الا ان الخوارج قاموا
بتحريف معنى هذه الاية، واعطوها معنى
يتضمن حكما عاما ينطبق على المؤمنين، وظل هذا
الفهم
الخاط ى والخطير مسيطرا حتى يومنا هذا؛ حيث اخذت
به
بعض الجماعات، واتخذته شعارا سياسيا لها، في حين ان
لا
اساس مطلقا لهذا التفسير الذي يستند الى منهج
الخوارج
السياسي لا الى المنهج الاسلامي الصحيح.
ان قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» هي
قاعدة
خاطئة ترتكز على تفسيرآيات القرآن الكريم خلافا
لاسباب
التنزيل، وبالتالي تؤدي الى ايجاد قواعد
ومبادى بعيدة عما جاء في نصوص القرآن الكريم.
ان الاخذ بقاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب» من
شانها الافضاء الى قواعد
ومبادى متناقضة».
ولناخذ، مثالا على ذلك، آية: (يا بني اسرائيل اذكروا
نعمتي
التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين)
[البقرة/2-47]
وآية: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا
قلوبهم قاسية) [المائدة/5-13].
ان تفسير هاتين الايتين، وفقا لمنهج الخوارج
باعتماد قاعدة
«العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب»، من شانه ان
يؤدي الى
اعتبار ان بني اسرائيل مفضلون من الله على جميع
الناس
اطلاقا، وانهم في الوقت نفسه ملعونون، وهذا تفسير
متناقض اذ
لا يمكن ان يكون اليهود مفضلين على جميع الناس، وفي
الوقت نفسه ان تلحق بهم اللعنة، الا ان التفسير وفقا للمنهج الحديث الذي ادعو
اليه، وهو نهج الاخذ باسباب النزول، يزيل هذا التناقض، ويبين ان الذين جرى تفضيلهم
هم يهود موسى وان من حاقت بهم اللعنة هم يهود المدينة الذين كانوا على عهد
الرسول(ص).
ان تفسير الايات، وفقا لاسباب التنزيل، من شانه
ربطها
بالظروف الواقعية، والعوامل التاريخية التي اقتضت
التنزيل، اما
التفسير وفقا لعموم اللفظ فمن شانه فصل هذه
الايات عن الواقع وعدم فهم علاقتها بالتاريخ.
وهنا تكمن اهمية ما ادعو اليه في اطار المنهج
الحديث الرامي
الى تحديث العقل الاسلامي. النسخ في القرآن الكريم هو حكم وارد في الاية: (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخيرمنها او مثلها) [البقرة/2-106].
الا انه ليست هناك نظرية عامة واضحة في صدد النسخ؛
الامر
الذي ادى الى جعل باب النسخ واسعا بحيث ان من يريد
ان
يلغي حكما من الاحكام يقول انه قد نسخ بآية اخرى. آيات حرية المعتقد في القرآن الكريم عديدة: (لا اكراه في الدين)[البقرة/25] (ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف/15].
واذا ما طبقنا المنهج الذي ندعو اليه، وهو التفسير
وفقا
لاسباب النزول نرى ان المقصود
بالقتال هم اهل مكة
على عهد
الرسول(ص)، وبالتالي فان الاية الاخيرة ليس
من شانها ان تلغي الايتين السابقتين، وهكذا تكون حرية المعتقد مكفولة في
الاسلام خلافالما هو سائد لدى بعضهم.
وهنا ندعو، في اطار المنهج الحديث، الى وضع نظرية
عامة
لقواعد وقف العمل ببعض الاحكام ونظامه وحالاته،
وصولا الى
تعزيز نظرية وقتية الاحكام، وفي هذا تكريس لتحديث العقل الاسلامي. أ- متن الحديث ان المعيار الذي اعتمد في جمع الاحاديث هو معيار شخصي وليس معيارا موضوعيا، اذان جامعي الاحاديث كانوا ينتقون ما يرونه صحيحا من هذه الاحاديث بالاستناد الى سلسلة من رواة الحديث تتوافر فيهم صفة العدل، وهي صفة محض شخصية من دون الالتفات الى متن الحديث نفسه. ولا حاجة بنا الى الخوض في موضوع الاحاديث الموضوعة؛ حيث كان وضاع الحديث يقومون بتاليف احاديث غريبة يسندون لها روايات مختلفة كي تظهر للناس على انها صحيحة.
وما ندعو اليه، من منهج جديد في اطار الحديث، هو
ايجاد
طريقة تقوم على اساس سلامة متن الحديث نفسه
ومعقوليته
مع الاستئناس بسلسلة الرواة، على ان يكون الترجيح نفسه لمعقولية المتن على
العنعنة. من الثابت ان الرسول(ص) كان نبيا ورسولا كما كان قائدا سياسيا، وبالتالي فان المنهج الحديث الذي ندعو الى الاخذ به يرمي الى التفرقة بين الاحاديث التي صدرت عن الرسول بوصفه رسولا ونبيا، وهذه الاحاديث هي دائمة، وبين الاحاديث التي صدرت عنه بوصفه قائدا وسياسيا وهذه احاديث وقتية.
مثال:
مثال آخر: المبحث الثاني: آلية العقل الاسلامية
ان الخطوط العريضة التي ندعو اليها، في اطار المنهج الجديد للبحث في الدراسات
الاسلامية، تقوم على الاسس الاتية:
أ-
وضع اسلوب للتفكير ونظام للعقل الاسلامي يعتمد على
درجة
بعيدة من الحرية على نحو ما كان عليه الامر لدى
المعتزلة، من
دون تبديد الطاقات واستهلاك القوى في مسائل فرعية
وقضايا
وقتية مثلما فعل هؤلاء، وانما بالبحث في الموضوعات
الانسانية العامة بغية التوصل الى آلية العقل الاسلامية، بوصفها اداة تحمل
مزاياه.
ب-
تجنب ضرب العقل والمنطق وحرية الفكر، وعدم اعتبار
العقل
والمنطق وحرية الفكرالسبيل الذي يؤدي الى الكفر
والالحاد
على نحو ما تنادي به بعض الجماعات.
ج- التمسك بمبدا السببية ومنهج العلية وحرية الارادة.
د- النظر الى الاشياء والتدبر فيها والبحث عن
اسبابها والغوص
في علل الحوادث.
ه- التمسك بمعطيات العلم والمنطق.
و- التمسك بحرية الانسان.
