما زال» واضح وصريح جدا في ان الوحي كان يوصي النبي(ص)، كلما هبط، بالمراة خيرا، ويقف الى جانبهاويكثر من الوصية بها، وكان يذكر النبي(ص) دائما بهذا الامر الحيوي، حتى ان النبي(ص) صار يظن ان للمراة حقا بحيث لا يجوز لاحد طلاقها الا اذا اتت بفاحشة مبينة. وهذا، ايضا، وقوف الى جانب المراة ودفاع عنها يضاف الى ما ثبت لهامن حقوق.

5. الملاك في كمال الايمان:
ان الاحسان الى النساء والزوجات والتلطف بهن والتودد اليهن هو الملاك في كمال الايمان وافضليته، وفي القرب من مجلس النبي(ص) يوم القيامة، فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «اقربكم مني مجلسا يوم القيامة... خيركم لاهله»((558)) وقال، عليه وآله الصلاة والسلام: «احسن الناس ايمانا... الطفهم باهله، وانا الطفكم باهلي»((559)). فان في المنهج الخلقي الرفيع الذي سلكه النبي(ص) تعيينا لملاك الايمان عند المرء المسلم.

6. تحمل سوء خلق الزوجة:
ورد، في بعض الروايات، التاكيد على ضرورة تحمل سوء خلق الزوجة وسلوكها والصبرعلى اذاها وعدم مقابلة ذلك بالانتقام والثار، او الحاق الاذى بها كي لا يتلاشى كيان الاسرة بالطلاق. والى جانب ذلك وعد الصابرون بالاجر الاخروي العظيم، فقد روي عن رسول الله(ص) انه قال:
«... ومن صبر على خلق امراة سيئة الخلق، واحتسب في ذلك الاجر، اعطاه الله ثواب الشاكرين»((560)).

وورد كلام لامير المؤمنين(ع)، في خطبة له تحدث فيها عن سلوك بعض النساء، اكد فيه ضرورة مسايرة النساءومداراتهن، ونورد هنا الفقرة المتعلقة ببحثنا هذا، قال امير المؤمنين(ع): «... فداروهن على كل حال، واحسنوا لهن المقال، لعلهن يحسن الفعال»((561)). وهنا يلاحظ القارى انه(ع) يوصي الرجال بمداراة المراة وضرورة المعاملة الانسانية لها، حتى في حالة صدور افعال غير لائقة منها، او سلوك غير صحيح، ولم يوص بالانتقام منها، او بالتعصب واستعمال اساليب الضغط والقوة. كما انه يتضح من هذه التعاليم العلوية السامية ان سلوك المنهج التربوي والاخلاقي والمعاملة الانسانية للمراة من جملة الاساليب التربوية اللازم اتباعها، وفي ذلك اشارة الى مسالة ظريفة في العلاقات العائلية لاباس بالالتفات اليها والعمل في ضوئها، وهي معاشرة النساء بحسن الفعال والمقال معهن، ومحاولة اصلاح اخلاقهن بذلك، لا بالشدة والغلظة والقوة..

7. المعاشرة بالمعروف:
ومن جملة الامور التي نرى للدين فيها ميلا اكثر ورعاية اشد لجانب المراة، زيادة على ما لها من حقوق، الايصاء بمعاشرتها بالمعروف، قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (وعاشروهن بالمعروف)((562)) والمعروف يتضمن، علاوة على الحق القانوني العادل، معنى رعاية القيم والامور الاخلاقية والانسانية، وان افترضنا ان بعض الرجال راعوا جانب الحق والعدل في سلوكهم مع النساء، ولم يعملوا بالاية الكريمة فهم، في هذه الحالة، يكونون مقصرين؛ وذلك لان المعروف هو ما زاد على الحق، ورعاية جانب الحق والعدل فرض وحق، وليس معاشرة بالمعروف.

8. مراعاة المزاج والرغبة:
انه لابد للرجل من مراعاة اهله وعياله في الامور المرتبطة بالمزاج والذوق والرغبة، وذلك بان يتبع، في مزاجه ورغبته، مزاج اهله وعياله ورغبتهم، فقد ورد التصريح بذلك في جملة من التعاليم النبوية، فروي انه(ص) قال: «المؤمن ياكل بشهوة اهله، والمنافق ياكل اهله بشهوته»((563)).

