وقد اتفق علماء الفريقين على كثرة الاسرائيليات التي تسربت الى التفاسير الروائية. فقد تطرق ابن خلدون (م 808ه) لمدى حجم تلك الاسرائيليات التي تسللت الى التفاسيرالروائية، بعد ان تعرض لاسباب اجتياحها لعلمي الحديث والتفسير، قائلا: «غصت التفاسير باقاويل اهل الكتاب، وقد تغافل المفسرون عن هذا الامر فملاوا تفاسيرهم بهذه الاقاويل التي سربها اتباع التوراة...»((168)). ولا ننسى هنا ما اورده العلامة في هذا الشان؛ حيث قال: «ان انسراب الاسرائيليات وما يلحق بها من الموضوعات والمدسوسات بين رواياتنا لا سبيل الى انكاره»((169)).

وقد اشار ابن كثير - احد ابرز مفسري اهل السنة - الى هذه القضية قائلا: «ان اغلب التفاسير بالماثور انما نقلت للرواة من قبل اليهود والفرس من غير المسلمين، او ممن انتحل الاسلام من اهل الكتاب، وقد صرح بعضهم بان جميع هذه الروايات وردت في شان قصص الانبياء مع اقوامهم، معجزاتهم، الامور المتعلقة بالكتب السماوية والحوادث التاريخية، مثل قصة اصحاب الكهف، ارم ذات العماد وما الى ذلك، وهي اباطيل واساطير جاءت على لسان الروايات، وقد صدقها بعض اصحاب النبي(ص)، ولذلك قال احمد بن حنبل: «ثلاث لا اساس لها:
1- روايات التفسير.
2
- روايات الملاحم.
3
- روايات الحروب والغزوات»((170)).

وقد تحدث احد علماء الحديث عن تاثير الروايات الاسرائيلية في اسقاط اعتبار سائرروايات التفسير قائلا: «لقد تسربت الاساطير والخرافات الخيالية الى تفاسير الماثوربحيث لا يقر المتتبع للتفاسير ايا منها، وذلك لانه سيتوصل الى ان جميع هذه التفاسيرانما نشات من مصدر واحد هو اهل الكتاب، والحق ان بعض الرواة قد افرطوا في نقلهم للاسرائيليات، فزرعوا الطريق بالاشواك امام المفسرين وخلطوا الروايات الصحيحة للتفسير بتلك الغثة السقيمة»((171)).

على كل حال، فان نفوذ الاسرائيليات الى عمق التفاسير الماثورة مما تسالم عليه رواة الحديث وعلماء التفسير الذين تناولوا هذه المسالة بالبحث والدرس والتحقيق.

وهذا ما لمسناه بوضوح في اقوالهم آنفة الذكر، الى جانب اقراره من قبل سائرالمحققين، مثل ابو رية((172))، الذهبي((173))، والاستاذ معرفة((174))، وقد آثرنا عدم التعرض لاقوالهم وتصريحاتهم في هذا الشان مراعاة للاختصار وعدم الاطالة. وان كان هناك بعض الخلاف الطفيف بين العلماء والمحققين في باب اسباب ظهور تلك المسالة ودور بعض الافراد والشخصيات فيها.

ومما يجدر ذكره، في هذا المجال، هو ان ابن كثير وسائر المفكرين والعلماء السابقين قد ذهبوا الى ان اغلب الروايات الاسرائيلية انما وردت بشكل قصص واساطير، امابعض المفسرين الاخرين فاعتقدوا بان الاسرائيليات قد تسللت الى عمق التفاسيرالروائية، وهي لا تقتصر على موضوع او محور واحد، ولذلك صرح شمس الدين الذهبي بان هذه الروايات قد طالت عدة مجالات، من قبيل الاعتقادات، الاحكام،المواعظ والارشادات والحوادث والوقائع التاريخية((175)). وقد استدل على ذلك من خلال تقييمه لثلاثة امور، وهي: سندها، ومتنها، ومدى انسجامها من عدمه واحكام الشرع المقدس. مع ذلك، فان الاقسام المذكورة التي اشار اليها الذهبي ليست مستقلة،ويمكن ان يتداخل بعضها مع بعضها الاخر. على سبيل المثال فان تلك الطائفة من الروايات المتعلقة بالقصص يمكنها ان تكون، من حيث الموضوع والمضمون، ذات ارتباط وثيق بالامور العقدية، كعصمة الانبياء والملائكة؛ او انها تختزن بعض المواعظ والنصائح والارشادات، او انها بالتالي قد تكون ذات علاقة بالمواضيع الفقهية والعملية.

والذي نخلص اليه، في خاتمة المطاف، هو ان ما يدعو لايلاء الاهمية القصوى للاسرائيليات انما يكمن في تنوع روايات اليهود والنصارى التي دسوها في التفاسيرالروائية واختلافها، وهذا ما يتطلب اعادة النظر وممارسة اليقظة والحذر في التعامل مع التفاسير الماثورة، ليتسنى للمفسر ان يباشر وظيفته في التفسير، وبالاستفادة من الروايات بعد دراستها بصورة موضوعية وتاكده من مدى صحة مضمونها ومحتواها.

طرق التعرف الى الاسرائيليات

لقد اشرنا، في بداية البحث، الى ان التعامل مع اسانيد روايات التفسير لا يخدم قضية التعرف الى الاسرائيليات، وقد عزونا اسباب ذلك الى:

أولا: ضعف سند تلك الروايات او فقدها للسند اساسا. الامر الذي يعني عدم قبول جم عظيم من تلك الروايات حين تطبيق ذلك المنهج والاسلوب.

ثانيا: لقد لوحظ، في اثناء دراسة هذه الروايات، ان لبعض منها سندا معتبرا الا ان هناك حالة من التناقض وعدم الانسجام بين متونها ومضامينها والاصول العقدية والعقلية اوالشرعية المسلمة. فاذا ما اقتصر تقييم الروايات على بحث اسانيدها لم تكن هناك من شائبة في قبولها واقرارها. والحال انها ليست جديرة بالقبول. وسنتطرق الى هذه المسالة في خاتمة هذا البحث.

وعليه، فان افضل منهج يمكن اعتماده في تهذيب روايات التفسير وانجعه واوثقه انمايكمن في تقييم مضامين الروايات ومتونها على ضوء المباني العقلية والنقلية المسلمة، وهو ما اصطلحت عليه الروايات ب «عرض الحديث على القرآن والسنة النبوية القطعية».

وهذا ما نراه في الروايات التفسيرية للائمة المعصومين(ع)، الذين فندوا بعض الاقوال والنقول الواردة في شان تفسير بعض الايات من خلال التمسك بالايات القرآنية الشريفة.

