وقرر ان حل المعضلة يتمثل في ان يتحرر الخطاب العلماني من «ثغراته»، وفي ان يتحلل الاسلاميون من تقديس التراث كله بامتلاكه بفهم النص، وتفسيرات النص، ثم تجاوزه، واعادة بنائه، وترتيب العلاقة بين اجزائه، وينبغي القطع بنسبية مفاهيمه، ومقولاته، وقد تطلب منه ذلك ان يطرح مشروعه «نقد العقل العربي» في جزئيه: تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، وهما دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية دعا فيهما الى تصنيف الثقافة العربية على اساس البنية الداخلية للمعرفة: «آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الاساسية، فصنفها الى علوم البيان، وعلوم العرفان، وعلوم البرهان، لينتقل الى القسم الثاني من مشروعه في تجديد العقل العربي وتحديثه بالتحرر من سلطة التراث بنزعة عقلانية نقدية، ومن ثم نقل ذلك التراث الى الحاضرعلى اساس متطلبات المستقبل وحاجاته، ليؤسس عليه اطروحته التي يعدها الباحث تطبيقا - كتابه الدين والدولة وتطبيق الشريعة». واذا كان مشروع د. الجابري قد نوقش في غير ورقة، فساناقش احدى ثمرات ذلك المشروع المتمثلة في كتابه الاخير، من وجهة نظر اسلامية.

المطلب الثاني: الجابري وكتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»

صدر هذا الكتاب في شباط (فبراير) عام 1996، وقد تناول اكثر القضايا سخونة في العالم المعاصر، وهي «علاقة الدين بالدولة» في تفكيرنا المعاصر، وشروطه لتطبيق الشريعة، وقد صمم بحثه على مقدمة وقسمين، اعتنت المقدمة بتاسيس مرجعيته الفكرية، وخصص القسم الاول لمناقشة علاقة الدين بالدولة، اما الثاني فجعل لتطبيق الشريعة شروطا فكرية وموضوعية.

وسنتابع مفاصل هذه الاطروحات وما يتيسر من مناقشته.

الفرع الاول: اشكاليات في المرجعية الفكرية
لقد بدأ الجابري بالبحث عن مرجعية اسبق واكثر مصداقية، في ما يراه، من المرجعيات المذهبية، وذهب الى ان النص «عموما وكليات واصولا ذو دلالات اجمالية»، فلا بد من عمل تفصيلي يفهم ذلك النص فهما اصيلا معترفا باصالته، فاختار عمل الصحابة وتطبيقاتهم في عصر الخلافة الراشدة((34))، لان فعل النبي(ص) لا يكشف عن كونه قد اقر توليته للادارة الدولة - اثناء المرحلة((35)) المكية، ولذلك يرى ان مسالة العلاقة بين الدين والدولة لم تطرح في القرآن طرحا تفصيليا، ولم تطرح في السنة طرحا كاشفا عن العلاقة، لان «الامر» الوارد في القرآن لا يعني الدولة.

اما العلماء الذين نظروا للامامة وابحاثها ووجوبها عقلا او شرعا، فقد جعلهم الجابري مسوغين للحوادث «التاريخية» السابقة، واضفاء المشروعية على حاضرهم، ولذلك جاءت العلاقة بين الدين والدولة في الفكر والتراث الاسلاميين ملتبسة وغامضة((36))، ويرى ان الدولة معلول النظرية، فالنظرية (التصور) لم تكتمل بسبب النزول المنجم في عصر النبي، فلم تقم الدولة الا بعد اكتمال التصور الشمولي (عصرالخلفاء الراشدين) اضافة الى مشكلات النسخ.

وانتهى، في نهاية المقدمة، الى القول: ان الراشدين اجمعوا على مجموعة مواقف «فهموا النص» فيها فهما خاصا بوعيهم وحاضرهم ومتطلباته كايقاف حد القطع، والزواج بالكتابية وحكم المؤلفة قلوبهم، وكان مستندهم في ذلك الفهم «المصلحة».

هذه هي مقدمة الكتاب، وفيها مجموعة من الاراء التي تحتاج الى نقاش، ومنها:

ان تعرض القرآن لموضوعة الدولة واضح ومعترف به، ولكنه تعرض عام تحدد، في عموميته، مسالة الدولة وكيانها في الاطر العامة، وتترك تفاصيلها وآلياتها الى العقل البشري.. ويمكننا القول: ان عموم حركة العقل في الثقافة الاسلامية يلزم ان تكون داخل حدود النص، لانها - تلك الثقافة - ثقافة النص. فاذا ما تحرر العقل من حدودالنص واطره، فاننا سنخضع النص لحركة العقل، وهذه هي المسالة التي يتنازع فيهاالاسلاميون والعلمانيون.

لذلك تسلسلت ادلة الاحكام، في الشريعة الاسلامية، حسب قوة الدليل، فاقوى الادلة هو النص القرآني الذي يعد بمثابة الدستور، وهذا بالضبط ما قاله الشاطبي عن القرآن:انه اصل الاصول، واليه تنتهي انظار اهل الاجتهاد ومداركهم((37))، فالسنة نفسهاترجع الى القرآن لاعتبارها كاشفة ومفسرة((38)) له، وطبيعة الدستور تقضي بان لا يتطرق للجزئيات ولا يشرع قانون يتعارض مع قواعده بيان طبيعة الحكم، ولا الى طرق انتخاب ولي الامر، ولا انتخاب اهل الشورى، فذلك لان هذه الامور تتغير بتغير الحياة، لكنه اثبت اربعة اسس هي: «العمل بمبدا الشورى، ورعاية العدل، وممارسة الحق والواجب ضمن قاعدة المساواة،ووجوب طاعة ولي الامر في ما لا يصدر منه معصية لله»((40)).

اما السنة فتتناول امورا تفصيلية، ومن ذلك: وضع وثيقة المدينة وتطبيقها، وتولي القضاء،واعلان الحرب، وعقد اتفاقيات السلام، وتسيير شؤون الدولة، ... فهذه الاعمال جميعهامارسها رسول الله(ص) ونقلت الينا بالتواتر، وهذه ليست الا ممارسة لادارة الدولة.واذا كان جمهور العلماء يرى ان النبي(ص) لم ينص على من يتولى الامر بعده،فان جمهور المعتزلة والامامية والزيدية يرى انه اوصى لمن وجد فيه سمات الافضلية المطلقة بين اصحابه، وقد نص الله تعالى عليه.

اما ما يذهب اليه الجابري من اهمال هذه الحقائق - دفعة واحدة - فهذا ما نعده غريبا من مفكر معروف مثله.

ثم الى جانب اغفاله لهذه الحقائق، ارتكز على «عمل الصحابة»، فهذا العمل هو:

أولا: اما استناد الى نص وفهم دلالة ما فيه او حكم اجتهادي لم يستند الى نص.
ثانيا: نادر جدا، ان لم نقل لم يحصل لبساطة الحياة آنذاك واحاطة النص بمشكلاتها.