وهذا هو الملاك في معرفة المؤمنين ممن يتبع اتباعا عاطفيا ميول زوجته ورغباتها، مراعيا في ذلك مزاجها ومذاقهاالخاصين ومقدما لهما على مذاقه ومزاجه. اما المنافق فهو على العكس من المؤمن في ذلك، حيث تكون زوجته تابعة له في رغباته ومشاعره العاطفية، فهل تجد لمثل هذه القيم من نظير في الفكر المناوى لفكر الاسلام والمدعي اعطاءالمراة حقوقها؟ وهل بامكان هذا الفكر ان يتخذ موقفا صلبا وثابتا وبهذا العمق، كهذا الموقف الذي وقفه الاسلام الى جانب المراة؟!

9. الزي والتجمل:
ولا بد للرجل، ايضا، من احترام شعور المراة واحاسيسها المرهفة في مجال حب الجمال والتجمل والزينة والتزين، كما ان على الرجل الا يكره زوجته على تقبل ذوقه الشخصي ورؤيته الخاصة الى الجمال والزينة والفن، ولا يجعل هذا المذاق وتلك الرؤية ملاكا وميزانا في الحياة العائلية المشتركة يحكمه حيث يشاء. فقد روى الشيخ محمدبن يعقوب الكليني (قدس الله روحه) في كتابه «الكافي» حديثا يقدم صورة واضحة لهذا الموقف في باب عنوانه: «باب الفرش، كتاب الزي والتجمل»، رواه عن ابي جعفر الباقر(ع)، وهو يمثل سلوك الامام ابي عبدالله الحسين(ع) مع ازواجه،
وفيه درس كبير، قال(ع): «دخل قوم على الحسين بن علي فقالوا: يا بن رسول الله، نرى في منزلك اشياء نكرهها! واذا في منزله بسط ونمارق، فقال(ع): اننا نتزوج النساء فنعطيهن مهورهن فيشترين ما شئن، ليس لنا منه شيء» ((564)).

ومن الواضح ان اعطاء الحرية للمراة، في هذا المجال الخاص بالنساء، ليس اسرافا ممنوعا، بل هو مطلوب، لانه يوافق الضوابط والمعايير الاسلامية.

اذا، فالمعيار، في هذا النوع من السلوك، المشروع، هو عبارة عن الشعور والاحساس والذوق الفني الرفيع والمرهف للنساء الذي يعط ي المراة خيار تزيين بيتها بما شاءت واحبت، وتنميقه بكل جميل، وهذا انما ينم عن منتهى التقديروالاحترام لمزاج الزوجة وشعورها ضمن اطار الاسرة، كما انه يبطل اي نحو من انحاء سلطة الرجل وتحكمه بمشاعرالمراة واحاسيسها ومزاجها.

10. حب النساء والايمان:
قال الامام ابو عبدالله جعفر بن محمد الصادق(ع): «العبد كلما ازداد للنساء حبا ازداد في الايمان فضلا»((565))، وقال(ع)، في حديث آخر قرن فيه حب المرء للاولياء(ع) بحب النساء: «كل من اشتد لنا حبا اشتد
للنساء حبا»((566)).

ولا ريب في ان هناك انتقادا واسع النطاق للغرائز والشهوات الجنسية في جانبها السلبي، خصوصا بعد اعتبار ذلك من الثوابت والاصول المسلم بها، وانه كل شيء في الحياة. كما ان في الروايات تاكيدا على الا يكون الغرض من الزواج تحقيق الاهداف الشخصية والشهوانية وتلبية الرغبات الجنسية فحسب. ويتضح من جملة هذه الاحاديث ان المقصود - كما يثبته الكثير منها - ضرورة حب النساء والتلطف بهن وبذل المزيد من الحب للاهل، ونعني الحب القائم على اساس انساني رصين، فقد ورد ان الاحسان الى الاهل والحب لهم سبب في القرب من مجلس رسول الله(ص) يوم القيامة، قال(ص): «اقربكم مني مجلسا يوم القيامة... خيركم لاهله»((567)).

