اننا نؤكد ان بقاء
القوى المحركة للاقتصاد العالمي على حالها
في طريقة حياتها واسلوبها، وطبيعة مفاهيمها،
وانساقها
المعرفية، في خضوعها المطلق لمنطق
السوق الراسمالية
الغربية سوف يعجل في تزايد الازمات البيئية،
وتزايد حدة
المنافسة، والصراع والحروب، وتفاقم الازمات
المعيشية. ويجد
المتابع لحركة تلك القوى كيف تحكمت آليات الانتاج
الراسمالي بموارد الطبيعة الارضية، وكانت لها
السيادة في
العالم الذي حكمته معايير الجشع، والانانية،
والروح النفعية
والربحية الضيقة. ووحده العالم الثالث (ومن ضمنه
عالمنا
العربي والاسلامي) سقط ضحية هذا النمط
اللااخلاقي للراسمالية المتوحشة. ولنترك المجال الان للغة الارقام كي تتحدث: 1- تضم دول الشمال الصناعي 25% من سكان العالم، تحصل على 90% من الناتج القومي العالمي.
2-
تستهلك دول الشمال 70% من موارد الطاقة الموجودة في كوكبنا، و75% من معادنه،
و85% من اخشابه.
3-
ولو تعمقنا اكثر في لغة الارقام لوجدنا ان ما يتناوله المواطن الامريكي من طعام
يزيدثلاثين مرة على ما يتكلفه اطعام المواطن الهندي، وان طفلا واحدا في الغرب
(المتقدم!) يستهلك قدر ما يستهلك 125 طفلا في بلاد العالم الثالث.
والحقائق تشير
باصبع ثابتة لا تهتز الى ان جانبا من
تدهور
البيئة والبؤس في البلدان النامية سببه
هذاالاستغلال البشع
الذي وقعت فيه هذه البلدان من جراء اندماجها
وتكاملها
غيرالمحسوب مع عجلة الاقتصاد العالمي الذي يستنزف
قدراتها ومواردها وخيراتهاالواسعة عبر آليات
الديون والتبادل
غير المتكافىء، وصفقات الغذاء، وشراء الاسلحة
التكنولوجية((143)).
وضمن المجال نفسه يقول المفكر المسلم روجيه غارودي:
ان
نظاما اقتصاديا قائما على نمو كيفي وكمي استهلاكي،
ونهب
منظم لثروات العالم، بات يهدد الجنس البشري،
ويوصله
الى
مازق وجودي. والحال ان الارض قد قضت مليوني سنة من
اجل ان تصبح ماهولة باول مليون من السكان، واتاحت
ستة
آلاف سنة من الزراعة فحسب التوصل الى مئتين وخمسين
مليونا. وكفت الف وخمسمئة سنة لمضاعفة هذا الرقم.
ومنذ
بداية التصنيع تزايد المعدل بسرعة تبعث على الدوار: ففي عام (1830) بلغ العدد
اول مليار،
والمليار الرابع في عام (1978).
والسؤال المطروح: كيف نستطيع ان نستقبل من هنا الى
مدى
عشرين عاما
-
حتى مع تحديد النسل
-
مليارين جديدين من
الكائنات البشرية على كوكبنا؟! طبعا ينبغي الاندين
نسبة
الولادات المرتفعة لدى الفقراء فقط، ذلك ان عشرة
ملايين من
الغربيين يستهلكون ويلوثون اكثر مما قد يفعل على
المستوى
الحالي اربعة مليارات من الفلاحين الهنود والافارقة.
من خلال ذلك نستنتج حقيقة واقعية باتت ظاهرة للعيان
-
من
خلال الاثار والنتائج الكارثية للاستخدام
الراسمالي الجشع
لموارد الطبيعة
-
وهي ان التوظيف المادي للتطور
العلمي في
اطار نسق معرفي وجودي استهلاكي فارغ من اي محتوى
اومضمون روحي اصبح يهدد العالم باسره بما في ذلك
الطبيعة والعمران والحضارة.
ان الاستخدام الجائر للعلم الحديث من اجل تعميق
نزعات
القوة، وزيادة الثروات،
ومراكمة الموارد المختلفة
اوصل
البشرية الى طريق مسدود امام هول الكارثة
البيئية التي احدثها
ذلك التوظيف الارعن والاستخدام المادي العبثي
لتطور
العلوم والتقنية الحديثة. والغرب نفسه في الواقع
لن يكون في
مناى عن هذه الازمات البيئية،
ولن يكون بمقدوره
تفاديها اذا
بقيت مناهجه ورؤيته الكونية والوجودية على حالها.
انه يحتاج
الى بناء اسس معرفية نظرية جديدة عن الحياة،
والانسان،
والعلوم الحديثة،
وطرق استخدامها في خير البشرية
وصالحها،
كما يحتاج الى تعديل طريقته في اساليب الحياة بشكل
يساعد
على التخفيف من الاضرار والمخاطر عليه وعلى بقية
شعوب الارض.
اجل ان الغرب الحديث في اشد الحاجة الى رؤية كونية
اخلاقية
عقلانية ومنطقية،
قادرة على اعطاء الحياة معنى
وغاية ايجابية،
تخلو تماما من مفاهيم الصراع، والعبث،
والضياع،
والفراغ
الروحي، اضافة الى قدرتها على احياء الامال،
وتفجير الطاقات،
وبعث الحماس والطموح النفسي والسلوكي المتوازن
الهادف
على طريق خلقها واحيائها
للالتزام، وتحقيقها (عند
الانسان
طبعا) للشعور بالمسؤولية تجاه الله والحياة.
وهذه صفات
ومؤهلات نراها متوافرة بحدود واسعة في الاسلام
الذي ينظر
الى الكون والبيئة باعتبارهما احد المخلوقات التي
تحفظ
بالارادة الالهية، والعناية الربانية، ولم
يخلقهما
الله عبثا ولا
باطلا، بل هناك اهداف حكيمة تكمن وراء خلق الحياة
والانسان. اي ان الله لم يخلق اي شيء في غير محله،
او من دون
حكمة ولا فائدة. والنظام الحالي هو
احسن نظام
واكمله. والكون
قائم على اساس الحق، والعدل، والتوازن. وقد نظم
العالم على قاعدة الاسباب والمسببات:
(ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار
والفلك
التي تجري في البحربما ينفع الناس وما انزل الله
من السماء من
ماء فاحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب
المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون)
[البقرة/164].