اما المستند الى نص، فاما فهم جماعي فهو ما يطلق عليه بالاجماع الاغلبي، او اجتهادفردي، والاول حجة اذا استكمل شروطه، وقد حصل الاجماع على ضرورة الحفاظ على اقامة الدولة بهيكلها ومفاصلها بعد رسول الله(ص). وما قتال المرتدين الا وجه من وجوه حق الدولة في بسط سيطرتها في الداخل، وهذا الاجماع مجمع عليه للنص العام وتطبيق فعلي لاحدى مصاديقه، اما الراي الفردي للصحابي مما لم يعرف له مستند فقد نقل الاتفاق انه ليس بحجة الا على نفسه ومن يقلده، سواء كان الصحابي اماما ام حاكما ام مفتيا((41))، وهو ليس بحجه - في ما بعد عصره - كما هو حاله في عصره، لان الصحابي من اهل الاجتهاد والخطا عليه ممكن، ولو قلنا بالتعبد به - مع اختلافهم الشديد في اكثر من قضية لكانت احكام الله مختلفة متناقضة فضلا عن مشهور الاصوليين الذي يمنع تقليد العالم للعالم((42))، وهذا كله مناقض لما عده الجابري مرجعية. اما اعتباره ان الصحابي مارس الاسلام عن فهم صحيح سابق للمذهبيات، فهذافيه نقاش ايضا لاختلافهم وتعارضهم الى حد التضاد في المواقف.

وعلى العموم، فهذا ليس منا موقفا لرفض فهم الصحابي، انما هو رفض للتعبد به، ولكنه يبقى اجتهادا يقبله من يقبله، ويرفضه من يرفضه، بعكس النص الذي لا خيار فيه للمخاطب به.

وعموما فان هذه المرجعية - كما اسسها الجابري - تتناسق مع عموم الخطاب العلماني الذي يرفض التقيد بالنص، ويركز خطابه في التطبيقات.

اما القواعد الاصولية المقننة بعد عصر التابعين، مثل: خصوص السبب لا يخص الحكم او قاعدة دوران الحكم مدار علته، فقد كانت حاضرة وراء افتاءات الصحابة وان لم تكن مقننة ومدونة، وعدم تقنينها وتدوينها لا يلغي مشروعيتها. فاذا كان الجابري بذلك يريدابطال العمل بها، لهذا السبب، فالسبب ساقط ومقتضاه سقوط المسبب بسقوط السبب،اما اذا اراد الجابري ابطال العمل بهما، او بغيرهما من قواعد الاصول اللفظية فانهما قدثبتتا ببرهان واستقراء، فيلزم ابطالهما ببرهان واستقراء واقامة بدائلهما بالوسائل نفسهاحتى لا نقع في فوضى منهجية تحت عنوان المصلحة التي هي غطاء مطاطي، غيرمنضبط بضوابط صارمة لحركة العقل. ويلزم التاكيد هنا ان المنهج في الثقافة الاسلامية مجعول بالنص ومستقرا بالاحكام، فهو وليد النص ومولد الثقافة. فهذه القواعد جزء من المنهج الذي ثبت بالبرهان لتطور المعرفة، فالمعرفة معلول للمنهج، وعلة له في آن واحد، وكل من المعرفة والمنهج معلول للنص.

اما تاكيد الخطاب العلماني ان فعل الصحابة كان يراعي مبدا المصلحة دوما، ولا شيءغيرها((43))، فهو محل تامل شديد، لان كل افعالهم كان لها مستند من نص، وليس فيه اي درجة من الاعراض عنه، لان شرعية عمل الصحابي كانت مرهونة باتصاله بالنص، اما ما يذهب اليه اغلب اصحاب الاتجاه العلماني من ان النص الفقهي (فقه النص) ذو نسبية تاريخية فهو في المصداق وليس في الحكم، فالحكم واحد غير متعدد، لكن الموضوع والوصف هما المتغير، وعموما فليس في علم الصحابي، في ممارسته لدور الدولة، غبار سواء قلنا: ان ذلك من النص، وهو الراجح الاكيد، ام هو ضرورة عصرهم مبتناة على اصل الاباحة، ام دلت مقاصد الشريعة على رجحانه (وهو مرجوح،بل مردود بلا ادنى شك). ان خطورة الموقف الشرعي المترتب على مثل تلك المقدمات لا تظهر في احداث عصر الصحابة، انما اذا عددناها مرجعية لبناء المواقف،فان هذا يمنح المعاصرين، بل عموم الاجيال الحالية والقادمة، فرصة لتجاوز النص وضوابطه والتعويل على المدرك العقلي للمصلحة، بل توجيه النص الوجهة التي تستجيب لضغط اعراف العصر والقيم المكونة اقليميا ودوليا... وبالتالي فتحت الابواب امام علمانية من خلال اسوار الاسلام والفكر الاسلامي، تلج حياتنا تحت غطاء اسلامي.

ثم يلزم التنبيه على ان «المصالح»، بوصفها ادلة للاحكام، قد حظيت بدراسات متعددة وعميقة وحوارات وخلافات انتهت الى ان الراجح فيها ان المصلحة التي تستحق ان تكون مدركا للحكم الشرعي، بعد فقدان النص عليه (اجمالا او تفصيلا) وفقدانه الاجماع او الحمل على النص او استصحاب حال، اي مع انعدام الدليل وسكوت الاصول فيه، يلزم ان تكون - المصلحة مدركا للحكم من جنس «الضرورية ر القطعية،الكلية»((44))، وهذا الامر غير ما تم عرضه من اعتبارها هي المصدر الاول، ثم تحكيمها في جميع اصولها.

ان مجموعة من المواضع تثير البحث في مرجعيات الجابري منها:

تعويله على رفض النبي(ص) ان يكون ملكا في مكة، مقدمة لكي يتوصل الى ان مهماته لا تكمن في ان يكون زعيما، بل صاحب دعوة جديدة، فهذه المفردة مثيرة، لان الزعامة غير مستهدفة منه كيفما جاءت، انما هو رئيس الدولة التي يؤمن افرادها جميعابالاسلام، وهو نبي مرسل، وقائد للامة، وامير للمؤمنين، اما الكلام على الزعامة فهوجزء من فرضيات عبد الرازق التي لم يستدل عليها، بل ان ما ساقه من ادلة تعرض للنقدالشديد الذي بلغ حد نقضه، وما تقلده في المدينة من اعمال، بوصفه زعيما للامة وقائداللجماعة، الا برهنة على ذلك، لذلك لم تكن الدولة ضرورة في عصر الصحابة، لان اوضاعهم قد تطورت فاصبحت هيكلية دولة((45))، لذلك نحن نشاطر الجابري رايه في ان مسالة العلاقة بين الدين والدولة لم تطرح في زمن النبي(ص) ولا في عصر الراشدين لاعتبار توحد النطاقين في سلطة الخليفة.