وقال، عليه وآله الصلاة والسلام: «احسن الناس ايمانا... الطفهم باهله، وانا الطفكم باهلي»((568)).

لقد كان رسول الله(ص) في قمة الخلق الرفيع، اذ انه كان اراف الناس واعطفهم وابرهم باهله، ما يعكس صورة واضحة عن الاساس والمعيار في صدق العقيدة ورسوخ الايمان بالدين.

11. النهي عن الاضرار بالمراة:
حذرت بعض الروايات من الاضرار بالمراة بمختلف انواع الاضرار، ونهت عن ذلك. قال الله تعالى في كتابه العزيز: (... ولا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده...)((569)) وقال تعالى في موضع آخر:
(اسكنوهن من حيث من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن...)((570)).

فان من الامور الثابتة والاصول المسلم بها اصلي التمكين والنشوز اللذين لابد من عرضهما على قاعدة «لا ضرر»، لئلاتكون ارادة الرجل ورغبته في التمكين والرضاع، وغيرهما من حقوق الزوج، موجبة لادخال الضرر على المراة. وقدروي عن الامام ابي عبد الله الصادق(ع)، في تفسير قول الله: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) انه قال: «كانت المراضع تدفع احداهن الرجل اذا اراد... فنهى الله عن ذلك ان يضار الرجل المراة، والمراة الرجل»((571)).

فانه حتى لو لم يكن مورد هذا الحديث المنع عن الاضرار بالمراة، فان القاعدة العامة والضابطة الكلية: «لا ضرر» تشمل موارد الضرر والاذى جميعها، فان مقتضى «لا ضرر» النهي عن جميع انحاء الاضرار والاذى في العلاقات الاجتماعية والعائلية والفردية.

12. تكامل الدين والمراة:
يرى الاسلام ان كمال الدين يكون في ظل الحياة والعيش مع المراة، وفي ظل الحياة الزوجية،وان في ترك الزواج وعدم تشكيل هذه العلاقة ضعف الدين وتقوية النزعات التي لا يرتضيها الاسلام. وهذا يعني الهروب من المجتمع واختيار العزلة والرهبانية المخالفة لاصول الاسلام وتعاليمه، وانموذجا لذلك نذكر حديثا واحداعن رسول الله(ص) قال فيه: «من تزوج احرز نصف دينه... فليتق الله في النصف الاخر...»((572)). اذا فالملاك في تكامل دين المرء - طبق هذه التعاليم النبيلة هو عبارة عن الحياة الزوجية والاقتران بامراة، وان نقص الدين وضعف الايمان في ترك الزواج. وهذه مكانة ومنزلة رفيعة للمراة يعجز عن اللحوق بها اي مذهب او قانون، وذلك لان المراة تلعب دورامهما في تكامل ايمان الرجل، واداء هذا الدور يكون على نحوين:

1. اما ان تكون المراة هي التي تؤدي دور تكامل الايمان لدى الرجل مباشرة.

2. او ان تلك العلاقة الزوجية نفسها تكون سببا في تكامل الدين والعقيدة.

ومن خلال كلتا الصورتين يتضح الدور الحساس والحيوي الذي تؤديه المراة في تثبيت العقيدة والدين وترسيخهما في قلوب الشباب ونفوسهم.