ان الله تعالى يدعونا، في هذه الاية الكريمة، الى
معرفة الكون
والطبيعة بصورة صحيحة وعامة، من صناعة السفن،
والسير في
الارض، والتطلع في الافاق من اجل نيل
المصالح الاقتصادية، ومن علم الكائنات الجوية لمعرفة منشا الهواء والمطر وحركة
السحاب،
ومن علم الاحياء لمعرفة انواعها وفوائدها ومضارها.
والتعمق في فلسفات هذه العلوم يقود الى معرفة
الله والالتزام
بنهجه، والفوز بالمسؤولية تجاهه في عملنا وسلوكنا
اليومي على صعيدنا كافراد او كمجتمعات، في اساليب
تعاملنا
مع انفسنا وبيئتنا الطبيعية التي نعيش فيها. انها
دعوة الهية
الى تركيز النظرة العملية المتوازنة والمسؤولة في
الحياة والطبيعة والوجود.
ونقرا، في قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كونوا
قوامين بالقسط
شهداء لله ولو على انفسكم او الوالدين والاقربين)
[النساء/135]،
معنى العدل في اطار الواقع من حيث كونه اساس
الرسالات
السماوية جميعها، ما يفرض علينا التحرك الفاعل
باتجاه
التاكيدعلى حركة العدل في المواقع الحياتية
جميعها، مع
اهلنا، وجيراننا، واصدقائنا، والناس جميعا من
حولنا، ولنكون
من خلال هذا المبدا (القيمة) العادلين في تعاملنا
مع البيئة او
الطبيعة التي نستثمر ثرواتها، ونعيش على خيراتها
ومواردها
الهائلة، وذلك بان يكون عنصر التبادل المتوازن
والاعتدال،
والوعي، والمسؤولية الرسالية الاسلامية امام
الله والحياة
والانسان اساس المنهج الذي يجب ان نتعاط ى من
خلاله مع
مادة الحياة ( البيئة) على كوكبنا من اجل ان نمنع
ولو بالحد
الادنى تدهور نظام الطبيعة والمناخ العالمي،
لنبقى جزءا
اساسيا حيا وفاعلا من الطبيعة من دون ان
نفسدها
وندمرها. ان
ما نحتاجه فقط هو مزيد من النظام والتواضع والمعرفة
والمسؤولية الذاتية والموضوعية. وهذه صفات ونوازع
نفسية
وسلوكية عدها الاسلام البنية التحتية لكل البناء
الانساني
والحياتي على الارض من خلال اعتباره الانسان خليفة
الله في
الارض:
(واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض
خليفة)
[البقرة/30] في ما يعنيه هذاالاستخلاف من تكريم
للانسانية
وانعام الشرف والعزة عليها، وسيادتها الكاملة
على البيئة
والطبيعة، (وهو الذي انشاكم في الارض واستعمركم
فيها)[هود/61]، اي عمارة الارض واصلاحها وبنائها على
قواعد
صحيحة، وتمكين الانسان من الهيمنة على كل مافي
الارض
وما عليها وما في باطنها، وما يحيط به (وسخر لكم ما
في
السموات وما في الارض جميعا منه)
[الجاثية/13]. وهذا
التكريم
و«التمكين» يتطلب من الانسان الوصول الى اعلى
مستويات
الادراك والوعي والمسؤولية الاخلاقية في اطار
علاقاته العملية
مع نفسه، ومجتمعه، وامته، وضرورة الحفاظ على
بيئته،
وحسن صيانتها ورعايتهامن كل تخريب او تدمير. ولا
نكون
مبالغين هنا اذا ما قلنا من خلال وعينا
لمسالة خلافة الانسان
لله على الارض ان جدارة الانسان بالاستخلاف تقاس
بدرجة
قدرته على اعمار الارض بالخير والجمال، وتنميتها
والمحافظة
عليها من التدهور والاستنزاف الجائر الخطير.
اما في ما يتعلق باحكام الشريعة الاسلامية مما يمكن
استخلاصه من ابواب متفرقة في مجال الفقه والتشريع
الاسلامي الخاص بالبيئة والطبيعة، فقد حرم الاسلام
على
الانسان ان يعبث بمحيطه وبيئته الطبيعية، وفرض في
الوقت
نفسه قيودا صارمة، وحدودارادعة، على كل من يمارس
عملية
الافساد والاساءة للمحيط البيئي الكوني. ونحن
نجد
احاديث
كثيرة في هذا المجال تحرم على المسلم تلويث بيئته
بفضلاته،
ونفاياته،
واوساخه. ونجد ان الاسلام قد حرم حتى في
المجالات
التي يحدث فيها قتال شرعي مقدس بين المسلمين وبين
غيرهم من الناس قطع الشجر، والاضراربالكائنات
النباتية، او
احداث اي تاثير سلبي على البيئة، حيث كانت توصي
تعاليمه المجاهدين والثوار المسلمين بضرورة احترام الطبيعة ورعايتها، وعدم قتل
الحيوانات،
وتحريم رمي الاوساخ والفضلات في مجاري المياه او على الارض. خاتمة
ان بيئتنا الارضية تنادينا كي نحافظ عليها، لاننا نحافظ من خلال ذلك على
وجودنا، وحركتنا، ومجال فعلنا ونشاطنا الحيوي، ونضمن استمرارية وجودنا في الحياة.
من هنا تكمن الحاجة
-
في نظرنا
-
الى:
1-
المحافظة على البيئة باعلى درجات الوعي عندنا في صورة واقعية اقرب ماتكون الى
طبيعتها الاصلية المتوازنة والمستقرة.
صحيح اننا نريد ان نتقدم صناعيا ونتطور تكنولوجيا
باعتبار
ذلك شيئا يمس اصل وجودنا في الحياة، ولكن يجب ان
ينطلق
تقدمنا من خلال التقليل من المخاطر على البيئة
والحياة،
وعدم الانسياق وراء الدعوات الفكرية القائلة
بالتقدم من اجل
التقدم فقط من دون هدف او غاية او مضمون انساني
رفيع. ان
المسالة الاساسية هي اننا نريد بناءعالم انساني
هادف وعادل
ومسؤول عن اختياراته العملية الواعية في الحياة،
عالم
تظلله علاقات انسانية متوازنة، وبيئة سليمة
ونظيفة، خالية من
اخطار التلوث النووي الكيماوي والغازي.