اما صرف الانظار، في لفظة الامر (ولي الامر)، الى مفهوم الحربي فهو اختزال لاجماع مفسري الامة على انه الدولة ورئيسها وان الامامة - بالاجماع - قاعدة دينية((46)) لان النجدات والفوطي والاصم انما ذهبوا الى عدم الحاجة لها، فعلى تعويل استقامة امرالناس، وهو فرض محال، والمعول عليه مستحيل فالمعول لا يتم به.

فالخطاب العلماني يحاول الوصول الى ان مفهوم الدولة في الاسلام لم تفصح عنه آيات الكتاب، ولا سنة النبي ولا الاجماع ولا القياس او العقل، وانما «افصحت عنه التجربة التاريخية»، ولان الدولة نتيجة لعصرها فهي ستكون ملونة به، ويبقى النص خاضعا لتاويل متطلبات «المصالح». وهذا النسخ هو الذي يحاول الخطاب العلماني تركيزه،وهو «ترك المناقشة في النص والتعويل سلبا وايجابا على تطبيقات النص» لا النص نفسه، وبالتالي يسهم الخطاب العلماني في تصنيع صفة مركزية في الثقافة الاسلامية،انها ثقافة معيارية تزن الفكر الاسلامي، بل والانساني كله، بمعيار النص، فحيث تم تاصيل مسوغات الاعراض عن النص تمت تهيئة المقدمات لمصادرة صفة المعيارية في فقه النص، بل في مطلق فكر الانسان، اما بقية الادلة المتناثرة، هنا وهناك، مثل: ان الدولة لا يتسنى لها ان تكتمل ما لم تكتمل نظرية الدولة، وحيث ان النزول متدرج، وفيه ما يمكن ان ينسخ فكيف تقام الدولة؟ فان الدولة اقيمت في الاسس الاولى لتنشاوتتطور مع نشوء النص وتطوره، ولتكتمل مع اكتمال النص ولتبقى مكتملة بعد انتهاءالنزول وانتفاء النسخ.

اما تغليب الواقع على النص فهو هرم تفكير مقلوب، لان النص هو الذي يفترض ان يشكل الواقع.

كان ذلك كله في المقدمة التي عدها الجابري نظريته التي اسس عليها القسمين الاخيرين اللذين سنتناولهما بالعرض والتقييم.

الفرع الثاني: مسالة الدين والدولة
قرر الجابري ان هذه المسالة لا تطرح كما طرحت في المرحلتين السابقتين كون الواحدة نقيض الاخرى، واستنادا لمرجعيتين: الاولى اوروبية والاخرى «سلفية»، انمايلزم ان تطرح من داخل المرجعية المؤسسة، كما تقدم عرضها وتقويمها، ثم تحليل عناصرها، وكيف يجب ان تطرح في المشروع النهضوي المعاصر، وبما يكشف عن علاقة بين الواقع الراهن وآفاق المستقبل، وللاجابة عن هذه التساؤلات بنى الجابري على المقدمة السالفة، فتقرر:

- أنه لما لم يكن للنص القرآني، ولا للسنة، دور في تشكيل الدولة في الاسلام، وانما كان الدور لعمل الصحابة، فان هذا العمل اقام الدولة على اساس الفكر والاجتهاد، وليس على اساس النسب، وانما على اساس القوة، وهنا يظهر «نسغ» تغليب الواقع (العينة) في الخطاب العلماني، ليتقرر فيه ان البيعة كانت نوعا من التسليم بالواقع((47))، فراى ان «المصلحة» هي تغليب القوة على الفكر والنص، وان الاقوياء (الحكام والخلفاء) سيجتهدون - حتى في معرض التعارض مع النص - لتمشية الامور وفقا للوضع الراهن آنذاك، ولذلك صار طبيعيا ان تنقلب الخلافة الى ملك بسبب «اجمال الدليل» (النص) في مجاله الدستوري، الذي لم يحدد شروط من يتولى الامامة، ومتى يجب عزل الامام، وما هو دور القوى المعارضة لاجتهاداته، وما مدة ولايته...؟ فتركها للاجتهاد، ان هذه الثغرات الدستورية، كان يفترض ان تسد باجتهاد الصحابي - وفقا لفرضية الجابري - لانه افضل من فهم الاسلام، لكن الحال ان الصحابي والتابعي مارسا «فعلرقبول: ضغط مراكز القوى» لتغيير النص وفقا لما اءطلق عليه ضرورات المرحلة، او بعبارة ادق معطياتها.

ولذلك، لا يمكن للقارى ان يساير الجابري في نظريته (تغليب المصلحة على النص)لان ادخال معطيات العصر، ايا كانت، في اطار المصلحة، تنظير جديد للمصلحة فيه تامل ونظر شديد، بل الادق ان يقال: تغليب الواقع - ايا كان - على المصلحة ولوكانت الحقيقة الفكرية هي تغليب فهم الصحابي، بل تغليب ارادة الصحابي على المصلحة كان المرجعية التاريخية الحقيقية، فقد كانت الدولة الاموية، منذ تاسيسها، تحاول الحصول على مسوغ شرعي لوجودها وكيانها وهيكلها العام.

ويسير بنا الجابري الى طرح البديل الذي يراه معادلا لطرح طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين، في التصور النهضوي المعاصر، ليقرر ان الذي يجب ان يطرح هو شعار«الديمقراطية والعقلانية» ((48)) وكل منهما لا يعني، كالعلمانية، استبعاد الاسلام.ثم ينتقل الجابري ليفك الثنائية المرفوضة: الدين والدولة، وهي المعضلة المطروحة اساسا في الفكر الغربي، فيرى ان الدين يمثل ما هو مطلق، ويقصد به هنا النص، وتمثل الدولة سياسة تدبير المجتمع، اي النسبي، وبينهما تغاير في الماهية، والوصف، والاثر،لذلك فلا يعدان طرفين للمعادلة النهضوية المعاصرة((49)).

ويرى ان هاتين المقولتين هما السبب في التطرف والحرب الاهلية في لبنان والجزائر. وعلى هذه((50)) المداخلات الفكرية نورد الملاحظات الاتية:

أولا: نحن نتفق تماما مع الجابري في ان جدلية العلاقة بين الدين والدولة معضلة، ذات منشا تاريخي غربي، تم انتزاعها ونقلها الى العالم الاسلامي بتعمد، وعدت وسيلة لتطبيق آليات غربية في بيئة عربية يرفضها تاريخ تكون الشخصية الفكرية للاءمة وعقيدتها وصيرورتها. وقد احسن الرجل رصد الظاهرة.

لكن اعتبار العلاقة بين الدين والدولة - مما خلا النص في بيانها - امر مشكل جدالان الدين - النص والفكر المؤسس على النص موجه للفرد المسلم والمجتمع المسلم واجهزة ادارة المجتمع التي هي الدولة بالمصطلح المعاصر.

