|
عقلنة الدين وديننة
العقل الشيخ حيدر حب الله تواجه حركة الفكر الاسلامي المعاصر اشكاليات عميقة تتصل بعقلانية الدين، وتمس، على السواء، المنهج والخطاب والاليات والممارسة...
وليس الجدل، في شان الخطاب العقلاني الديني، جديدا.
وان
كان بعض الباحثين يرى ان موضوعة العقلانية موضوعة
غربية
محض، فالحقيقة هي ان الجدل الصوفي
العرفاني، الوعظي...
من جهة، والفلسفي، الكلامي، المنطقي من جهة
ثانية...،
والاصولي الفقهي،التاريخي من جهة ثالثة، تعبير جلى
عن
صراع في العمق حول عقلنة الدين والخطاب الديني، مع
الاعتراف الكامل بان الاسهام الغربي، على هذا
الصعيد، كان
بارزا جدا.
وبوصفنا معنيين بالهم الفكري ينبغي ان نقف هنيهة مع
هذه
الاشكالية متعددة المنافذ، ونثير جملة تساؤلات نرى
انها تقف
في صدارة اولويات مفكرينا وعلمائنا، كي
يقدموا اجابات صريحة وشفافة عنها، تخدم مسيرة التكامل الفكري والديني معا. 1 - ثمة تساؤل كبير اكثر مما نتوقع اثاره العرفاء المسلمون قبل ان تنشا جدالاتنا المعاصرة بقرون مفاده: هل ثمة طور فوق طور العقل؟ هل من الصحيح تاليه العقل الى هذا الحد؟ من قال لكم: ان العقل محور الاشياء جميعها؟ وقد قدم التيار النقلي الاسلامي، المتمثل بالفقهاء، صياغة اخرى لهذا التساؤل كانت حصيلتها: هل للعقل مجال للكشف عن اسرار البشرية حتى نخوله سلطان التشريع؟ هل يمكن للعقل كشف جوهر النفس وتعقيدات الروح وتشابكات الاجتماع الانساني حتى يحق له القضاء بلا منازع في قضايا الانسان؟ وفي شكل ثالث، اثارت العقلانية النقدية الحديثة تساؤلها هذا مع كانط ومدرسته: هل يتسنى للعقل النظري كشف الوجود؟ اليس من الغباء البحث عن ماهيات الاشياء؟اليست القناعة بكشف ظواهرها وعلاقاتها تواضعا قهريا؟
ليست قدرة العقل، عند العرفاء والفقهاء...، وكذلك عند مدارس فلسفة العلوم
الحديثة(القرن العشرين)، بهذا الشكل الدعائي الذي يجري تسويقه، فهناك تيارات كبيرة
وواسعة جدا لا تزال تنظر الى العقل - مع كامل الاحترام والتقدير- نظرا مقيدا. ما نريده، هنا، هو تسجيل ملاحظة على تيارات العقلنة المعاصرة في الوسط الاسلامي،نصوغها في سؤال هو: ما دامت آخر منجزات فلسفة العلوم ومدارس علم المعرفة في الغرب وغيره، قد اقصت العقل عن مكانته في التفكير الاغريقي...، فلماذا كل هذه الحملة الساخرة على التيار الديني عندما يحد احيانا من نشاط العقل لصالح النص الالهي الذي يقول هذا التيار: ان اساس ثبوته كان من العقل؟! لماذا هذه الموجة الواسعة لاعمال العقل في مرافق الحياة جميعها بلا استثناء، والاطاحة بكل ما لا يدركه العقل كان العقل كشف حقائق العالم والانسان؟!
ان منجزات العلوم الفلسفية الحديثة، باتت تساعد، اكثر من ذي قبل، على ممارسة
تواضع عقلي، يفسح في المجال لا اقل لعدم رفض قضايا لا يدركها حتى الان. من جهة اخرى، يلاحظ المطالع لحركة الاحداث الثقافية اشكالية ثانية، وقعت فيها غيرمدرسة وتيار اسلامي معاصر، لقد قدم الاسلاميون خطابا يدفع العقل تحت شعارنقصه وعجزه لصالح استقدام مقولة الوحي في منظومة التفكير، والسؤال هو: هل ان الوصول الى الوحي بعيد عن العقل؟!
لقد احدثت القراءات الجديدة دينيا اختراقا غير يسير في هذا الجدار، فقد نقلت
المعركة المتعلقة بقوة العقل وسلطانه، مع التيارات المدرسية، من خارج النص مفرغة
مقولات المدرسيين من تاثيرها لتدخلها في النص نفسه، مسجلة ضربة قوية للنشاط المدرسي
نفسه عبر افراغه من قوته اليقينية، مطلقة مقولات ذاتية الفهم، وبيئيته،وتفاعل
المعارف البشرية تفاعلا كاملا، وتعدد القراءات والفهم...
لقد بدا فهم النص وهو العملية الاهم التي يمارسها المدرسيون امرا اقل قوة،
تماما كما حاول المدرسيون اظهار العقل المفارق للنص ضعيفا هزيلا، وقد حاول
المنحى الجديد الميل الى القول: ان العمليتين عقليتان، وان يكون موضوع الدراسة
نصالا يصيرها نصية بحتة، عندما يكون العقل هو اداتها، كما نجد في علم اصول الفقه
الاسلامي.
وبهذا نخلص الى ما اردناه من ان تواضع الجهد العقلي سواء منه المفارق للنص ام
الساعي الى فهمه اصبح امرا واقعا، يفرض على الطرفين معا عدم التعامل مع
العقل،بطريقة دعائية، وشعارية، لتحقيق مكسب او تسجيل نقطة الخ...
2-
لكن الدعوة الى تواضع العقل، اليوم، لا تعني اقصاء له، كما يرغب فريق آخر، ان
تواضع العقل مقولة تنسجم واعطاءه مكانته المحددة، ولا تعني ان العقل لم يعد حاكما
او نافذ الامر، لان اقل صيغة يمكننا تبنيها من الزاوية الانسانية في شان العقل،
هي انه الوسيلة الاكثر حظا في بلورة حياة افضل، مهما كانت قيمتها العلمية، اي ان
نظرة منفعية للعقل تسمح لنا باعطائه دورا متميزا، واذا اردنا ان نتجاوز عقبات فلسفة
المعرفة الاولية،صح لنا القول: ان العقل اكثر وسيلة يمكن توظيفها للوصول الى ما
هوالاكمل.