ان الالية التي ندعو اليها تقوم على تحديث العقل
الاسلامي
وعصرنة ادواته حتى نتمكن من منطقة الاشياء ومنهجة العلوم. المبحث الثالث: البحث المقارن
الحقيقة هي ان الدراسات المقارنة اصبحت ضرورة
ماسة،
وبخاصة بالنسبة لموضوع المناهج؛ ذلك ان الغرب قد
اعتمد
مناهج متقدمة وحديثة، ولا بد من الالمام
بهاوالاستفادة منها
والاستعانة بطرقها ووسائلها، وهناك مدارس عديدة
تتعلق
بالتفسير، منهاالمدرسة التاريخية ومدرسة البحث
العلمي الحر
التي طلع بها «فرانسوا جيني» وغيرذلك من المدارس
التي
وضعت مناهج وتقنيات بالنسبة لتفسير النصوص
التشريعية، بحيث يجدر بالباحث في مجال الدراسات
الاسلامية
ان يلم بهذه المناهج والتقنيات، ومن ثم ان يضعها نصب
عينيه
في اثناء تلمسه لمسالة المنهج الذي يريد ان يتخذه
لدى قيامه بالتصدي للموضوعات الاسلامية.
صحيح ان الفقه الاسلامي قد ابتدع مدرسة الراي
ومدرسة
الحديث الا ان هاتين المدرستين لم تتعديا مجال
الشعارات،
ومن ثم فانه لم تظهر تطبيقات عملية ولا تقنيات او
مناهج
بالمعنى العصري للتعبير يمكن الركون اليها
واعتمادها، مع
العلم ان وجود هذه المدارس بحد ذاته انجاز مهم على
صعيد
الفكر الاسلامي لا يمكن انكاره، بل ان اساس البحث المقارن يقوم على فكرة عرض
الاراء والمدارس الاسلامية ومقارنتها بالاراء الغربية، ومن ثم تبني ما يناسب التطور
والتقدم والموضوعية. فتح النوافذ
اخيرا، ارجو ان اكون قد وفقت في عرض موضوع المنهج
الحديث الذي ارى الاخذبه، وفي كل حال فان غايتي هي
فتح
النوافذ وان كانت ضيقة والقاء الاضواء على
المناطق المظلمة،
توصلا للخروج من النفق المظلم المتمثل في المسالة
الفكرية
السائدة، حيث الجهل يحل محل العلم لانه لا يمكن لهذه الامة ان تنهض بغير فكر
علمي خالص،بعيدا عن الاوهام والاضاليل.
وقبل ان اختم هذا البحث اود ان اشير الى معيار مهم،
في اطار
المنهج الحديث الذي ادعو اليه، وهو معيار التمييز
بين ما هو
شرعي وبين ما هو فقهي. فاحكام الشرع واضحة لا لبس فيها، وهي واجبة التطبيق في
كل زمان ومكان.
امثلة:
اما الاحكام الفقهية فهي آراء الفقهاء المتداولة
عبر العصور، وان
كانت على قدر كبير من الاهمية الا انها لا ترقى الى مستوى القاعدة الشرعية
وتخضع لمفهوم التطور والتغير عبرالزمان والمكان.
الا ان ما نشاهده ونلمسه هو ان بعضهم يخلط، عن قصد
او
جهل، بين النوعين من القواعد، لاسباب مختلفة، في
حين ان
المنهج الحديث الذي ندعو اليه يهدف الى التفريق
بين هذين
النوعين، وبالتالي العمل على التعامل مع القواعد
الفقهية على
اساس انها قواعد غير ثابتة وغير مقدسة وقابلة
للتطور والتغير
وحلول قواعد اخرى محلها.
مثال:
فاذا كنا نعد آراء الفقهاء احكاما شرعية فانه يترتب
على ذلك
الخروج باحكام متناقضة في الموضوع الواحد، وهذا غير مقبول في اطار الدراسات
الاسلامية.
لقد آن لهذه الامة ان تستيقظ وان تخرج من النفق
المظلم وان
تضع المعايير والضوابط العلمية وصولا الى التقدم،
لان التاريخ
لا يرحم، وبخاصة ان هناك يقظة فعلية قامت وتقوم في
الجوار
على اساس علمي من دون التخلي عن التراث، ما يقتضي
منا
السيرفي ركاب هذه اليقظة وهذه الطلائع التي من
شانها ان
تبعث حضارتنا وامتنا من جديد. المرجعيات، المناهج، اسئلة التجديد ا. سرمد الطائي تحولات مهمة
يشهد الفكر العربي الاسلامي تحولات مهمة، رغم
التفاوت في
درجاتها ودوائرهاومداها الزمني وطبيعة البنى
الجدلية التي
افرزتها، ورغم التيارات السكونية التي ظلت تستعصي
على
التحول، وتعد مظاهره لونا من الردة والانحراف، وهي
تيارات لا
يستهان بشانها ونفوذها والمساحات التي تغطيها الى
درجة ربما
يغيب خلالها اثر التطورات تلك وتكتسب في وجهة نظر
بعضهم
طابعا شكليا لا يلج الى بنية الخطاب اواستراتيجيته.
فمنذ
لحظة التكوين الاولى لهذا الفكر، راحت تطرح
الاسئلة
الكلامية والفلسفية لتتبلور في عصر الترجمة
والانفتاح على
الميراث الانساني وازدهار الفلسفة وعلوم الشريعة
واللغة
والعلوم الطبيعية وغيرها. وفي ظل سياق التردي
الاجتماعي
دخل الفكر حقبة الغزالي، وارتبك الموقف من المعرفة
كما
تجلى في «تهافت الفلاسفة»، وراج لون طافح من التصوف فانحسرت الرؤية العقلانية،
وبخاصة مع صعود تيارالمدرسة النصية.
مع عصر النهضة و«تخليص الابريز في تلخيص باريز»
لرفاعة
الطهطاوي، وما قام به الافغاني وغيره من جهود، طرا
تحول
جديد اقترن بحالة ذهول حيال وافد فكري رافق الغزاة
الشماليين، معبرا عن عصر العلم الحديث في الغرب من
جهة
ومؤذنا بتحديات جديدة سيواجهها العقل المسلم من
جهة
اخرى. فوجدنا انفسنا امام الوضعية العلمية والتيار
المادي
الماركسي بكل ما في جعبتيهما من تساؤلات واثارات
وانماط
لم نالفهامن التفكير، وبدات مرحلة التعرف
والاستيعاب
لمعطيات الوعي الانساني الحديث.
وقد ادت متغيرات عديدة دورا في صياغة مختلف الصدمات
السابقة على شكل جرح نرجسي كبير (حسب التعبير
المفضل
لدى فرويد)، يستجمع، في نسيجه، سائر
جراحنا التاريخية. وهو
ما ادى الى ظهور اتجاه اخذ يعيد النظر بجدية في
نظامه
الثقافي، ويحاول ان ياخذ الدرس من كبوات العقل في
الماضي،
فاقترن العقد الماضي بتكوين ملامح لنظام ثقافي
جديد القى
بظلاله على ما ينتجه الفكر العربي والاسلامي.