اما تحويلها الى علاقة بين «احكام الفقهاء وشكل السلطة» فهذا مبحث اجنبي عن لب هذه الجدلية لان فيه محورين: الاول محور فقهاء السلطة والثاني محور فقهاء المعارضة،اما الاعتقاد بان الفقهاء مفكرون في حدود عصرهم فهو يجري على مجرى الفرضية العلمانية التي تستبعد النص، وتشكك في ثقافة النص، او على الاقل تعده نتاج عصر ما،فتزيد نتاجا معاصرا يستبعد النص هو الاخر او يؤوله تبعا للنتاج البشري المحض، وتسعى الى اخضاع النص للواقع وليس العكس، ومهما يكن نوع التطبيق للنصر او للضرورة التاريخية في مسالة الخلافة. الا ان اجماع العلماء المستند الى النص يقررضرورة اقامة الدولة الاسلامية المشكلة بشخص الخليفة او ولي الامر، وسواء قررهاالنص ونفذها الصحابة ام انها ضرورة اكتشفها الصحابة، فان المحصلة، ووفقا لمرجعية الجابري، كانت مؤسسات تخدم الدين، بل يجمع العلماء على انها موضوعة لخلافة دورالنبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا((51)) وانعقادها على الامة واجب «عقلا اوشرعا او بهما».

وقد فصل الفقهاء في شروط الامامة، فذهب الشيعة الى انها للمعصوم من الائمة تثبت بالنص، وذهب غيرهم الى ان شروطها سبعة: «العدالة، الاجتهاد، سلامة الحواس والاعضاء، والخبرة الارقى في سياسة الرعية، وتدبير المصالح، ومواصفات اخلاقية ارقى، ثم شرط النسب». وتقرر انها تنعقد باختيار اهل الحل والعقد (ممثلو الشعب الحقيقيون)، او بعهد من امام سابق يصادق عليه اهل الحل والعقد اذا كان اكثرالمرشحين فضلا واكملهم شروطا، ومن يسرع الناس الى طاعته. قال الماوردي: «ولوكان احدهما اعلم، والاخر اشجع، روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت»، وان كان الجمع اكمل ولا يصار الى المفضول مع وجود الافضل الا لعذر ملجى، وذهب جمهورالفقهاء والمتكلمين الى ان امامة من لم يختاره اهل الحل والعقد لا تنعقد، فالامامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله وحقوق الادميين((52)) . ويرى الماوردي: اذاجرح الامام في عدالته بما تابع فيه شهواته فهذا فسق يمنع من انعقاد الامامة، ومن استدامتها، فاذا طرا على من انعقدت امامته خرج منها، ولو عاد الى العدالة لم يعد الى الامامة((53)).

ان هذا النص، على طوله، يكشف لنا ان الاية الكريمة الموجبة لنصب الامام اساس في هذا الفكر، ويلحظ فيه ما يطلق عليه في التشريع الاسلامي «منطقة الفراغ»، وهي الفسحة التي تركها المشرع للاستفادة من قواعده العامة المستوعبة، لان الاصل في النص الاسلامي انه الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور((54))، ولا تدل منطقة الفراغ على نقص او اهمال لبعض الوقائع، بل حددت تفكير المجتهد في اطار النص العام المتفق عليه. ان «الاجتهاد السليم المنضبط بضوابط النص» هو الذي يملا منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف. واذا ما اهملنا منطقة الفراغ ودور هذا المبدا، فانناسنقع في تجزئة امكانيات التصور الدستوري الاسلامي ونتقيد بالنظر الى العناصرالساكنة فيه من دون العناصر المتحركة. واذا كان الامر كذلك فما لم يوجد حاكم «مستجمع لشروط الحاكمية المشروعة» يتمتع بما كان الرسول(ص) يتمتع به لايتاح مل ء منطقة الفراغ((55))، لذلك فان اقامة الدولة اولا على اساس الاجتهادشرط في من يتولى مؤسساتها، ومجلس للشورى من المجتهدين من اهل الخبرة...ليتقرر بذلك مل ء الفراغ، وهذا هو الاجراء الادق في ان نملا منطقة الفراغ من دون ضوابط النص وضوابط اقامة الدولة بمواصفاتها، ولذلك تظل تنظيرات المجتهدين،خارج تشكيل الدولة الاسلامية، اسهامات نظرية ترفد الخزين الثقافي الاسلامي الى حين تحقق الشروط الموضوعية، لذلك فالجابري يرى الصواب حين يقرر ان الاجتهاديختلف باختلاف الظروف، شريطة ولكن ان يتم ذلك في اطاره السليم والصحيح((56)) الذي يبدا من معرفة النص معرفة تفصيلية مستغرقة، والتاكد من صدوره عن المعصوم، والتماس حجية النص، وخبرة عالية في المرجحات في حالة التعارض اساسها الخبرة اللغوية، وضمن تسلسل تكرر الاجماع عليه من اجيال الامة ان يبدا بالقرآن ثم السنة، ثم الاجماع، ثم العقل، الذي ترد المصلحة المرسلة بوصفهااحدى مسالكه((57)).

وبعد ذلك يعد من الشاذ الذي لا يعتد به القول: ان جل الاجتهاد، او الاجتهاد كله، في مالا نص فيه يرجع به الى المصلحة((58)).

بل حتى الشاطبي - صاحب نظرية المصالح - فانه يقرر ان الادلة ضربات النقل والراي، فاما الاول فالكتاب والسنة، اما الثاني فالقياس والاستدلال.

ويقرر انه حتى السنة لها رتبة متاخرة عن الكتاب((59))، ويرى ان اركان الاجتهادعلم لسان العرب، وعلم اسرار الشريعة ومقاصدها، والثاني تبع لفهم((60)) النص.

بعد ذلك كله، فمن الغريب ان نحمل النظرية الدستورية الاسلامية وزر التطبيقات المنحرفة، ليحسب الجابري ان ما حصل، زمن عثمان ومعاوية، ثغرات في الدستورية الاسلامية.

اما ما ذهب اليه الجابري من ان الدستورية الاسلامية تفتقد بعض القواعد، كوجودطريقة لاختيار رئيس الدولة، فقد مرت آراء الفقهاء في نص الماوردي، وان كان قدعدها تسويغا للماضي والحاضر، وهذا حكم عام وجائر اذ ليست كل افكاره من هذاالقبيل، وعلى الخطاب الاسلامي ان يبرز ما ذكرناه في مبدا منطقة الفراغ، واني اتساءل هنا: لو التزم رئيس الدولة بالعدالة وثبتت له الاعلمية والخبرة، وكان عادلا دائما، فما وجه الحاجة الى تحديد مدة ولايته، ان تحديد مدة الولاية افراز للهوى والشطط الذي هومن طبيعة عدم تقيد الفكر العلماني بنص يحتاج اليه لاثبات استمرار مشروعية السلطة كاملة في الدستورية الاسلامية.

اما لماذا لم يطالب المسلمون باسقاط خليفة لم تتوافر فيه شروط الخلافة، فقد حصل ذلك في زمن عثمان، وحصل في زمن بني امية بالثورات العلوية وغيرها، وذلك كله اشكال في الموضوع لا في الحكم.

