|
مفهوم العدالة في كلمات الامام علي
لا تفتقر العدالة الى تعريف واحد مقبول فحسب،
بل ان مصاديقها هي الأخرى مختلفة. العدالة، على صعيدي السياسة والحقوق، انما
تعني مساواة الجميع امام القانون. اما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية
فالمراد بها التكافؤ في الامكانات والقدرات المادية بين الافراد الذين يتمتعون
بالحقوق نفسها.
ومن البداهة الا يكون المقصود بالعدالة، في
التوزيع، تقسيم
الامكانات بصورة متساوية بين الافراد كافة((80)). فالفرض المفروغ منه هو عدم تكافؤ الافراد وتساويهم في القضايا الاجتماعية
والاستعدادات والقابليات. وطالما كان الاستحقاق هو الملاك الاصلي للعدالة، فمن
البديهي ان تبرز قضية عدم المساواة والتكافؤ. فالعدالة، في التوزيع، على اساس
المبدا الاقتصادي القائل بمحدودية المصادر والامكانات، انما
تدعو لظهور العلاقة
الطردية بين استعداد كل فرد وقابليته، ومدى استحقاقه او استثماره لهذه المصادر
والامكانات. وعليه فاقرار هذا التعريف للعدالة سيستلزم حالة عدم المساواة والتكافؤ
التي ستسود المجتمع.
العلامة المرحوم الشهيد مرتضى المطهري يعتقد
بان «العدالة، في المدرسة الاسلامية، تتفرع الى فرعين هما: العدل الالهي والعدل
الانساني. والعدل الالهي بدوره يقسم الى العدل التشريعي والعدل التكويني. اما العدل
الانساني فهو الاخر يشمل العدل الفردي والعدل الاجتماعي»((81)).
ويخلص العلامة الى القول: ان العدل الالهي هو
المراد بالعدل الذي اكده مبدا التشيع (المدرسة الشيعية)، وان العدالة الفردية هي
الاساس والبنية التحتية للعدالة الاجتماعية،بينما يشكل الايمان والعدل الالهي
الاساس والبنية نفسيهما بالنسبة للعدالة الفردية.
ويشير (رحمه الله)، في تقسيم آخر - بهدف بيان
التعاريف العملية الاكثر استعمالاوممارسة - الى اربعة معان، او مجالات، لاستعمال
العدل والعدالة: أ- التوازن ويقصد به رعاية الانسجام، او الموازنة بين الاجزاء المؤلفة لمجموعة. وبعبارة اخرى فانه يعتقد بان حسن ترتيب اجزاء مجموعة وانسجامها انما يفيد رعاية العدالة في انشاءتلك المجموعة وتاليفها. فمثلا اذا اخذنا بنظر الاعتبار مجموعة تحتوي على اجزاء مختلفة، فمن اللازم ان نعد المقادير المطلوبة لكل جزء، ونقوم بتنسيق كيفية ارتباط الاجزاء بعضها مع بعضها الاخر؛ لتتمكن تلك المجموعة من ممارسة دورها الموكل اليها وتحقيقها للهدف الذي تشكلت من اجله...؛ فاذا ما اراد المجتمع، على سبيل المثال، ان يحافظ على ديمومته واستقراره وجب ان يعيش حالة التوازن، اي ان يحظى كل عنصر فيه بمقداره اللازم (لا بالمقدار المتساوي). ب- المساواة وعدم التمييز ويقصد بها رعاية المساواة بين الافراد الذين يتمتعون بالاستحقاقات والقابليات نفسها. وانموذج ذلك العدالة في القضاء واصدار الاحكام؛ فاذا قيل: ان القاضي الفلاني عادل،فهذا لا يعني انه ينظر بعين واحدة الى الافراد والدعاوى كافة، بل يراد به عدم تسرب التمييز اليه في شان الافراد الذين يتمتعون بشروط متساوية ولهم القضايا والدعاوى نفسها. وعليه فالعدالة لا تعني المساواة، بل تعني رعاية المساواة في المجالات التي تحكمها وتسودها الاستحقاقات المتساوية. ج- رعاية حقوق الافراد واعطاء كل ذي حق حقه لا بد من مراعاة هذا النوع من العدالة في القوانين البشرية، كما يتحتم على الافراداحترامها. يعتقد الشهيد المطهري ان هذا المفهوم للعدالة انما يقوم - من جانب على اساس الاولويات التي يكتسبها افراد البشر بالنسبة لبعضهم بعضا، ثم ينسبه من جانب آخر لصفاتهم الذاتية التي تحتم عليهم ممارسة بعض المقررات المطلوبة في حياتهم اليومية، واجتناب بعض المحظورات على اساس انتزاع «الحسن» و«القبح»، والعدالة ليست الا رعاية هذه الأمور. د- رعاية الاستحقاقات في العطاء والافاضة هناك معنى للعدل المرتبط بالتكوين من قبيل الافاضة والرحمة المتوقفتان على الامكان والاستعداد، وهو معنى لا نرى له من صلة ببحثنا الحاضر.
اذا أمعنا النظر في التصنيف الذي وضعه الشهيد
المطهري فان تعريفاته الاربعة باستثناء التعريف الرابع الذي ساقه في شان العدل
الالهي الذي اخرجناه من موضوع البحث - قد المحت للتعريفات المشهورة التي ذكرت في هذا
الخصوص، من قبيل: «اعطاء كل ذي حق حقه» و«يضع الاءمور مواضعها»،
غير انها سكتت عن تعيين مصاديق الحق واصحاب الحق وما الى ذلك. الامر الذي يجعل من المتعذر اعتماد التعريفات
آنفة الذكر، بهدف خلق صورة واضحة للعدالة الاجتماعية في المدرسة الاسلامية.
وعليه، وبغية الوقوف على هذه المسالة،
فبالاضافة الى الابحاث اللغوية لا بد من تسليط الضوء على سبل تحقق العدالة
الاجتماعية والتنمية الاقتصادية التي تستند الى تلك الابحاث واستعراضها، لذلك
سنعمد، عقيب البحث اللغوي في مفردة «التنمية»، الى مناقشة الاصعدة والميادين التي
اكدها الشارع والتي لها بالغ الاثر في تحقق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية
الناجعة.
وللوقوف على مراد الامام علي(ع) من العدالة، في
شان القضايا الاجتماعية، نرى من الافضل التوقف عند الجواب الذي اورده(ع) حين سئل عن
العدل والجود، سيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار كونه(ع) مصدر الجود والكرم.
فقد سئل(ع): ايهما افضل العدل ام الجود؟ فقال(ع): «العدل
يضع
الامور مواضعها، والجوديخرجها من جهتها، والعدل
سائس عام،
والجود عارض خاص، فالعدل اشرفهماوافضلهما»((82)).