3-
وانطلاقا من التوازن المطلوب بين مكانة العقل وتواضعه، على الصعيد الديني،
تبدوامامنا ظواهر مستجدة تحاول اغتياله تحت مسميات العرفان او التصوف او الفقه
اوالتعبد.. وان المرء ليجد استلابا شاملا، عندما يدخل هذا العالم، فمن تفسير مغلوط
للاستاذ (الشيخ) في العرفان الاسلامي يصيره الها، ليجعل المريد او السالك عبدامسخرا
منقادا لا مجال عنده للتفكير او المساءلة او..، لان ظواهر كهذه تحيله محجوبا
مبعدا...
الى تصور ملتبس لمفهوم المرجعية والفقاهة يدفع الفرد العادي الى تجميد
فكره بصورة شبه شاملة...
ان شيوع وسائل معرفية في الاوساط الاسلامية، لم يجر سلفا قراءتها بدقة فلسفية
وعلمية، ادى، ويؤدي، الى مظاهر جلية لاستلاب العقل، ومصادرة التفكير، من دون ان
ندخل في نماذج عينية نافذة في الاوساط الدينية، كبعض المظاهر المتطرفة للاستخارة،او
الارتباط بعوالم الجن او الرؤى والاحلام ارتباطا يزيد على المعدل الطبيعي للامور،
او خلع صفات الالهة على العظماء او...؛ الامر الذي بات يدفع في الطرف الاخر الى
موجة انكار شاملة لمقولة الغيب تقصيها اقصاء غريبا تحت شعار العلمية والموضوعية
و...
4- وهذا الاقصاء للغيب وخوارقه ومتعالياته، يعيد الى الاذهان جماع الوضعية
والبراغماتية في التفكير، وهو جماع نجد تداعياته اليوم في القول: يمكنني ان اقبل
بالدين عندماتقدمون عبره انموذجا حيا ونافعا.
وهذه المقولة القائمة على الاعتراف الذي نحمله ازاءها اليوم، تدفعنا من الطرف
الاخرللسعي الى تدين العقل، يجب ان لا نغرق انفسنا في عقلنة للدين لا تاخذ بعين
الاعتبارهذا الجانب، ومعنى ديننة العقل هو اخذ هذه المتعاليات اساسا ثابتا عقليا
واقحامها في الحياة والمادة انطلاقا من تمازج الغيب والشهادة في التفسير الديني،
خصوصا في اشكاله الفلسفية الاخيرة مع الملا صدرا في الحركة الجوهرية.
ومعنى ما نرومه، هنا، هو ان آليات المحاكمة العقلية للقضايا الدينية، يجب ان
تاخذ بعين الاعتبار البعد الغيبي، ومن ثم فاذا اريد تقديم تفسير اجتماعي او نفساني
او اقتصادي او... للدين يجب ان لا نتصور ان هذا التفسير هو الصورة النهائية عن
الدين، ومن ثم يجب الاقرار باننا ما زلنا نقرا الدين من احدى زواياه.
ان الصورة العلمية هذه عن الدين، والتي تقدمه بوصفه امرا عقلانيا، يجب ان تبقي
على النقطة المخفية في الدين نفسه، والتي نسميها البعد الغيبي، وهذا الاحتفاظ
بالبعد الغيبي انما هو نتاج مزدوج من الاعتراف بالمكانة الحقيقية للعقل من جهة،
والاعتقاد بالمبداالاعلى من جهة اخرى، لاننا هنا نفترض اننا نتكلم من داخل الدين
بوصفنا مؤمنين به لامن خارجه، والا فان الحديث سيغير مساره على الافتراض الثاني.
5- ومن هنا نسجل ملاحظتنا على بعض التيارات المعاصرة التي قرات الدين من زاوية
علم الاجتماع او علم النفس او الاقتصاد الخ.. وهي قراءة بالغة الاهمية لكنها
استهلكت نفسها في ذلك موحية بان الدين هو هذا البعد فحسب، وعندما يكون الدين هذا
البعد فقط فان موجة ترحيل المتعاليات الغيبية ستبدا بالتاكيد، لان آليات العلوم
الانسانية التي ندافع بالتاكيد عن اعمالها في المجال الديني، لم تعتد اقحام موضوعة
الغيب في قراءة الدين ولا غيره، الامر الذي يجبر عالم الاجتماع الديني من حيث لا
يشعر على تقديم صورة مادية (لا بالمعنى السلبي) للدين، ولما كانت هذه الصورة منقوصة
لم يكن من المسموح علميا عرضها بوصفها صيغة نهائية، اي ان في الدين وبالمجمل نقاطا
تتعالى عن الصيغ الموجودة في القراءات «المادية» للحياة.
6-
ويبقى، في هذه العجالة، ان نشير الى مسالة الدفاع العقلاني عن الدين، ان العقل
الحداثي الذي سكن عقولنا في العالم الاسلامي، لم يعد يرضى بالدين بوصفه صورة غامضة،
يجب تقديم تصور عقلاني عن الدين من جهة، كما يجب ان نمارس اعلى درجات العقلانية، في
اثناء دفاعنا عن الدين من جهة ثانية، اقصد بها هنا العقلانية السلوكية، ان الدفاع
العقلاني الهادى عن الدين بات يلح اليوم لابعاد مظاهر التكفيروالتفسيق والتضليل
والتجهيل... المتبادل في اوساطنا، فقد شبعت عقولنا واسماعنا صوراهجومية كهذه، اكدت
التجارب انها لم تعد تنفع، اذ اردنا ان نقيمها في الحد الادنى من الزاوية المنفعية.