اما عن الديمقراطية والعقلانية فيمكن القول: فكما ان العلمانية وفصل الدين عن الدولة «معطيات بيئة غربية»، فان الديمقراطية كذلك، فلدينا نظام الشورى الذي يمكننا ان نجعله عنوانا يتقبل تجارب الأمم مما لا يتعارض مع النص. وعندي انه ان سكت النص عن شيء فلا مانع من ترتيب اسلوب للحكم يتفق مع اءصول الشريعة.

اما العقلانية ففي تراث المعتزلة، والشيعة، والاتجاهات الاسلامية المعاصرة، درجة عالية من العقلانية في التعامل مع النصوص ومع الواقع، وطالما يجوز الاخذ بموقف اسلامي سليم، فان ما لا يتلاءم مع العصر من آراء سلفية غير ملزم لان الاسلاميين لايقدمون اي فكر ايا كانت وجاهته، انما المرجعية في النص فلا بد - في حالة التعارض - من اعادة النظر بالنص ضمن ضوابط اصولية مقررة مبرهن عليها.

وان قضية التحسين والتقبيح لخير مثال على مثل هذا المدخل، والا فان العقلانية اذااريد بها ابعد من هذا التصور او كانت بديلا عن النص؛ فاننا نقع في معضلة «علمانية جديدة» تدخل من بوابة اسلامية، فلا بد من التحديد، والتفصيل، والوضوح، والبرمجة،لئلا نسقط مرة اخرى في النقطة التي بدا منها الحوار بين الخطابين وفي ما انكره الجابري ورصده وعده اخفاقا من اخفاقات الفكر النهضوي المعاصر.

اما موضوع كون الدين مطلقا والسياسة نسبية، فلا مانع من ذلك، لكن لا يلزم منه التباين، لان المطلق اهم من جميع النسبيات، واذا عرفنا ان السياسة اجراءات لادارة المجتمع ومؤسساته، وفن ادارة الصراع كما يقال، فان اطلاق النص جعل هذا الفن، اوالاجراءات، ضمن مقولة العناوين الاولية والثانوية. اما الكلام على موضوع الحرب الاهلية في لبنان والجزائر وغيرهما، فما يجري فيهما ليس صراعا دينيا وانما هو صراع معقد يمثل فيه التدخل الاجنبي العامل الاساس، وقد فرض على ارادة الاءمة سواءبتقسيم المجتمع اللبناني ام بفرض العسكر والديكتاتورية على الجزائر. والا فان حسن التعامل مع اهل الاديان في الاسلام واجب شرعي، وحسن احترام الاقلية للاغلبية في ما تقرره ضمن ضوابط الشريعة واجب شرعي، وان احكام المجتهدين تبعا للنص تدورمدار احترام الانسان وكرامته، بغض النظر عن دينه، على الرغم من ان دولته دولة فكرية وتوجهاته كذلك.

الفرع الثالث: تطبيق الشريعة

القسم الثاني من كتاب الدين والدولة
هذا القسم مجموعة من الاراء في تطبيق الشريعة، تنتقد شعار الاسلاميين: «الاسلام هو الحل» ضمن مجموعة من المقدمات والنتائج.

ومن تلك المقدمات: انتقد الجابري مصطلح الصحوة الاسلامية، ورغب في استبداله بمصطلح التجديد، لان المطلوب حاليا، في ما يرى، هو التجديد وليس الصحوة على عدم تطبيق الاسلام، وافاد بان التجديد هو فعل العقل كما حدده مشروعه في نقد العقل العربي((61)).

وبما انه يرى - كما هو الظاهر - ان امر الدنيا متجدد بطبيعته، فمفهوم الدين يلزم ان يتجدد تبعا لمتطلبات الظروف((62)).

ولكي لا يصطدم بمفهوم البدعة - كما هي عند الاسلاميين عموما والسلفيين منهم خصوصا - ميز بين البدعة الحسنة والبدعة المذمومة متكئا على تفسيره لها، ومن ثم استفاد من ان البيان الشرعي لمسائل السياسة والاقتصاد بيان عام وكلي، ومصاغ صياغة مبادى ء عامة بعكس العبادات والاحوال الشخصية المبينة بيانا تفصيليا، فرتب على ذلك ان مسائل الاقتصاد والسياسة مما يخضع للاجتهاد والتجديد((63)).

واوضح ان مراده بالتجديد «ايجاد الحلول العملية لما يطرحه علينا عصرنا من قضايا لم يعرفها ماضينا»((64))، شريطة ان تكون نافعة لنا على طريق التقدم، واذا كان ذلك يتطلب شيئا فانما يتطلب «تجديدا في الاعماق ومن الاعماق»، كما هو نص ع((65))بارته. وعلل ذلك بان الحضارة العالمية التي نحن جزء منها تتطلب المواجهة معها بفكر جديدتماما واساليب جديدة تماما((66)).

وقرر الجابري ان السلفية القديمة كانت علاجا لظرفها، لان الحضارة العالمية لم تكن تزاحم حضارتنا ولا تهددها، اما حاليا فليست حضارة الغرب سوى حضارة غيرنا،والمسلمون حاليا متراجعون، اذا فلا بد من انموذج آخر غير الانموذج السلفي، فتجربتناحاليا تضاف الى تجارب الاءمم من طريق التقنيات المعاصرة التي تنشر المعرفة والافكار والتوجهات نشرا سريعا ومؤثرا وتفصيليا، فحضارات الاءمم حضارة للعالم اجمع في ما يطلق عليه، اليوم، «العولمة» والكونية، وحيث ان الحضارة المعاصرة تتلخص في مبداين هما: «العقلانية، والنظرة النقدية للحياة والفكر ايا كان»((67))، فان التصور السلفي المتمثل في ان الحياة قنطرة للاخرة لا يصلح للتعامل مع هذه الحضارة، وان كان هذا المنطق قد ادى دوره في عصر الايمان لا في عصر التقنية والعلم والايديولوجيات، فلا تنفع اليوم تجربة السلف انما نحن بحاجة الى تجربة الخلف.

ويرى الجابري ان الصراع السياسي المعاصر يدور في محور التشريع والفقه يجسده من الاسلاميين شعار «الاسلام هو الحل»، بينما الصراع في عصر السلف كان صراع مواقف عقدية، كلامية، وتساءل عن هذا «الاستدبار» في التوجه والمحورية في الصراع،فافاد بان صراع الماضي كان رد فعل لاثار الحضارات العقدية السابقة، وليس هناك تحدقانوني، اما اليوم فالصراع في «القوانين العملية الحياتية، ذات المناشى المتعددة (غربية واسلامية)».

اذا فلا بد من الضبط والعقلانية والاعتدال مقابل التطرف، واذا كان الفقه الاسلامي غيرمرفوض البتة، فلا بد من اعادة بنائه على اساس المناهج والمفاهيم المعاصرة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع.