ان التقدم يجب ان يكون مقرونا بوجود هدف نوعي تسعى
اليه
البشرية في مسيرتها
الحياتية الطويلة، وهو هدف لا
بد من ان
يلحظ تامين عملية التقدم، والسعي
الحضاري المتواصل نحو
الامام، باسلوب موضوعي علمي، ومنهج اخلاقي رصين
يضمن
الحفاظ على البيئة، ويعمل على حمايتها من الاخطار الداهمة التي ترافق عملية
التقدم.
ان البشرية، في القرن العشرين، الذي شهد تطورا
مطردا على
المستويات كافة:
الاقتصادية والاجتماعية
والديموغرافية،
فانتقل عدد السكان (كما اسلفنا) من مليار الى ستة
مليارات،
وازداد حجم الاقتصاد العالمي عشرين مرة عما كان
عليه في
العام 1900،
الامر الذي اسهم في استثمار ثروات الارض
وطاقاتها، واستغلال مصادرها ومواردها
بشكل عشوائي
متوحش، اقول: ان البشرية الان تجد نفسها امام تحد
خطير لا
مثيل له في كل تاريخها الطويل. هذا التحدي هو
التصالح مع
الطبيعة، والسعي للتوازن والتكامل معها، من طريق
توفير
الامكانيات التي يقدمها الاقتصاد لسد الحاجات
الاساسية
من غذاء وماء نقي لمليارات الاشخاص، وهذا يتطلب
بناء اقتصاد
عالمي انساني متوازن ومتكامل لا ينبني على تلويث
الجو،
وتدمير الغابات بالنار او بالقطع، واستنفاد
المياه الجوفية، واجراء
تجارب نووية، وتنميط الحياة بالاجواء الاستهلاكية
القشرية
الفارغة..الخ، واذا لم تباشر البشرية العمل من
فورها على
الحفاظ على البيئات الطبيعية، واذاظلت تسهم
بانتظام في
تدهورها كما فعلت منذ اكثر من قرن واذا ظل
الانموذج الغربي للتنمية (بتصوراته، ومفاهيمه
المادية عن
الكون والوجود والحياة) هو السائد،
فانها قد تخسر
حلمها في
حياة ارقى وارفع، وتصبح في خطر الموت
والانقراض الجماعي،
لان الرغبة في المحافظة على هذه الحياة على هذا
الكوكب
الجميل تتطلب قبل كل شيء الحفاظ على البيئة،
وضمان
سلامتها من اجل ازدهار مستقبل البشرية، وتكاملها على طريق المسؤولية والادراك
والوعي.
اننا نضع العناوين السابقة نقاطا اولية يمكن ان
تسهم في انضاج
برنامج تفصيلي عام يتناول التصور الاسلامي لقضايا
البيئة
المعاصرة وهمومها واشكالياتها، وضرورة
تنميتها
والحفاظ
عليها، وتوعية الناس على ان المحافظة على البيئة
خصوصا
في عصرناالراهن واجب اخلاقي يرتفع الى مستوى
الواجب
الشرعي الديني. وهذه في مااتصور اشكالية كبيرة،
وتحد
خطير يقف امام الحركة الاسلامية المعاصرة في
عدم وجود
برنامج دقيق يعالج بالتفصيل الخط السياسي، والنهج
الاقتصادي، والاسلوب الاعلامي، والحركة الامنية
في طبيعة
التصورات والمفاهيم للعناوين
والمفردات الاسلامية الكبيرة
في هذا المجال. هذا بالاضافة الى العناوين الجديدة
الاخرى
التي فرضتها طبيعة التطورات والتغيرات الفكرية
والسياسة
والاجتماعية، كقضايا حقوق الانسان، والبيئة،
والتنمية في
المتغيرات المتحركة في الواقع الاداري
والقانوني والتشريعي والاجتماعي الذي لا يزال يبحث عن حلول واجوبة فقهية او
فكرية للكثيرمن علامات الاستفهام واسئلة الواقع التي تتحدى الجميع من دون استثناء.
صحيح ان الواقع المعقد، والتحدي الخطير الذي
تواجهه
الحركات الاسلامية في قضاياالمصير، قد لا يسمحان
للمسلمين بالحصول على النتائج الايجابية في خط
تحقيق النصر في المدى المنظور، لان القوى المضادة
تتمتع
بقوة مادية اكبر، وبامتدادات سياسية اوسع، وبضغط
اعلامي
اقوى، ووسائل امنية اكثر خطورة، الامر الذي لا
يفسح في
المجال لمواجهتها بقوة الا بالتحالف مع القوى
الاخرى من
موقع تحقيق المصلحة الاسلامية العليا.. ذلك كله
صحيح،
ولكن هذا لا يمنع ابناء الحركة الاسلامية
وروادهاومفكريها من
الاجتهاد، والبحث، والتدقيق، والتمحيص في المصادر
الاسلامية المتفاعلة مع الواقع من اجل اثبات قدرة
الاسلام على
مواكبة الحياة، وان خطوطه الفكرية تملك القدرة
والفاعلية
الاجتهادية على رعاية حاجات الانسان والبيئة
جميعهافي واقع
المتغيرات العامة او الخاصة، باعتبار ذلك وسيلة من
وسائل
مواجهة التحديات المتنوعة في الواقع المعيش واسقاطها.