كما ان الدفاع العقلاني عن الدين، يستدعي اليوم تركيب الاجزاء المبعثرة من
الصورالتي نحملها عنه، اي يجب تقديم الدين في صورة متكاملة، وهذا التبعثر في
المفاهيم يقف على النقيض من المنحى العقلاني، الامر الذي يلزمنا، في ابسط صوره،
بقراءة الدين والتراث قراءة شمولية مشرفة، والخلاص من القراءات المحلية له، اي من
قراءته بوصفه فقها، او تاريخا او عبادة او عقلا او اقتصادا الخ...، وبهذه الروح
المشرفة غيرالمحصورة في اطار محدد يمكن، اكثر فاكثر ابداء الوجه العقلاني للدين من
دون الدخول في متاهات مظلمة. دراسات
الخطاب العلماني العربي المعاصر د. عبد الامير زاهد تمهيد
اذا كان عالم اوروبا وامريكا قد انتهى من معضلة النهضة وشروطها، فان العالم
الثالث،كما كان يسمى سابقا، لا يزال منشغلا، بامكانياته جميعها، في حل هذه المعضلة. اذا، فمن المسوغ، على المستويين: القومي والتاريخي، ان تنشغل امتنا، وتسخر عقول ابنائها، وتحفز قواهم الفكرية، لتحديد عوامل النكوص، وبلورة عوامل النهوض وتحديد البنى النظرية والفكرية لمشروعها النهضوي، وذلك لاقامة الحياة الكريمة للانسان، والاستعداد للدخول الى القرن الواحد والعشرين بنظرية نهضوية ناضجة تحقق المتطلبات المرجوة منها. ومن الناحية التاريخية، يمكننا ان نتصور ان امة العرب قدعانت من هذه المعضلة في مرحلة ما قبل البعثة المحمدية، فبحثت عن مخرج لازمتها الحضارية، فكان الاسلام، آنذاك، هو العلاج الذي تحول بعوامل التخلف الى عناصرللنهوض والارتقاء، وبذلك اكتسبت امة العرب هوية حضارية تاريخية تحولت الى هوية انسانية عامة((1)). وهنا يثار تساؤل مركزي: هل تلك الهوية دائمة بدوام بقاء الانسان،او انها مؤقتة كغيرها من الهويات الحضارية للامم او متغيرة تبعا لتطور العقل البشري؟
واذا حصل - لسبب او لاسباب متعددة داخلية وخارجية - ان اصيبت عوامل النهوض تلك
بعدم الفاعلية، وتضاءلت تمثلاتها في مجال السلوك العام، فادى ذلك الى تخلف الامة في
القرن الخامس الهجري، مهيئا لسقوط بقايا الدولة الاسلامية عام 565ه، فان ذلك لم
يسقط «طريقة التفكير الاسلامية»، فبقيت الاءسس والمرتكزات الاساسية لفكرة الحضارة
في الوجدان الذهني، وفي ثقافة الاجيال العربية المتعاقبة حتى عصر المواجهة الفكرية
مع الغرب في مطلع القرن التاسع عشر وما بعده، وهي المواجهة التي تحولت الى مواجهة
على صعيد مقاومة الهيمنة الغربية وتحليل الثقافة الغربية ورصد اسسها الوثنية
والمادية، وصار من الصعب جدا، نظرا للتلازم بين الثقافة الغربية والهيمنة الغربية،
الفصل بينهما.
وبقاء اسس الفكر الاسلامي ومرتكزاته، في وجدان الانسان العربي، جعل مشكلة
التفكير في المشروع النهضوي العربي المعاصر امام مجموعة من القضايا الفكرية، من
اهمها:
أ- اقامة ثنائية صراعية بين المشروع النهضوي الاسلامي والمشروع النهضوي
العلماني.
وهكذا تعددت الوجهات المفكر فيها، بوصفها منطلقات للتفكير في مشروع نهضوي عربي،
يخلص الانسان العربي من وضع التخلف الشامل وآثاره في المجتمع العربي والاسلامي. لقد صور الاتجاه الماركسي قضية التخلف، في العالم الاسلامي، بانها قضية، او مشكلة،اقتصادية فنية في الاساس، وعليها تبنى ايديولوجيا التخلف (البنى الفوقية)، ورات الاتجاهات الاخرى علمانية واسلامية ان مشكلة التخلف في اصولها مشكلة فكرية ايديولوجية يشكل الاقتصاد رافدا من روافدها ووجها لها، وحاصلا من معطياتها،لانه مجال ضمن التصور الكوني لاية نظرية فكرية شمولية. وبادلة متعددة وتجارب فعلية، ثبت تهافت الاءطروحة الماركسية في تفسير التخلف((2))، وعند ذلك استقرالبحث على ان مشكلة التخلف هي مشكلة الفكر والتنظير والايديولوجيا، وهنا برزت التساؤلات المهمة الاتية: هل تعالج المشكلة في نطاق فكر الامة الموروث فقط، اوتعالج بمعزل عن جهود الاجيال السابقة من مفكري الامة الذين تسلسلت ابداعاتهم من منطلق واحد؟ وبعبارة اخرى: هل يكون تاريخ الفكر منطلقا وتطورا للنظرية التحديثية المعاصرة، اونقطع الصلة به، ونبدا بالتفكير في النهضة من نقطة الصفر، او نختار عملية ادخال التعديلات المنهجية والمعرفية على خزين التراث القومي المتراكم؟ ما الصلة، في المشروع النهضوي العربي المعاصر، بين الفكر الموروث والتجارب العالمية المعاصرة واصولها؟ ثم، هل يمتلك المفكر النهضوي معيارا يزن به صحة برنامجه الفكري النهضوي؟ ثم، هل الحوار الذي دار بين الاتجاهات النهضوية العربية المعاصرة قد جرى بوعي تام من المتحاورين، واتجه نحو تقديس «مهمة المشروع»، لا المشروع نفسه؟ وهل توصل المتحاورون الى بعض المسلمات الفكرية حتى يقال: ان هذا الحوار قد تقدم خطوة اوخطوات الى الامام؟ واذا انتهينا الى ان ذلك الحوار غير منتج لمثل هذه المسلمات، فبم تفسر هذه الظاهرة؟
ومن الواضح ان كلا من هذه التساؤلات واجاباتها، قد يشكل ورقة علمية مستقلة، الا
انه،ولتداخلها في تحديد غاية البحث، يلحظ ان كل اجابة لها صلة بالاجابات
الاخرى،فيمكن ان تكون نسيجا واحدا وان اختلفت طبيعة الصلة. ومن امثلة ذلك ما يمكن
تعقله من ان فقدان المعيار المحدد لقيمة الافكار يعد من اكبر الاسباب في عجز هذا
الحوارعن ان يقدم بعض المسلمات على صعيد الحد الادنى، ولذلك يمكن القول: ان
هذاالبحث ربما يجيء محاولة متواضعة ليسهم في الكشف عن بعض هذه المفاصل بتحليله
تاريخية الخطاب العلماني وتحليل بنيته الموضوعية. تحليل عنوان البحث ما الخطاب؟ وما الخطاب العلماني؟ وما المراد بالتحليل؟ وما هو مصطلح تاريخية الخطاب العلماني؟ وما المراد بتحليل بنيته الموضوعية؟
المراد بالخطاب مجموعة المنتجات الفكرية التي يراد ايصالها الى متلق عبر نصوص
مكتوبة او مسموعة او مرئية، تقدم موقفا شموليا او جزئيا من قضية او مشكلة قائمة، او
مفترضة، اي «ما يقدم من الفكر وجهة نظر في موضوع ما».