وهذا لا يحصل باستئناف الاجتهاد - كما يصوره المبدعون من الاسلاميين كالامامية والزيدية وغيرهم، بل لا بد - عند الجابري - من اعادة بناء القواعد الاصولية واعادة بناء المجتهد المسلم((68))، فلا بد من اعادة النظر في قاعدة مقتضى الامرالوجوب ومقتضى النهي الفساد، ولا بد من تقرير عدم صلاحية القياس في تحصيل حكم الفروع، وتحكيم المصلحة مكان ذلك كله.

وان الاجتهاد انما اءوقف - في نظره - لنضوب النص، ويرى انه لا بد من ان يصارالى عدم الوقوف عند النص والانحصار في القياس وتبني الاحكام على تحكيم المقاصد والمصالح، وبالضبط كما فعل الشاطبي، بل وكما فعل الراشدون في الاعراض عن النص في قضايا كثيرة، والعمل بموجب المصلحة مثل تصرف عمر في الارض الخراجية، والمؤلفة قلوبهم، وايقاف حد القطع... الخ.

ويرى ان الشريعة لم تطبق البتة، ففي مرحلة البعثة لم يكتمل النص حتى تطبق، فضلاعن النسخ والتدرج وان الفقهاء اختلفوا في المراد من النص؛ ذلك لان للاسلام صيرورة حضارية تكمل اجزاؤها المتعاقبة اجزاءها السالفة.

هذا ابرز ما جاء في القسم الثاني، وساورد عليه الملاحظات الاتية:

1- ان ما يحتاجه الوضع العربي والاسلامي، اذا اقررنا بان الاسلام هو لب الحضارة وابرزمشاريع النهضة الموازية لتاريخ الامة، هو معرفة هذا الدين معرفة حقيقية، فنعرف ان فيه ثوابت ومتغيرات، فللثوابت نحتاج «صحوة» وللمتغيرات نحتاج «التجديد»، والتركيزعلى التجديد متساوق مع فرضية بحث الجابري واهدافه. ويلحظ ان الجابري ركز على «متطلبات التغير» فقط جاعلا وظيفة المشروع النهضوي الاحتواء المطلق للتغيرات،وهذا بالضبط «دعوة» الى عقلنة الفكر مطلقا، وذلك يتعارض مع الاصل الذي انطلق منه، وهو تقديس النص واحترامه وعده الاصل، لكن اجمال النص لا يرتفع مسوغا للاجتهاد وقبالته، اما ما لم يعرفه ماضينا من المشكلات فامامنا خياران لاكتشاف «حكمه الشرعي».

الاول: ان نتحرك ضمن اطار النص ووفق الضوابط العقلية للوصول اليه.
الثاني: ان نجعل النص بوابة «لاعمال العقل الانساني لاكتشاف الحكم حتى ما تعارض معه، وهذا الذي يفهم من عبارته: «ان المطلوب هو التجديد في الاعماق من الاعماق»،وهذا ما تفيده الدعوة الى التجديد التام في الفكر، والتجديد التام في الاساليب، وهذا ماتفيده الدعوة الى الاندماج - اليوم - بالحضارة العالمية الحديثة، لان المشروع معروض في ظل الاعتقاد بان الامم الاءخرى نجحت تماما في فرض حضارتها على العالم اجمع.

واذا كانت هذه المسوغات مقدمة لتقرير ان الوضع العربي الراهن بحاجة الى العقلانية والنظرة النقدية للحياة، فان المسالة محالة على مباحث التحسين والتقبيح التي انتهى المتطرفون فيها الى ان هذه المباحث تكون في ما سكت عنه النص، ولم تعد في المسالة قابلية للحمل عليه، وليس اعتباره مرحلة لها آثارها الخفيفة الاثر الى حلول مشاكلنا المعاصرة. ولعلنا نواجه دعوة اشبه بالصريحة للاعراض عن احد اركان التصورالشمولي اذا افترضنا ان الدنيا لا علاقة لها بالاخرة طالما ان عصر اليوم هو عصر علم وتقنية وايديولوجيات.

2- لقد كشف لنا بحث الجابري ان السياسة كانت تمارس على مستوى العقائد، يوم كان التشريع الاسلامي لا تتحداه قوى منافسة له. اما اليوم فالمشكلة في التحدي القانوني الغربي للتشريع الاسلامي، فتحولت السياسة لتمارس على مستوى الفروع الفقهية كالحجاب والربا والجهاد.

ويرى الجابري ان الفقه يلزم ان يعاد بصورة تصورات متكاملة للنظم الاقتصادية، والسياسية، والقانونية، بتوظيف المناهج والمفاهيم المعاصرة التي افرزتها المعرفة في القرن العشرين قبالة التجزئية في الاحكام.

وهذه الفكرة اروع ما يلزم ان يسعى المفكرون الاسلاميون من اجلها على ان تتم وفق القياسات الاصولية الشرعية. اما اذا اعيدت صياغة الفقه - تصورات متكاملة - مع اطلاق العقل في الشكل والمضمون بحجة عدم صلاحية النص ونضوبه، وعدم صلاحية مسالك الاستدلال ليصار الى عقلانية جديدة، فهذا معناه اننا نتقدم في الصياغة، ونخفق في المضامين، فتحسس المشكلات المعاصرة ومتطلبات العصروتلبيتها شيء، وتبديل ضوابط الاستفادة من النص شيء آخر.

ان التبديل يقع على «نتائج عامة» مبرهن عليها، درستها اجيال من علماء الاصول، فاذااريد تبديلها فان ذلك يتطلب وعيا علميا وحضاريا عاليا يثبت خطا ما تقرر من قواعداصولية وبطلانه، ويقيم البرهان على القواعد البديلة، ويفحص علميا انتاجية تلك القواعد لتتقرر بعدها مشروعية التبديل.

هذا على مستوى القواعد الاصولية، مثل «مؤدى الامر، ومقتضى النهي، وقاعدة الدوران... الخ». اما على مستوى القياس، او الاستفادة من النص الكلي والنص العام، فان «افتراض كون المشكلات المعاصرة، لا تشكل فروعا متحدة العلة» مع اصول لوقائع سابقة، فهذا يواجهه التشكيك بعموم النصوص التي اعترف بها الباحث، وجعلها مقدمة للركون الى التطبيقات، وهو موقف عقدي يحتاج الى اعادة نظر، وكذلك يحتاج الى برهنة علمية على مثل هذا الفرض الهائل الخطورة الذي لم يقم البرهان عليه بعد، لا من جهة تحليل عناصره، ولا من جهة عدم خضوعه لعموم النص. ان تبني «قضية» نضوب النص في استيعاب مشاكلنا المعاصرة، دعوة صريحة للاعراض عنه، لذلك يحتاج الاسلام نفسه الى تجديد، لا الفكر الاسلامي. واذا كان هذا الاعراض مجملا بالعودة الى المصلحة، فهل المصلحة مرجعية قطعية او ظنية؟ وماذا لو تعارضت مصلحة ومفسدة؟

من يدعي ان الانجاز العقلي قادر على حسم مثل هذا التعارض؟

واذا كان مشروع الجابري امتداد لمشروع الشاطبي، فهو مباين له في تسلسل الادلة وخضوعها لضوابط اللغة والقياس. والحق انه دعوة مستندة الى «الاضافة النوعية» الى مشروع الشاطبي لكن تنقصه:

أ- ضرورة فهم العلاقة بين النص وثقافة النص، والصلة بين التصور العقدي، والتصورالفقهي (اصوله وفروعه).
ب- ايجاد البراهين على خطا النتاج الاصولي جله او كله.
ج- جهد مؤسس لقواعد وادلة جديدة.