ان العالم يتحرك بسرعة على مستوى المتغيرات
السياسية
والاقتصادية والثقافية والامنية، ما يؤدي الى
التبدل السريع
والمكثف في كثير من المواقف، والمواقع،والادوار
العامة،
ويترك تاثيراته الايجابية او السلبية المتنوعة على
الواقع
الانساني ككل،وهنا لا بد للاسلام في مجال الحركة
والدعوة
الى افكاره ومبادئه،وتبليغ رسالته الانسانية
للبشرية جمعاء،
واثبات قدرتها على مسايرة العصر، ومواكبة نبض
الحياة المعاصرة من ان يدرس ذلك كله، ليواكب
المسيرة
الانسانية في تحريك مفاهيمه،
ورؤاه، وتصوراته،
وشرائعه،
واساليبه عن الحياة والانسان والعلاقات
الاجتماعية والسياسية
(وعن البيئة) بحيث لا يقف غريبا عن الذهنية العالمية
الجديدة. والقرآن الكريم كما نعلم يحدثنا دائما
عن الكتاب
والحكمة والسر في ذلك على حدعلمنا ان الكتاب هو
الخط
العام للنظرية، والحكمة هي الخط الحركي
والعملي المنطلق
في سياق دراسة الواقع وتحليله والتطبيق في خط الفعل
والتاثير الواقعي في وعي آفاق المتغيرات
والمستجدات
جميعها. وهذا ما يجب ان نتحرك عليه، ونستهدي بهديه
في
مسيرتنا الطويلة على صعيد الانسان نفسه. لان القيمة
الحقيقة
للبيئة هي بانسانها، فاذا عاش هذا الانسان العبث
والخراب
والدمار الروحي والاخلاقي في معنى انسانيته فلا قيمة ولا معنى للبيئة بعد ذلك. واخيرا، اننا نجد ضرورة ملحة في وضع مجموعة من الاصول والقواعد وآليات العمل الخاصة بالتربية البيئية في التصور الاسلامي، مع توفير الامكانات البشرية والطبيعة،وحشد الطاقات و«الكوادر» النوعية المؤهلة والمؤدية لتحقيق ذلك، في اطار بلورة مشروعاتنا البيئية الراهنة الخاصة بحماية البيئة على هدى الشريعة الاسلامية التي تختزن في مضامينها الداخلية مجموعات لا حصر لها من التوجيهات، والارشادات،والسلوكيات الخاصة والعامة التي تؤمن وتؤمن حماية البيئة، من اجل ان نكون مصداقاحقيقيا لقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)[المائدة/2]. قراءة في الدور والاشكالياتأ. علي اكبر رستمي تهذيب روايات التفسير
تطالعنا، احيانا، بعض العبارات التي تبدو غير تامة
لروايات
التفسير التي يعتمدها المفسرون والمعنيون بالشؤون
القرآنية،
في تفاسيرهم وابحاثهم التي يسلطون فيها الضوء على
الموضوعات القرآنية، لكن مع ذلك فانك لا ترى احدا
من
المفسرين قداستغنى عن هذا الموروث الروائي الهائل
والنفيس
الفريد الذي خلفته مدرسة اهل البيت(ع)، وان نهل كل
من هذا
المنهل العذب بما يتناسب ونهجه ووجهات نظره.
ومن هنا تاتي ضرورة حفظ هذه الثروة الفذة وصيانتها،
والسعي
الجاد لتطبيقها الصائب والنافع في الموضوعات المطروحة والمجالات المطلوبة.
من جانب آخر، من المسلمات وجود طائفة من روايات
التفسير
التي لا تنسجم والمباني العقلية والشرعية، الامر الذي لا يدع امام الباحث من
سبيل سوى «ضربهاعرض الجدار» حسب تعبير الرواية الصحيحة.
ومما لا شك فيه ان وقوع الحوادث المريرة الى جانب
ظهور
الفرق والنزعات المنحرفة التي امتدت اصابعها
الاثيمة لتاريخ
الحديث والتفسير، من قبيل فرقة الغلاة والمغالين،
ونفوذ
الاسرائيليات وتسللها الى جوهر العلوم الاسلامية،
اي علم
التفسيروالحديث، وكذلك الحذف التدريجي لاسانيد
روايات
التفسير وتمهيد السبيل امام افتعال التهم
والاكاذيب التي
طالت الاجواء الفكرية والعلمية للمسلمين، تلك
العناصرجميعها اسهمت، جنبا الى جنب، في اختلاط
احاديث
العصمة الطاهرة وكلماتها ببعض العبارات الغثة
الملوثة، الامر
الذي جعل كثيرا من هذه الافتراءات والاكاذيب
تتخذسبيلها
الى بعض المصادر الشيعية التي تعنى بالتفاسير
الروائية. وهذا
ما اشار اليه صاحب تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي قائلا:
«وهذا النوع، على شذوذه وندرته، غيرمامون فيه
الوضع
والدس، فان انسراب الاسرائيليات وما يلحق بها من
الموضوعات والمدسوسات بين رواياتنا لا سبيل الى
انكاره»((144)). ومن الواضح ان الغفلة عن هذا الدس وتلك الاكاذيب ستعرض عدل القرآن هذاالثقل القيم الى ما لا تحمد عقباه من الاضرار والاخطار، وهذا ما نشاهده شئنا ام ابينافي بعض القراءات والاستنتاجات التي توصل اليها بعض المفسرين في شان بعض الايات القرآنية التي وردت في شانها مثل تلك الروايات الموضوعة والاسرائيليات. فقدوردت بعض الروايات التي تتنافى والعصمة في التفاسير والمصادر الروائية الماثورة،من ذلك ما ورد في تفسير علي بن ابرايم القمي بشان هاروت وماروت((145)).
ومن هنا يتوجب على علماء الاسلام سيما الامامية ان يبذلوا ما بوسعهم لتشذيب
التفاسير الروائية المتداولة وتهذيبها، مما علق بها من دس وتحريف ووضع. منهج تهذيب روايات التفسير
ان اول اسلوب يتبادر الى الذهن، في شان تنقيح الروايات الواردة في مجال
التفسيروتهذيبها، انما يكمن في تحقيق سند الرواية ثم تناوله بالنقد والتحليل.
بيد ان هذا الاسلوب، وان كان رائجا ومتعارفا عليه
في الروايات
الفقهية، ليس تاما على صعيد روايات التفسير لسببين، على الاقل، وهما: ثانيا: على افتراض توافر السند في تلك الروايات كافة، فان اغلبها سيكون ظنيا؛ وذلك بسبب قلة تواترها الى جانب كونها مقطوعة السند. الامر الذي جعل بعض العلماءيتحفظ على التعبد بها، الى جانب اسقاطها من الحجية والاعتبار، رغم انها روايات تعالج قضايا العقيدة والتفسير التي ليس هناك من سبيل للتعبد بها.
الاسلوب الثاني الذي يمكن اعتماده، في هذا المجال،
هو اعادة
النظر في مضامين الروايات، ودراسة المتون، والنقد
والتحليل
والوقوف على كل رواية، ثم عرضها على المعايير القطعية التي صرح بها كالكتاب
والروايات الصحيحة والعقل السليم.
والحق ان هذا الطريق هو المنهج الوحيد او الاسلوب
العملي
الانجع الذي يمكنه ان يحفظ هذا الموروث النفيس
التي تركه
لنا ائمة العصمة(ع)، والذي يناى به بعيدا عن كل دس ووضع وتحريف.