«انما تنتظم شؤون الرعية وتصلح احوالها بالعدل»((83)). اماالجود فهو حالة استثنائية قد تتطلبه بعض الحالات والظروف.
وقد صرح الشهيد المطهري، في هذا الشان، قائلا: «لا
يمكن
اعتماد الجود والايثارمبنيين رئيسيين للحياة
العامة، وسن
القوانين والمقررات على اساسهما؛ ذلك لان الجود
والايثار انما
يفقدان مسمياتهما اذا ما خضعا لقوانين ومقررات
نافذة
المفعول.فالجود والايثار انما يكتسبان صفتهما
الواقعية اذا ما
كان وراءهما والدافع لهما الكرم والمروءة والعفو
والمحبة، بعيدا
عن القانون والمقررات، والالتزام بالتطبيق
والتنفيذ. وعليه
فالعدل افضل من الجود»((84)).
القضية المهمة الاءخرى التي ينبغي التعرض لها
والوقوف عليها، بغية ادراك مفهوم العدالة، هي المفهوم المخالف للعدل، والملموس في
الحياة اليومية، ولا نعني به سوى مفهوم «الظلم». فكما ان الصحة تعني السلامة من
المرض وعدم السقم، فان وجودالعدالة في المجتمع انما يعني انعدام الظلم في المجتمع
ايضا. وان الاعتداء على حقوق الاخرين المظلومين وهضم حقوقهم انما يمثل احد المصاديق
البارزة لمفهوم الظلم.
وهذا ما صرح به الامام علي في اطار قبوله للخلافة؛
اذ قال: «اما والذي فلق الحبة وبراالنسمة، لولا حضور
الحاضر، وقيام
الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء
الايقاروا على
كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها،
ولسقيت آخرهابكاس اولها، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد
عندي
من عفطة عنز»((85)).
نهج الامام(ع)، ابان خلافته، هو الاخر انطوى على
الاصرار والتاكيد
على ضرورة اصلاح مفاسد المجتمع، واسترداد كافة
الاموال
التي اخذت ظلما وعدوانا من بيت المال. فالامام يرى
ضرورة
اعادة هذه الاموال لاصحابها، وهو القائل: «والله
لو وجدته قد
تزوج به النساء، وملك به الاماء، لرددته؛ فان في
العدل
سعة...»((86)).
وزبدة الكلام، فانه(ع) يعد العدالة مدعاة
للتنمية واصلاح جميع شؤون الامة سيما ضعفائها. وهذا ما اكد عليه(ع) في عهده الذي
عهد به لمالك الاشتر حين ولاه مصر قائلا: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من
القوي غير متتعتع»((87)).
ان انقسام المجتمع الى طبقتين: طبقة مسحوقة
واخرى ثرية يعد احد افرازات انعدام العدالة، خصوصا عند توافر الارضية المناسبة لنمو
الثروة بشكل غير عادل عند بعضهم من دون بعضهم الاخر في المجتمع. والتاريخ الاسلامي
يحدثنا عن هكذا شواهد مني بها المجتمع، فقد شهدت مرحلة خلافة عثمان، سيما اواخرها،
توزيعا ظالما للثروات، واغداقا للاموال دونما استناد لاية ضابطة من حكم او قانون؛ ما
حدا بالامام علي(ع) الى ان يعلن مرارا بصراحة، ان بسط العدالة الاجتماعية كان هدفه
الاصلي من قبول الخلافة((88)).
من جانب آخر، كان(ع) يشير، في غير موضع، الى آثار
العدل المادية والمعنوية الجمة، الى جانب نزول
البركات
الالهية التي تستتبع تطبيق العدالة وبسطها في اوساط
الامة
والمجتمع((89)).
ان بسط العدل الذي يجعل الامة تحب ولاتها يشكل احدى
الوظائف المهمة التي يجب ان تنهض بها الحكومة، كما
يرى
ذلك الامام علي(ع) حيث يقول: «وان عين الولاة
استقامة
العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية. وانه لا تظهر
مودتهم الا
بسلامة صدورهم...»((90)).
ولا يفوتنا، هنا، ان نورد ما صرح به الكاتب ابراهيم
العسل في
شان هذه النظرة للعدالة من انها ستؤدي الى ان
«ينتظم سير
الاعمال والوظائف، ويحصل رضى الرعية على سياسة
ولاتها،
فلا تتردد في الوفاء بعهودها ومواثيقها التي
قطعتها على نفسها
تجاه الحكومة، فيسودها الامن والاستقرار والدعة،
الامر الذي
يجعلها تفجر طاقاتها لاعمارالبلاد والنهوض بها
قدما»((91)). مفهوم الازدهار/ «التنمية»
ان مفردة
التنمية تعادل في الانجليزية «Development»
المشتقة من
«Develop»
التي تعني
التفتح التدريجي للشيء وظهور اجزائه، وتقابلها المفردة
«envelope»
وستر الشيء، أو
الظرف الذي تحفظ فيه الرسائل، وهو يفيد المعنى نفسه.
وعادة ما يستعمل هذا المفهوم ملازما لكلمة
الاقتصاد، فيصبح ب«economic
Development»، التعريف الجامع
والمانع.
يعتقد «غرالدماير» بان التنمية الاقتصادية هي
الالية التي يتم
بموجبها ازدياد العائدات الواقعية لبلد ما على
المدى البعيد، ولا
يخفي اعترافه بعدم امكانية طرح تعريف دقيق لمفهوم
التنمية،
بل ذهب ابعد من ذلك ليقول: لعل من السهولة القول ما
هي
الاشياءالتي لا تعد من التنمية الاقتصادية؟((92)).
ويرى ان التنمية الاقتصادية اعمق من الازدهار والتطور، وانه يمكن القول: انها تمثل
الازدهار مضافا اليه التغيير والتحول.
اما «تودارو» فيعتقد بان التنمية قضية ذات عدة
اركان،
وتستلزم تحولات جذرية في الهيكلية الاجتماعية،
ونمط تفكير
عامة الافراد والمؤسسات وكذلك تؤدي الى دفع عجلة
الرخاء
الاقتصادية والتقليص من حالة اللامساواة،
وبالتالي اجتثاث
جذور الفقر والحرمان الذي تعاني منه معظم شرائح
المجتمع((93)).
ثم يتطرق «تودارو» للتنمية في موضع آخر، فيراها
تمثل الازدهار والنهوض المتواصل للمجتمع نحو الغد المشرق والحياة الافضل التي
تسودها العلاقات الانسانية الاعمق((94)).