ويمكن القول:
اننا ما فتئنا نلمح، في العقدين الاخيرين، نماذج
لمرحلة فكرية
جديدة تتباين مع سابقاتها، اذ تبلورت جهود عديدة
حاولت
اعادة النظر في موقفنا الفكري الراهن على مستوى مرجعياته ومناهجه وما تطرحه
علينا هموم التجديد من اسئلة. دوائر التحولات
تتحرك تلك التحولات الفكرية في ثلاث دوائر مترابطة
عضويا
هي: المرجعيات والمناهج واسئلة التجديد او
الحداثة. وهذه
المحاور هي بمثابة خارطة، او بالاحرى قسم محدود من
خارطة، تحاول رسم ما يطرا من تحول وتجدد واستحداث
في
تلك الدوائر الثلاث.
لا شك في ان المرجعيات عامل قسري في تطور المعرفة،
اذ ان
الفكر حركة من المبادى الى النتائج، والمبادى
معطيات ووعي
وقناعات تمثل رؤية الانسان حيال الاشياءوما يمتلك
حولها من
انطباعات. وفي ضوء هذا، يظل الفكر رهينا بمجموعة
المبادى التي ينبثق منها. وبقدر ما ينفتح المرء على
عالمه
ويستوعب ما حوله يتسع نطاق مرجعياته وتتاح له آفاق اوسع في عملية التفكير.
ويقودنا حديث المناهج نحو مجالات غاية في التعقيد
تعنى بها
فلسفات العلم بما شهدته من تقدم كبير منذ ثلاثة قرون.
والمنهج يستوعب ما هو اوسع بكثير من ادوات
البحث وآلياته،
اذ هنالك اهمية كبير لزاوية الملاحظة والعناصر
التي يتكون
منها موضوع الدراسة والصلاحية التي يمنحها العقل لنفسه اثناء التوظيف المنهجي.
وقد فرضت التحديات التي واجهناها في العصر الحديث
ان
يعود حديث المنهج ثانية بعد ما غاب منذ توقف الجدل
في
منطق المعرفة عند اشارات ابن سينا وشفائه
وبرهانه،واقتصرت
الجهود على الشرح والتعليق والتنقيح وتفكيك
الاحاجي
المنطقية والولع بتعداد ضروب الاشكال المنتجة في
القياس
الارسط ي.
نعم، عاد حديث المنهج اليوم لا ليستانف المكرر من
الادوات،
بل ليبحث عن جديديمتلك تاهيلا للتعاط ي مع اسئلة العصر.
ومع اننا لا نكاد نشاهد بلورة ابداعية
متماسكة تخطت الاختبار
حتى الان، سوى ما اسعفتنا الجراة على استعارته من
جوانب
تم اقتطاعها من المناهج الحديثة، غير اننا نلمح
اشارة هنا
ومحاولة هناك ربما ستتمخض عن اسهام منهجي في مجال فلسفة العلم. ويمثل سؤال التجديد، او الحداثة، على تشعبه، المنطلق الرئيسي للتحول المنشود، فالسؤال هو التعبير الاكثر منطقية عن الحاجات الحقيقية، ومن المؤكد ان الامة التي تخفق في صياغة اسئلتها لن تكون قادرة على الحركة، ذلك انها لن تتمكن حينئذ من معرفة ما تريد بالضبط، كما ستعجز عن رسم طموحاتها. (هل استطعنا، حقا، حتى الان، ان نحدد طموحاتنا او اننا لا نزال نستنسخ مقاربة تقليدية للامل تنطوي على عناصر الازمة نفسها؟ ولعل هذا ما يفسر الاخفاقات المريعة التي منيت بها محاولاتنا في التغيير وطرح البدائل).
وفي ما يتصل باسئلة الفكر ثمة سؤال مرجعي يحيلنا
الى
التعامل معها بشكل مغاير لماجرت عليه العادة لدينا.
ما الذي
يدفعنا الى تكوين اجابة حيال السؤال؟ هل
تمثل الاجابات تصورا
نهائيا يعالج ما يتضمنه من اشكالية او ان الجواب لا
يعدو كونه
عملية اعادة انتاج للتساؤل وصياغة متجددة
للاستفهامات
توسع اطارها وتستوعب ابعادا اكثرفي موضوعها؟ وعلى
هذا
الاساس ليس من الضروري ان ننتظر اجابات ترضي فينا
روح الحسم والنهائية حيال اسئلة التجديد، وهي
تتزايد يوما بعد
آخر. كما انه من المفترض ان يحملنا هذا التصور على
التعامل
بقدر اقل من الحساسية مع الاجابات الجديدة
التي ربما لم تكن سوى اعادة بناء للتساؤل نفسه في كثير من الاحيان. خطاب تقليدي
على الصعيد المعرفي سادت، في الخطاب العربي
الاسلامي،
محددات تقليدية لمفاهيم «الحقيقة والعلم
واليقين»، وبالطبع
فانها تجاوزت اطارها الابستمولوجي
لتلقي بتاثيراتها على
نماذج التحليل والتنظير والولاءات والمواقف.
فالحقيقة ليست
شيئا آخرسوى الرؤية التي تحملها الانا او تحتكرها،
ولا يعبر
العلم الا عن عملية كشف صارمة لقوانين ازلية تربط مفردات الواقع، بينما اليقين
ظاهرة يفرزها منهج يحمل طابعا رياضيامعصوما نمتلكه بوصفه اداة طيعة في انتاج
المعرفة.
وفي تكوينه للوعي التاريخي وجدناالخطاب هذا وفي
مستويات
ليست بعديمة الاهمية يتشبث مصرا بعنصرالمؤامرة في
تكوينه
للحقيقة التاريخية، فنراه يعزو سائر مظاهر الخلل
التي
تكتنف تجربته التاريخية الى مؤامرات يدبرها
الخصوم، ويسرف
في اللجوء الى هذا العنصرليدير من خلاله مختلف
السجالات
والمعارك لينتج وعيا دسائسيا للتاريخ. وفي ما
يرتبط بالنظام السياسي فما زلنا حتى هذه اللحظة نجد من يرى في الحكم امارة يكون
فيهاالناس عبيدا ورعية، وتتمثل مشروعيته باساس يخول «الامير» صلاحيات تمنع
مساءلته،وتحول دون خطئه او سهوه، بل يبلغ الامر ببعضهم الى القول: ان وجهات نظر
«الامير» تشكل جزءا من الشريعة الالهية، ما يعني ان الحديث عن تطابق آرائه ومواقفه
او تنافيهامع الشريعة ومصالح الانسانية، هو شان يفتقد اساسه المنطقي.