ولا يسمى المنتج الفكري هذا خطابا الا اذا تلقاه المتلقون، وان تعددت
توصيفاتهم،سواء كانوا من نخبة المثقفين ام من عامة الناس، وتفاعلوا معه وفهموا
مقاصده وغاياته في ما يجمل بتسمية «قراءة الخطاب»، فيكون الخطاب وسطا للعلاقة بين
منشى ء لديه رغبة في ايصال فكرة ما، ومتلق يقرؤه ويستوعبه، سواء بقراءة محايدة ام
بقراءة متضامنة ام بقراءة محايدة سلبية، ام بقراءة ناقدة وواعية.
ويدخل، في طبيعة الخطاب، اسلوب استدلاله على فرضياته ببرهان مقنع.
ان شرائح المتلقين المعاصرين للخطاب يتوزعون بين «مستسلم لهذا الخطاب مطلقاوبين
قارى له باسبقيات ذهنية مناقضة، او متضامن مضيف له دليلا او جانبا معرفيا، وبين
قارى موضوعي محايد مبدع وواع ولا يزج بانتمائه الفكري في تقييم افكار ذلك الخطاب.
وهذا النوع من المتلقين، في عالمنا العربي، نادر الوجود ان لم نقل منعدمه،لارتباط
الوضع الفكري المعاصر للانسان مع مشكلة «التخلف»، طالما قلنا: ان ظاهرة التخلف تبدا
بتخلف الفكر والعقل والمتعقل، فلا يمكن الاعتماد في نقد اطروحة نهضوية على التماس
وجود مثل هذا المتلقي. لذلك سنضطر لاغراض اثبات فرضية البحث الى التحدث عمن هو ادنى
منه درجة، وهو المتلقي الواعي الذي يناقش مفاصل المشروع من خلال معطيات اتجاهه
الفكري.
والثمرة، في ذلك، محاولة لالتماس معيار يفرزه ذلك الحوار بين منشى الخطاب
العلماني، ونقد المتلقي الاسلامي، ذلك النقد الموضوعي، ليكشف الثغرات المنهجية
والمعرفية في «مفاصل» ذلك الخطاب من جهة، وفي الحوار المضاد (نقد الخطاب)من جهة
الاسلاميين انفسهم في محاولاتهم لنقد الخطاب العلماني.
اما العلمانية فهي، في ما شاع من استعمال هذا اللفظ، اتجاه فكري مرتكزه ابعاد
الاسلام عن صيرورته نظرية توجه المعنيين في ادارة المجتمع وصياغة نظم الحياة.
ويختلف دعاة هذا الاتجاه بين من يرى الابعاد التام، وبين من يرى الابعاد عن اغلب
مجالات الحياة، وبين المحاولات الهادفة الى تحكيم المرجعيات غير الاسلامية في النظم
والفكر والثقافة، ولكن من بوابة الاسلام، «اي سوق هذه المرجعيات من خلال دعوى تجديد
الاسلام، فهذه مفهومات ثلاثة لمصطلح العلمانية وتطبيقاتها».
ويدخل، في الفهم الاول، جعل مرجعيات الفكر النهضوي الفلسفة البشرية والبرهان
الفلسفي والعلمي، والعزوف تماما عن النص الاسلامي والفكري المؤسس على هذاالنص.
ويدخل، في الفهم الثاني، المحاولات التي بذلت لاعادة ترتيب العلاقة بين الدين
والمرجعية الفكرية الموجهة لنظم الحياة والتطورات الكونية.
اما الفهم الثالث فهو محاولة للاقرار بالنص، الا انه يرى ان ثقافة النص، «من
الفقه والاءصول» بالاخص، ثقافة متموضعة «بوعي عصر انتاجها»، ولذلك فانها بحاجة الى
تجديد ياخذ بنظر الاعتبار طبيعة العصر وضروراته. ويطلق على مثل هذا المشروع مصطلح
التجديد الاسلامي، اي اقامة اءصول معاصرة للاستنباط وفهم النص من خلال «طبيعة
العصر».
والعلمانية، بعد وضوح مسالك صيرورتها ومداخلها، مصطلح اوروبي، ربما يكون في
الوسط الثقافي العربي والاسلامي اكثر المصطلحات مدعاة للبس وسوء الفهم، لان الكلمة
مترجمة ترجمة غير موفقة للفظه «اللايكيه» من الفرنسية، فاصلها اليوناني «لايكوس»،
اي ما ينتمي الى عامة الناس، مقابل «الاكليروس»، اي الكهنوت، فهي على هذا لا ترتبط
من جهة الاشتقاق بالعلم، ثم استعملت بشطط في الدلالة على العداء للدين، وسرت الى
التعليم المدني (غير الديني).
وينقل الجابري: «ان مفهوم العلمانية، في الاصل غير المترجم، لا تعني المقابل
المعارض للدين، لكنها دعوة للتمييز بين ما هو دنيوي وما هو مقدس»((3)).
ويشاطر الجابري جمهور العلماء المعاصرين في قولهم
ان
«اللايكيه» فكرة مرتبطة بوضع اوروبا الخاص الذي
افرزه صراع
عصر التنوير بين الكنيسة وسلطانها
والمتمردين عليها، ثم نقل
هذا الاقرار الاوروبي الى ساحة العالم العربي اول
ما نقل عام
1850 على يد المسلمين العرب الساعين الى الاستقلال
عن
الدولة العثمانية، ثم ربطوه((4)) بالدعوة القومية، فكان
الثلاثي الملفق (العلمانية، الاستقلال عن العثمانيين، الدولة القومية) هو الاساس
المركزي للاتجاهات العلمانية في مرحلتها الأولى. مراحل تطور الاتجاه العلماني
لقد مر الفكر الاستشراقي، اولا، بمراحل سياتي تفصيلها. وبها، تقريبا، مر الفكر
العلماني؛ حيث بدا مرحلته الاولى بالتشكيك بالنص، ومرحلته الثانية بالتشكيك
بالفكرالمؤسس على النص، وفي المرحلة الثالثة حاول استبداله بفكر جديد لا تسنده
الضوابط الاصولية للاستفادة من النص، ومع هذه المراحل تعدد مفهوم الناس لمصطلح
العلمانية.
اذا، فالمحصلة ان العلمانية اتجاه فكري، يحاول، بوسائل متعددة، «بناء الحياة
والانسان والنظم من خلال النتاج البشري من دون الارتكاز الى النص: القرآن والسنة».