13. نصف اجر الشهداء:
ان لنوع الاعمال والجهود التي يبذلها الانسان درجات ومراتب ذات قيم، وان كل عمل منوط بما له من قيمة وفائدة مترتبة عليه، فان اعلى القيم وارفع الدرجات هي من نصيب الشهداء جزاء للفداء والايثار والتضحية، وان اقل الاعمال - بلحاظ الاهمية والقيمة التي لها نصف اجر الشهداء عبارة عن وظائف المراة المنزلية ووظائفها ازاء زوجها، فقد اقر رسول الله(ص) مثل تلك الدرجة والمنزلة للمراة جزاء ما تزاوله من اعمال داخل المنزل.لقد اقر (صلوات الله عليه وآله) ذلك في حديث له مع رجل جاء اليه فقال: ان لي زوجة اذا دخلت تلقتني، واذا خرجت شيعتني، واذا راتني مهموما قالت لي: ما يهمك؟ ان كنت تهتم لرزقك فقد تكفل لك غيرك، وان كنت تهتم لامر آخرتك فزادك الله هما. فقال رسول الله(ص): «ان لله عمالا، وهذه من عماله، لها نصف اجر الشهيد»((573)). فقد عد رسول الله(ص) كل ما تزاوله المراة من اعمال داخل المنزل، بما في ذلك سلوكها مع زوجها، عملا لله، وان القائم به من عماله تعالى، وله نصف اجر الشهداء، وهذه درجة ومنزلة تفوق ما للمراة من حق او حقوق قانونية.

14. سوء الخلق مع الاهل والعيال:
في الحديث انه اتي رسول الله(ص) فقيل له: ان سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله(ص)، وقام اصحابه معه، فامر بغسل سعد، وهو قائم على عضادة الباب، فلما ان حنط وكفن، وحمل على سريره، تبعه رسول الله(ص) بلا حذاء ولا رداء، ثم كان ياخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة، حتى انتهى به الى القبر، فنزل رسول الله(ص) حتى لحده وسوى اللبن عليه، وجعل يقول: «ناولوني حجرا، ناولوني ترابا رطبا يسد به ما بين اللبن»، فلما فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره، قال: «اني لاعلم انه سيبلى ويصل البلى اليه، ولكن الله يحب عبدا اذا عمل عملا احكمه». فلما سوى التربة عليه، قالت ام سعد: يا سعد، هنيا لك الجنة! فقال رسول الله(ص): «يا ام سعد، مه! لا تجزمي على ربك، فان سعدا قد اصابته ضمة»، قال: فرجع رسول الله ورجع الناس، فقالوا له: يا رسول الله، لقد رايناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على احد، انك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء...
وامرت بغسله وصليت على جنازته، ولحدته في قبره، ثم قلت: ان سعدا قد اصابته ضمة! ... فقال(ص) : «نعم انه كان في خلقه مع اهله سوء»((574)). فان سعدا، ومن دون اي شك او تردد، لم يكن - مع كل هذا التبجيل والاحترام الذي قام به النبي(ص) تجاهه - انسانا عاصيا، او ظالما، اومتمردا على القانون، كما انه لم يكن متغاضيا او متجاهلا لحقوق زوجته، فانه لو كان كذلك لم يكن النبي(ص) - من دون شك - ليعامله بمثل هذه المعاملة، بل لم يعامله حتى باقل من ذلك، اذا ليس كل هذا التقدير والاحترام الا من اجل كونه مسلما صادقا ومراعيا لحقوق الناس والاسرة والمجتمع تماما، وليس في هذا الامر ادنى شك. انما الامر الاهم، في مايتعلق بحق المراة وحقوق الزوجة، الذي يستحق التنبيه عليه في كلام النبي(ص)، الاشارة الى القيم والمبادى الاخلاقية التي لا بد من رعايتها في المعاملة مع المراة، ذلك ان سعدا كان سيء الخلق مع زوجته واسرته، ومن ثم ابتلي بضغطة القبر.

ان تلك المعايير والملاكات جميعها - بكل تلك العظمة والظرافة والاصالة لم يتوفر عليها اي دين او مذهب آخر.

من شرائط الدين

ونكتفي، في هذا العرض السريع، بذكر هذا المقدار، في ما يتعلق بحماية المراة والدفاع عنها واخذ جانبها ورعايتها بمايزيد على حقوقها، وفي الاحاديث الشريفة الكثير مما ذكرنا.