3- في دعوة الجابري: ان الراشدين تصرفوا من منطق المصلحة معرضين عن النص مسامحة كبيرة، واذا تقصينا الامثلة التي اوردها نرى:
- ان تصرف عمر في الارض الخراجية صدر عن نص ذكره ابو يوسف في الخراج، وهوالايتان 7 و8 من سورة الحشر (ما افاء الله على رسوله..)((69)) والاية (9) التي اسست كون الخراج حقا عاما دائما للمسلمين جميعا، ولم يكتف عمر بالنص، بل اجرى مشاورة علنية ليكون الاجماع عليه دليلا، اما المصلحة هنا فهي المعزز في صحة فهم النص، وليس الاصل في التشريع.

4- في مبحث الجابري «الحدود تدرا بالشبهات» تعويل على تطبيق غير مستوعب للحقائق، فالذي عليه التحقيق ان الاسلام لا يكون «فعلا متكاملا» الا بعد توفير الظروف الاجتماعية والبيئية لتركيز الاعتقاد والقيم الاخلاقية «البناءة لذات الانسان»، ثم تشريع التكافل، والضمان، والحريات الاساسية، ثم التطبيق للقانون الجنائي، وان حصل عكس هذا في بعض التجارب فذلك يعود الى قصور في الفهم او الى دفع من قوى معينة.

5- ان دعوى ان الشريعة لم تطبق كونها لم تكتمل، في عصر الرسالة، هي شبهة مقابل بديهة؛ حيث ان «كل الانظمة البشرية لم تطبق لما يرد عليها من مكملات دائمية». لقداسس الاسلام في بدء نزوله منطلقات اقامة الدولة والمجتمع في مكة، وطبقها فعلا في المدينة، وملا الثغرات والفراغ، وهذا القول مبعثه توهم لتساوي المصادر والادلة، فالكتاب الكريم هو الاصل، والسنة شارحة، والاجماع توافق على فهم دلالة النص،والقياس والعقل مسالك عقلانية داخل النص، وتاسيس الدولة وسياسة المجتمع - كان يكفيها - اكتمال الاسس في النزول المكي وورود الاحكام في وقائع المستجدات.

اما الدفع بان تدرج النزول وظاهرة النسخ مسوغان للقول: ان الشريعة لم تطبق كاملة،فهو شبهة، لان الدولة اقيمت بما يكفيها من النصوص وما ورد بعد تكونها اجاب عن حوادثها، وظل سقفا لكل حادثة او واقعة تحصل في ما بعد، ولم تكن، في لحظة ما من تاريخ المسلمين، آراء الفقهاء والاجتهادات جزءا من الشريعة، انما ثقافة مؤسسة على النص، تتبع دليلها فان كان قطعيا قطع الخلاف فيه، وان كان ظنيا جازت الرؤية له من زاوية اخرى ضمن دلالات الدليل.

اما النسخ فالذي عليه اهل العلم، في الاغلب، انه قليل جدا لا يتعدى عدد الاصابع..

العدالة والتنمية
في منهج الامام علي(ع)

د. صادق البختياري

العدالة مفهوم من المفاهيم التي اءشبعت بالابحاث والنقاشات منذ سالف الدهور، بيد انها رغم ذلك تحتاج لتعريف محدد جامع مانع. والتنمية، هي الأخرى، مفردة قدتبدو بديهية وجلية، الا ان تعريفها يكتنفه نوع من الغموض والابهام. وقد خلصنا، في هذه المقالة، بعد التحليل التاريخي لمفهوم العدالة في المدرسة الاسلامية، الى تعذرامكانية التوصل لجوهر المفاهيم المتعارفة في الحقل الاقتصادي، من خلال الاستغراق في الدراسة والتعمق اللغوي في تلك المفاهيم.

وعليه فالاسلوب الناجع الذي يمكن ان ننتهجه، في هذا المجال، انما يكمن في بحث الاصعدة والسبل التي تسهم في دفع عجلة التنمية والنهوض، وتمهد الطريق امام تحقق العدالة، وبسط نفوذها في اوساط المجتمع.

ولذلك استعنا بالمواضيع ذات الصلة، والتي وردت في نهج البلاغة، بهدف بيان الدعائم الاساسية للتنمية على اساس الرؤية العلوية، والتي سيتضح من خلالها بيان الامام بكون العدالة تمثل البنية التحتية للتنمية الانسانية التي ينشدها(ع).

مفهوم العدالة في آراء الفلاسفة

أ- العدالة في ضوء رايي افلاطون وارسطو
قال أفلاطون، في كتاب الجمهورية، في شان مدينته الفاضلة:
«لقد قلنا، منذ تاسيسنالدعائم تلك المدينة وتشييد بنيتها الاساسية، انه لا بد من ان يسودها مبدا العدالة، وقدذكرنا مرارا انه ينبغي ان يكون هناك عمل يختص به كل فرد في تلك المدينة؛ اي عمل يتناسب وطبيعة ذلك الفرد في ممارسته. وصرحنا مرارا بان جوهر العدالة انمايعني ممارسة الاعمال الموكولة له من دون التدخل في اعمال الاخرين. وخلاصة القول: ان ممارسة الفرد لوظائفه فقط انما تمثل العدالة»((70)).

اما أرسطو فانه يعتقد بان العدالة انما تعني مساواة الافراد في الممتلكات؛ وان كانت لاتهدف الى تحقيق التكافؤ الرياضي، وبعبارة اخرى، فان العدالة، في ضوء وجهة نظرارسطو، انما تعني «الفضيلة التي ينبغي بموجبها اعطاء كل فرد حقه»((71)).

فالمعيار الارسطي، في تعريف العدالة، هو مراعاة التماثل في المعاملة حيال القضاياالتي تحكمها المساواة، او عدم ذلك، فارسطو يعتقد بان «البشرية قد اتفقت كلمتها على ان العدالة وليدة المساواة»، اضف الى ذلك انها «اتفقت، مع ما تعرضنا له من اخلاقيات في ابحاثنا الفلسفية، على ان العدالة انما تشمل الافراد واشياءهم، وعليه فمساواة الافراد تعني امتلاك اي منهم الاشياء نفسها التي يمتلكها الاخر. اما مجالات تجسد المساواة وعدم ذلك فهي قضية شائكة معقدة، تتطلب فلسفة سياسية بغية سبر اغوارها والوقوف على حقائقها»((72)).