وبذلك يكون الخطاب العلماني ذلك الفكر الموجه للعقل العربي المعاصر، الذي يدعو
الى جعل المرجعيات الفكرية للحياة والانسان البرهان العقلي والانجاز البشري،في مجال
العلم والفلسفة والاحصاء والاستفادة من التجربة التاريخية.
اما المراد بالتحليل التاريخي فهو متابعة متسائلة، ناقدة، ملتمسة للاسباب
والمسببات للتطور والنشوء والتكامل لاي ظاهرة واقعة فعلا، واذا كان للخطاب العلماني
نقطة ولدفيها، ومسار تطور فيه، وهيكل من الافكار وصل اليه، فان التحليل يرصد ذلك
التطورمن خلال تلمس الاسباب، والمسببات، والمقاصد، والغايات، ويفسرها في ضوء ادوات
للربط بين الاحداث المتعددة المت آصرة، ويوحدها ضمن غايات محددة، ويقارن بينهاوبين
نظائرها من حيث الاسهام بتحصيل تلك المقاصد. اما البنية الموضوعية فان المراد بها تحليل اهداف الخطاب وطبيعة المحتوى المعرفي له وسياقات عرضه وظواهره الشكلية، ثم اسلوب استدلاله على القضايا المساقة والنتائج التي ينتهي اليها وآثاره في المخاطبين. وضمن تحليل الاهداف ترصد مدى الايجابية والرؤية البناءة والمستقبلية. وفي صدق المحتوى يلاحظ الضبط والدقة والسياقات المتخصصة للعرض، ومدى الحقائق النوعية المؤسسة على تلك المعرفيات المساقة من خلال المرور بمجال الاستدلال، ثم بمدى الترابط بين هذه العناصر مجتمعة((5)). ليتقرر بالانتهاء من هذا التحليل: هل كان الخطاب العلماني سليما من جهة المنهج والمعرفة؟ وهل كان استدلاله رصينا متينا منتجا لاهدافه التي خطط لها؟وهل تحقق انجاز واضح من جراء ذلك الخطاب؟ وكيف تفسر احباطات ذلك الخطاب واضطرابه وتناقضاته؟ وهل كان الخطاب الاسلامي المضاد على درجة من الوعي والتماسك في المنهج والمعرفة اعلى بناء واثبت اساسا؟
وبقي، للتمهيد، ان يعرف حدود البحث واسلوبه ومرتكزاته واجراءاته.
اما حدود البحث فتتمثل في انه سيمر على «تاريخ الخطاب العلماني» منذ النشاة حتى
الوقت الحاضر، ملتمسا الروافد، مجريا اطلالة سريعة على النتاج العلماني للقرن
الحالي.
ثم يحلل مجموعة نماذج معاصرة من ذلك الخطاب، واسلوب الحوار المضادللاسلاميين.
اما اسلوبه فهو عرض لافكار ذلك الخطاب واستدلالاته، من خلال التاريخية الفكرية
والبنيوية الموضوعية والرد الاسلامي، ملتمسا طريق التحليل والاستنتاج.
اما مرتكزاته فهي ورود الخطاب العلماني في نقده على تطبيقات اسلامية للنص على
مستوى «الاستفادة الفكرية»، او التفنيد العلمي للافكار الاسلامية، من دون
المروربالاسس العقدية المنتجة للخطاب الاسلامي، والمقتضية لهذا النمط من التطبيق
اوذاك.
علاوة على ملاحقة ظاهرة رد الاسلاميين -دفاعا عن التطبيقات- من دون البدء
بالحوارمن الجذور، بحيث دارت حوارات الفعل ورد الفعل في حيز البنى الفوقية، ثم
افتقركلا الحوارين الى اسس ومعايير مشتركة، يحتكم اليها في حالات الخلاف والاختلاف.
اما اجراءات البحث فقد اعتمد البحث على عينات، تغط ي مراحل الخطاب
العلماني،مركزا على المرحلة الاخيرة التي لم تناقش حاليا مناقشة فكرية مستفيضة
للوصول الى اقتراح بعض المعايير للاحتكام اليها من قبل المتحاورين لانتاج المسلمات،
ثم الوصول الى نتائج البحث وخاتمته.
ان هذا البحث - في تقدير الباحث - ورقة علمية متواضعة ربما تسهم برصانة منهجية
في اضاءة مسالك في حوار النهضويين العرب: علمانيين واسلاميين. نرجو ان نوفق في ذلك،
والله ولي القصد، وهو المستعان. المبحث الاول: تاريخ الخطاب العلماني
المطلب الاول: نقطة الانطلاق
وكان لانتصار المسلمين، في دفاعهم عن وجودهم، آثار في الجانب الصليبي، فقد
اعادالنظر في اسلوب المواجهة، فتحول من الصدام العسكري المباشر غير الممهد له الى
صدام ثقافي يهدف الى تعطيل تحول الوعي الى ممارسة وفعل في الجانب الاسلامي، تمهيدا
لحرب جديدة مضمونة النتائج.
فكان قرار مجمع فيينا عام 1312م الذي تم فيه استحداث
مقاعد لدراسة اللغة العربية،
والقرآن، والحديث
النبوي، والفكر
الاسلامي، في جامعات اوروبا (السوربون/
كيمبردج/
اكسفورد) ((8))
وغيرها للوصول الى تشخيص الوسائل المنتجة للفصل بين وعي المعرفة الاسلامية،
وقدرتها على التحول الى سلوك ثابت فردي وجماعي للامة.
وهذا الذي حصل اءطلق عليه، في ما بعد، الاستشراق((9))
ولقد تلت هذا التطور،حملات للغزو الاسباني للجزائر (1463م) وليبيا (1510) وتونس
(1535م)، والتغلغل البرتغالي في البحر العربي والبحر الاحمر، ثم غزو نابليون لمصر
عام 1798م.
وفي القرن التاسع عشر، ظهرت التطلعات الاوروبية للاستيلاء على الوطن
العربي،فانتهجت لتطلعاتها عملية تمهيد «فكرية» تمثلت بالتوجه الى عناصر التماسك
القومي بالهدم والتعطيل، فتم دعم دراسات الاستشراق وكتبه، وترجمت الى العربية والى
لغات الشعوب الاسلامية؛ وذلك لادراك الاوروبيين ان السيطرة العسكرية، مع بقاءالفكر
الفاعل، يجعل السيطرة مؤقتة وغير مامونة.