على سبيل المثال، فقد تعرضت اغلب التفاسير الروائية لاهل السنة وبعض التفاسيرالشيعية للروايات الواردة في شان الاية: (... وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) [البقرة/102]، وكيفية نزولهما الى الارض والاحداث التي تلت ذلك. ومضمون تلك الروايات كالاتي:

«ان الله جعل آدم خليفته في الارض، فاعترضت الملائكة قائلة: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: اني ابليتهم وعافيتهم. قالوا: لو كنا مكانهم ماعصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يالوا جهدا ان يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت فنزلا، فالقى الله عليهما الشبق، لياتمروا كآدم بالعبادة، اجتناب الشرك، قتل النفس، اكل الحرام، السرقة، الزنا وشرب الخمر و... فجاءت امراة جميلة يقال لهاالزهرة فوقعت في قلبيهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال احدهما للاخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم. فطلباها لنفسيهما، فقالت:لا امكنكما حتى تعبدا هذا الصنم، او تقتلا، او تشربا الخمر. فابيا ثم سالاها ايضا فابت.واخيرا اختارا شرب الخمر كاسهل طريق لتحقيق رغبتهما، فشربا. فرآهما شارب للخمر فقتلاه مخافة ان يفضحهما. فلما افاقا ارادا ان يصعدا الى السماء فلم يستطيعا. وماان اطلع عليهما سائر الملائكة حتى تراجعوا عن اعتراضهم وجعلوا يستغفرون لاهل الارض بدلا من لعنهم والنقمة عليهم».

فقد وردت هذه الرواية التي تشير الى تلك الاسطورة في اغلب التفاسير الماثورة لاهل السنة، ومنها تفسير الطبري((176))، تفسير السيوطي((177))، تفسيرالميبدي((178))، زاد المسير((179))، وكذلك في بعض التفاسير الروائية للشيعة من قبيل تفسير العياشي((180))، مع بعض الاختلاف الطفيف، حيث نقلهامرفوعة عن الامام الباقر. وقد اكتفت التفاسير المذكورة بنقل الرواية من دون التعرض لبطلانها وعدم صوابها، في حين صرح اغلب مفسري الشيعة كالشيخ الطوسي، الشيخ الطبرسي، العلامة الطباطبائي، وكذلك بعض مفسري السنة كابن كثير وابن الجوزي من علماء الحديث الى فساد تلك الرواية بعد التعرض لنقلها.

وقبل ان نتعرض لما اورده المفسرون في شان روايات هاروت وماروت، نورد رواية الامام العسكري، ليتضح، بما لا يقبل الشك، سلوك الائمة(ع) لافضل الاساليب ازاءروايات التفسير، ليلقنوها اتباعهم بصورة عملية.

فقد روى المحدث البحراني الرواية المنسوبة للامام العسكري حين جوابه عن صحة ما يتناقله الناس في شان قصة هاروت وماروت او عدم صحته، فقال: «معاذ الله من ذلك،ان الملائكة معصومون محفوظون من الكفر والقبائح بالطاف الله تعالى. فقد قال الله تعالى فيهم: (لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون)» [التحريم/6].

وهذا ما اجاب به الامام علي مستدلا على عصمة الملائكة وعبوديتهم المطلقة لله بسائرالايات القرآنية، ومنها قوله: (وله من في السماوات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون؛ يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الانبياء/19و20]، (بل عباد مكرمون؛ لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون؛ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولايشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) [الانبياء/28-26].

فالامام علي يفند، بادى ذي بدء، مضمون الرواية من دون الاعتناء بسندها وناقلها، وذلك لعدم انسجامه واحدى المسلمات القرآنية، الا وهي عصمة الملائكة.

المفسرون والاسرائيليات

وفقا لبعض المصادر، فان للرواية السابقة سندا معتبرا، الا ان ذلك لم يكن ليغر بعض المفسرين الملمين بالمباني والاصول الدينية المسلمة او يخدعهم، الامر الذي جعلهم يقولون بوضعها وفسادها بمجرد عدم تناسب مضمونها وعصمة الملائكة.

وهنا لا بد من القول: ان ابن كثير كان قد ابدى مهارة فائقة في هذا الخصوص، بفضل المامه ومعرفته بالاسرائيليات الى جانب التعريف بها للاخرين. فقد ذكر طائفة من هذه الروايات التي عد بعضا منها من قبيل الرفع التي تعد عندهم من اوثق انواع الحديث فصرح بشانها قائلا: «روايات الرفع غريبة جدا.... ورفع مثل هذه الاسرائيليات الى النبي كذب واختلاق الصقه زنادقة اهل الكتاب»((181)).

الشيخ الطوسي ايضا، وبعد ذكره للاقوال، ينقل بعض اسطورة هاروت وماروت، ثم يتركها ناقصة مشيرا الى فسادها وبطلانها فيقول: «في حديث طويل لا فائدة في ذكره»وبدور((182)) ه صرح المرحوم الطبرسي بعد استعراضه للاقوال واشارته الى قضية هاروت وماروت المروية عن العياشي والتي رفعها الى الامام الباقر، قائلا: «ومن قال بعصمة الملائكة(ع) لم يجز هذا الوجه»((183)).

والواقع انه رفض بهذه العبارة نسبة رواية قصة هاروت وماروت للامام الباقر. وهذا مااشار اليه العلامة الطباطبائي بعد نقله لتلك الرواية قائلا: «وهذه قصة خرافية تنسب الى الملائكة المكرمين الذين نص القرآن على نزاهة ساحتهم وطهارة وجودهم عن الشرك والمعصية اغلظ الشرك واقبح المعصية وهو عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب الخمر».

ثم يشير لاحقا الى ما ورد في تلك الاسطورة؛ من ان تلك المراة الحسناء طمسها الله كوكبا وهو كوكب الزهرة، اثر اضلالها الملكين، فيقول: «ان هذه لاضحوكة، فهي كوكبة سماوية طاهرة في طليعتها وصنعها اقسم الله تعالى عليها في قوله: (الجوار الكنس) [التكوير/16]، على ان علم الفلك اظهر اليوم هويتها وكشف عن عنصرها وكميتها وكيفيتها وسائر شؤونها»((184)).

ومن هنا يظهر للباحث المتامل ان هذه الاحاديث كغيرها الواردة في مطاعن المعصومين وعثراتهم!! لا تخلو من دس دسه اليهود فيها، وتكشف عن تسربهم الدقيق ونفوذهم العميق بين اصحاب الحديث في الصدر الاول للاسلام. فقد لعبوا في رواياتهم بكل ما شاؤوا من الدس والخلط واعانهم على ذلك قوم آخرون.