لقد صنف ارسطو العدالة، في كتابه «اخلاق نيكو ماخس»، في صنفين هما: العدالة الطبيعية، والعدالة القانونية. والمقصود بالعدالة الطبيعية تلك الاءسس والقواعد العامة والنوعية التي تنشا من طبيعة الاشياء، ولا تمت بصلة لعقائد الافراد والقوانين التي تحكم المجتمع، في حين ان للعدالة القانونية ارتباطا وثيقا بالمقررات والمحظورات القانونية.وبعبارة اخرى، فان كل ما يصرح به القانون هو عدل؛ وان ورد في شان البيع والشراء.

وفي تقسيم آخر، ووفق رؤية اءخرى، يقسم ارسطو العدالة الى عدالة عوضية وعدالة توزيعية، «والمراد من العدالة العوضية، هو التوازن بين العوضين في المعاملة، بحيث لايكون فقر احد طرفي العقد ثمن ثراء الطرف الاخر، او ان يتمكن احدهما من نيل العوضين. ان هذا المفهوم للعدالة انما يحصل بصورة تلقائية في العقد، اما التطبيق العملي لذلك فانما يكمن في تعويض الخسارة التي تلحق بالطرف المتضرر لتعيده الى حالة الاتزان وتامين العدالة. وعلى العكس، فان العدالة التوزيعية تعالج تفتيت الثروة وتقسيم المناصب الاجتماعية، وبالتالي فهي تعنى بشؤون الحياة العامة ومسؤولية الدولة»((73)).

ب- العدالة في آراء هابس وراولز
يعد هابس احد الفلاسفة الجدد الذين يرون ان العدالة تمثل فضيلة اخلاقية الا انه يختلف تماما مع الفلسفة الارسطية التي تعتقد بان المجتمع تركيبة طبيعية وبانه مقدم على الفرد، فقد منح - هابس - الاصالة للفرد، وقال بتقدمه على المجتمع؛ وذلك لان المجتمع، في نظره، قضية مصطنعة وليس الفرد كذلك. لذا فهو يرى: «ان المسالة الاخلاقية، اذا كانت فقط عبارة عن الحق الطبيعي الذي يمارسه كل فرد للحفاظ على ذاته، وان اية وظيفة، او اي تعهد، لطرف مقابل طرف آخر انما يفرزه مضمون العقد، فان العدالة لا بد من ان تكون بمعنى عادات الافراد واعرافهم في تنفيذ العقود والالتزام بالمواثيق، وعليه فلم تعد العدالة تعني التعامل على اساس الضوابط والمقررات المستقلة عن الارادة البشرية، وليس هناك من اعتبار بعد لاي من الاءسس المادية للعدالة...، وان كافة الأسس والوظائف المادية انما تختزنها طبيعة القوانين التي يتفق عليها طرفا العقد»((74)).

أما سائر الفلاسفة، امثال هيوم وبنتام وجان استيوارت ميل، اصحاب المدرسة القائلة باصالة المنفعة((75))، فقد فسروا العدالة على اساس ما توفره من منافع لاكبر عددممكن من الافراد. وبالطبع، فقد تعرضت هذه النظرية لبعض الانتقادات، منها تلك التي اوردها الفيلسوف جان راولز، في كتابه «نظرية العدالة»، الذي استعرض فيه آراءه في شأن العدالة.

لقد سعى الفيلسوف المذكور الى طرح الدعامة اللازمة لتحقق العدالة، فقد صرح، في احدى مقالاته التي حملت عنوان:

«العدالة والانصاف»، قائلا: «قد يتبادر للذهن، للوهلة الاءولى، عدم وجود الفارق بين مفهوم العدالة والانصاف، وانه لا دليل على الفصل بينهما او ان احدهما اولى من الاخر».

ثم يضيف: «اظن ان هذا التصور خاطى، وسأبرهن، في هذه المقالة، على ان الانصاف يمثل الفكرة الرئيسية في مفهوم العدالة... وساشير في البداية الى مفهوم خاص عن العدالة، من خلال تسليط الضوء على ركنين اساسيين يبينان هذا المفهوم الخاص...»((76)).

فالركن الأول الذي يبينه راولز هو ان لكل فرد حق المساواة في التمتع بالحريات الاساسية التي تماثل حريات الاخرين. اما الركن الثاني فهو الذي يتكفل ببيان انواع هذه المساواة.

يعتقد راولز بان القيم الاجتماعية الاولية، من قبيل: الحرية، المساواة في الامكانات، الثروة والدخل والعائدات، ينبغي ان توزع بصورة متساوية ومتكافئة، او ان تراعى فيهاالمنفعة العامة ان لم توزع بصورة متساوية. ويعتقد ايضا بان عدم المساواة الاجتماعية يجب ان تنظم بحيث تؤخذ بنظر الاعتبار منافع الجميع ومصالحهم من جهة، وان تكون الفرص متساوية، في بلوغ الاهداف والمناصب، بالنسبة لكافة الافراد الذين يمتلكون المؤهلات نفسها من جهة أخرى.

انه يقول بصريح العبارة: «لو كانت هناك فئة معدودة تتمتع بمنافع جمة، بحيث يقود ذلك الى اصلاح اوضاع المجتمع والطبقات المسحوقة، فان هذا لا يتنافى والعدالة ابدا»((77)).

ثم يتعرض راولز لمبداين رئيسيين، في العدالة، بموجب المبدا الاول يكون الافراد متساوين في حقوقهم وواجباتهم: «كل فرد يتمتع بحقوق متساوية في مجال الحريات الاساسية التي تنسجم مع الحريات المماثلة للاخرين»((78)).

اما في المبدا الثاني فهو يقر بعدالة عدم المساواة الاجتماعية «اذا ما ادت الى تحسن اوضاع الطبقات المحرومة والضعيفة وارتقائها».

ان عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية لا بد من ان تبرمج بالشكل الذي يجعلهاتنطوي على تامين اقصى المنافع للافراد الذين يتمتعون بالحد الادنى من الامتيازات،هذا، اولا، وثانيا، من الضروري توفير الظروف والشروط المتكافئة والمنصفة للافراد كافة في ممارسة الوظائف والحصول على فرص العمل((79)).

والذي يتضح مما تقدم ان نظرية راولز في العدالة انما تقوم، بادى ذي بدء، على ضرورة تحقق الحريات الاساسية المتكافئة والمساواة في الفرص بين الافراد، ثم قبول طرح مسالة عدم المساواة والاقرار بعدالتها، شريطة ان تكون مقرونة بشروط من شانها ان تؤدي الى تحسين اوضاع الطبقات الضعيفة والمسحوقة في المجتمع.

اما الفوارق والاختلافات بين النظرية الاسلامية في العدالة ونظرية راولز فيمكن الوقوف عليها من خلال الاءصول والمباني الاسلامية الواردة في هذا الشان.

وهنا تنبغي الاشارة الى ان المراد من الحرية الشخصية والمساواة بين افراد المجتمع كافة، وهي الحرية التي صرح بها راولز في نظريته، الحرية الشخصية والرغبات والميول التي يشترط عدم اصطدامها بحريات الاخرين وعدم تعارضها معها.