وحين نتخذ من هذه العينات نقطة لتحديد ما يجري من
تحول، فاننا سنلاحظ اتجاهاحاول استيعاب الراهن
الفكري
الانساني كي يبلور من خلاله موقف الوعي
بالذات والكون
والحياة، رغم ان انفتاح الفكر العربي الاسلامي على
المعطيات
المعرفية الحديثة، لا يعني انه قد وظفها على
الدوام في اتجاه
هادف يتوخى اعادة النظر في القناعات الموروثة
واستجلائها
نقديا، وبناء موقف جديد يلبي الحاجات الملحة،
بل كثيرا ما جرى توظيفها بشكل يؤدي الى انتهاك منطقها الداخلي وآفاقها
المنظورة. خطاب نقدي
وبالرغم من ذلك كله، فقد راح اتجاه التحولات (كما
يحلو لي
ان اسميه) يدرك مستويات متعددة للوعي بالحقيقة،
وينفتح
على طيف فكري واسع ومتنوع، فلا يهرطق ما لم يالفه
من
صور الاشياء، كما يذعن بان العلم لا يمثل بالضرورة
اداة كشف
صارمة بقدر ما هو فعل انساني كثيرا ما يمارس ولو
بشكل لا
شعوري منح الانحيازات والميول شكلها المنطقي
ليقدمها
بصورة نتائج مبرهنة. فلا يترشح مفهوم اليقين
لدى هذا الاتجاه
عن هيكل حديدي من الوثوق لا يقبل الانخرام، بل
يحافظ ازاءه
على درجات من وعي الحقيقة وادراك تاريخية المعرفة،
وهو ما
يترك مسوغا لامكانية المراجعة والنقد والحوار
والاختلاف في
وجهات النظر. كما لا تمثل قراءات السلف لديه مرجعية
نهائية
تجعله يستقيل فكريا ويسلم عقله ومنطقه الى
اجتهاداتهم، بل
يسعى الى مراجعتها والوقوف عندها لاسترجاعها
بحاسة فاحصة
نقدية. وليس هذا التصورللمعرفة والحقيقة
والمرجعيات
العلمية بشاذ عن ارثنا الحضاري؛ اذ نجد ان القرآن
قدتناول
اشكالية المنهج في بناء الايمان والعقيدة وتكوين
الوعي، فجرى
في آيات عديدة نقد المنهج الذي ساد قديما في الواقع
العربي
وغيره لدى اولئك الذين سوغوا بشكل لا منطقي تمسكهم
بالارث العقيدي (واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل
الله والى
الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)، (بل
قالوا انا وجدنا آباءنا
على امة وانا على آثارهم مهتدون). والقرآن يستعرض
هذا
المنهج بوصفه تقليدا لا عقلانيا ويعيب عليهم
التمسك بالثابت
وما تم الاجماع عليه وما كان محل اتفاق الجمهور!
اضافة الى
اتهامهم الانبياءوالمصلحين وتيارات التنوير
بتجاوز الثوابت
العقيدية التي اجمع عليها الاباء والاجدادوتخط ي اصول الديانة التي قررتها
اجيال من كهنة المعابد.
في وجه هؤلاء جميعهم، ينادي القرآن برفيع صوته: (ان
يتبعون
الا الظن وان هم الايخرصون)، (قل هاتوا برهانكم ان
كنتم
صادقين). ولم يقف القرآن عند ذلك، بل طرح منهجا
بديلا لبناء
العقيدة، فامر بالتدبر في الكون والوجود والنظر
فيهما
وتعقلهما:(قل سيروا في الارض فانظروا بدء الخلق)،
وامر نبيه
بالفهم والوعي والقراءة (اقرا باسم ربك الذي خلق...
اقرا وربك
الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم).
ان القرآن في
حقيقة الامر لا يبتدع هنا منهجا جديدا في المعرفة،
بل ينبه
الى بديهيات المنهج الانساني القائم على الفكر
والتعقل، وهذا
شان العديد من النصوص القرآنية التي جاءت لتظهير
حقيقة
غيبتها مؤثرات متنوعة، وفي ذلك يقول الامام علي ابن
ابي
طالب:ان الهدف من بعثة الانبياء هو هذا التنبيه
نفسه، وان الله
بعث الانبياء للخلق «ليثيروا لهم دفائن العقول...»((136)). فرق بين الخطابين
وبينما استطاعت هذه الرؤية النقدية المتحررة ان
تؤسس
لنهضة حضارية وانسانية عظيمة، نجد ان حقبة التراجع
العام
في الحضارة الاسلامية سرعان ما استعادت شعارالغاء
العقل،
كان ذلك قدر يلازم حالات التردي والتخلف، فاغلق باب
الاجتهادوراجت سوق التقليد للاباء والاجداد، حتى
عاش
المسلم قطيعة مع عصره الذهبي ايام كان واصل بن عطاء
يقف
في مسجد البصرة ليختلف علانية مع الحسن البصري،
وهوشيخها الكبير، فيؤسس فرقة «تعتزل» مدرسة
الاستاذ،
وتمارس حقها في القراءة التي امر بها الله نبيه في
اول كلمات
اوحيت اليه. لقد كرست هذه القطيعة مختلف
مظاهرالسقوط
الحضاري المؤلم، وراحت تؤدي الى مشاغلة الفكر
الاسلامي
عن رهاناته الحقيقية وجره الى جدل عقيم قوامه رمي الخصوم بالكفر والهرطقة.