اما الاستاذ «معرفة»، وبعد نقله لاقوال العديد من علماء الحديث من اهل السنة، في عدم اعتبارهم لمثل هذه الروايات، من قبيل ما قاله ابو الفرج ابن الجوزي، شهاب العراقي وابو شهية وابن كثير، فيشير، من جانبه، الى تناقض تلك الروايات ومباني العقل السليم فيقول: «لقد نسبت اقبح المعاصي في هذه الاسطورة لملكين من الملائكة، والتي لاتصدر من ارذل الافراد من بني البشر، فضلا عن الموجودات المعصومة كالملائكة، اضافة الى انها لا تنسجم وآيات القرآن»((185)).

ثم يستسخف قضية عقوبة تلك المراة الزانية على انها همت بالصعود، فطمسها اللهكوكبا متلالئا، فيقول: «ان النقل الصحيح والعقل السليم لا يقر مثل هذه الخرافات باي وجه من الوجوه، وان كان لبعضها سند صحيح، الا ان هذا لا يقوى دليلا على اغفال ضعف مضمونها»((186)).

وناهيك عن كل ما تقدم عن خيالية هذه الاسطورة وخرافيتها، فان هناك ما يكشف بجلاء ضعفها وفسادها، الا وهو ما ورد آخر الرواية من ان الملائكة وقفت على عجزهاروت وماروت، وقد اصبحا اسيري شهوتهما، فكفت عن لعن بني آدم لتستبدله بالدعاء لهم والاستغفار. واذا ما امعنا النظر في هذا الكلام فاننا نكتشف من دون عناء انه اي هذا الكلام جعل للانسان عذرا في ارتكابه للمعاصي ومقارفته للذنوب، علاوة على انه يختزن تشجيعهم على الاتيان بالذنوب والمعاصي، سيما ان الملائكة هي التي تدعو وتستغفر لهم ربهم. ومن الواضح بجلاء ان هذا الامر يتناقض وروح الاسلام وجوهر القرآن الذي يرى الانسان مسؤولا عن اعماله (واءن ليس للانسان الا ما سعى)[النجم/39].

ان ما ذكرناه يمثل انموذجا من بين مئات النماذج للروايات الاسرائيلية والموضوعة التي تسربت الى التفاسير الروائية للفريقين. واننا لنلمس عمليا في تفسير الميزان بعض الروايات الموضوعة والاسرائيلية التي لا يغفل العلامة عن الاشارة اليها والتعريف بها.

والاستاذ «معرفة» هو الاخر كثيرا ما يشير الى الروايات الموضوعة والاسرائيليات التي تنقل خلال القصص القرآنية. ونشير هنا الى بعض النماذج من تلك القصص والاساطيرورواياتها:

- قصة حواء وكيفية خلقها من ضلع آدم، والتي وردت روايتها في تفسير علي بن ابراهيم القمي ذيل الاية الاولى من سورة النساء.

- أسطورة الجن والانس وخلقهما قبل الانسان التي وردت روايتها في التفسيرالمذكور.

- أسطورة تسمية آدم وحواء ابنهما ب «عبد الحارث» وشركهما بالله، وقد وردت روايتها في تفسير القمي((187)).

- قصة داود واوريا ونسبة التهمة الشنيعة لداود. وسائر القصص والاساطير التي اشاراليها((188)).

الى جانب ذلك، فقد افرد اكثر من مئة وثمان وستين صفحة ليتناول بالدراسة والتحليل اكثر من ثلاثين انموذجا من الاسرائيليات. وهذا ما اورده بصورة مقتضبة ومعززة بالشرح محمد ابي شبهه في كتابه الذي يحمل عنوان «الاسرائيليات والموضوعات»((189)).

اخيرا، وعلى الرغم من كل ما تقدم من الجهود العظيمة التي بذلت، والدراسات التي طالت الروايات، سيما تلك الواردة في التفسير، والتي تستحق المدح والثناء، الا انه لابد من القول: انها ليست كافية ولا تفي بالغرض المطلوب؛ وذلك ان روايات التفسيركافة جديرة بالبحث والتعمق الاكثر سعة وشمولية. وينبغي التذكير ثانية بان تهذيبهاوتصفيتها وتخليصها مما علق بها من الموضوعات والاسرائيليات، لا يتسنى ويتيسر الامن خلال اسلوب دراسة مضامينها ومتونها، ثم عرضها على الاصول والمباني المسلمة للعقل والشرع، والا فان رواياتنا ستظل مشتملة على تلك المخاطر والافات وملوثة بتلك الاباطيل والخزعبلات، والتي ستؤدي بالتالي الى عدم الاستفادة المطلوبة من هذاالخزين النفيس لكلمات ائمة العصمة(ع) واقوالهم بسبب اختلاطها بتلك الموضوعات والاسرائيليات، الامر الذي يعني حرمان الامة من هذا الموروث الهائل الطاهر النفيس.

اشكاليات حول التراث الشيعي الحديثي
وقفتان مع د. ناصر القفاري

د. فتح الله النجار

تمهيد

في العقد الاخير من القرن العشرين، برز في الاسواق كتاب يحمل عنوان «اصول مذهب الشيعة الامامية الاثني عشرية»، من تاليف الدكتور ناصر بن عبيدالله بن علي القفاري، وقد استعرض المؤلف، في هذا الكتاب المكون من ثلاثة اجزاء، مجمل الموضوعات التي تخص الطائفة الشيعية على صعيد المعتقد، وعلى صعيد الفكرالشيعي عموما، وسجل فيه سلسلة من الانتقادات للفكر الشيعي، ليحوز الكتاب في النهاية على رعاية خاصة من بعض التيارات الاسلامية المعاصرة، اعني بها التيارات السلفية عموما.

وقد كانت لنا وقفة مطولة مع مؤلف هذا الكتاب حول موضوع تحريف القرآن، في كتاب مستقل خصص لنقد المقولات التي اثارها في كتابه، وكشفنا هناك مدى التحامل واللاامانة في تعاطيه مع المذهب الشيعي. وسنتحدث، هنا، عن مغالطتين وقع فيهماالباحث المذكور، تخصان قضايا تتعلق بالتراث الشيعي، وذلك لكي يطلع القارى، عبر هذين الانموذجين، على طبيعة الاليات التي استخدمها، فبعض ادعاءات الدكتورالقفاري في هذا الكتاب تمثل ضربة قاصمة وخطيرة، فلا يتسنى للانسان ان يمر بها من دون اعتناء او ان يتجاهلها من دون اهتمام، وذلك نظرا للاثار بالغة السوء التي تتركهاهذه الادعاءات في اذهان الاخرين.

ومن هذه الجهة، سوف احاول معالجة ادعاءين اثارهما القفاري، على سبيل الاختصاروالايجاز.