طبعا
يبقى السؤال عن «الافضل»، وهو السؤال الحي
الذي يشغل الذهن البشري طوال التاريخ، ان قدمه
يعود لقدم
الفلسفة والنوع البشري. الا ان «تودارو» يعتقد بان
ذلك عبارة
عن قدرة توفير الحد الادنى من اسباب العيش، اضافة
الى
التمتع بعزة النفس والحرية في الاختيار((95)).
اما «تيرل وال» وعلى ضوء آراء مشاهير مفكري
الاقتصاد
والتنمية من قبيل «ولت»و«آمارتياسن» فانه
يعتقد بان
التنمية تقع حيث يطال ويشمل التحول والتطور
ميدان الحاجات والمتطلبات الضرورية، ويسود الرقي
والازدهار
الاقتصادي قطاعات الحياة كافة، حيث تتجسد في ظله
عزة
المجتمع وكرامته، الى جانب النهضة المادية التي
تلقي بضلالها
على جميع مرافق الحياة((96)).
لم ترد مفردة التنمية في القرآن الكريم الا ان
مرادفاتها ومشتقاتها قد ذكرت في عدة مواضع منه، من قبيل: «الواسع»، «الواسعة»،
«السعة»، «الوسع»، و«الموسع»، وهي مفردات تشير الى معنى مفردة «التنمية» التي
نتحدث عنها.
اما الرشد، او التقدم، فقد استعملت بعض مفرداته
للتعبير عن الهداية والنجاة، الصلاح والكمال المنشود؛ بالالفاظ: «رشد»، «الرشد»،
«الرشاد»، «المرشد»،و«الراشدون»((97)).
لقد وردت مفردة «الرشد» مقابل «الغي» في الاية
256 من سورة البقرة التي قالت: (قد تبين الرشد من الغي...)، حيث فسرت كلمة الرشد
بالطريق القويم والصراط المستقيم، بينما فسرت كلمة الغي بانها تمثل طريق الانحراف
الذي يقابل الطريق المذكور((98)).
اما كلمة «الراشدين» فقد اراد بها القرآن
الكريم اءولئك الافراد الذين ما رسوا الايمان والتقوى، فحظوا بالهداية والسعادة،
وقد عبر عنهم القرآن بالاية الكريمة: (واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة
الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة/186].
وقد استعملت في موضع آخر من القرآن الكريم
بمعنى سلوك الايمان والتقوى،ومناهضة الكفر والفسق والعصيان: (... حبب اليكم الايمان
وزينه في قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون)[الحجرات/7].
لقد وردت مفردة التنمية في علم الاقتصاد بما
يجعلها اوسع دائرة من الرشد (الازدهار)،في حين عدت التعاليم القرآنية الاسلامية
المجتمع الراشد (المزدهر) اسمى وارقى من المجتمع «التنموي» الذي يعيش حالة
التنمية.
والذي نريد ان نخلص اليه، في هذا المجال، هو
انه لا يمكن سبر غور «التنمية»و«الرشد او الازدهار» والوقوف على كنههما من خلال
التعرض بالدرس والتحليل لمعانيهما ومفاهيمهما اللغوية، وافضل سبيل لادراك هذه
الحقائق هو الغوص في كلمات الامام(ع) الواردة في شان التنمية واركانها الاساسية التي
تعتمد عليها. اركان التنمية ودعائمها في كلمات الامام علي(ع) الدنيا والتكالب عليها من منظور الامام علي(ع)يعتقد بعضهم ان عليا(ع) هو الاكثر، من بين الائمة(ع)، الذي تحدث عن ذم الدنياوالحط من شانها، حتى ان الشهيد المطهري صرح بان عليا لم يول موضوعا اهمية كتلك التي اولاها للدنيا. وقد استفاضت احاديثه في ذمها والتحذير منها، «بل لم يتحدث رسول الله(ص) ولا سائر الائمة(ع) بهذا القدر في شان غرور الدنيا وخداعهاوتقلبها وآفاتها ومساوئها، والاخطار الناجمة عن جمع الاموال والثروة ووفور النعمة والاشتغال بالدنيا والتكالب عليها»((99)).
وهذا الكلام صحيح، الا انه يتطلب بعض البسط
والتوضيح. فلا بد من الالتفات هنا الى امرين: الاول - شروط الزمان والمكان التي
اطلقت فيها تلك الكلمات، الثاني - لاينبغي اهمال كلماته(ع) التي صرحت باهمية الاموال
والثروات وضرورة استثمار المصادروالامكانات التي افاضها الله على الناس.
فقد ضم نهج البلاغة - هذا السفر الخالد - نوعين
من التعابير في شان تقييم الدنيا، يختلف احدهما عن الاخر، فاولهما يؤكد تفاهة
الدنيا ووضاعتها، من قبيل قوله(ع):
«يا دنيا، يا دنيا اليك عني، ابي تعرضت... قد طلقتك
ثلاثا لا
رجعة فيها»((100)). و«حب الدنيا راس كل
خطيئة». وثانيهما
ينطوي على المدح والثناء للدنيا مع الاشارة في
الوقت نفسه
للتذكير بالاخرة والدعوة اليها. ومن ذلك قوله: «ان
الدنيا دار
صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى
لمن
تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها.مسجد احباء
الله، ومصلى
ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر اولياء
الله»((101)).
وقد دخل(ع) على العلاء بن زياد الحارثي
- وهو من
اصحابه يعوده، فلما راى سعة داره قال: «ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا،
وانت اليها في الاخرة كنت احوج؟ وبلى ان شئت بلغت بها الاخرة، تقري فيها الضيف،
وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فاذا انت قد بلغت بها الاخرة».
فقال له العلاء: يا امير المؤمنين، اشكو اليك
اخي عاصم بن زياد. قال: «وماله»؟ قال:لبس العباءة وتخلى عن
الدنيا. قال: «علي به». فلما جاء، قال له: «يا عدي نفسه! لقداستهام بك الخبيث! اما
رحمت اهلك وولدك؟! اترى الله احل لك الطيبات، وهويكره ان تاخذها؟! انت اهون على
الله من ذلك!».
قال: يا امير المؤمنين، هذا انت في خشونة ملبسك
وجشوبة
ماكلك!
قال: «ويحك، اني لست كانت، ان الله تعالى فرض على
ائمة
العدل ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ
بالفقير
فقره!»((102)).
ومما تقدم من كلمات الامام(ع)
يمكن التوصل الى نتيجة مفادها ان الدنيا ليست مذمومة لذاتها، وان الامام(ع)
لم يهدف الا الى التحذير منها والتذكير بالمعنويات والتقوى والفضيلة واداء الحقوق
الاجتماعية. وعليه، فلم يكن هدف الامام الحط من قدر الدنيا كما فهم ذلك الاعم
الاغلب، بل هدف الى لفت الانظار الى سمو القيم المعنوية التي لم تحظ بالاهتمام
المطلوب.