لكننا نجد، في المقابل، ان تيار التحول الاخير اخذ
يحرص على
وعي المعادلة القرآنية وتلبية دعوته سبحانه الى
دين يجري
تعقله والايمان به لا ترديده على اللسان اوالتعاطف
معه بشكل
مجرد، كما حاول انهاء مستويات القطيعة تلك، لا
ليستلهم
افق واصل بن عطاء وامثاله في اطلاق العقل وعدم
التقيد
بقراءات السلف وحسب، بل ليقراتلك التجربة من جديد
في
ضوء وعي العصر، وبما يناسب مختلف التحولات
التي طالت
الحياة المدنية والعلمية، ويقيم معها قطيعة من لون
آخر
قوامها الاسترجاع النقدي.وفي هذا الاطار جرى
استيعاب
الدلالة العميقة التي يرمي اليها قوله تعالى: (لا
اكراه
في الدين)؛ اذ ان هذا النص، من جهة اولى، تقرير الهي
للحرية
الانسانية وكرامة العقل وفقاللضرورة التي يحتمها
علينا العصر،
وهو من جهة اخرى رد منهجي على طريقة المشركين وجميع
انصار التيار الظلامي في التعاط ي مع الفكر
والعقيدة، وهو ما
يلتقي بالتالي مع مبدا اسسه علماء الكلام، وانتقل
بعد ذلك الى
علم الاصول قبل بضعة قرون ضمن قواعد المستقلات
العقلية،
واعني به قاعدة «استحالة التكليف بغير
المقدور». ذلك ان
الافكار والقراءات ظاهرة نفسية وذهنية وعقلية غير
خاضعة
لاختيار الانسان وارادته، انها بالضبط كدقات
القلب وحركة باقي
العضلات غير الارادية، التي لا يمكن للمرء ان
يتلقى اوامر في ما
يتصل بالتحكم بها لان ذلك داخل في التكليف
بغير المقدور((137)). وعلى مقربة من المحددات التي تسعى الى ايجاد حالة من التوازن حيال مفاهيم «العقل والحقيقة واليقين»، ثمة شجب للدوغما السياسية، وتوظيف لمعطيات جديدة توفر اشكالا اخرى لمشروعية الحكم ومرتكزاته واولوياته، تاخذ فيه موقعها المناسب مفاهيم اصبحت من مفاتيح انقاذ الموقف الحضاري المتازم، كسيادة الامة ومجتمع القانون اوالمجتمع المدني والتعددية السياسية وحرية التعبير ورفض الوصايات غير المسوغة.. الخ. ليجري اعتماد استراتيجية لطرح الاسئلة الجذرية وممارسة البحث الجريء في عناصر التازم في الاشكاليات التي ظلت عالقة ومطوية في ادراج الحسم الايديولوجي والاطلاقيات المتسرعة، لتناول مفهوم خلافة الانسان في الارض بوصفها هبة الهية وتكريما ربانيا ومسؤولية تقع على عاتق الجميع بشكل متكافى، فينصت بامعان الى الدلالات الكثيفة لنصوص القرآن التي اكدت هذا الموضوع (ثم جعلناكم خلائف في الارض)، بعد ان تم استهلاك هذا «الخليفة» في دائرة الجدل السياسي والاجتماعي،واختزل عبر ادوات كلامية وفلسفية وسياسية خاصة ليصبح «اضافة اشراقية»، ولا يقع طرفا في حركة الكون، وهو ما جعله خاضعا لنماذج الرمز والكاريزما والزعيم الفذ التي صادرت ما جاء به مفهوم الاستخلاف القرآني من حرية، وراحت تجتزى سياسيا الحقيقة القرآنية فلا ترى منها الا ما وقع في سياق «...اولي الامر منكم»!
لا غرو في القول: ان هذا يعبر عن سياق التحول المشار
اليه في
اطار المقارنة بين تيارين رئيسين، اذ يعبر احدهما
عن سعي
دؤوب للتطابق مع الذات والتماثل معها
بالكامل،واعني بالذات
هنا مجمل الموروث الفكري والثقافي والقيمي اضافة
الى
افرازاته الراهنة نظير قوالب القيم الثورية
الراديكالية ومختلف
السياقات السلفية التي راجت خلال العقود الماضية.
بينما
يسعى التيار الاخر الى الدعوة للاختلاف مع الذات
بمعنى استرجاع هذا الحشد كله من الموروثات
والافرازات
واستلهامه بشكل نقدي ومحاولة تطويره وتنقيته
وتقويمه((138)). صعوبة رصد التحولات
لكن جزءا من صعوبة المهمة في محاولة رصد التحولات
الجارية في الفكر الاسلامي،
يعود الى ندرة النماذج
التي يتجلى
فيها التحول، وهذا ما ينشا عن ظروف الانتاج الفكري
لدينا التي
تحرض على انتاج الجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا
في المنطق)، وتسعى الى تغييب البرهان بوصفه محاولة
اكتشافية، الامر الذي ادى الى تضخم في عدد المكتوب
ونقص
في ادائه، اذ ان الجدل يرافقه الاطناب، فهو
يتطلب الاقناع ولا
يتوقف الا حين يحقق هدفه ويتفوق على الخصم، اما
البرهان
فلا يتوخى سوى عرض دليل معين او تقديم تفسير محدد
واضح. ان اجواءنا تزخر بمسوغات الجدل، حيث ان
المشتغل في
حقل الفكر لدينا هو بمثابة من يتحرك في ساحة
معركة تتقاطع فيها الارادات وتتوزع في ضوئها جغرافيا القوة والهيمنة، فهو في
الغالب لا يفكرداخل حلقة نقاشية ولا يجلس على طاولة حوار مستديرة. ا. نبيل علي صالح تمهيد
تعد الارض محور الحياة والنشاط الحيوي والحراك
الاجتماعي
للانسان الذي جعله
الله تعالى خليفة له في الارض، حيث زوده بالوسائل
والادراكات والامكانيات المعنوية والمادية، من
اجل ان يقوم
بمسؤولية الحفاظ على هذه الامانة الخطيرة
التي منحه اياها
الله تعالى، والتي تجسدت عمليا في امتداد الحياة
ورحابة
الوجود من خلال الوعي الذاتي بالحياة واهدافها
وتطلعاتها
ومنطلقاتها، وضرورة تكامل الانسانية فيها، وايضا
من خلال
وعيه لطرق حماية سبل الحياة على هذه الارض التي
تشكل
بيئته ومسكنه الطبيعي المتضمن لكل ما يحتاجه من
مكونات
وعناصر وطاقات، يمكن ان تساعده على تحقيق هدف
التكامل
والتوازن الدقيق، عبر الاستفادة من عناصر
البيئة المحيطة به على مر الزمان.
لكن استغلال الانسان لموارد الطبيعة، التي سخرها
له الله
تعالى، قد زاد عن حده وفاق التصورات جميعها، ووصل
الى
درجات عليا خطيرة ضربت جميع المقاييس
والموازين العلمية، حيث اتسعت شيئا فشيئا دوائر
تاثيراتها
السلبية، الامر الذي اضر كثيرابقدرة بعض هذه
الموارد
والثروات على التجدد والانبعاث التلقائي اذا صح
التعبير ما
جعل التغيرات البيئية المناخية الناجمة عن التصنيع
والبحث
عن بدائل جديدة للموارد الطبيعية، تتزايد وتتفاقم في غير مصلحة الانسان
والحياة.