الادعاء الاول: يقول الدكتور القفاري: «نحوت، في دراسة الموضوع، منحى علمياتكشفت فيه معالم جديدة، ولعل من ابرزها... اكتشاف صلة شيخ الاسلام ابن تيمية ومنهاج السنة باكبر تحول في تقويم النصوص عندهم وتقسيمها الى صحيح وضعيف وموثق...»((190)).
فهل صحيح ان التحول، في تقويم الشيعة للنصوص، كان مرتبطا بابن تيمية وكتابه اولا؟

الادعاء الثاني: وهو ادعاء كثيرا ما يكرره الدكتور القفاري في كتابه، ويتمثل في قوله: «...ان الشيعة يغيرون في كتب قدمائهم...»((191)).
هل ان الشيعة غيرت فعلا في كتب قدمائها مضيفة اليها، او منقصة شيئا ممافيها؟

تاثيرات ابن تيمية في الفكر الشيعي الحديثي

ونهدف، هنا، الى دراسة كشف القفاري للصلة ما بين ابن تيمية و«منهاج السنة»وحدوث اكبر تحول في تقويم النصوص عند الشيعة، وتقسيمها الى صحيح وضعيف وموثق.

قال الدكتور القفاري: «يلحظ ان بداية تقويم الشيعة للحديث وتقسيمه الى صحيح وغيره قد كانت في القرن السابع، وجاءت متوافقة مع حملة ابن تيمية عليهم في منهاج السنة حينما شنع على الشيعة قصورهم في معرفة علم الرجال.

ان التوافق الزمني بين رد ابن تيمية ووضعهم لهذا الاصطلاح قد ينبى عن تاثرهم بنقدابن تيمية لهم؛ حيث اعترفوا «بان هذا الاصطلاح (وهو تقسيم الحديث عندهم الى صحيح وموثق وضعيف) مستحدث من زمن العلامة»((192)).

والعلامة، اذا اطلق في كتب الشيعة، يقصد به ابن المطهر الحلي الذي رد عليه ابن تيمية، بل هناك ما يؤكد الموضوع اكثر، وهو ان ابن المطهر الحلي هذا هو كما يقول صاحب الوافي : «اول من اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك»((193))، اذن الا يدل هذا على ان لابن تيمية و«منهاج السنة» اثرا في ذلك، وان بدء ابن المطهر في وضع هذه المقاييس، للشيعة انما هو بسبب النقد الموجه له من ابن تيمية؟»((194)).

لكن اكتشاف الدكتور القفاري هذا ليس سوى ادعاء موهوم، بعيد عن الادلة والاثباتات،وليس له اساس عدا تلك الرغبة التي تشد الدكتور القفاري وباقي السلفيين نحو ابن تيمية.

ان الدليل الوحيد الذي يقدمه لنا الدكتور القفاري على ادعائه هذا هو التوافق الزمني مابين ابن تيمية والعلامة الحلي (ت 762ه ق)، وان كتاب «منهاج السنة» لابن تيمية هونقد على كتاب «منهاج الكرامة في معرفة الامامة» الذي الفه العلامة الحلي.

اننا نوافق الدكتور القفاري على مدعاه القائل: ان ابن تيمية ترك اثره في العلامة الحلي نفسه عندما يثبت امامنا بالدليل:

أ- ان العلامة الحلي كان قد قرا كتاب «منهاج السنة» المخصص للرد على كتاب «منهاج الكرامة في معرفة الامامة» للعلامة الحلي نفسه.

ب- ان يكون العلامة الحلي قد استند، في كتابه «منهاج الكرامة»، على الروايات الشيعية حتى يؤدي انتقاد ابن تيمية له الى التفتيش عن مخلص يضع النصوص الروائية الشيعية في دائرة الميزان والمقياس.

ج- ان يثبت ان اول شخص ابتكر فكرة وضع المقاييس لروايات الشيعة هو العلامة الحلي، وانه هو الذي قام بتقسيم هذه الروايات الى صحيح وحسن وموثق وضعيف.

هذا، ولكن اثبات هذه القضايا الثلاث امر غير ممكن، وذلك للاسباب الاتية:

أولا: كان الدكتور القفاري يغفل او يتغافل عن ان الكتب السنية وبقطع النظر عن الكتب الشيعية قد ذكرت ان كتاب: «منهاج السنة» لابن تيمية لم يتعرض للرد من طرف العلامة الحلي، وانه بمجرد ان لاحظ العلامة الحلي عنوان كتاب ابن تيمية:«منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية»، قال: «لو كان يفهم ما اقول اجبته»((195))، وذلك كناية عن ان الشيعة لم تكن قدرية في يوم من الايام، اي ان العلامة الحلي كان يريد القول: ان عنوان كتاب: «منهاج السنة» الذي يقدم الشيعة على انهم قدريون يدلل على ان ابن تيمية لم يفهم حتى الان المعتقدات الشيعية، ولم يتعقلهاجيدا حتى يقدم على توجيه نقد لها او رد عليها.
وبناء عليه، فاننا نسال الدكتور القفاري: ان الكتاب الذي لم يقراه العلامة الحلي على الاطلاق، كيف يمكن ان يقع تحت تاثيرات مؤلفه حتى يكون ذلك باعثا له على تاسيس تقسيم جديد لروايات الشيعة يضعها تحت اقسام اربعة؟

ثانيا: على تقدير قراءة العلامة الحلي الانتقادات التي وجهها ابن تيمية له، في كتاب:«منهاج السنة»، فان ابن تيمية نفسه لم يتمسك في نقده هذا الكتاب: «منهاج الكرامة» بروايات الشيعة ابدا، حتى يقع العلامة الحلي تحت تاثير ابن تيمية في هذه الردودليضع على اساس من ذلك مقاييس يخضع لها الروايات الشيعية في ما بعد، وليبقى مصونا من تلك الهجمات التي قام بها ابن تيمية عليه، بل ان كافة روايات العلامة الحلي التي استند اليها انما هي من كتب اهل السنة، فابن تيمية نفسه كما يقول ابن حجر هو الذي رد الكثير من الروايات السنية المعترف بها في اوساط اهل السنة والتي شكلت معتمدا للعلامة الحلي لاثبات الافكار الشيعية، وقد وجه ابن تيمية اهانات كثيرة جدا الى العلامة الحلي، وبلغ به الامر ان تعرض للامام علي نفسه((196)).

ثالثا: لقد وقع خلاف بين علماء الامامية حول تحديد الشخصية الاولى التي قامت بتقسيم الاحاديث الى اقسام اربعة، وهو ما بعث بعض العلماء للوقوف موقف الشك والتردد، وكان السؤال: هل ان من قام بذلك هو احمد بن طاوس استاذ العلامة الحلي اوانه العلامة الحلي نفسه؟((197)) ويضم المحدث الحر العاملي (م 1104ه ق) نفسه الى هذه الفئة اي المترددين قائلا: «ان هذا الاصطلاح مستحدث في زمن العلامة او شيخه احمد بن طاووس كما هو المعلوم»((198))، وانتم تلاحظون ان الدكتور القفاري قد استند الى هذه العبارة نفسها لاثبات مدعياته، بيد انه ومع الاسف قام بحذف الفقرة التي تقول: «او شيخه ابن طاووس»، ظانا انه بهذا التقطيع لكلمات الحر العاملي يمكنه ان يبلغ ذاك الكشف المبتكر الذي ادعاه.