القضية الأخرى التي تطرق لها الشهيد المطهري،
كانت تكمن في الخطر العظيم الذي كان يتفاقم آنذاك، والذي يمكن تلخيصه في ما كانت
تتمخض عنه الفتوحات الواسعة التي قام بها المسلمون، الامر الذي جعل طائفة منهم تحوز
اموالا وثروات جمة عظيمة،وبدلا من ان تنفق تلك الاموال والثروات في المصارف العامة
المشروعة التي تسهم في رفاه المجتمع وازدهاره، اصبحت في حوزة بعض الافراد والشخصيات
المعينة؛ الامرالذي جعل الاءمة تشهد حالة خطيرة من عدم المساواة لم تشهدها من قبل.
وفي ظل هذه الاوضاع والظروف، انبرى الامام علي(ع)
ليتحدث عن غرور الدنياوخداعها وفنائها وتقلب
احوالها، الى
جانب سكر النعمة الناشى من الانغماس بشكل مفرط في
الدنيا
والتكالب على لذاتها وشهواتها. ويرى الشهيد
المطهري ان
كلماته(ع) كانت موجهة الى ظاهرة اجتماعية خاصة، برزت
على اثر
تاليه الدنيا والعكوف عليها((103)).
من جانب آخر، فان الامام عليا يعتقد بان ظهور
الفقر واستفحاله لهو من آثار الثراءالفاحش الذي يمارسه المتكالبون على حطام الدنيا
ومتاعها. فقد قال في هذا الشان: «ان الله سبحانه فرض في اموال الاغنياء اقوات
الفقراء، فما جاع فقير الا بما متع به غني،والله تعالى سائلهم ذلك»((104)).
فالفقر والحرمان مما يفرزه سوء التوزيع الذي
تمارسه الحكومة، وغفلتها عن تحقيق العدالة الاجتماعية، العدالة التي ينبغي ان
تتناسب وحجم الاعمال والجهود من جانب، وتنسجم وتلبية حاجات ومتطلبات الافراد وفق
البرامج الاسلامية في التوزيع من جانب آخر.
ان الامام عليا(ع) لم يكن ليعارض الدنيا ومتاعها قط،
بل كان
كلامه منسجما مع الظروف والاوضاع التي يعيشها
المجتمع،
فنراه - مثلا - يتعرض لوصف ما يجب ان تكون عليه
الاوضاع في
الظروف الطبيعية عندما يتحدث - عن اوضاع المتقين
بوصفها
حالة انموذجية للمجتمع الاسلامي - الى محمد بن ابي
بكر حين
ولاه مصر والى ولاته في سائر الولايات الاسلامية،
بان يمارسوا
حلالها على حد الكفاف، وان ياكلوا منها افضل ما
يؤكل، ويسكنوا
في بيوتها بافضل ما يسكن، وان يتمتعوا بكافة
الامكانات
والوسائل المتوافرة لديهم، فيقول(ع): «فشاركوا اهل
الدنيا في
دنياهم، ولم يشاركوا اهل الدنيا في آخرتهم؛ سكنوا
الدنيا
بافضل ما سكنت، واكلوها بافضل ما اكلت، فحظوا من
الدنيا
بماحظ ي به المترفون، واخذوا منها ما اخذه
الجبابرة
المتكبرون؛ ثم انقلبوا عنها بالزادالمبلغ...»((105))، بل هذا ما اكده القرآن الكريم على لسان آياته، فقد قال في هذاالخصوص: (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده
والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل
الايات لقوم يعلمون) [الاعراف/32]. العمران والبناء والانتاج في كلام الامام علي(ع) لقد صرح القرآن الكريم، على لسان نبي الله صالح(ع)، مخاطبا قوم ثمود: (هو الذي انشاكم من الارض واستعمركم فيها) [هود/61]. وقد علق الشيخ مكارم الشيرازي، في تفسيره الامثل على هذه الاية، قائلا: ان «الاستعمار» والاعمار، في لغة العرب، يعني تفويض عمارة الارض لشخص، وهذا ما صرح به اللغويون في كتبهم، كالراغب في مفرداته، وبهذا قال اغلب المفسرين الذين تعرضوا لتفسير هذه الاية»((106)).
فالقرآن لم يصرح، في الاية، بان الله سبحانه
وتعالى قد عمر الارض وسخرها لكم، بل اسند هذه الوظيفة للناس ليجدوا ويجتهدوا في
استثمار امكاناتها والانتفاع بها.
لقد اكد الامام(ع)،
في عهده الذي عهد به الى مالك الاشتر، حين ولاه مصر، ان اهمية الخراج تتمثل في
انتفاع الاءمة به، ثم قال: «وتفقد امر الخراج بما يصلح اهله، فان في صلاحه
وصلاحهم
صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم الا بهم، لان
الناس كلهم عيال على الخراج واهله. وليكن نظرك في
عمارة
الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لان ذلك لا
يدرك الا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير
عمارة اخرب البلاد،
واهلك العباد، ولم يستقم امره الا قليلا»((107)).
وقد استهل عهده قائلا: «هذا ما امر به عبدالله علي
امير
المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه، حين
ولاه
مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح
اهلها، وعمارة
بلادها»
((108)). ويمكن تلخيص النقاط المهمة الواردة في ذلك العهدفي ان ميزانية الدولة ينبغي ان
تنشط في ثلاثة محاور هي:
وقد ورد في ذلك العهد ايضا:
ونلاحظ بوضوح قضية التاكيد على العمران الذي يعد الدعامة الاصلية لرفاه المجتمع.
النقطة الأخرى التي اولاها الامام علي عنايته
الفائقة هي بسط
العدل والقسط بين افرادالمجتمع، وهو ما يسهم بصورة
مباشرة
في نيل ذلك الرفاه الذي ينشا على اثر
العمارة والبناء. فقد قال
في هذا الشان: «فان العمران محتمل ما حملته، وانما
يؤتى
خراب الارض من اعواز اهلها، وانما يعوز اهلها
لاشراف انفس
الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة
انتفاعهم
بالعبر»((110))، وقد روي في الكافي عن امير المؤمنين
انه قال: «فمن احيا ارضا من المسلمين فليعمرها
وليؤد خراجها
الى الامام... فان تركها اواخربها واخذها رجل في
المسلمين من
بعده فعمرها واحياها، فهو احق بها من الذي تركها...»((111)).