في هذه الدراسة المقتضبة، سنحاول رصد بعض معالم هذه
التغيرات البيئية الهائلة في اواخر العصر الحديث،
ومتابعة اهم
الاجراءات العملية الممكن اتباعها بهدف
التخفيف نسبيا من
الاثار والمخاطر السلبية الكبيرة التي يلحقها
الانسان باعتباره
العنصرالحيوي، والفاعل الاساسي في العملية
البيئية بالطبيعة
جراء صناعته واستهلاكه،وعجزه عن بناء معيار او
نظام ارضي
اخلاقي عادل، ياخذ في الحسبان امانة مسؤولية وجوده الكوني بوصفه خليفة لله على
الارض، وبالتالي مسؤوليته عن عناصر الوجود
والحياة جميعها، بما فيها النبات والحيوان. واقع البيئة المعاصرة واساليب معالجتها من امراضها المزمنة
نشا علم البيئة (الايكولوجيا ش خ ردرح ب
هذا القرن، بعد سلسلة من التطورات الهائلة التي
امتدت الى
مختلف مجالات الصناعة والزراعة، ومختلف ميادين
النشاطات
والفعاليات البشرية ومواقعها. وقد تصاحب ذلك مع
انتشار
اعداد لاحصر لها من المعامل والمصانع الضخمة،
والمحطات
الخاصة بتوليد الطاقة الكهربائية(نووية، بخارية،
غازية.. الخ)
وانتاجها؛ الامر الذي فتح السبيل امام نشوء هذا
العلم المختص
بدراسة العلاقات القائمة بين الكائنات الحية وبين
بيئتها
الحيوية، وتحليل الظواهر الخطيرة الناشئة عن الاستخدام السيء وغير المدروس لموارد الطبيعة من قبل
الانسان نفسه،
وذلك باستهلاكه لكميات متزايدة من المواد الخام،
والطاقات المختلفة، واستخدامه للمواد الكيماوية
المصنعة
الضارة، التي تنتج بدورها مواد اخرى شديدة الضرر بالبيئة. ضمن هذا الاطار نتساءل: ما هي هذه الظواهر المرضية التي لاتزال تلحق الاذى والدماربالبيئة والانسان؟! وما هي الاجراءات الوقائية الواجب اتباعها من اجل درء مخاطر تلك الظواهر واضرارها؟!
في الواقع، تعاني بيئتنا الارضية من مخاطر واجهادات بشرية وطبيعية كثيرة جدا،
يمكن تلخيصها في ما ياتي: أولا- خطر التلوث بصوره واشكاله المتعددةلقد ظهرت هذه المشكلة بوصفها واحدة من اهم المشاكل والازمات البيئية الخطيرة مع بداية القرن العشرين الذي تقدمت فيه وتائر التقدم الصناعي والتقني، ما احدث ضغطاكبيرا من الموارد والثروات الطبيعية. كما ظهرت اصناف جديدة كثيرة ومتنوعة من المواد الكيميائية بالغة التاثير في ضررها ونتائجها السلبية على حياة الانسان والبيئة،فتصاعدت الابخرة والغازات من مداخن مئات، بل آلاف، المصانع، وتفاعلت بدورهامع الهواء ولوثته، كما القت (تلك المصانع) بمخلفاتها ونفاياتها الصناعية والكيميائية في المجاري والبحيرات، او دفنها (كالنفايات النووية) في باطن الارض. ازدادت درجة حرارة الارض نتيجة زيادة الفعاليات البشرية، مثل حرق الغابات، وحرق الوقود، واطلاق الغازات المختلفة الى الجو، خصوصا غاز ثاني اوكسيد الكربون (CO2) الذي زادت نسبة انتاجه واطلاقه بفعل نشاط الانسان عن وسائل استهلاكه او استنفاده. وقد اسهم ذلك في تغيير مناخ الارض وبيئتها الى ظروف اخرى،اشد حرارة من الماضي. ويقدر العلماء انه بنهاية القرن الحادي والعشرين سيرتفع متوسط درجة حرارة الارض خمس درجات مئوية تقريبا اذا استمرت النشاطات البشرية على ما هي عليه اليوم، وسيؤدي ذلك الى ارتفاع منسوب سطح البحر متراواحدا، فتغمر مياهه جميع المناطق الساحلية التي يقل ارتفاعها عن متر واحد. ثالثا- استنزاف الموارد الطبيعية بطرق واساليب ضارةتعرف الموارد الطبيعية بانها عبارة عن مجموعة الثروات الباطنية والمواد الخام والطاقات التي وهبها الله للانسان، وهي على نوعين: لقد زادت، في الاونة الاخيرة، مساحات التصحر، وازالة الغابات والمناطق الخضراءفي العالم. والواضح ان الانسان وحده يتحمل كامل المسؤولية عن تلك الزيادة التي تكلف العالم سنويا ما مقداره 26 مليار دولار خسارة في الانتاج الزراعي الضائع والمهدور نتيجة الرعي غير المنتظم، وقطع الغابات والاشجار بشكل عشوائي جائر،ومن دون ادنى حالات التخطيط والتنظيم بغية تامين الحطب للتدفئة، او تصديرالاخشاب، وكسب مساحات جديدة للزراعة او للبناء. تتمثل المشكلة السكانية في الزيادة الكبيرة لعدد السكان في العالم كما يحدث في الهند مثلا وغيرها من البلدان الفقيرة (المفقرة) وهذه الزيادات في عدد السكان،وبمعدلات نمو عالية، تشكل ضغطا متزايدا على البيئة النباتية والحيوانية من حيث تامين موارد الحياة المعيشية وضرورياتها، ما يسبب نقصا كبيرا في انتاجية الارض، وفي تامين كميات الغذاء على المستوى العالمي، خصوصا في البلدان التي تشكل الصحراء جزءاكبيرا من اراضيها.
طبعا نحن لا نرمي هنا الى تحميل العالم الثالث
مسؤولية كاملة
عن كل ما يجري من خراب ودمار هائلين للبيئة والمناخ
ونقص
الموارد، وان كانت عليه بعض المسؤولية. ان جوهر
المشكلة لا
يكمن في اعتقادنا في طبيعة التناقض القائم بين
النمو
السكاني المطرد وبين تناقص حجم الموارد
الاقتصادية
والطبيعية المتاحة، بمقدار ما يكمن في التناقض
الواضح
والفاضح الذي يقوم بين النمو السكاني وبين طبيعة
الانظمة
والمعايير والمبادى الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية السائدة
التي تعجز كما يظهر حاليا عن توفير الحدود الدنيا
من
مقتضيات النمو الحقيقي والتقدم الاجتماعي
وشروطهما،
ومايلحقه من زيادة في الدخل، وفرص للتوظيف،
والاعاشة،
والعمل، والانتاج، وترقية مستوى المعيشة.
اننا نؤكد هنا على مبدا العدل الاجتماعي الذي يمثل
بعدا
اساسيا ومسهما فاعلا في حل المشكلة السكانية، فقد
يتحقق
النمو الاقتصادي وتستاثر بثماره ونتائجه فئة قليلة
من السكان في حين يبقى السواد الاعظم من الناس مطموسا وغارقا في مستنقعات
البطالة،والفقر، والجوع، والمرض، ومن ثم تبقى المشكلة السكانية من دون حل.