وبعد ان ادت الدراسات الاستشراقية دورها الى حد ما، توصل المعنيون الى انها
ليست الاداة المنتجة للاهداف المخطط لها، لسبب بسيط، وهو ان هذه الدراسات لا تحظ ى
بالثقة من المسلمين، فتحول الهدف الى ان تنشر افكار الاستشراق باقلام تحمل صفة
المواطنة لتعميق الشكوك بالعقيدة والفكر والنظم الاسلامية. الى جانب ذلك تتلاقى هذه
النقلة بآثار ادراك المسلمين للدراسات الاستشراقية بانها غير موضوعية، وفيهامن
الجهل بتاريخ الامة والعدوانية الفاضحة على قيمها الشيء الكثير.
المطلب الثاني: مسارات التطور
وكان من اهم الادوات التي سرب بها الخطاب العلماني مجلة الهلال (1892) ومجلة
الجنان لبطرس البستاني (1810،1886).
وتطورت وسائل ذلك الخطاب الى اصدار مؤلفات عربية
تهاجم
بعض الاحكام الفقهية، مثل مؤلفات قاسم امين (تحرير
المراة
1899) و(المراة الجديدة 1900) وفي المرحلة (1900-1924)، تم
الاعداد لمؤلف الشيخ الازهري علي عبد
الرازق «الاسلام واصول
الحكم» وما انتجه من مواقف من الخلافة الاسلامية،
وهو
ترجمة لافكار المستشرق سير توماس ارنولد((11))،
ليمهد الى تجربة جمعية تركيا الفتاة وانقلاب اتاتورك.
ثم هوجمت النصوص الاسلامية الاساسية في كتاب طه
حسين
«الشعر الجاهلي» الذي صور فيه النص القرآني على
انه تعبير عن
الوقائع التاريخية لعصر النزول((12))، وبداخطاب طه حسين
صدى لافكار هاملت((13)) ون جب وافكار صموئيل
مرجليوث في كتابه اصول الشعر ا((14)) لعربي. ثم ركز طه
حسين هجومه في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي
عالج
فيه مشكلة التعليم، وبه هز احدى الحقائق
التاريخية والجغرافية؛ اذ راى ان مصر بلد غير شرقي في موقعه وحضارته وتفكيره،
وحاول ان يقنع مخاطبيه بان العقل المصري ليس شرقي التصور والادراك، وابتدع للثقافة
في مصراسما هو «ثقافة البحر المتوسط»((15))
واخيرا جاء دور
اللغة فانتج سلامة موسى مشروعه لابدال الحروف
العربية
باللاتينية((16)) (1945).
ان هذه الانجازات الفكرية التي التقطت بوصفها مجموعة عينات لبواكير
الفكرالعلماني، لو قارناها بما سبق التحول الاتاتوركي في تركيا وما بعده من
اجراءات،لاكتشفنا الخيط الرابط، فالتحول ارتكز على:
1- انهاء الدستورية الاسلامية للخلافة والتحول الى نمط للحكم مستقى من التجربة
الاوروبية.
ان العالم الاسلامي، في المرحلة ما بين 1860 و1924، كان
في
مرحلة الارهاص لكي يبلور مشروعه النهضوي
الاسلامي، في
هذه المرحلة بالذات كانت اوروبا تسعى الى تشكيل
جمعية
الاتحاد والترقي في عهد السلطان عبد العزيز عام 1861،
واءصدرت الصحف واءرسلت الى داخل الدولة العثمانية
بوساطة
دوائر البريد الاجنبية المتمتعة آنذاك بامتيازات
خاصة داخل
تلك الدولة((17))، وهكذا تم ضرب «العاصمة»
الموحدة للدولة الاسلامية بتشكيل فكري لمجموعة تستلم مهماتها بعد الحرب الاولى.
و بوسائل متعددة، اجبرت الدولة العثمانية على ان تتحالف مع دول المحور، وحين
تمت هزيمتها عسكريا.. استعدت تلك الطبقة المصنوعة والممهد لها لان تواصل تنفيذتلك
الاجراءات.
وهكذا تدخلت اوروبا، بشكل علني وواضح، في تعطيل
المشروع الاسلامي للنهضة واعاقة التقدم الذي ارسى
اسسه
«رجال الصحوة في مطلع هذا القرن»(( ((8 1)).وفي
اثناء مرحلة تقسيم العالم الاسلامي الى مناطق نفوذ، ثم تشكيل الدول القطرية في
العالم العربي، قامت اوروبا بعملية غسل دماغ هائلة لمجموعة من المتعلمين لتؤهلهم
لادارة هذه الدول، فكان الخطاب العلماني، من جهة النشاة والدعم، ثنائي الرصيد،
بدءامن الامكانيات الكنسية، الى الدولة القومية في اوروبا، الى ظاهرة الاستعمار،
الى الدولة القطرية العربية المشكلة حديثا.
وبدخول الخمسينات من هذا القرن، كان الجهدالصهيوني قد استكمل مقدمات انشاء ما
سموه بالوطن القومي لليهود في فلسطين،فكانت مقدماته من جهة الكلفة الاقل ثمنا
موفرة، فقام، في آذار (مارس) عام 1948،
بردود فعل سهلت تحقق هذا الهدف الذي ما كان ليقع في ظروف سيادة ثقافة الاسلام
وقابليتها في التحول من معرفة الى وعي، الى فعل وممارسة.
وعلى الصعيد الفكري، يلاحظ في التاريخ العربي المعاصر، العلاقة المتوترة
والصراعية بين الدولة العربية الاقليمية المشكلة، واصحاب الاتجاه الاسلامي الذي
تمثل في تيارين:
المؤسسات الدينية وادارات الاوقاف التي سايرت تلك النظم وسوغت لهاتسلطها
وقمعها، والمعارضة الاسلامية التي اءخضعت لحملات منظمة من ارهاب الدولة لها، بدءا
من تسخير وسائل الثقافة لتشويه مقولاتها الى تصفيتها جسديا
وفكريا.
واستمر الامر هكذا حتى اصبح الخطاب العلماني هو المنفرد بوسائل الثقافة كافة،
بينمااءحيط الخطاب الاسلامي بظروف من الرعب والتحفظ والتسرب عبر قنوات سرية،او
الاعلان عن نفسه من خلال فكر مسموح به؛ الامر الذي اضطره الى فقدان التركيزوالوضوح،
ولذلك اصيبت بعض مفاصله بالتشويه الذاتي نتيجة لهذه الظروف والتشويه الخارجي بوصفها
وسيلة للعلاقة الصراعية بينه وبين الدولة القطرية المشكلة.