تشير هذه المطالب بوضوح الى الاهمية القصوى
التي كان يوليها اميرالمؤمنين(ع) لقضية العمران. وعليه فالهدف الاصلي هو ترغيب
الامة بالعمارة والبناء، والحق ليس هذا الاغيض من فيض السياسات العلوية التي ادت
الى اتساع قضية الاعمار وبلوغها ذروتها.
وعليه، فاذا ما التفتنا الى رؤية الامام للدنيا
بصورة عامة ولقضية العدالة بصورة خاصة،سنلاحظ مدى الانسجام والتفاعل بين هذه
الاركان المؤلفة للتنمية على ضوء المبادى الاسلامية. يمثل العلم والتعلم قيمة انسانية عند الامام علي(ع)؛ وذلك انه يربو ويزداد عند الاستفادة منه، على العكس من المخزون المادي الذي ينقصه الاستعمال والاستهلاك، فقد قال(ع):
«يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك
وانت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق، وصنيع المال يزول
بزواله. يا كميل، هلك خزان الاموال وهم احياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر،
اعيانهم مفقودة وامثالهم في القلوب موجودة»((112)).
فابرز اختلاف اشار اليه(ع)
هو نقصان الرصيد المادي واضمحلاله من جراء الاستعمال والاستهلاك، في حين يتضاعف
الرصيد الانساني المعنوي على اثر الممارسة والاستفادة. الى جانب ذلك، فان الاسلام
لا يرى من قيمة انسانية للعلم بصورة مستقلة لذاته، ما لم يتوج باستثماره من قبل
المجتمع لينتفع به، ولا يوصف بالعلم الا أولئك الذين يمارسون عمليا ما بحوزتهم من
علوم.
وقد ورد تاكيد نهج البلاغة على العلم والتعلم في ظل
تلك
الاجواء التي كانت تسودالمجتمع الحجازي، والتي
يصورها(ع) في
اروع بيان حين قال: «وليس احد من العرب يقرا كتابا»((113)).
آنذاك تعرض الامام لتلك القضية على انها تمثل حقا: «ايها الناس...ولكم علي حق...
وتعليمكم كيلا تجهلوا وتاديبكم كيما
تعلموا»((114)).
ان الامام(ع) قد سار على خطى رسول الله(ص) الذي
حث على العلم حين قال: «اطلب العلم من المهد الى اللحد»، و«طلب العلم فريضة على كل
مسلم ومسلمة»، فكان يقول: «ان من حق الابناء على الاباء تعليمهم وتاديبهم
و(يعلمه الكتاب...)».
القضية المهمة التي ينبغي الانتباه اليها، في
هذا الخصوص، هي ان الفلسفات والنظريات الغربية نظرت الى الانسان بوصفه كائنا ماديا
لا غير، الامر الذي جعل مذاهبها الفكرية تعيء الاولوية للفرد وتمنحه الاصالة، في
حين شملت النظرة الاسلامية التي جسدهانهج البلاغة الفرد بابعاده كافة، فكانت القيم
الانسانية، والقضايا المعنوية الى جانب نزعاته وميوله المادية.
فالانسان الكامل، الذي رسم نهج البلاغة صورته،
هو خليفة الله ووليه: «ولهم خصائص حق الولاية»((115))،
«اولئك خلفاء الله في ارضه»((116)).
فمثل هؤلاءالافراد يتمتعون بقدرات فائقة، «وهم كنوز الرحمن»((117)).
بل يراهم(ع) عقلاء، والعاقل عند الامام(ع): «هو الذي
يضع الشيء
مواضعه»((118)). احرار ذوو ارادة واختيار،
ليسوا عبيدا
لغيرهم، وذلك ان الله خلقهم احرارا: «ولا تكن عبد
غيرك وقد
جعلك الله حرا»((119)).
ويرى آية الله الشيخ حسن زاده آملي ان الامام(ع)، في
نهج البلاغة،
قد تعرض في اكثر من مئة اربعين موضعا لخصائص اولياء
الله
وصفاتهم، بمن فيهم الرسل والانبياء
والاوصياء، والتي تمثل
المبادى والاءصول الاسلامية السامية((120)). يعد العمل، في مختلف المجالات، من قبيل الانتاج وتوفير السلع والبضائع الاستهلاكية والخدمات التي تقتضيها متطلبات المجتمع وحاجياته، من العناصر المهمة في عملية التنمية.
لقد علق العالم الجليل عبد الواحد بن محمد التميمي
الامدي
على قول الامام: «آفة العمل البطالة» بان الانسان
قد يعتاد
الخمول والبطالة، فاذا فعل ذلك اخلد الى
الراحة والدعة، وبذل
قصارى جهده ليناى بنفسه بعيدا عن الاعمال ذات
الطبيعة
الانتاجية،والتي تنطوي ممارستها على نوع من العناء
والجهد
والتعب، فاذا ما انهمك في عمل لم يكن همه سوى
الفراغ منه
بغض النظر عن جودته واتقانه، وعليه فلا ينبغي للفرد
ان يجعل
الشعور بالميل للبطالة والقعود عن العمل يتسرب الى
قلبه((121)).
الى جانب ذلك، فقد وردت تاكيداته على التخصص وكسب
المهارات؛ فهو لا يحبذممارسة الفرد لجميع الاعمال
على
مرور الزمان، وينهى عن ذلك، مصرحا بخسارة من «يومى
الى
متفاوت» وخذلانه وعجزه عن الظفر بغايته، يقول: «من اوما الى متفاوت خذلته
الحيل»((122)). ثم يوصي بالاتيان
بالاعمال
بدافع الرغبة والمحبة، فالعمل عبادة، ويقول: «قليل
مدوم عليه
خير من كثير مملول منه»((123)).
وقال(ع) ايضا: «ابواب الرزق مؤصدة، الا فافتحوها
بالعمل، فان العمل يجلب البركة».
لقد كان(ع) يعمل بيده لتعود ثمار عمله على الامة
فتنتفع بها،
وهذا ما يمكن ملاحظته بكثرة في سيرته العملية،
والامثلة على
ذلك كثيرة، فقد روي انه كان يتفقد البساتين،
ليقف ذات يوم
على قناة كان قد حبس فيها الماء، فتناول مسحاته
واشتغل بها
حتى تصبب عرقه، ثم تمكن من فتحها فلما جرى ماؤها،
دعى
بدواة وقلم، ثم اوقفها على فقراء المدينة((124)).
كان غالبا(ع)
ما يؤكد على الموازنة والاعتدال في شان العمل والعبادة والراحة فقال(ع):
«للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يرم معاشه، وساعة يخلي بين نفسه
وبين لذتها في ما يحل ويجمل. وليس للعاقل ان يكون شاخصا الا في ثلاث: مرمة لمعاش،
او خطوة في معاد، او لذة في غير محرم»((125)).