كما ان الدكتور القفاري قد اقدم على هذه الخيانة العلمية التي فعلها في عبارة الحرالعاملي بتقطيعه النص ليستنتج منها بعد ذلك ما استنتجه قائلا: «وكان... رواياتهم (اي الشيعة) كانت بلا زمام ولا خطام حتى شنع الناس عليهم بذلك، فاتجهوا حينئذ لذكر الاسناد...»((199))، وهي نتيجة كاذبة نجمت عن ذاك التقطيع القبيح((200)).

هل مورست عمليات تحريف للتراث الشيعي من قبل الشيعة انفسهم؟

يقول الدكتور القفاري، في ما يتعلق بكتاب: «من لا يحضره الفقيه»: «زادوا في روايات كتاب من لا يحضره الفقيه لابن بابويه اكثر من الضعف، كما سياتي في فصل اعتقادهم في السنة»((201)).

ان كتاب القفاري بين ايدينا، وها هو الفصل المعنون ب«اعتقادهم في السنة» لا نجد فيه عينا ولا اثرا لهذا البحث، بل ولا نجد ذلك في اي فصل آخر، ومن ثم فلا نجد مايدفعنا للبحث في رد هذا الادعاء الذي اقامه القفاري((202)).

اما في ما يتعلق بالكتب الاخرى، فيكتب قائلا: «ان كتبهم الاربعة الاولى (اي الكافي،وتهذيب الاحكام، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه) لم تخل من دس وزيادة، وآية ذلك ان تهذيب الاحكام للطوسي بلغت احاديثه (13950) حديثا، كما ذكر آغا بزرك الطهراني في «الذريعة» ومحسن العاملي في «اعيان الشيعة» وغيرهما من شيوخهم المعاصرين، في حين ان الشيخ الطوسي نفسه صرح، في كتابه: «عدة الاصول»، بان احاديث التهذيب واخباره تزيد على (5000)، ومعنى ذلك انها لا تصل الا الى (6000) في اقصى الاحوال، فهل زيد عليها اكثر من الضعف في العصور المختلفة؟! الدليل المادي الملموس امامنا يؤكد ذلك.

وايضا تراهم اختلفوا هل كتاب الروضة وهو احد كتب الكافي التي تضم مجموعة من الابواب وكل باب يتضمن عددا كبيرا من الاحاديث هل هو تاليف الكليني ام مزيد في ما بعد على كتابه الكافي، فكان امر الزيادة شيء طبيعي ووارد في كل حال».

«بل الامر اخطر من ذلك، فان شيخهم الثقة عندهم حسين بن حيدر الكركي العاملي(م 1076ه ق) قال: ان كتاب الكافي خمسون كتابا بالاسانيد التي فيه لكل حديث متصل بالائمة، بينما نرى شيخهم الطوسي (م 360ه ق هكذا في كتاب القفاري، والصحيح 460ه ق) يقول: كتاب الكافي مشتمل على ثلاثين كتابا اخبرنا بجميع رواياته الشيخ...».

«فهل زيد على الكافي للكليني، في ما بين القرن الخامس والحادي عشر عشرون كتابا،مع ان كل كتاب يضم عشرات الابواب، وكل باب يشمل مجموعة من الاحاديث؟! لعل هذا امرا طبيعيا، فمن كذب على رسول الله والصحابة والقرابة فمن باب اولى ان يكذب على شيوخه... وشواهد هذا الباب كثيرة»((203)).

نقد الشواهد التي ذكرها الدكتور القفاري

أولا: لنفرض المحال ان الدكتور القفاري كان مصيبا في دعوى التحريف هذه، فهي مرتبطة بكتابين من الكتب الاربعة، وهما: التهذيب والكافي، اذن فلماذا يعمم القفاري حكمه مدعيا شمول التغيير الكتب الاربعة قائلا: «ان كتبهم الاربعة الاولى لم تخل من دس وزيادة»؟!

ثانيا: ان قول الدكتور القفاري: «ان الشيخ الطوسي نفسه صرح، في كتابه: عدة الاصول، بان احاديث التهذيب واخباره تزيد على (5000)»، مستنتجا عقب ذلك انه «زيد على كتاب التهذيب اكثر من الضعف في العصور المختلفة»، هذا القول هو من اساسه نتيجة عملية خيانة علمية تورط فيها القفاري، فنص عبارة الشيخ الطوسي في «عدة الاصول» ليس كذلك، بل هو على الشكل الاتي: «وقد ذكرت ما ورد عنهم(ع) من الاحاديث المختلفة التي تختص بالفقه في كتابي المعروف ب «الاستبصار» وفي كتاب «تهذيب الاحكام» ما يزيد على خمسة آلاف حديث»((204)).
وبناء عليه، فان كلام الشيخ الطوسي انما يتعرض لبيان كمية الاخبار المختلفة (اي الاحاديث المتعارضة) في كتابي تهذيب الاحكام والاستبصار، ولا علاقة لكلامه بحجم الاحاديث الواردة في هذين الكتابين معا((205))، وهنا نجدد مرة اخرى سؤالناللدكتور القفاري: لماذا لا تراعي ايها الدكتور الامانة العلمية؟ ولماذا حذفت عبارة «الاحاديث المختلفة»، ووضعت مكانها عبارة «احاديث التهذيب واخباره تزيد على(5000)...» هل هذه طريقة علمية ودفاع عن الدين؟!

ثالثا: ان كتاب «الروضة من الكافي»، من وجهة نظر علماء الامامية، من تاليفات ثقة الاسلام ابي جعفر الكليني(ره)((206))، والشخص الوحيد الذي اثار الشك ووقف موقف المتردد من هذا الامر هو «خليل بن الغازي القزويني» (م 1089ه ق)، بل انه لم يشكك في اصل كون كتاب الروضة من تاليفات الكليني، وانما تردد في كونه جزءا من كتاب الكافي ام لا، اي انه تردد في كونه كتابا مستقلا او جزءا من الكافي.

يقول القزويني، في هذا الصدد، في شرحه على الكافي، ما معربه: «اشتمل كتاب الكافي ثلاثة وثلاثين كتابا، فان كان كتاب الروضة من الكافي فحينئذ يكون كتاب الكافي اربعة وثلاثين كتابا»((207)).