ويبدو ان المفسر الذي يروم اتباع هذا الاسلوب
بالنسبة لروايات
التفسير، ويعتمده في تفسيره، عليه بادى ذي بدء ان
يطوي
مرحلتين في هذه الروايات، ليتسنى له الظفربمضمون
متن
موثوق يمكن اعتماده في التفسير. اما المرحلة الاولى
فتكمن
في تشخيص الاضرار التي تشتمل عليها تلك الروايات،
والثانية
تتمثل في تشخيص اسلوب التفسير المتبع حيال تفاسير المعصومين(ع).
وسنقتصر، في هذه المقالة، على دراسة المرحلة
الاولى،
وسنوكل امر المرحلة الثانية الى مجال آخر، ان شاء
الله. اخطار التفاسير الروائية
وردت بعض روايات التفسير، بوصفها مفسرة للاية تارة، واخرى على اساس التطبيق
والجري، في حين خاض بعض آخر منها في التاويل، وقد توصف الصورة الاولى بانهاتفسير
ظاهري، في حين تكون الصورتان الاءخريان تفسيرا باطنيا للاية. وقد وردت طائفة جمة من
هذه الروايات في مصادر التفسير الروائية على اختلافها، من دون ان تذكر هناك اية
قرينة او اشارة مقتضية لاية واحدة منها، فكان لهذا الخلط بالغ الاثر في تعذر فهم
الرواية وادراك كنهها. ولم يقتصر هذا الامر على مفسري اهل السنة فحسب،بل التبس على
مشاهير مفسري الشيعة، واليك انموذج من هذا الخلط والالتباس، فقد
صرح المرحوم الفيض الكاشاني، في تفسيره للاية الثالثة والاربعين والرابعة
والاربعين من سورة النحل: (فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)، والتي تعرف ب
«آية الذكر»،
قائلا: «ان هذه الاية رد لقولهم: الله اعظم من ان يرسل بشرا مثلنا. وقد سبق بيان الحكمة فيه، ولعله اشير الى مثل ذلك بقوله: فاسالوا اهل الذكر، يعني وجه الحكمة فيه فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون». ثم يضيف قائلا: «ان اغلب الروايات التي وردت في تفسيرهذه الاية انما ارادت ب «اهل الذكر» اهل البيت(ع)»، ثم يستشهد بخمس روايات في هذا المجال، ويبين كيفية ارتباطها بالاية قائلا: «المستفاد من هذه الاخبار، ان المخاطبين بالسؤال هم المؤمنون دون المشركين، وان المسؤول عنه كل ما اشكل عليهم، دون كون الرسل رجالا، وهذا انما يستقيم اذا لم يكن «وما ارسلنا» رداللمشركين، او كان «فاسالوا» كلاما مستانفا، او كانت الاية مما غير نظمه...»((146)). ونرى انه يؤكد على نقطتين قد استنتجهما من الروايات في عبارته المذكورة.
النقطة الاولى التي تستفاد من الروايات هي ان
المؤمنين لا
المشركين هم الذين أمروا
بسؤال «اهل الذكر»، وهذا
ما يتضح
من الدليل الذي ساقه لاحقا؛ فقد صرحت الروايات بان
المراد
باهل الذكر هم اهل البيت(ع)، وعليه فلا معنى لان
يؤمر
اهل الكتاب بسؤالهم، وذلك لانهم ينكرون اهل البيت(ع).
النقطة الثانية: ان ما ورد السؤال في شانه لا يختص
ببشرية
النبي والرسول(ص)، بل كان في شان كل امر مشكل يكتنفه الابهام والغموض.
ثم يذهب الى وجود التضاد والتعارض بين الروايات
وظاهر
الاية، وذلك لتصريح الروايات بان المراد من اهل
الذكر هم اهل
البيت(ع)، والحال للاية ظهور في مخاطبة المشركين؛ الامر الذي جعله ينبري لحل
هذا الاختلاف مصرحا بان مفادالروايات التي صرحت بان المراد باهل الذكر هم اهل
البيت(ع) انما يستقيم فيما اذااءقر احد الفروض الاتية:
ثم قال بعد بيانه هذه الفرضيات الثلاث: ان كان
المشركون هم
المخاطبين بالاية الشريفة، والمراد باهل الذكر
اهل البيت، كما
صرحت الروايات، فسيكون معنى الاية هوامر المشركين
بسؤال
اهل البيت حول بشرية الرسل والانبياء. ثم يرد هذا
الاحتمال قائلا:
«فان هذا، ولا سيما اذا علق قوله بالبينات والزبر
بقوله: «ارسلنا»،
فان هذا الكلام بينهما،واما امر المشركين هداية عن
كون
الرسل رجالا لا ملائكة مع عدم ايمانهم بالله
ورسوله مما لا وجه
له، الا ان يسالوهم عن بيان الحكمة فيه، وفيه ما
فيه».
ونرى ان هذا المفسر العملاق، ورغم الجهود المضنية
التي
بذلها بهدف ازالة التناقض بين ما صرحت به الروايات
وما كان
للاية من ظهور، اختتم كلامه بالقول: «وفيه ما
فيه»؛الامر الذي يفيد اختلاط الامر عليه والتباسه.
اما الان، فنخوض في ما اورده العلامة الطباطبائي،
في تفسيره،
في هذا الخصوص والذي تناول فيه بالتحليل والتفصيل
تلك
الاية مستغرقا في تقسيم تلك الروايات، الامرالذي
يمنحه
السبق بالنسبة لغيره في هذا المجال. فقد تحدث في
بحثه
الروائي في شان الاية عن الروايات التي صرحت بان
المراد من
اهل الذكر هم اهل البيت(ع)، ثم نقل هذه الرواية: «... عن زرارة، عن ابي جعفرفي
قوله تعالى: (فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون)، من هم المعنيون بذلك؟ قال:
«نحن، قلت: فانتم المسؤولون؟ قال: نعم. قلت:ونحن السائلون؟ قال: نعم، قلت:
فعلينا ان نسالكم؟ قال: نعم...».
ثم يتطرق لكيفية ارتباط هذه الرواية بالاية
الشريفة قائلا: «وهو
من الجري ضرورة ان الاية ليست بخاصة».