ان عليا(ع)
بالرغم من كونه خليفة المسلمين، وبحوزته بيت مالهم، الا انه كان يعمل، ولم يكن
يكتفي بالاكل من كد يده، بل كان يطعم الجائع ويكسي العريان، ويعتق الرقيق لوجه
الله. وقد نسب اليه قوله:
لحمل الصخر من قلل الجبال
يقول الناس لي: في الكسب عار،
وقد نسب اليه ايضا قوله: من كان لديه الماء
والتراب، ثم بقي فقيرا، فليعلم ان الله طرده من رحمته.
لقد وصف(ع) الفقر باسوا العبارات والكلمات، ومن
ذلك انه اوصى ولده محمد بن الحنفية قائلا: «يا بني، اني اخاف عليك الفقر، فاستعذ
بالله منه، فان الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت»((126)). وعبر عنه في موضع آخر بانه
الموت
الاكبر، فقال(ع): «الفقر الموت
الاكبر»((127)).
وقد روي عنه ايضا انه قال للحسن(ع):
«يا بني، من ابتلي بالفقر ابتلي باربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقة في
دينه،وقلة
الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر»((128)). فهو يذم الفقر من جانب، ويحث على السعي والعمل من جانب آخر.
وفي الوقت نفسه يرى(ع) ان وظيفة الدولة
الاسلامية، في قضاء حوائج الفقراء تتمثل في ازالة الفقر عنهم وهنا تبرز عظمتها
وخطورتها. ومن هنا نكتشف عمق نظرة الامام(ع)
لقضية التنمية التي تنشدها الرؤية الاسلامية.
فالأفراد لا بد من ان ينظروا الى الفقر على انه
مناهض للقيم والمثل، فيسعون بجدواجتهاد لضمان معاشهم وتامين متطلبات حياتهم
الاجتماعية، فان تعذر ذلك بسبب بعض الشرائط التي لم تمكنهم من حل مشاكلهم، واجتياز
الصعاب التي تكمن في طريقهم، جاءت وظيفة الدولة التي تكمن في تلبية حاجتهم
ومتطلباتهم، آنذاك ستتوافر اسباب الراحة والرفاه والسعادة التي يصبو اليها المجتمع.
روى الشيخ الحر العاملي انه مر شيخ مكفوف كبير
يسال، فقال اميرالمؤمنين(ع):
«ما هذا؟» قالوا: يا اميرالمؤمنين نصراني، فقال اميرالمؤمنين(ع):
«استعملتموه حتى اذا كبر وعجز منعتموه، انفقوا عليه من بيت المال»((129)). ان حرية الاختيار والارادة تعد احدى الدعائم الاساسية التي تؤدي دورا مهما في قضية التنمية، وقد ذهب بعضهم الى ابعد من ذلك، فراى ان حرية الاختيار والتنمية الاقتصادية تمثلان الانبثاق الواقعي لمدى سعة الحريات الانسانية وشمولها. ومن هناتاتي ضرورة مناقشة مسالة الجبر والاختيار والاعتقاد بالقضاء والقدر التي يمكن ان تؤدي دورا مهما في دفع عجلة التنمية.
فقد ذهب بعض المستشرقين الى ان العلة الرئيسية
التي ادت الى تخلف المسلمين وانحطاطهم انما تقف وراءها قضية الاعتقاد بالقضاء
والقدر. وقد خلصوا الى نتيجة مفادها ان مثل هذا الاعتقاد جرد الانسان من ارادته
وحريته. فافكاره ومعتقداته تملي عليه الاقتناع بعدم جدوى بذل الجهد والسعي والحركة،
فجميع الامور عائدة للهمستندة لارادته ومشيئته، فان كان فقيرا راى ان فقره من جانب
الله، وان كان عاطلا قاعداعن العمل فليس هناك ما يدفعه للبحث عن العمل، بالرغم من
تحمله الذل والهوان، فهويعتقد بان ارادة الله هي التي اقتضت ذلك.
طبعا ان ما ذكره هؤلاء المستشرقون لا يمثل
الحقيقة كلها، وليس الامر بهذا الشكل من ان الاعتقاد الصحيح بالقضاء والقدر يسوق
الى هذه الحالة انما الفهم الخاطى عندبعضهم ادى الى بروز هذه النظرة السلبية
للقضاء والقدر.
بشكل عام، نخلص، بالنتيجة، الى ان احد اهم
عناصر التنمية، وهو الجهد الانساني، قدعطل عن العمل وشلت حركته نتيجة التسليم
للقضاء والقدر، الامر الذي يوقف عجلة التنمية.
من جانب آخر، نلاحظ ان هناك ارتباطا بين
العدالة ومبحث الجبر والاختيار؛ وذلك لان التكليف والثواب والعقاب انما تكتسب مفهوم
العدالة فيما اذا كان هناك اختياروارادة، والا فلو كان الانسان مجبرا مسلوب الحرية
والارادة فان الثواب والعقاب والتكليف ستفقد مفاهيمها. نعم ان كان المراد بالجبر
والقضاء والقدر هو المصيرالمحتوم والمعد مسبقا والذي سيبلغه الفرد - والاءمة - شاء
ام ابى، فان مثل هذا المفهوم للقضاء والقدر انما يتنافى والتنمية المتعارفة اليوم في
عالمنا المعاصر. غير ان رؤية الامام علي بن ابي طالب الى هذه المسالة تختلف عما
ذكروا، وقد صرح قائلا:«طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا
تتكلفوه»((130))، وقد اجاب
الرجل الشامي الذي ساله: اكان مسيرنا هذا الى الشام
بقضاء من
الله وقدره؟ قائلا: «ويحك! لعلك ظننت قضاء لازما
وقدرا حاتما!
ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد
والوعيد. ان الله سبحانه امر عباده تخييرا،
ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، واعطى على القليل كثيرا،
ولم يعص
مغلوبا،ولم يطع مكرها...»((131)).
ان الفلسفة الاسلامية ترى ان ارادة الفرد
والامة واقعة ضمن العلل الطبيعية التي تقررمصيرها، وبعبارة اخرى فان الفرد - او
الامة باختياره وارادته يصنع ذلك المصير،وهذا يتعارض تماما وما قيل سابقا من ان
هناك مصيرا محتوما لا بد للافراد او الامة من بلوغه، وذلك انه عين مسبقا، بالشكل
الذي لم يعد للفرد او الامة ادنى تاثير عليه.