وهنا نسال الدكتور القفاري، على سبيل فرض المحال: لو فرضنا ان شخصا واحدا اثارتشكيكا في صحة نسبة كتاب الروضة الى الكليني، فهل يحق لنا سوق الكلام مساقاعاما، والقول: انهم «تراهم اختلفوا هل كتاب الروضة من تاليف الكليني... فكان امرالزيادة شيء طبيعي ووارد في كل حال»، فهل هذا الحكم حكم عادل؟!

ومن المفيد، هنا، استحضار ما ذكره الدكتور حسين علي محفوظ((208)) عن الموضوع في ما كتبه استجابة للفاضل علي اكبر الغفاري محقق كتاب الكافي: «وقد سالتني عن الروضة... اقول: صنف الكليني(ره) كتاب (الكافي) في الاصول والفقه...ولما اكمل الكليني كتابه هذا، واتم رد مواده الى فصولها، بقيت عنده زيادات كثيرة من خطب اهل البيت ورسائل الائمة وآداب الصالحين وطرائف الحكم وابواب العلم، ممالا ينبغي تركه، فالف هذا المجموع الانف، وسماه «الروضة»، لان الروضة منبت انواع الثمار ومعدن الوان الزهر...»((209)).

رابعا: ان كتاب الكافي كتاب معروف من زمن الكليني الى عصرنا الراهن، وهو كتاب متصل الاسناد والرواية مع تغير الازمان وتبدل الدهور والايام، وقد كان شيوخ اهل عصره يقرؤونه عليه ويروونه عنه سماعا واجازة، قال النجاشي: «... جماعة من اصحابنا يقرؤون كتاب الكافي على (تلميذه) ابي الحسين احمد بن احمد الكوفي الكاتب»((210))، وروى هذا الكتاب جماعة من افاضل علماء الشيعة.

ومن رواته من الاقدمين:
ابو جعفر الصدوق((211)) (م 381 ه ق)،
والشيخ المفيد((212)) (م 413ه ق)،
والسيد المرتضى
((213)) (م 436ه ق)،
وابو العباس احمد بن علي النجاشي((214)) (م 450ه ق)،
|
وشيخ الطائفة الطوسي((215))(م 460ه ق) وغيرهم.

وممن روى عن الكافي من اهل السنة عبد الكريم الشهرستاني ((216)) (م 548 ه.ق.) في تفسيره وغيره من العلماء.

اما ما نسبه الى السيد حسين بن السيد حيدر الكركي العاملي (م 1076ه ق) من قوله: «ان كتاب الكافي خمسون كتابا...»:((217)) فهو بالتاكيد اما من سهو القلم، اواشتباه من النساخ، او على ابعد التقادير حساب من جانب السيد الكركي يجعل فيه بعض الابواب ابوابا مستقلة، ودليلنا على هذا الامر هو:

أ- لم يقل احد من علماء الامامية: ان كتاب الكافي مشتمل على خمسين كتابا، فها هم علماء الامامية وكبارهم من القدماء والمتاخرين حتى من كان منهم معاصرا للسيد الكركي، وحتى اولئك الذين اتوا على سرد فهرس كتاب الكافي بشكل مفصل((218))، لم يذكر احد منهم على الاطلاق امرا من هذا القبيل، وهو ان كتاب الكافي مكون من خمسين كتابا.

ب- ان كتاب الكافي موجود في ايدينا اليوم، وقد تم تحقيقه وطباعته لمرات كثيرة، وعليه فبامكاننا نحن والدكتور القفاري حساب عدد كتبه، هل هي فعلا خمسون كتابا اولا؟ وعليه، انه لامر مثير للعجب والاستغراب ان يكون كتاب «الكافي» احد المصادرالتي اعتمدها الدكتور القفاري في دراساته، والتي رجع اليها في تحقيقاته مرات ومرات ناقلا عنها العديد من الروايات، افهل كان هذا الكتاب والسؤال موجه الى الدكتورالقفاري مؤلفا من خمسين كتابا؟ هلا حسبها بنفسه ليتاكد من هذا الامر؟

كان الدكتور القفاري ملتفت الى هذا الحكم غير العادل الذي يصدره في هذا الموضوع، وهو، لكي يقنع قارئه، يكتب في خاتمة ادعائه هذا: «وشواهد هذا الباب كثيرة»((219))، فاية شواهد هذه؟ ولماذا لم يات على ذكرها في كتابه؟

اننا نطالبه بالاتيان بشاهد على هذا الادعاء الذي تقدم به، وان يذكر لنا اسماء تلك الكتب العشرين التي تمت اضافتها الى «الكافي» نفسه، وتحديد مواضعها من الكتاب مهما كانت، بل اذا امكنه ان ياتينا برواية واحدة في المصادر الشيعية او السنية منقولة عن كتاب «الكافي» من دون ان تكون هذه الرواية موجودة في كتاب «الكافي» الذي بايدينا، فهذاامر جيد يمكنه من القول: ان هذه الرواية جزء من تلك الكتب العشرين التي اسقطت من كتاب الكافي!!

جدل واعتراف بوقوع التغيير في التراث الحديثي السني

ان الغرض الذي ابتغاه القفاري وسعى اليه عبر اثباته وجود دس وزيادة في الكتب الشيعية الاربعة الاولى وهو امر لم يوفق فيه هو محاولة تغطية الضعف الذي اشتمل الكتب السنية الكبيرة، وهي كتب سبق ان اعترف بعضهم بانها لم تخل من الدس والزيادة، وهنا نكتفي بذكر بعض الامثلة على هذا الامر:

أ- اختلاف روايات الموطا لمالك بن انس((220))
قالوا: «روي عن مالك روايات مختلفة تختلف في ترتيب الابواب، وتختلف في عدد
الاحاديث حتى بلغت هذه الروايات عشرين نسخة، وبعضهم قال: انها ثلاثون»((221)).

وقالوا ايضا: «وبين الروايات اختلاف كبير، من تقديم وتاخير وزيادة ونقصان، ومن اكبرها واكثرها زيادات رواية ابي مصعب، قال ابن حزم: في رواية ابي مصعب زيادة على سائرالموطت نحو مئة حديث، وقال السيوطي: في رواية محمد بن الحسن الشيباني احاديث كثيرة يسيرة زيادة على الموطت»((222)).

ب- اختلاف روايات صحيح البخاري
قال ابن الصلاح في عدد احاديث صحيح البخاري: «سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثا بالاحاديث المكررة، وقد قيل انها باسقاط المكرر اربعة آلاف حديث»
((223))، وقال ابن خلدون في المقدمة: انها (9200) تسعة آلاف ومئتان((224))، وتبعه ابن حجر، قال في «كشف الظنون» عن ابن حجر: «وجملة ما فيه بالمكرر تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا، خارجا عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات على التابعين»((225)).