اذا هذه هي اهم القضايا البيئية تشغل بال العالم
حاليا، وتلح
على الجميع للاسراع فورافي ايجاد حلول جذرية فاعلة
لها، والا
فان النتيجة ستكون وخيمة على مجموع البشرية ككل؛
اذ ان
الانسان الذي تسبب هو نفسه في احداث الخلل العميق
في
طبيعة التعامل مع البيئة والمناخ العالمي من خلال
تخريبه
المنظم، واعتدائه المتواصل على ممتلكات الطبيعة،
وقيامه
بالعدوان على موارد الحياة البيئية وقدراتها هو
القادر،
من خلال ارادته ومسؤوليته، على اعادة تشكيل علاقة
متينة
منظمة مع البيئة، يكون فيها وعيه لانسانيته واهدافه
العليا في
الحياة هو الركيزة الاساسية في عملية تنظيم
التفاعل
بين عناصر الطبيعة ومكوناتها، وبين الانسان نفسه.
ان البشرية بعامة بحاجة ماسة اليوم (وقبل وجود
المختبرات او
النظم او الضوابط العلمية الصارمة) الى منهاج
اخلاقي وروحي
فعال ينمي في داخل الكينونة البشرية روح
المسؤولية، والحب،
والتعاون، والالفة، والمودة، والعدل، وعدم
الاسراف،والتفاعل
المتوازن والمنتج بين البشر والطبيعة. ونحن نعتقد
(نقول
ذلك من دون اي تبسيط للامور) بان المنهج التفكيري
الاسلامي يقدم لنا صورة واضحة عن المقدمات اللازمة
لابداع
علاقة متوازنة وواعية مع الكون والطبيعة المحيطة
بالانسان،
باعتبارها المجال الحيوي الذي يشكل ساحة لتجليات
الوعي
البشري وتمثلاته على طريق تكامله الروحي والمفهومي. وبذلك تحضر البيئة دائما في
ذهنية الانسان بوصفه طرفاثالثا في معادلة الاستخلاف الربانية (الانسان، والقرآن،
والطبيعة: البيئة) التي عرضهاالقرآن الكريم من زاوية كونها امانة لله عند بني
البشر:
(انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها
وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) [الاحزاب/72].
ان الأمانة التي حملها الانسان، والتزم بها في
وجوده التاريخي
كله عن وعي واختيار كاملين تقتضي من المستامن
(الانسان)
ان يكون قادرا على رعاية الحقوق، واداء الواجبات،
وتحمل اعباء
الحياة بتفاصيلها وعناوينها ومسؤولياتها
ومتطلباتها
جميعها،والحفاظ على شرائط الوجود الانساني
والطبيعي على
هذه الارض باعتبارها هبة من الله
وامانته لدينا،
ولعل من اكثر
هذه المتطلبات بديهية ان يعمل الانسان على حماية
بيئته
من الفساد والدمار المسيطرين عليها من خلال منهجه
اللااخلاقي، وسلوكه العبثي غيرالمسؤول في تعامله
مع الارض
اساس وجوده وحركته في الحياة. من هنا يقضي الواجب
بان
يدرك هذا الانسان ان البيئة بمواردها المختلفة لا
تعد ملكا
خالصا لجيل من الاجيال يتصرف فيها كيفما يشاء، ولا
يستطيع
اي جيل ان يدعي لنفسه هذا الحق، ومن ثم فالبيئة ميراث البشرية، ورصيدها الدائم
تتوارثه الاجيال جيلا بعد جيل.
يقول الله تعالى: (ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين) [البقرة/76].
وهذه قضية مهمة ينبغي الاهتمام بها عند بناء تربية
اسلامية
حتى لا نسمح لجيل من الاجيال بان يعبث بموارد
البيئة،
ويستنزفها لحسابه الخاص، لان هذا يناقض تماما ما
امرالله به،
فواجب الاستخلاف وامانته يقتضيان منا المحافظة على
البيئة
من دون تدمير اواستنزاف حتى نورثها للاجيال
القادمة بيئة
سليمة ونظيفة ومعافاة (كما وكيفا) لكي تكون قادرة
على
العطاء المستدام، كما اراد الله سبحانه وتعالى((139)).
من هذا المنطلق يجب على الانسان المعاصر الذي
استطاع ان
يسيطر على الطبيعة، ويخضع كثيرا من قوانينها
ونواميسها له،
ويتحكم بكثير من مواردها وخيراتها الوارفة،ويلبي
احتياجاته
الحياتية جميعها:(واتاكم من كل ما سالتموه وان
تعدوا نعمة
الله لاتحصوها) [ابراهيم/34].. اقول: يجب ان يبدا
باصلاح
علاقته المتوترة جدا مع الطبيعة من خلال انتاجه
لثقافة بيئية
راشدة ومنطقية، تلتزم معنى الواجب وهدفه والحق
(اللهتعالى)
الذي يقدم للتناقض والجدل الانساني (القلق النفسي
والسلوكي) حله العلمي الموضوعي، في اعطائه الشعور
بالمسؤولية والحرية في الاختيار للانسان، لان
الانسانية عندما
تضع الله هدفا لها في مسيرتها الحياتية والكونية،
لا بد من ان
ينشا لديها الاساس الموضوعي الراسخ لشعورها المتوازن والعميق تجاه هذا المثل
الاعلى(الله).
والتجربة الانسانية خير دليل على صحة ذلك، اذ انه
بالرغم من
الامكانيات المادية الهائلة المتوافرة بين ايدي
الناس، الساعية
الى تدعيم وسائل الضبط والردع الاخلاقيين بالسبل
العملية
الممكنة، سواء على مستوى تراكم الخبرات الفنية، او
التقنية،
اوالهندسية، ام على مستوى تطوير وسائل التخاطب
والاقناع
والتاثير الاعلامي على الفرد والمجتمع، ام على
مستوى توسيع
دائرة الرقابة الاجرائية القانونية.. فان ذلك كله
لم يمنع هذا
الانسان من خرق قوانين الحياة والطبيعة عن سابق قصد
وتصور، كما لم يؤثرذلك ابدا في ايقاف هذا التدمير
المتعمد
للنظام البيئي المائي والارضي، من دون فرق طبعا
بين ان
يكون هذا المجتمع محكوما من قبل انظمة قمعية شمولية
او
اخرى ديمقراطية متساهلة.