ولا ينسى ان يشير الى الدليل فيقول: «ان الاية ليست
بخاصة،
والذكر اما القرآن او مطلق الكتب السماوية او
المعارف الالهية،
وهم على اي حال اهله، وليس بتفسير للاية بحسب مورد
النزول؛ اذ لا معنى لارجاع المشركين الى اهل
الرسول، او اهل
القرآن،وهم خصماؤهم ولو قبلوا منهم لقبلوا من
النبي(ص)
نفسه».
ثم يعرض في الختام للفارق بين الرواية الواردة في تفسير الاية وتلك التي تاتي
في مقام الجري والتطبيق، فيقول: «ان هذه الرواية ليست بتفسير للاية بحسب
موردالنزول»((147)).
والنتيجة التي يخلص اليها العلامة:
«انه لا يمكن
القول: ان الاية قد وردت في شان اهل البيت(ع)، بل ما
يمكن
قوله هو ان اهل البيت(ع) هم ابرز واكمل افراد
ومصاديق «اهل
الذكر»، وهذا واضح صريح، مع العلم انه اذا كان سبب
نزول
الاية(فاسالوا اهل الذكر) هم اهل البيت(ع) والمخاطب
بالاية
هم المشركون (الذين اءمروا بالسؤال) الذين يكنون
العداوة لله
ولرسوله(ص) ولاهل البيت(ع)، ففي هذه الحالة يرد ايضا
ذلك
الاشكال الذي كان قد ورد على لسان المرحوم
الفيض الكاشاني
الذي تضمن عبثية رجوع المشركين لسؤال اهل البيت(ع)،
وذلك ان اولئك المشركين لو كانوا مؤمنين باهل
البيت(ع)
لكانوا مؤمنين بما ياتي به النبي(ص) والحال انهم لم
يكونوا
كذلك».
وهكذا نلاحظ سهولة ما توصل له العلامة من نتائج
ايجابية
صائبة على اثر وقوفه على انواع الروايات
التفسيرية. ولو التفت
المرحوم الفيض لهذه القضية لما عانى من
ذلك الالتباس
والحيرة. وهذا ما نوه اليه الاستاذ «محمد هادي
معرفة» بعد ان
نقل كلام المرحوم الفيض، قائلا: «فانظر له (المرحوم
الفيض
الكاشاني) كيف تكلف في توجيه الروايات التي ذهب الى
انها
وردت في تفسير الاية، ولو ردها لعموم ظاهر الاية
ولعموم ملاك الرجوع لاهل الذكر من قبيل التاويل
لاراح
نفسه»((148)). دور تفكيك روايات التفسير في دفع العقائد الفاسدة
ان اختلاط روايات التفسير وعدم الوقوف على الاساليب المتنوعة التي اعتمدها
المعصومون(ع) في التفسير والتعرف اليها، دفعت ببعض المتشبهين بالعلماء من المسلمين
وغير المسلمين وبالاستناد لذهنياتهم المعباة بتلك الافكار السامة والاوهام الساذجة
والاستنتاجات الخاطئة لماثور المصادر الشيعية في التفسير، واستغلال بعض الروايات
والتشدق بها الى ان يعرضوا هذا المذهب الحق لفنون الطعن والغمز واللمز.
وفي مقدمة هؤلاء المتعصبين صاحب كتاب «مذاهب
التفسير
الاسلامي» غولدزيهر، والدكتور محمد حسين الذهبي،
صاحب
كتاب «التفسير والمفسرون»، اللذان ارسيا حجر اساس
تشويه
سمعة الشيعة وتسخيف افكارهم ومعتقداتهم، ثم عمدا
الى
بعض روايات الشيعة في التفسير وغيره لينسبوا لها
اسوا التهم
والافتراءات. فقد استعرض غولدزيهر وجهات نظر
الشيعة، في
شان القرآن، قائلا: «ان الشيعة ترى القرآن
كتابا حزبيا يتناسب
وتطلعاتها...»((149)).
«... انهم يعتقدون بان بعض الايات القرآنية وردت
صراحة بشان
الظلم والجور الذي تعرضت له الشيعة من قبل الخلفاء
الاوائل
الذين لعنوا على لسان تلك الايات، ويرون ان البعض
الاخر من
الايات القرآنية قد اشارت صراحة لوجوب تعظيم
وتبجيل ائمتهم، وظهور الامام الثاني عشر الغائب،
كما
يعتقدون بان ربع القرآن قد ورد بشان اتباع علي،
والربع الاخر
في اعدائهم، وربع في امور التشريع، والربع الاخير
في القصص
والامثال، وان سبعين آية قرآنية قد نزلت بحق علي(ع)»((150)).
ثم حذا محمد حسين الذهبي حذو غولدزيهر وقلده
تقليدا اعمى، ليفوقه في هذا المضمار، فيبالغ في الصاق التهم والافتراءات،
فيقول:
«تقول الشيعة: ان للقرآن ظاهرا وباطنا، والحق اننا
نشترك
معهم في ذلك لدلالة الروايات الصحيحة الواردة بهذا
الشان، الا
ان الامامية لم تكتف بهذا الحد، فادعت ان للقرآن
سبعا
وسبعين بطنا، ثم افرطوا اكثر فزعموا ان الله قد
اختص ظاهر
القرآن بالتوحيد والنبوة والرسالة وباطنه
بالامامة
والولاية»((151)).
ان بعض ما صرح به الذهبي وغولدزيهر قد ورد حقا في
مصادر
التفاسير الروائية للشيعة من قبيل الرواية التي
نصت على ان
للقرآن سبعين بطنا، او الرواية التي صرحت بان
ربع القرآن قد
ورد في شان شيعة اهل البيت وربعه في اعدائهم. الا
انه يمكن
القول: ان مادفع هؤلاء للطعن بالشيعة والتشنيع
عليهم انما
يعود لما راوه من خلط في روايات التفسير والتاويل
(الظاهر
والباطن)، والتطبيق والجري، فاعتقدوا خطا بان
الشيعة
تتعامل مع هذه الروايات على انها تفسير للايات، والحال انها ليست اكثر من بيان
اكمل الافراد والمصاديق للايات واظهرها، لا انها مفسرة للايات القرآنية.
وعليه، فاذا ما بقيت روايات التفسير كما هي عليه
الان، من
دون ان يقوم العلماء والباحثون بغربلتها وتمييزها
وابداء
الايضاحات اللازمة في شان كل واحدة منها،وشحنت بها
المصادر الروائية الماثورة على انها تفاسير الائمة
المعصومين(ع)؛ فان ادنى آثارها السلبية انها ستكون
حجة
وذريعة بين ايدي المغرضين والمهووسين
للطعن بالشيعة وتشويه سمعتهم.