وقد حرره في مقدمة كتاب «فتح الباري»: «ان عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار 2602، (الفان وستمئة وحديثان)، ومن المتون المعلقة المرفوعة 159، (مئة وتسعة وخمسون)، فمجموع ذلك 2761 (الفان وسبعمئة وواحد وستون)((226))، وقال في شرح البخاري: ان عدته على التحرير 2513 حديثا!! (الفان وخمسمئة وثلاثة عشر)»((227)).

وفي كتاب «شروط الائمة الخمسة» قال: «عدد احاديث البخاري يزيد، في رواية الفربري، على عدده في رواية ابراهيم بن معقل النسفي بمئتين، ويزيد عددالنسفي على عدد حماد بن شاكر النسفي بمئة كما ذكره العراقي»((228)).

وقالوا: مات البخاري قبل ان يتم تبييض كتابه، قال ابو الوليد الباحي: ويدل عليه اختلاف رواية ابي اسحاق المستملي ورواية ابي محمد السرخسي، ورواية ابي الهيثم الكشهيمي ورواية ابي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتاخير مع انهم استنسخوا من اصل واحد، وانما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم في ما كان في طرة او رقعة مضافة انه من موضع ما، فاضافه اليه، ويبين ذلك انك تجد ترجمتين واكثر من ذلك متصلة ليس بينها احاديث((229)).

واعترف بعض اهل السنة كابن قتيبة((230)) والآلوسي((231)) بوجود الدس والزيادة في مسند احمد وغيره.

حركات التشيع في المغرب ومظاهره

د. عبد اللطيف السعداني
تحقيق وتقديم: ا. الحسين الادريسي

مقدمة

يقول ابن بسام، في تعليقه على قصيدة لابي عمر بن دراج القسطلي التي قالها في رثاء علي بن حمود: «وهذه القصيدة له طويلة، وهي من الهاشميات الغر...، لو قرعت سمع دعبل بن علي الخزاعي والكميت بن زيد الاسدي لامسكا عن القول، وبرآ اليها من القول والحول، بل لو رآها السيد الحميري وكثير الخزاعي لاقاماها بينة على الدعوى، ولتلقيا بشارة على زعمهما بخروج الخيل من رضوى...»((232)).

اذا وضعنا هذا النص في اطاره التاريخي والادبي لوجدناه يعبر عن محاولة الاندلسيين ابراز نبوغ شعرائهم وادبائهم، بعد ان ضاقوا ذرعا بتقليد كل شيء آت من المشرق،وتضايقوا من نظرة المشارقة الى المغاربة والاندلسيين باعتبارهم تبعا لهم في كل شيء،وقد اوضح ابن بسام، في مقدمة «الذخيرة»، هذا المقصد بوضوح، كما ابرزه مصنفون وشعراء آخرون، وفي ذلك قال ابن حزم الظاهري:

أنا الشمس في جو العلوم منيرة
ولكن عيبي ان مطلعي الغرب

واذا كانت هذه نظرة القدماء، باقتضاب شديد، فما هي وجهة نظر المحدثين في هذه المسالة؟

لا شك في ان بعض النظرات الاستعلائية، من المشارقة الى المغاربة، قادت الى ردفعل متطرف لا يصمد امام النقد، واحسن من مثل ردة الفعل هذه هو الدكتور محمدعابد الجابري في مشروعه الذي اسماه «نقد العقل العربي»، ووصل الى خلاصة مبتسرة مفادها ان المدرسة المغربية الاندلسية عقلانية وعلمانية، بينما المدرسة المشرقية عرفانية صوفية هرمسية تصل بالعقل الى الاستقلالية. لكن الباحثين المغاربة كانوا اول من فند هذه النظرة التجزيئية الضيقة، ونذكر منهم، على سبيل المثال لاالحصر، الاستاذ طه عبد الرحمان والاستاذ الهاني ادريس، ومن المشارقة من تصدى لهذا الطرح الضيق، نذكر منهم السيد كامل الهاشمي والدكتور جورج طرابيشي وطيب تيزيني وعلي حرب... وبين التضخيم والالغاء تضيع الرؤية، وتحتم على الباحث الجادوالمتوازن ان يناى عن النظرة الاقليمية الضيقة من دون اقصاء ولا استعلاء، لكن الحقيقة المرة التي لا يمكننا ان نتجاوزها تخبرنا بان التراث الادبي والفكري في الغرب الاسلامي ظل مغيبا من جل الدراسات الادبية والفكرية، وحتى ان اهتم بعضهم به كانت النتائج مشوهة اما لعدم سلامة المنهج او لعدم مراعاة خصوصية هذا التراث وتميزه من غيره، ولا نريد ان نسقط في التعميم لان هناك دراسات جديرة بالتقديرعلى مستوى التاليف والتحقيق والتاريخ، ولقد كان بحث السيد حسن الامين «بنومرين»، في العدد الرابع عشر من مجلة «المنهاج»، ضمن هذا المجهود النير، والعلمي الذي لا يجب اغفاله. ويمكن ان اقسم الدارسين المغاربة الذين اهتموا بهذا التراث الى قسمين:

الأول: وهو جيل المؤسسين الذين نفضوا الغبار عن المخطوطات واقتحموا مجاهل المكتبات بحثا وتحقيقا بارادة كبيرة رغم ضعف الوسائل، وقام هذا الجيل بدراسات قيمة، وله يعود الفضل في اخراج هذا التراث من المطامير والخزانات الخاصة وانقاذه من التلف والضياع.

والجيل الثاني: وكان قد تتلمذ على يد الجيل الاول، وهو فريق نشط من اساتذة الجامعات واصلوا مهمة التحقيق والدراسة والتصنيف والتاليف، وقدموا صورة واضحة عن هذا الادب والفكر، بل وصححوا كثيرا من الاراء المغلوطة لبعض المستشرقين وبعض المشارقة الذين رددوا اقوال المستعربين الاسبان، وهم لا يزالون يتابعون مهمتهم بحثا وتكوينا، وستكون وقفتنا اليوم مع رائد من رواد الجيلين: الاول والثاني في الوقت نفسه، وهو المرحوم الدكتور عبد اللطيف السعداني خريج جامعة طهران سنة 1964. وقد كان من الباحثين الاوائل الى جانب بن تاويت التطواني  الذين استطاعواالجمع بين ثقافتين عانتا كثيرا من التهميش والتجاهل من باحثي الادب العربي، ويتعلق الامر بالثقافة المغربية الاندلسية والثقافة الفارسية وما تحملانه من خصوصية ضمن التراث الاسلامي والانساني. والغريب في الامر ان نجد باحثين عرب ياخذون من هذين الثقافتين بوساطة الثقافة الغربية، وهذا ما يقود الى نتائج مبتسرة ومكرورة.