المطلب الثالث: المرحلة المعاصرة
وهكذا نرى ان الخطاب العلماني كان يعول على:
لكن، بعد ان سقطت هذه الاطروحات اتجه الخطاب
العلماني
الى قبول الاصول النقلية الاسلامية بوصفها اساسا
للثقافة
المعاصرة في العالم العربي، ولكن الفكر
البشري المؤسس على
تلك الاصول، في ما يطلق عليه بثقافة النص، هو نتاج
القرون
الهجرية الثلاثة الاولى، فلا بد من اعادة النظر
بذلك النتاج كله،
والكشف عن اخفاقاته وعدم التسليم بمقولاته
وقوانينه
الاءصولية، وتحكيم المصلحة والعقلانية وجعلهما
فوق
النص، وتاويله تبعا لنتائج هاتين المرجعيتين،
فكانت كتابات
الفكر المغاربي المتمثل بمؤلفات د. الجابري((19))،
والهادي
شقرون((20))،
وسعيد بنسعيد((21)) ومحمد اراكون((22))
وكتابات المصريين مثل نصر حامد((23)) ابو
زيد والعشماوي((24)) وحسن حنفي، و الدراسات الصادرة في
لبنان، فضلا عما يصدرفي اوروبا من مشاريع لاعادة النظر في ثقافة النص الاسلامي.
واستنادا الى هذا العرض يمكننا القول: ان مراحل تطور الفكر الاستشراقي بدات من
التشكيك بالنص، وتطورت الى التشكيك بالنص المؤسس على النص الاصلي، وصناعة الاقلام
العربية الموالية لذلك الفكر وابرازها. وان مراحل الفكر العربي العلماني قد بدات من
التشكيك بالنص، ثم تطورت الى التشكيك بفقه النص، ففي المرحلة الاولى دعوة لاستبعاد
الدين تماما، وفي الثانية دعوة لعدم تقبل ثقافة النص، وفي الثالثة دعوة لتجديد
الفكر المؤسس على النص في ضوء المصالح المعاصرة والعقلانية.
وواضح ما يلحظ من تماثل في بعض الحلقات وتكامل في الحلقات المتتابعة في
النشاتين ومساري التطور والاهداف والمقاصد. المبحث الثاني: تحليل البنية الموضوعية
مما تقدم يمكن لقارى هذه الورقة ان يستنتج ان البحث سوف لن يتناول الجهد الفكري
العلماني في مرحلتيه: الاولى والثانية، وذلك لكثرة ما ورد عليهما من مناقشات
وردودالا بالقدر الذي يشخص فيه منهج الخطاب ومنهج قراءة الخطاب قراءة نقدية. وانما
سيتناول، بغية التوصل الى فرضيته، خطابات معاصرة تمثل المرحلة الثالثة:
أولها: مؤلفان للدكتور محمد عابد الجابري هما: «الخطاب العربي المعاصر» و«الدين
والدولة وتطبيق الشريعة».
وسيخصص البحث لكل انموذج مطلبا او اكثر، حسب ما يتطلبه المقام في المناقشة
والاستنتاج.
المطلب الاول: الجابري والخطاب المعاصر
وفي جانب آخر، يهاجم الجابري الافغاني (الاسلامي
المعاصر
للبستاني) بانه جر نفسه الى منطقة حوار العلمانية،
فاقام
فرضياته على ان مستقبل المسلمين مهدد اذا ما قام
على اساس تقليد التجربة الاوروبية. وبذلك صور
الجابري
الافغاني على انه يرفض مطلقا
التمدن الاوروبي كله،
مقابل
رفض البستاني مطلقا الفكر الاسلامي المنظم
للحياة والمجتمع كله، ويلحظ ان الافغاني يلتمس
الاعذار
للتخلف الحاصل في الدولة العربية الاسلامية في ما
بعد 656ه،
او ما قبلها بانفصال الرتبة الحاكمة عن الرتبة
الدينية في شخص
الخليفة((27)). والمشكلة التي يجب ان تحل، كما يرى الباحث، هي: لماذا لم يبدا حوار الافغاني من الاسس والمنطلقات العقدية في نتائج الوحدانية لله في الخلق والحكم؟
اي لماذا جرى الحوار في التطبيقات (فقه العقيدة
والنص)
حتى ظهرت كتابات سيدقطب في ستينات القرن العشرين،
ان
قرنا من الزمان يمر حتى يكتشف سيد قطب ان الحوار
يلزم ان
يبدا من الاسس، فالقضية ملفتة للنظر. ومع ذلك يصور
الجابري هذاالاصل على انه صيحة خوارج معاصرة
مستثمرا
اجماع المسلمين على استبعاد نتاجهم الفكري. والحال
ان فكرة
تفرد الله تعالى بالحاكمية في الاسلام «مقولة
يتفق عليها
كل المسلمين من شيعة وخوارج ومعتزلة واشعرية».
ولم تختص
بالخوارج فقط. وان كانواقد استثمروها في نزاعهم على
السلطة
مع الخليفة امير المؤمنين(ع) ((28)).
واذا كان حوار سيد قطب، في حقيقته، رقيا منهجيا في
الحوار
مع العلمانية؛ فان الجابري يصوره بانه تنازل في
الاطروحة
الاسلامية، من «تمجيدها» للماضي الى صيحة خوارج،
ولاجل
((29))
التقدم
في اطروحة الجابري يرى ان العلمانية ايضا تنازلت من تمجيد التجربة الاوروبية
الى المناداة بالدولة العربية على اساس قومي، والحال ان كلا
الموقفين تطور في الحوار، ولكنه تطور يوازي بعضه بعضا؛ اذ انهما لم يبدآ من
نقطة واحدة ولم يلتقيا في منتصف الطريق، وسوف نرى انهما لم يلتقيا في آخره.