وعلى ضوء ما صرح به الشهيد مرتضى المطهري، فان كان
المقصود بالمصير والقضاءوالقدر هو انكار الاسباب
والمسببات،
ومنها الارادة والاختيار، فان هذه العقيدة
مرفوضة جملة
وتفصيلا في الاسلام وتعاليمه السمحاء، والرؤية
الاسلامية
للانسان هو انه خلق حرا ثم زوده الله بالعقل
والفكر والارادة،
فهو ليس جسما طافيا لاحول له ولا قوة،تتقاذفه
الرياح حيثما
شاءت كالحجر الذي يسقط نحو الارض بفعل الجاذبية شاء
ام ابى، بل ديدنه الاختيار في الامور كافة((132)). وهذه النظرة الى القضاء والقدر التي ترى لارادة الانسان واختياره بالغ الاثر في
صنع القرار، لا تتعارض قط والمفهوم الشائع المتعارف للتنمية، بل بالعكس يمكنها ان
تؤدي دور العامل المساعد الذي يسهم في دفع عجلة التنمية، وذلك ان عقيدة الانسان
بالله سوف تسوقه لاقتحام الصعاب، وعدم التسليم والقعود والنكوص امام مطبات الحياة
ومعتركاتها الشائكة. نحو منهج جديد للدراسات الاسلامية د. فوزي كمال ادهم تمهيد
ابتليت هذه الامة، منذ عهود طويلة، بجماعات
كانت ولا تزال تعمل، في الخفاء والعلن،على ضرب كل تقدم وكل تحرر فيها، وقد كان
الدافع لهذه الجماعات اما الحقد اوالت آمر او الجهل، وفي جميع الحالات فقد تمكنت،
خلال الزمن، من ارساء قواعد ثابتة لها بحيث اصبحت كانها من ثوابت هذه الأمة.
والحقيقة ان هذه الجماعات اتخذت من الدين ستارا
وطريقا للوصول الى اهدافها، لان الدين هو اقرب الطرق الى قلوب الناس، واخذت تنفث
سمومها في عقول الناس واذهانهم، تارة بالترهيب وتارة بالترغيب، حتى اخذنا نرى
تيارات الجهل وقد سادت في مجتمعاتنا.
ومن أهداف هذه الجماعات التضليل العلمي
والاجتماعي والسياسي بغية الوصول الى انسان عربي جاهل ومستسلم لارادتها، بحيث يمكن
توجيهه وفقا لرغباتهاوتطلعاتها.
ومن الامثلة، على ذلك، طرح هذه الجماعات فكرة الحكم
السياسي من خلال الخلافة كانها من الثوابت
الدينية، في حين
ان العالم المحايد الراصد للتاريخ يرى انه كان في
مصر في
القرن الثاني عشر الميلادي، مثلا، خليفة او حاكم هو
الحاكم
الفاطمي العاضد، وكان في بلاد الشام السلطان نور
الدين
زنكي، وفي بغداد الخليفة العباسي المستضيء
بالله، وفي
الاندلس كان الحكم الاموي، وفي المغرب كان هناك
سلاطين((133))،
أي أنه لم يكن هناك خليفة واحد في الوقت نفسه؛ الامر الذي يدحض اضاليل هذه الجماعات
وينفي فكرة الخلافة من اساسها، لا بل ينفي فكرة الحكم السياسي برمته.
وبعد، فقد وقع اختياري على موضوع يتعلق بمنهجية
البحث في الدراسات الاسلامية،واوضح ان هذا الموضوع قد استاثر باهتمامي بصورة خاصة
لملاحظتي ان مظاهرالجهل الديني بدات تتفشى بصورة متمادية في المجتمع اللبناني،
واعيء
امثلة لذلك:
1- احد خطباء المساجد يورد حديثا مفاده ان الخلافة
امر ضروري لتقدم المسلمين، في حين ان من يراجع التاريخ الاسلامي يجد انه، في
المرحلة نفسها من التاريخ، كان هناك عدة حكام كما ذكرنا قبل قليل.
2- خطيب آخر يورد، في خطبة الجمعة، ان مكة هي مركز
العالم الجغرافي، من دون ان يذكر المرجع او الدليل بحسب خطوط الطول والعرض التي
نعرفها.
3- خطيب آخر يقول: ان الله لا ينظر الى وجه كل
حليق يوم القيامة، ومن تتبع هذا الحديث ظهر لي انه ورد على لسان الرسول(ص) لتمايز
المسلمين من اليهود.
4- خطيب آخر يورد ايضا حديثا مفاده ان النطيحة، اي
الحيوان الذي ينطح، كالثور، مثلا،تسال يوم القيامة اذا نطحت حيوانا وقتلته، ملغيا
بذلك جميع المبادى الاسلامية المتعلقة بالتكليف.
هذا الكلام الذي سمعته، ونسمعه كل يوم من جهات
اسلامية مختلفة، دفعني الى التفكير في مسالة المنهجية في البحث الاسلامي، اذ لا
يجوز مطلقا اطلاق الاحكام من دون منهج واضح، فلا بد من ضوابط ومعايير، ولهذا فقد
قررت الخوض في موضوع المنهج الحديث الذي سيكون موضوعنا هنا.
ابادر الى التوضيح، منذ البداية، فالمنهج الذي
ساتولى عرضه لا علاقة له البتة بالعقائدوالعبادات، انما يتصل بالمعاملات فقط.
على الرغم من مضي اكثر من اربعة عشر قرنا على
بداية الاسلام، فان العقل الاسلامي لم يضع منهجا واضحا محددا لتفسير آيات القرآن
الكريم، او لبيان الناسخ والمنسوخ من هذه الايات، او لنظام وقف العمل ببعض احكامه
او على الاقل لتعريف الفاظ القرآن الكريم، كذلك لم يضع منهجا عقليا يتعلق بالاحاديث
النبوية وبيان ما هو دائم منها وما هو مؤقت.
ان من أسوا ما ابتلي به العقل الاسلامي هو ذلك
الفصام الشديد
الذي يضرب في اعماقه، ويخالط جميع اعماله ويجعله
منقسما
على نفسه غائبا عن الحقائق، غير قادرعلى ادراك
الواقع، فهو
يقول غير ما يفعل، ويتصور ما لا اصل له في الحقيقة،
وينزع
الى المبالغة والتعميم، ويعتدي على كل من يدعوه
الى العلاج
والاصلاح((134)).
ان تحديث العقل الاسلامي لا يمكن ان يتم الا عبر
منهج علمي
واضح يقوم على ثلاثة محاور:
والمنهجية هي الخطة التي يعتمدها علم ما في
تحقيق اهدافه، فتتضمن البحث عن المعطيات الاساسية التي يتالف منها موضوع هذا العلم،
وجمع المعلومات عنها وتحليلهاوالكشف عن ميزاتها ومقارنتها بالمعطيات الاخرى
المشابهة او المحيطة بها ومعرفة القوانين الطبيعية التي تسود وجودها وتفاعلاتها.