لقد كان الدكتور عبد اللطيف السعداني استاذا للادب الفارسي في جامعة الرباط وبعد ذلك في فاس، وقد اشرف على تكوين كثير من الاساتذة الجامعيين الذين يملاون الساحة الثقافية اليوم بحثا وتمحيصا. وقد خوله اطلاعه الواسع على الثقافتين الفارسية والمغربية الاندلسية ان يلج باب الدراسات المقارنة، كما قدم بحوثا قيمة نشرت في بعض دوريات جامعتي الرباط وفاس، غير ان الاستاذ فارق الحياة وهو في اوج عطائه،وكان سعيه مشكورا اذ اوقد مصابيح كثيرة هي في حاجة، من جيل الباحثين الجدد، لان يواصلوا المهمة، والا يتنكروا لجيل الاساتذة المؤسسين. ولا تزال الدكتورة مهوش اسدي، حرم الاستاذ عبد اللطيف السعداني، تواصل مهمة التدريس في جامعة فاس في تخصص اللغة الفارسية وآدابها، كما اننا نتمنى من د. مهوش اسدي ان تنير لنا طريق ذلك الاستاذ الراحل وتزيل عنه وعن بحوثه بعض ما علق بها من الغبار، هذه البحوث التي كان لها فضل السبق في اثارة قضايا سكت عنها الكثيرون، ووفاء منا لمجهودات هذاالرجل الكريم نقوم بتقديم محاضرته هذه للقراء والنقاد والدارسين بعد ان قمنابمراجعة النص الاصلي والقيام ببعض التصويبات، ومراجعة مصادره ومراجعه وتحقيقهاواثبات احالاتها، وللاشارة فان الدكتور السعداني كان قد قدمها في المؤتمر الالفي لشيخ الطائفة الطوسي (قده) في ايران، وقد طبعت حينها في كراسة متواضعة نشرتها(دانشكاه مشهد داشنكاه الهيات ومعارف اسلامي، مركز تحقيقات ومطالعات) سنة(1398ه) تحت عنوان «حركات التشيع في المغرب ومظاهره». ويبدو ان الدكتور السعداني كان قداقتحم غمار هذا البحث منذ اكثر من عشرين سنة، وفي ذلك الوقت كان كثير من المصادر المغربية الاندلسية لا يزال مفقودا او مخطوطا، وقد يلاحظ الباحث ذلك في هوامش هذا البحث، لكن وللاسف لم يضف الدارسون شيئا جديدا،وبعض الدراسات التي تناولت الموضوع لم تخل من نزعات مذهبية ضيقة، ولذلك نامل ان يكون نشر هذا البحث في «المنهاج» الغراء منطلقا لمناقشة هذا الموضوع من زوايا متعددة.

المحاضرة

عادات مستقرة في بلاد المغرب
بحلول شهر محرم، من كل عام، يتغير وجه الحياة في المغرب؛ حيث يدع الناس ايام الدعة والاستكانة الى الاهواء، ويتبدلون بها عودة الى محاسبة النفس، فيستيقظ الضميرفيهم وتعود الذكرى الى حياتهم الاسلامية لتنير فيهم واقعهم وما هم عليه، وتحيي في ايمانهم المعنى الخفي للحقيقة التي انتقلت من الوحي النبوي الى آل بيته وابناء عترته.تلك هي ذكرى عاشوراء، واستشهاد سيدنا الحسين. ففي هذا الشهر ترى الناس في جميع مدن المغرب في هرج ومرج لا يمكن ان يوصف الا بان حدثا عظيما قد حل بهم، واي حدث اعظم من الفتنة الكبرى التي ادت الى انهيار ذلك الطود العظيم حفيدرسول الله(ص)، فاذا هم منصرفون الى القيام باعمال وتصرفات امتزجت اليوم فيهم جميعهم، وحلت من السنة محلا مرموقا مترقبا، ولكن الزمن اكسب هذه المناسبة طابع العادة حتى لا يكاد الا القليل يدرك مغزاها الحقيقي.

غير ان الامر الذي تعرف عليه اهل المغرب، ونظروا اليه نظرة احترام وتقديس هو ان شهر المحرم شهر العزاء يهيمن فيه الاسى والحزن العميق على القلوب، فلا يباح مطلقا التجمل حتى ولا غسل بيوت او ثياب، ولا تزف عروس، ولا تدق طبول او تسمع مزامير، بل ان الناس يلبسون في هذه المناسبة لباس العزاء؛ وهي في بلاد المغرب ثياب بيضاء. وتبدا الاسر العلوية هذه المواسم، منذ اليوم الاول من المحرم الى العاشر منه، اما باقي الشرفاء فيتمون الى آخر الشهر، ويطبخ في اليوم المشهود الاكل للتصدق به، وقد جعلت طبقة التجار هذه المناسبة لبذل المال، فكان هذا اليوم هو يوم الزكاة في السنة، لكانما يرمز ذلك الى محاسبة الاعمال. اما الاخرون فيمسكون عن الاكل في هذا اليوم احتسابا لله. ولا ينفك الحزن غالبا على احوالهم حتى ليعتقدوا انه غالبا مايصادف ان يبكي الانسان في هذا اليوم، يوم عاشوراء، بل لتجدنهم سعداء بتلك الدموع الغالية التي تذرف تعبيرا عن الالم لفقدان شهيد الحق. اما الاطفال فلهم من هذه الذكرى اللعب، ونلاحظ من بينها قلل (براميل) الماء الصغيرة التي تهدى اليهم من ذويهم، وذلك رمز للظما الذي مات به شهيد الذكرى. واكبر ما يستوقف الملاحظ هوبقايا مشاهد المراثي التمثيلية بالكراكيز التي تقام كل سنة في المدن: مكناس وفاس ومراكش.

فكيف استقرت هذه العادات في الحياة المغربية؟ والى اي حد تغلغلت في عقيدة المغاربة؟ ان المغاربة، منذ بداية تاريخهم الاسلامي، لهم حب شديد وتعلق كبير ب آل البيت الاطهار، وليس ادل على ذلك من مؤازرتهم لهم حيث وجدوا عندهم الملاذالاخير بعد ان حوربوا في بلادهم ويئسوا من البقاء فيها، فالتجاوا الى بلاد المغرب،فايدهم المغاربة ونصروهم واعترفوا بحقهم، وبذلك تكونت في رحاب المغرب الاقصى وبين ظهراني المغاربة الدولة الهاشمية الادريسية، وهي اول دولة علوية تتكون في العالم الاسلامي. كما ان اول دولة شيعية وهي الدولة الفاطمية نشات وترعرعت في بلاد المغرب بتونس، وكان هذا الامر نفسه هو الدعامة الاساسية لتكوين الدولة السعدية والدولة العلوية بعد ذلك في المغرب. وهذا فضل للمغاربة سجلوه في تاريخ العقيدة يقضي الانصاف ان نذكره لهم هنا.