ان من الواضح للراصد ان سيد قطب لما ادرك عدم جدوى حوار الافغاني وانه قد جرالى
مسرح مهيا من قبل خصومه، فانه صمم حواره من وجهة نظر اخرى هي البدء من مقتضى
الاعتقاد، ليكون الامر، اما القبول بالعقيدة ومقتضياتها او رفض المقتضى، وبالتالي
رفض العقيدة لتكون الخنادق واضحة في مواقعها والاوراق متميزة، ويدلل على ذلك بان
حوار سيد قطب اجبر الخطاب العلماني على ان يرفع مشكلة الصراع الموهوم، اوالمشكل
عنوة بين الاسلام والعروبة كاثارة لمشكلة جديدة امام الخطاب الاسلامي بانتباهة سيد
قطب في حواره. ان المعية حوار سيد قطب كانت بارزة في مقصده بان يكون الحوار من صحة
المنطلقات، لا من صحة البنى الفوقية، فاذا ثبتت المنطلقات ترتب مقتضاها، ولهذا هرب
الخطاب العلماني الى اثارة مشكلة جديدة. ومع ذلك يقيم الجابري هذه المشكلة بانها
صورة جديدة لقضية فصل الدين عن الدولة، فهي الوجه السياسي لها، لان الخطاب العلماني
لم يقصد الفصل كما حصل في اوروبا، بل كان يقصد اقامة كيان عربي منفصل عن الدولة
العثمانية. ويلحظ ان الجابري قد اجتزا، من «معالم في الطريق»، برنامج سيد قطب
الفكري، وقدمه مقتطعا من سياقه.
ونلحظ انه يعتم على هزيمة الخطاب العلماني، بل يعتذر عنه.
ويتخلل تحليله تمجيد للجهد
العلماني في احياء كتب اللغة والادب والتاريخ مما لم يستطع ما سماه «التيار
السلفي»
انجاز ذلك الاحياء الممهد للنهضة العلمية العربية المعاصرة. اننا نتساءل عن
المقاصدالتي تكمن وراء ذلك الانجاز، هل هي مقاصد علمية صرفة او انها اشاعة لثقافة
اللغة من حيث هي غاية وليست وسيلة، لبيان «المراد» من النص الاسلامي، واشاعة للادب
ليكون بديلا عن القصص القرآني الواعظ واشاعة المعرفيات الجاهلية، وفي كتب التاريخ
محاولة لابراز الاحباطات والتشويهات التي ادخلها التطبيق المنحرف للشريعة الاسلامية
ليتوصل بها جميعا الى انها لم تخضع السلوك لقيمها طوال التاريخ...
واذا كان الافغاني، ازاء هذه الدعوة، اي
«العروبة»، في ما يراه
الجابري، مزايدا فلانه منذالبداية قدم لكي يكون
متهما مدافعا
لا محاورا له مبادراته. وهي، اي العروبة، وان
كانت كذلك، اذ
ابرزت ان العرب لما كانوا اقدر من غيرهم على فهم
النص
القرآني، فقد سلم الافغاني لهم قيادة المسلمين،
بينما حاول
العثمانيون فصلهم عن المسلمين من غيرالعرب((30))
واخضاعهم للغرب وجودا وثروات.
وبالتتابع مع امثلة الجابري، في تصوره للصراع التاريخي بين العرب وغيرهم، نلحظ
انه هو الاخر قيم النظرية من خلال تطبيقات منحرفة ومشوهة لها، ولم يشجع المحاولة
الرائدة للبدء بالحوار من الاسس والمنطلقات العقدية صعودا الى فقه العقيدة، فظل
الحوار مقطوع الجذور في طرفيه، فهو في الجانب العلماني لا ينطلق من تاريخ معهود
للامة، فالاسلامي مسحوب الى المقارعة والحوار في البنى الفوقية (فقه النص)،
لاالنص نفسه، وعوامل الايمان به، وهكذا يتحاور النهضويون لكي يتوصلوا الى
نتيجة.واذا كان الافغاني معذورا لما يمثله من بواكير الحوار، فان الجابري لم يشر
الى ان الباقوري وهو متاخروقع في مشكلة النقاش نفسها في البنى الفوقية، فاوضح فضل
الاسلام على العرب ردا على العروبية في الطرح، وكذلك حال محمد المبارك ومحمد احمد
خلف الله.
ان الجابري، وهو ينقل جانبا من نص لصلاح المختار الذي يلتمس عذرا للدولة
الاسلامية في الماضي، ويعد سببا لاطاحتها هو ما سمي بطائفية الدولة، ثم ينتقل منه
الى انه يلزم ان تكون الدولة الحديثة على اساس قومي، وانساني، يستوعب ظاهرة التعدد
الديني والطائفي، انما يشكل عودة الى تطبيقات حصلت بمعزل عمن قيم هذه الممارسات،
فاحتسبت على النظرية الاسلامية، واستخدمت للكشف عن مواطن عجزها، لتستبدل بالحديثة.
ومهما يكن، فالجابري، وهو يقرر اخفاق الخطاب العلماني، في المرحلة السابقة،
يجيب عن اسئلة هذا البحث بكشفه عن اسباب ذلك الاخفاق من افكار رائعة لبرهان غليون
الذي يقرر ان «اشكالية فصل الدين عن الدولة اشكالية مصطنعة منقولة عن الغرب،وان
العلمانية الغربية كانت فلسفة للثورة، بينما هي في الوطن العربي وسيلة لتقوية سيطرة
الطبقة المسيطرة وعزل الغالبية عن السلطة»((31))، فاصبحت ايديولوجية
تسوغ ضرب حرية الاعتقاد الاساسية، ويوافق الجابري على ان العلمانية جلبتها الدولة
القطرية لعوامل كثيرة، وانها ليست اختيار الامة، ولم يوافق على انها فلسفة للقمع،
والحال انها ان لم تكن الدافع له الا انها المسوغ لبقائه واستمراره، واخيرا يقرر
الجابري استخلاصاته المهمة في خاتمة كتابه، فقرر:
1- ان الخطاب العلماني لم يسجل تقدما في اي قضية من
قضاياه، بل انه اخفق في اخفاء تناقضاته واضفاء ما
يلزم من
المعقولية على نفسه، بل اخفق في تسويغ نفسه بوصفه
خطابا((32)).
2- استند الخطاب العلماني الى طرح قضية الهوة التي تفصل العرب عن اوروبا،
جاعلامنها مقدمة لنقد الاتجاه الاسلامي، معرضا عن الاسباب الحقيقية للتخلف.
3- لم يقدم الخطاب العلماني نظرية شمولية للحياة.
4- شد الخطاب العلماني نفسه بالثنائية (انموذج السلفر انموذج التحديث)، فظل في
نطاق الذاكرة لا العقل، فانقطعت صلته بين الفكر المطروح وموضوعه.
5- ان ذلك الخطاب ظل يحاول ان يخفي ضعفه المعرفي وثغراته المنهجية تحت مضامين
ايديولوجية ينقلها من هذه الجهة او تلك.
6- اشار الجابري الى انه لا توجد سلطة معرفية للتمييز بينه وبين الخطاب
الاسلامي مستقلة عن الخطابين. |