وفي الختام، نرى من المناسب ان نذكر كلاما للمحدث الكبير الشيخ الصدوق(رحمه الله) - الشيخ الذي لا تخفى على عالم سعة اطلاعه وتبحره الواسع في الحديث، كما لا يخفى على احد قرب عهده من زمن الائمة(ع)؛ الامر الذي يضفي على كلامه اعتبارا الى اعتباره يذكر فيه شرائط المنتسب للفرقة المحقة الشيعة الامامية في جملة امور، قال: «ومن شرائط دين الامامية: اليقين... واداء الامانة الى البر والفاجر... والاحسان الى النساء»((575)).

وهكذا، فعلى كل من يدعي التشيع والنزوع الى مباني الشيعة وعقائدهم ان يكون كذلك، وان يكون سلوكه ومعاشرته للنساء بهذا الشكل، ذلك ان من العلامات الاساسية لهذه الفرقة حسن الطريقة واكرام المراة.

جذور مشكلات المراة

حوار مع ا. د. طوبى كرماني

-هل يمكن للقواعد والقوانين التي تتضمنها المواثيق الغربية حيال حقوق الانسان، ان تؤلف مرتكزات تقوم عليهاعملية تدوين احكام علاقة المراة والرجل في دولة اسلامية؟ -بعيدا عن البحث في طبيعة هذه القوانين، وفي ما اذا كانت مفيدة وصحيحة ام لا، ينبغي الاخذ بعين الاعتبار ان لكل مجتمع اعرافا وعادات وتقاليد وقوانين خاصة به منبثقة من تراثه الوطني وآدابه الدينية. فما اكثر ما يكون القانون الخاص بمجتمع من المجتمعات نافعا لذلك المجتمع لاتساقه مع اعرافه الخاصة، ولاستناد نفعه الى ادلة ظاهرة، بيد انه يمكن ان يكون عقيما لا ثمرة له في مجتمع آخر؛ نظرا لاختلاف التقاليد الاجتماعية.

-ما هي الضابطة التي يمكن ان تتحول الى معيار ترتكز اليه عملية دراسة حقوق المراة وتطبيق ضوابطها مع العدالة؟بعبارة اخرى: ماهو المعيار الذي يمكن الحكم، على ضوئه، بعدالة القوانين ذات الصلة بالمراة؟ -يكمن ابرز معيار، في تحديد عدالة القوانين، بما تحظ ى به هذه القوانين من عقلانية، وكذلك في مدى تطابقها مع احتياجات الانسان وبنيته الفطرية ومحتواه الداخلي. فكلما كان القانون على اتساق اكبر مع طبيعة المراة والرجل،متجاوبا مع كينونتهما الفطرية، وكلما كان اقدر على تلبية احتياجات المجتمع والانسجام مع ضوابطه؛ صار اكثر عدالة.طبيعي ان هذه العلاقة يمكن ادراكها على مستوى التعاط ي ما بين العقل والشرع ايضا.

-ما هو ملاك تمايز الاداب والتقاليد والاعراف الوطنية والمحلية مع قواعد الاسلام وضوابطه؟ -بالاضافة الى ما يحتويه الدين الاسلامي المبين من احكام محددة، فهو ينطوي على منظومة من الاصول والقيم المحددة ايضا. في المواقع التي تتعارض فيها التقاليد والسنن او تتباين مع منظومة القيم هذه تنبغي المبادرة الى حذف تلك التقاليد التي تتعارض مع الاسلام، او ذلك الجزء منها الذي يتعارض مع الاسلام. من الطبيعي ان ينهض علماء الدين بمهمة كهذه نظرا لما يمتلكونه من معرفة بالتراث الاسلامي الغني، تؤهلهم للتمييز بين ما يدخل في نطاق آداب المجتمع وتقاليده وبين ما يمثل احكام الدين. ما اكثر الاداب والتقاليد التي لها منشا ديني، لكن مع الاسف افضى التطرف فيها الى ان تتخذ وجهة مناهضة للدين. من العناوين التي يمكن الاشارة اليها، في هذا السبيل، ضروب الزواج الاجباري للفتيات، والزواج الذي يقوم على اساس المصلحة، وايضا ولاية الرجل في الاسرة وتعدد الزوجات.