ولحسن الحظ، فان العلامة الطباطبائي قد سلك هذا
السبيل
القويم، وخطا مثل هذه الخطوة الجبارة في تفسيره القيم:
«الميزان»، مشيرا الى قاعدة الجري
والتطبيق المقتبسة من
تلك الروايات، الى جانب استعراضه للابحاث
والتحليلات
العصرية التي توجه تلك الروايات. وما زال هذا
السبيل في بداية
انطلاقته الجديرة بالمواصلة والاستمرار بغية بلوغه السمو والتكامل المنشودين. الغلو في الروايات
الخطر الجدي الاخر الذي تعاني منه روايات التفسير الشيعية اشتمالها على روايات
الغلو والمغالاة التي تسربت اليها بفعل الغلو الذي انطوى على بعض الافكار والعقائد
المفرطة الفاسدة في شان ائمة الهدى(ع)، سيما شخصية امير المؤمنين، وقد كان لهذه
الظاهرة القبيحة اثرها السلبي بالغ الخطورة في تاريخ الاسلام.
لقد عرف الشيخ المفيد الغلو قائلا: «الغلو، لغة،
تجاوز الحد
والخروج عن حالة الاعتدال، وقد نهى الله سبحانه
النصارى عن
الغلو في المسيح قائلا: (يا اهل الكتاب لاتغلو في
دينكم ولا
تقولوا على الله الا الحق)[النساء/171]. ثم تطرق للغلاة والمفوضة قائلا: «الغلاة فرقة انتحلت الاسلام، وقد خرجت عن حدالاعتدال حتى وصفت امير المؤمنين عليا(ع) والائمة(ع) بالالوهية والنبوة، اماالمفوضة فهم فرقة من الغلاة تعتقد ان الله فوض امر الخلق للائمة المعصومين(ع)على الرغم من اعتقادهم بحدوثهم وانهم مخلوقون لله»((152)).
لقد تنبا رسول الله(ص) بظهور هذه الفرقة الضالة،
واخبر عما
سيستتبعها من فتن وفساد، ومن ذلك انه قال لعلي(ع): «يا علي... وان امتي ستفترق
فيك ثلاثا، ففرقة شيعتك وهم المؤمنون، وفرقة عدوك وهم الشاكون، وفرقة تغلو فيك وهم
الجاحدون...»((153)). الى جانب ذلك، فان للائمة المعصومين(ع) وشيعتهم موقفا حازماصريحا لا يمكن انكاره في شان الغلو والغلاة. وهذا ما نلمسه في تاففه منهم قائلا: «اللهم اني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم اخذلهم ابدا ولا تنصرمنهم احدا»((154)).
وعن الامام الصادق في تحذيره لاصحابه انه قال:
«احذروا على
شبابكم الغلاة، لايفسدوهم، فان الغلاة شر خلق
الله...»((155)).
مع كل ما تقدم، ورغم المواقف الصريحة المعلنة
للائمة(ع) ازاء
الغلو والغلاة، وماصرح به بعض العلماء والفضلاء من
غير الشيعة،
من قبيل عبد القادر البغدادي من وجوب عدم النظر
للغلاة
بكافة اصنافهم على انهم ضمن الفرق التي تنتمي
للاسلام،
الاان الحقيقة التي ينبغي عدم تجاهلها هي تسلل
افكارهم
ومعتقداتهم الفاسدة خفية وجهرة للافكار والعقائد
الاسلامية،
الى جانب اختراقها للعلوم الحقة، وفي مقدمتها
علماالحديث
والتفسير، وهذا ما يشاهد بوضوح في بعض الروايات
الفاسدة
التي سرت الى علوم الحديث والتفاسير الروائية
للشيعة، الامر
الذي جعلها حجة بيد الذهبي وامثاله للطعن بالشيعة
ونسبة
التهم والافتراءات الرخيصة اليهم، اهونها غلوهم في
تقديس ائمتهم، وتاويلهم وتفسيرهم للقرآن بما
يتناسب وتلك
القدسية والهالة التي اضفوها على ائمتهم((156)).
واليك، الان، عزيزي القارى، بعض النماذج لروايات التفسير في هذا المجال:
فقد ورد، في تفسير العياشي، ذيل الاية الشريفة: (والسماء والطارق) [الطارق/1].
عن ابي بصير عن الامام الصادق انه قال: «السماء في
هذا
الموضع اميرالمؤمنين، والطارق بطرق الائمة(ع) من
عند
ربهم مما يحدث بالليل والنهار، وهو الروح الذي مع
الائمة(ع)
يسددهم...»((157)).
لا شك في ان هذه الرواية جديرة بالبحث والدرس سيما
انها
تنطوي على نوع من الغلو، كانها تتناغم وتلك
الاسطورة التي
ذهبت الى ان: «عليا بين السحاب».
فقد قال امام الاشاعرة ابو الحسن الاشعري (م 314ه) في
شان
فرق الغلاة: «ان بعض فرق الغلاة تسلم على السحب،
وذلك
لانها تعتقد بان الامام عليا(ع) فيها»((158)).
ومن هنا تبرز ضرورة التحفظ على الرواية التي صرحت
بان
المراد بالسماء هنا الامام علي والتعامل معها بحذر
واحتياط
بفعل قضية التشابه التي تحكمها مقارنة مع
الاسطورة آنفة الذكر.
ان العلامة الطباطبائي، وخلافا لعادته وديدنه في
استعراضه
للروايات المرتبطة بكل آية حين تفسيرها، وتناولها
بالبحث
والتحقيق، وابداء وجهة نظره حيالها، نراه هذه
المرة لم ينوه، لا
من قريب او بعيد، بهذه الرواية وما شابهها من
الروايات، والحال
انه لم يهمل اية رواية وردت في اهل البيت، الى جانب
التذكير
بانها من قبيل الجري والتطبيق بالنسبة للاية القرآنية التي يروم تفسيرها.
وهذا ما نلمسه في اشارته الى الروايات الواردة في
شان الاية
الشريفة (اهدنا الصراط المستقيم) على ان المراد
بالصراط
المستقيم علي(ع) واهل البيت، وان ذلك يحمل على التطبيق والجري. غير انه لم يتبع
ذلك الاسلوب بالنسبة للاية المذكورة: (والسماءوالطارق) والذي ان دل على شيء
فانما
يدل على عدم قوله باعتبار تلك الرواية((159)).