ذلك كله، في سبيل توفير رؤية واضحة لتلك المعطيات وفهم لاوضاعها يمكن الباحث من
التصرف بها وفقا لمتطلبات الرسالة التي يسعى الى تحقيقها من خلال الموضوع الذي يبحث
فيه.
وبديهي ان تختلف وسائل البحث العلمي باختلاف
الموضوعات، فالبحث في الظواهرالاجتماعية وترابطها يختلف عن البحث في العلوم
الطبيعية، الا ان قاسما مشتركا يجمع بين هذه الوسائل من حيث انها تنطلق من مرتكز
واحد هو المراقبة العلمية.
ان كل حدث طبيعي او اجتماعي او انساني بحاجة الى
مراقبته
اولا بغية تمييز مواصفاته وتطوراته وتفاعلاته،
ومن هذه
المراقبة ينطلق الباحث الى التحليل حتى يتوصل
الى القوانين
التي تسود هذا الحدث((135)).
ونحن، في حاضرنا الاسلامي، رومانسيون وعاطفيون
بمعنى الدفعة الغريزية والنفور من كل ما يحيط بالتفكير العقلي من ضوابط وحدود،
والرومانسية في جوهرها تضيق بالقواعد والقوانين، فوسيلة الرومانسي في الادراك تتمثل
في وجدانه لا في منطق عقله، فما ينبض به قلبه هو الحق اما ما يمليه منطق العقل فانه
يقذفه بعيدا اذا جاء مخالفا لماتميل اليه العاطفة. المشكلة الحقيقية تتمثل في نشر طريقة استخدام
المنهج العلمي، والعصور تتميز من بعضها بعضا، لا بمقدار المعرفة المتداولة، بل بمنهج
التفكير في كل منها.
سنحاول، في هذا البحث، ان نبلور مشروعا لمنهج
علمي جديد في الدراسات الاسلامية، وهذا المنهج يقوم، كما قلنا، على ثلاثة محاور:
موضوع العقل الاسلامي وآلية عمل هذا العقل والبحث المقارن.
ما هو
موضوع العقل الاسلامي؟ انه القرآن الكريم والسنة النبوية وكتب السير
والتراث.والمنهج الجديد الذي ندعو اليه يقوم على وجوب وضع تحديد واضح لتعريف
الفاظ القرآن الكريم، ولتفسير آياته، ولبيان الناسخ والمنسوخ من هذه الايات، او
لنظام وقف العمل ببعض احكامه، وكذلك تقويم الاحاديث النبوية، توصلا لبيان ما هو
دائم وما هومؤقت وبالنتيجة توصلا لاضاءة الطريق. هناك عدة مسائل، في هذا الصدد، منها ما يتعلق بالفاظ القرآن الكريم، ومنها ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، ومنها ما يتعلق بالنسخ في القرآن الكريم. ان الفاظ القرآن الكريم لا تحظ ى بتفسير جامع لمعنى اللفظ مانع من اي تداخل في فهمه. وهكذا اصبحت كل جهة تفسر الفاظ القرآن الكريم حسب فهمها وثقافتها وما تراه صالحا.
هنا نرى ضرورة اعمال المنهج الجديد في البحث في
الدراسات الاسلامية بحيث يقتضي التمييز بين المعنى الاصلي للفظ وبين المعنى
التاريخي. وبالتالي التمسك بالمعنى الاصلي للفظ وبناء النتائج والاحكام على هذا
الاساس. يعني لفظ الشريعة، في القرآن الكريم، وفي معاجم اللغة العربية، المنهج او السبيل اوالطريق، وما يسمى بالشريعة الاسلامية هو في الواقع «الفقه الاسلامي»، وهذا الفقه هوالذي شرع عبر التاريخ في مسائل الاحوال الشخصية والمسائل المدنية والتجارية والمسائل الجنائية.
ان احكام القوانين العربية في الاحوال الشخصية
ماخوذة نصا من الاحكام التشريعية في القرآن الكريم والسنة النبوية ومن آراء
الفقهاء، واحكام القوانين المدنية والتجارية مطابقة جميعا لاحكام الفقه الاسلامي
فيما عدا مسالتي الفوائد على الديون وعقودالتامين، وهما مسالتان في حاجة الى بحوث
علمية واجتهادات فقهية تقوم على اساس سليم لا على جدل سياسي.
فاذا كانت احكام القوانين العربية مطابقة
لاحكام الشريعة الاسلامية، واذا كان المقصودبالشريعة هو الفقه الاسلامي وآراء
الفقهاء المسلمين، فان تطبيق هذا الفقه او عدم تطبيقه ليس من شانه ان يضفي عليها
اوصاف التسييس الديني بالكفر او الايمان.
هنا ايضا يقتضي اعمال المنهج الحديث في التمييز
بين ما هو شريعة وما هو آراء فقهاء. ورد لفظ المصانع في القرآن الكريم، وهو يعني خزانات المياه، اما المعنى التاريخي لهذا اللفظ فهو ما يعرف الان بالمعامل والمنش آت الصناعية. ان التفسير، وفقا لاسباب النزول، يمكن ان يقارن بالتفسير وفقا للاعمال التحضيرية بالنسبة للقوانين الوضعية التي تبين اسباب وضع النص القانوني وظروف وضعه والاقتراحات والتعديلات المختلفة، في صدده، الى ان خرج هذا النص بصيغته النهائية، بحيث انه لا يمكن فهم ابعاده القانونية والوضعية، وبالتالي وضعه موضع التطبيق من قبل القاضي، او الجهات الاخرى المطبقة للنص، من دون الاحاطة بالاعمال التحضيرية.
وما ادعو اليه في سياق المنهج الجديد في
الدراسات الاسلامية هو الاخذ باسباب التنزيل بالنسبة للقرآن الكريم في عملية تفسير
آياته، لان الخطا في تفسير القانون يستتبع طرقا للمراجعة من شانها العمل على تصحيح
هذا الخطا، في حين ان الخطابالنسبة لتفسير آيات القرآن الكريم ومن ثم في تطبيقها،
امر خطير من شانه ان ينعكس سلبا على فكر المجتمعات وتنظيمها، وهذا ما حصل بالفعل. ان آية: (ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون) هي آية مقصورة على بعض يهود المدينة الذين ارادوا التحايل على حكم التوراة، بالنسبة لرجم الزاني والزانية،وبالتالي الوصول الى عدم تطبيق هذا الحكم. |
|
|---|---|