-هل يمكن القول: ان بعض احكام الاسلام هي تطبيق لاعراف وآداب وتقاليد كانت سائدة في عصر صدر الاسلام،والاستنتاج، من ثم، ان مثل هذه الاحكام تتغير بتغير الاوضاع والظروف الزمانية؟ ولماذا؟ -يحتاج هذا السؤال الى دراسة مستفيضة. ينبغي الاخذ بعين الاعتبار ان الاسلام بادر الى تحسين وضع المراة والارتقاءبها يوما بعد آخر، وان احكامه وضوابطه وقوانينه حيال المراة تنطوي على اصلاحات مكثفة. على هذا، من الطبيعي ان لا يكتفي فقهاؤنا بما كان عليه وضع المراة قبل قرون من دون تغيير. فقد كان للرجال الحق المطلق في اختيار الزوجة ومن دون قيد، كما كانت المراة محرومة من الارث وحق التملك، وكان بمستطاع الرجل ان ينفصل عن نسائه من دون اي مسوغ او دليل . هذه الامور وغيرها كانت تكون عناصر المشهد، وقد توفر الاسلام على معالجة هذه المشكلات جميعهامن خلال قوانينه واحكامه.

لكن ماذا ستكون عليه الحال في مجتمع يملي على الرجال والنساء العمل معا لتامين الاحتياجات الاقتصادية للاسرة،هل هناك سبيل آخر، فضلا عن قانون الارث الاسلامي، يمكن اللجوء اليه؟ هذه مسالة تركها الاسلام للاجتهاد كي يبت فيها.

ان تعطيل الاجتهاد وممارسة البدعة يفضيان كلاهما الى ابتعاد كثير من الرجال والنساء وصدهما عن الدين الاسلامي الهادي؛ وذلك بصرف النظر عن طبيعة النوايا التي تدفع الى ترك الاجتهاد او ممارسة البدعة. لهذا كله يجدر بعلماءالدين ان يفكروا في هذه المسائل برؤية شاملة وافق مفتوح، وان يبادروا، اضافة الى التوجيهات الدائمة التي لها صفة كلامية، الى عرض برامج دينية وحقوقية جديدة تنهض بسد الثغرات الهامشية وتلبية متطلبات المسائل المستحدثة.

-ما هي الضوابط التي يمكن على اساسها تحديد الثابت والمتغير في نطاق حقوق المراة؟ -الاصل، والمرتكز العام، الذي ينتظم الدائرة الحقوقية، هو ان تتسق الحقوق الموضوعة مع متطلبات الفطرة،وتتجاوب مع تلبية حاجات الانسان الاجتماعية. مهمة القانون، في الحقيقة، هي ايجاد النظام في المجتمع وارساؤه على اساس قواعد محددة، فلو لم يستطع القانون تلبية حاجات مجتمعه، فسينحسر تلقائيا، ويندفع نحو الهامش بعدمدة. الثابت هو الملاكات والقيم الاساسية للدين الاسلامي، فهذه غير قابلة للتغيير مهما تبدلت الاوضاع.

اما ذلك الجزء من القوانين والاحكام الذي جاء في نطاق اوضاع زمانية ومكانية خاصة، فمن الطبيعي ان يطرا عليه التغيير بتغير شروطه، حيث ينبغي ان نخضع مثل هذه القوانين للاجتهاد المتجدد، واحيانا تتغير بالكامل.

-هل يعود الاختلاف، في بعض جوانب حقوق المراة والرجل، الى تفاوت الرؤية الى شخصية كل منهما؟ -ما يستفاد من الاسلام وما يستظهر من آيات القرآن، انه ليس هناك اي افضلية في الماهية بين المراة والرجل، وانمايعود الملاك الوحيد للتفاضل بينهما الى ايمان كل منهما وتقواه.

لكن من الطبيعي ان هناك اختلافا في طبيعة التخطيط لكل واحد منهما ومن ورائه القوانين التي تتصل به، وهذا الاختلاف يعود الى طبيعة البنية الروحية والتكوين الجسمي لكل واحد منهما والدور الذي ينهض به، ويؤديه على صعيد الاسرة والمجتمع. وهذا الضرب من الاختلاف لا يعد اهانة لشخصية المراة، بل يفضي الى تحول القوى الداخلية والاستعدادات الباطنية للمراة الى حالة الفعل والظهور والتحقق.