لا شك في ان التفاسير الروائية الشيعية قد شحنت
بمثل هذه
الروايات التي تشم منهارائحة الغلو. ولا بد من
الاذعان لهذه
الحقيقة التاريخية المرة التي تتطلب بذل
الجهودالخيرة
والمخلصة، من قبل المعنيين في شان علوم الحديث
والتفسير،
من اجل اعادة النظر في تلك الروايات وغربلتها بهدف
تمييز
غثها من سمينها وسقيمها من صحيحها. تاثير الغلو في الاحاديث الموضوعة
يعد وضع الاحاديث وما رافقه من دس وتهم وافتراءات من الافات والمفاسد التي طالت
الموروث الروائي للاسلام، ومن ثم تعريض اعتبار الروايات للمشاكل والصعوبات بالغة
التعقيد.
ان أحد الابحاث التي طرحها علماء الحديث، في باب
دراسة
الاحاديث الموضوعة، قداختص بالخوض في جذور العلل
والعناصر التي ادت الى وضع الاحاديث وتزييفها.
فقد احصى بعض المحققين، كابن الجوزي (م 157ه)((160))،
على سبيل المثال، اكثر من عشرة اسباب ادت الى تلك
الحالة،
وهي اسباب دفعت بعدد من الرواة لابتداع الاحاديث الموضوعة.
محمد عجاج الخطيب((161)) من علماء الحديث هو الاخر
خاض في بيان العلل والعوامل التي دفعت الى تسلل الكذب والافتراء الى الحديث
ايضا.
فقد قال ابن الجوزي في هذا الشان: القسم الثاني: قوم لم يعانوا على النقل فكثر خطاهم وفحش، على نحو ما جرى للقسم الاول. القسم الثالث: قوم ثقاة، لكنهم اختلطت عقولهم في آخر اعمارهم، فخلطوا في الرواية.
القسم الرابع: قوم غلب عليهم السلامة والغفلة، ثم
انقسم هؤلاء
فمنهم من كان يلقن فتلقن، ويقال له: قل فيقول. وقد
كان
بعض اولاد هؤلاء يضع له الحديث فيدون ولا
يعلم،ومنهم من
كان يروي الاحاديث، وان لم تكن سماعا له، ظنا منه ان
ذلك
جائز، وقد قيل لبعض مغفليهم: هذه الصحيفة سماعك؟ فقال:
ولا بد من القول، هنا، بالنسبة لروايات الشيعة: ان
مما لا شك
فيه هو ان نظرة الغلووالافراط تجاه الائمة
المعصومين(ع)
تمثل احد اهم الاسباب التي دعت لوضع بعض الاحاديث
والروايات. وهذا ما كشف عنه الامام الرضا مخاطبا
احد رواة
الحديث،ويدعى الحسين بن خالد قائلا: «يابن خالد،
انما وضع
الاخبار عنا الغلاة...»((163)).
مما لا شك فيه، ويؤسف له، ان هناك موضوعا مشتركا
يحكم
المباني العقدية للشيعة وافكار الغلاة
ومعتقداتهم؛ الا وهو
مسالة اهل البيت(ع) وكيفية التعامل معها، الامرالذي
ادى الى
تسرب بعض العبارات الباطلة، التي تشم منها رائحة
الغلو، الى
احاديث الشيعة؛ وقد بلغ هذا الامر ذروته في روايات
التفسير
بفعل الجهود والمحاولات التي بذلوها بهدف خلق حالة
من
الانسجام والتناغم بين مفاهيم الايات القرآنية
وانطباقها
على الائمة(ع). ومن هنا تتضح خطورة الوظيفة التي
ينبغي ان
يقوم بها المتخصصون والمعنيون بالتفسير والحديث، والتي تكمن في مراعاة الحيطة
والحذر في اثناءدراستهم لروايات التفسير. الغلو والتعظيم
لا ينبغي للاحتياط والابتعاد عن الغلو ان يحولا دون تعظيم منزلة اهل البيت(ع)،
باعتبار ذلك وظيفة شرعية. بعبارة اءخرى: لا بد من الوقوف على الحد الفاصل بين الغلو
والتعظيم؛ كي لا يكون الغلو ذريعة لعدم ممارسة تلك الوظيفة. اما تكريم المعصومين(ع)
وتعظيمهم فانما يكمن في الاعتقاد بعصمة النبي الاكرم(ص)واهل بيته(ع) وقدسيتهم
وطهارتهم، وتصديق معجزاتهم وكراماتهم، وسمو مقامهم وكمالاتهم الى جانب كونهم عبادا
مربوبين لله لا يسبقونه بالقول، وهم بامره يعملون.
هذه هي المباني العقدية والاصول العقلية المسلمة
للطائفة
الشيعية الحقة، اضافة الى البراءة من الغلو
والتفويض، بمعنى
تفويض الله للمعصومين(ع) امور الخلق((164)).
مع ذلك، فان الغفلة عن التمييز بين الغلو والتكريم،
دفعت
بعضهم الى اعتبار تكريم الشيعة واعتقادها بعصمة
اهل
البيت(ع) وتصديقها لمعجزاتهم وكراماتهم
مغالاة،
فرموا هذه
الفرقة بتلك التهمة الشنيعة. وهذا ما صرح به مؤلف
كتاب
«الوشيعة في نقض عقائد الشيعة» اثناء بحثه لمسالة
الغلو، بعد
ان نقل كلمات الشيخ الصدوق(ره) في اعتقاد الشيعة
بضلال
الغلاة وكفرهم، منتقدا حديثه بالقول: «ان الشيعة لا
يغالون
في ائمتهم، وما يراه الصدوق غلوا، والشيعة بريئة
منه، انما هو ما
يعتقدون به بالنسبة لائمتهم»((165)).
وهذا ما صرح به الذهبي((166)) والاخرون ايضا، وما ذلك الا
بسبب عدم الوقوف على الفارق بين الغلو والتكريم والنظر اليهما بعين واحدة. تهذيب التفاسير من الاسرائيليات
الخطر الجدي الاخر الذي تعاني منه التفاسير
الروائية يكمن
في نفوذ الاقاويل والاساطير اليهودية والنصرانية
والتي يصطلح
عليها عادة بالاسرائيليات((167)). |