اننا نعتقد بان ذلك يعود الى حقيقة عدم وجود شعور
موضوعي
هادف ومسؤول لدى ابناء هذه المجتمعات، وخصوصا من
هم
في مواقع المسؤولية السياسية
والاجتماعية الرسمية. ان وجود
شعور الخوف (بمعناه الايجابي) من الله هو القاعدة
المركزية للعديد من الاحاسيس والمشاعر والمضامين
الروحية
التي تحتفظ بقدر كبير ومهم من حب المسؤولية والتضحية من اجل الصالح والمجموع
العام.
من هنا يأتي تركيزنا - في اطار سعينا نحو الحد من هذا
الخراب
والدمار البيئي الحاصل - على اهمية بناء الانسان
الواعي بقضايا
الحياة والبيئة وتربيته من خلال تقوية نوازع الخير
والجمال
والحس الجمالي لديه، لان الانسان محب للجمال
والطبيعة بفطرته، وعندما نعمل بوسائلنا المختلفة
على تعميق
الثقافة الجمالية لديه (والبيئة كلهامصدر للجمال
الالهي) فانه
يكون اكثر قدرة وكفاءة على التفاعل مع الوسط البيئي
الذي يعيش فيه.
مما تقدم نخلص الى وضع بعض النقاط الاساسية التي
تندرج
في سياق وضع رؤية استراتيجية تاسيسية عامة لثقافة بيئية اسلامية تتمثل في ما
ياتي: 1- تعميق الشعور العالي بالمسؤولية والاحساس الموضوعي بالله، تعالى، في داخل الذات الانسانية، وما يفرزه هذا الشعور من ممارسات واعية ومسؤولة تجاه عناصر الحياة ومكوناتها جميعها، وبخاصة البيئة.
2- تركيز ثقافة الاعتدال والوسطية في ذهنية الامة، اي ثقافة لا افراط ولا
تفريط، ولااسراف ولا تقتير..
3- ادراك الهدف النوعي التكاملي للحياة البشرية على
هذه
الارض، اي ضرورة افهام الانسان لدوره وموقعه في
اطاره
البيئي، والالمام الكامل بعناصر العلاقة
المتبادلة بين الانسان
والطبيعة ومفرداتها. وهذا يتم فقط من خلال وجود
منهج
سلوكي اخلاقي جديد غير سائد حاليا. لان استمرارية
الخط
الحالي ستؤدي لا محالة الى احداث كارثة بيئية وحياتية لا مهرب امام البشرية
منها.
4- الالتزام بالسلوكيات البيئية الايجابية التي
وضعها لنا الاسلام
في ما يتعلق بالنهي عن الفساد بجميع صوره واشكاله،
والدعوة
الى تعمير الحياة واعمار الارض على ضوابط انسانية عادلة.
فالفساد سلوك بشري على غير ما امر به الله تعالى،
اذ على
مقدار تمردالانسان على حركة الحياة يحدث الفساد
ويتم
الافساد. والفساد كما جاء في القرآن الكريم لا يعني
الفساد
الخلقي، وظلم الخلق، ومعصية الرب فحسب، وانما
تتسع دائرة
المعنى لتشمل سوء تدخل الانسان في بيئته، والاخلال
بالنواميس الكونية والقوانين الطبيعية التي تحكم
منظومة
العلاقات داخل البيئة، فالتلوث فساد وافساد
للبيئة تنجم عنه
اخطار واضرار كثيرة تؤثر سلبا في مسيرة الحياة، ومن
هنا
كانت دعوة الاسلام الى النهي عن الفساد والافساد
تحذيرا لكل
من يفسد في البيئة (الارض) بانه سوف يحل عليه غضب
الله
وسوء العاقبة((140)).
5- ابراز دور العلم والتكنولوجيا الحديثة واهميتهما
في تطوير
علاقة الانسان بالبيئة.
6- التركيز المتواصل والمكثف على اظهار حقيقة
التفاعل
المتوازن بين العوامل الاجتماعية والثقافية
والقوى الطبيعية،
والمعاونة على ادراك تصور عام ورؤية
متكاملة للانسان في اطار البيئة.
7- حث الانسان وحضه (تحفيزه) على التزود بالمهارات
والخبرات العملية من خلال قانون التاثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.
8- ادراك اهمية التعاون بين الافراد والجماعات
والهيئات
والمؤسسات المحلية والعالمية للنهوض بواقع حماية البيئة ومستوياتها.
في الواقع لقد شعر الانسان المعاصر وهذا امر نعترف
به
بخطورة ما يحدث من مخاطر جدية تحدق بالنظام البيئي
العالمي نتيجة اخلاله بعنصر التوازن
والتفاعل الواعي مع
الطبيعة، ومن اجل ذلك عقدت المؤتمرات والندوات
الدولية((141)) التي
ناقشت باستفاضة اهم المشاكل
والتغيرات الطبيعية الراهنة، وسبل الخروج من
ازمتها الشاملة،
واكدت في الاطار نفسه على ضرورة القيام
باجراءات وتغييرات
واسعة النطاق في طرق تعاملنا مع الارض والحياة على
سطحها واساليب هذا التعامل ووسائله. واذا تساءلنا الان - طالما اننا نتحدث عن المؤتمرات التي تعقد باستمرار لمناقشة واقع البيئة العالمي - عن اسباب تدمير البيئة؟ ومن يقف وراء الاضرار بنوعية الحياة على كوكبنا؟ ومن الذي استنزف موارد الارض، ولوث هواءها ومياهها، وافسد تربتها؟ هل هم سكان العالم الثالث الفقير المستضعف؟! اننا نجد - نتيجة لما تقدم - ان الغرب (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) هو الذي اوصل البشرية الى هذا المستوى الخطير من الدمار والازمات الطبيعية والكوارث البيئية. لقد بدد الغرب الحديث ولا يزال يبدد المواد الاولية، والموارد الطبيعية؛ وذلك في اطار سعيه الدائم باتجاه تامين استقرار الدورة الاقتصادية عنده. واذا كانت الاساليب العلمية قد زادت من مساحة السيطرة الانسانية على الطبيعة، فانها - بالمقابل - سمحت بتسخير ثروات الطبيعة واستنزافها لمصلحة جزء واحد من العالم بغض النظر عن وسائل ذلك التسخير واشكاله وغاياته. اما بالنسبة لبقية الدول (خصوصاالجنوبية منها) فقد بقيت تدفع الاثمان الباهظة من حاضرها ومستقبلها لرفاهية الغرب، ونموه، وطريقته الاستهلاكية في الحياة، وهذا ما يحدث حقيقة من خلال اضرار ارتفاع نسبة التلوث البيئي عن المعدل الطبيعي ومخاطره، حيث ترجع الدراسات العلمية اسباب ذلك الى نوعية الصناعات الموجودة في بلاد الغرب، وزيادة اعتمادها على المواد الكيميائية والبلاستيية والاشعاعات((142)). |