هل تؤدي ممارسة الرجال للاجتهاد في قضايا المراة الى اتصاف استنباطهم بطابع رجولي ومغاير للواقع ازاء حقوق المراة؟ -من اهم شروط الاجتهاد رعاية العدالة، والفقهاء المسلمون يحظون بمثل هذا الشرط. اما ما يجعل الاجتهاد متصفابطابع رجولي فيتمثل في مسالة اخرى. ما ينبغي الالتفات اليه، على هذا الصعيد، هو ان هناك كثيرا من الامور الدقيقة تثوي في مطاوي القضايا ذات الصلة بالمراة لا يمكن الوقوف على موضوعاتها واستيعابها على نحو شامل الا لمن يعيش في اجوائها، ويستغرق في معاناتها. اما الباحثون الذين وقفوا خارج الدائرة فقد بقوا في غفلة عن بعض المشكلات، بعيدين عن ابعادها الواقعية، ومن ثم لم تواتهم الفرصة لتقديم تفسير عميق وشامل لتلك القضاياوالمسائل، وبالنتيجة لم يستطيعوا ان يستنبطوا الحكم الالهي الدقيق ازاء ذلك الموضوع. وهذه قاعدة صحيحة لاتختص بشؤون المراة بل تشمل مختلف المجالات.

ان السبيل لدخول المراة في مضمار الفقه والاجتهاد في الاسلام مفتوح امامها على الدوام، ومن الضروري ان تمتلك نساؤنا شروط الاجتهاد كي يكون بمقدورهن ان يضعن على طاولة البحث والدراسة والتشريح تلك المطاوي الخفية والغامضة من الموضوعات التي قمن بتجربتها وعيشها بعمق، ومن ثم يكون بامكانهن اضاءة الزوايا المعتمة في هذه الموضوعات والتوفر على بيانها بعمق وتفصيل اكثر.

ما يتبين، في ضوء هذا الفهم، ان هوية الفقيه وانتماءه الجنسي لا دخل لهما في مجال فهم النصوص الاسلامية، وعلى مستوى ادراك الاحكام، بيد ان المسالة تختلف على صعيد ادراك بعض الموضوعات النسوية الخاصة بالمراة ووعيها،اذ هناك تاثير لهوية الفقيه، وما اذا كان رجلا او امراة من حيث الاحاطة العلمية بالموضوع.

-هل تتعارض الاحكام الخاصة بالاسرة مع مبدا استقلال المراة؟ -هذا سؤال كلي ينطوي على تعميم، اذ ينبغي ان يحدد نوع الحكم الذي يرتبط بالاسرة. فاذا ما تم التعاط ي مع الاحكام الفقهية، من خلال نظرة منظومية شاملة تاخذ بعين الاعتبار القيم الدينية والوصايا الاخلاقية والاسلامية جميعها، فمن المؤكد جزما ان هذه المنظومة تحفظ للمراة استقلالها في نطاق الاسرة بحيث لا تتعرض شخصيتها على هذا الصعيدلاي هزة سلبية. على هذا، لا يجوز التعامل مع ظاهر حكم فقهي واحد والاغضاء عن بقية الاصول الحاكمة في الموضوع، واهمال الاحكام والقيم الاخرى التي تدخل في تكوين المنظومة الاسلامية.

كما ينبغي الانتباه، ايضا، الى ان الخصوصيات الروحية والنفسية للمراة يتحتم ان تدخل في عملية التشريع. لكن يبدو ان العنصر الذي يصار الى اهماله، في الاغلب، اثناء تشريع القوانين، هو الخصوصيات الاخلاقية السلبية لبعض الرجال كالتهتك، ونزعة التسلط والعنف وما الى ذلك. فمع الاسف تفتقد القوانين المدنية، احيانا، الروادع الثابتة التي لها ضمانة تنفيذية كافية للحؤول دون تلك الخصال السلبية، او انها موجودة لكنها لا تنفذ في اطار الصيغة التي وضعت بها.