|
دولة الادارسة بعد ان انجاب الظلام،
في وقعة فخ، ثاني ذي الحجة سنة 169ه،
عن مقتل الامام محمد (النفس الزكية) بن عبدالله بن
الحسن
بن الحسن بن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه؛ تفرق
ابناء
عبدالله في الارض شذر مذر، وولى كل وجهة يطلب
النجاة
بالامانة التي يحملها بين جوانبه، ويبحث عن المكان
الجدير بها
ليبث السر ويذيع الامر... وسقط الاخوة الواحد تلو
الاخر في
ميدان الجهاد من اجل الدعوة في مختلف بقاع
العالم الاسلامي.
وما ان عرف صاحب «وليلي» عبد الحميد الاوربي نسب
المولى
ادريس الشريف حتى رحب به وانزله المكان الجدير به،
وسمع
به اهالي قبائل اوربة البربر فهرعوا يسلمون اليه
قيادهم شاكرين
لله هذه النعمة، معبرين عن ذلك بقولهم: «الحمد
لله الذي اتانا
به وشرفنا بجواره فهو سيدنا ونحن عبيده نموت بين
يديه».
فاخذ منهم عبد الحميد البيعة للمولى ادريس.
كان هدف المولى ادريس، منذ اللحظة الاولى، هو نشر
الاسلام
على نطاق واسع بين مختلف قبائل البربر المغربية؛
اذ ان
اكثرهم كان لا يزال يدين باليهودية
والنصرانية.وعاود هذه
الحملة التطهيرية سنة 173ه، واردفها باخرى حتى اسلمت
بلاد تامسناوتادلا، ممهدا لارساء اسس دعوته، ولكنه
لم يستمر
طويلا في القيام بالامر فقد عاجلته القوى المترصدة
لال
البيت(ع) في بغداد بعد ان قضت على كل اثر لهم في
الشرق،فقتل ولما يمر على حكمه سوى زمن يسير. ثم ما
لبثت
النكبات ان بدات تظهر من جديد، فقتل مولاه راشد
الذي
اخلص للدعوة لال البيت، وتفانى في خدمة
المولى ادريس،
وكان له اكبر الاثر في تكوين هذه الدولة الفتية.
وركدت امور
هذه الحركة الاسلامية المباركة في بلاد المغرب
قليلا، غير ان
البربر استمروا في الوفاء للعهد الذي بذلوه الى ان
شب ادريس
الثاني الابن الوحيد الذي تركه مؤسس دولة الادارسة
من زوجته البربرية «كنزة»، وبلغ الحادية عشرة،
فتسلم زمام
الامور وتابع القيام بهذه المسؤولية...
فبرزت المرحلة الثانية من مسيرة الدولة الادريسية،
وما زال
يوطد دعائمها، فكان مماعمد اليه واهتم به قطع الصلة
بين
المغربين وبين الدولة العباسية((233)) واستئصال الخوارج
الصفرية من البلاد. وبهذا نرى انه وضع الخطة
التمهيدية
الثانية، وافسح في المجال للدعوة والقائمين بها.
ومضى خلفاؤه
من بعده في محاربة الخوارج كما فعل علي بن عمر بن
ادريس
ويحيى بن ادريس الذي قضى على الخارجي الثائر في فاس
عبدالرزاق الفهري الصفري((234)). ولكن خلفاء المولى
ادريس الثاني واجهوا، في سبيل نشر دعوتهم والاعلان
عنها،
عراقيل كثيرة وصعابا جمة، فقد كثرت
الاضطرابات والقلاقل
من كل جانب بعد ان وزعت المملكة بينهم، واستفاد
المتربصون شراوالطامعون في احتلال البلاد.
فالامويون في
الاندلس يحاولون باصرار بسط نفوذهم على المغرب
والسيطرة
على دولته، ويستخدمون لذلك جميع الوسائل
ليضطرواحكامه
الى الخضوع حتى انهم سلطوا عليهم اشد الحقد وارادوا
استئصالهم من المغرب نهائيا، وظلوا لهم بالمرصاد
الى آخر
ايامهم حتى اجلوا عن اوطانهم ورحلواالى الاندلس...
الى جانب
هذا كان على مسرح المغرب في المرحلة الحساسة
لتكامل دولتهم نشوء الدولة الفاطمية في تونس ومزاحمتها في تزعم هذه الحركة.
ومع ذلك، فقد تخللت مرحلة حكم الشرفاء الادارسة
للمغرب
اوقات اعلن فيها الحكم الشيعي الصريح ومذهبه حيث
سمحت
الفرصة بالبوح بعقيدتهم. ذلك ان هذه الدولة كانت
تشهد على
حدودها الشرقية مولد اول دولة شيعية هي الدولة
الفاطمية
في تونس،وسرعان ما تم الامر لهذه الدولة، وبدات
توسع رقعة
سلطانها في المغرب من جهة وتتطلع الى مصر من الجهة
الاخرى، ففي سنة 305ه توجه مبعوث عبيدالله
«مصالة بن
حبوس المكناسي»، قائد عبيدالله المهدي، الى
المغرب، ووصل
الى فاس حاضرة الادارسة فحاصرها، وكان اميرها يحيى
بن
ادريس الادريسي الامير الذي ملك جميع بلاد المغرب
وبلغت
الدولة الادريسية في عهده اعلى مقام واصبحت الحال
على وشك الاستقرار. فشدد الحصار الى ان صالحه هذا
الامير
بقبول طاعة عبيدالله
الشيعي، فابقاه على حكم باقي
البلاد
المغربية، وكان من الجائز ان تسير امور
الادارسة والفاطميين
على احسن ما يرام، وان ينمو هذا الاتجاه الجديد في
العقيدة
المغربية يؤازراحدهما الاخر ويعينه لو لم يدب
الحقد والحسد
الى ابن ابي العافية فيوغر صدر
«مصالة» على يحيى
الادريسي
ويوقع بينهما وهو يظهر النصح للشيعة والاخلاص
لهم والتمسك بدعوتهم. وهنا يتحول اهتمام الادارسة
فينصرفون الى الانشغال بمبارزة العداء الذي
يواجههم، وتتم
المؤامرة فيعزل يحيى، ولكن اهل فاس لا يقبلون
«ريحان»بديله
عليهم من قبل العبيديين، ثم لا يلبث ان يثور الحسن
الحجام
بن محمد بن القاسم بن ادريس سنة 310ه، ولكنه يلقى
حتفه
بسبب خيانة عامل فاس سنة 313ه.
وهنا ينتهي عهد
الادارسة
في فاس؛ حيث يعتصمون «بحجر النسر» بالريف،
ذلك المعقل
الذي بناه اخو الحسن الحجام ابراهيم سنة 313ه، وظل
ابن ابي
العافية متحكما
في المغرب من طرف العبيديين الى سنة
320ه؛ حيث خلع طاعتهم ودعا للامويين،فحاربه
الفاطميون،
وخرج اذ ذاك الادارسة من حصنهم «حجر النسر» بعد ان
ظلوا
فيه اربعة اعوام، وانضموا اليهم في قتال موسى بن
ابي العافية
حتى قضوا عليه... ولكن البلاد بقيت مع ذلك في قبضة
الامويين الى سنة 323ه؛ حيث قدم ميسور الفتى
الى المغرب
من لدن ابي القاسم عبيدالله المهدي على اثر وفاة
والده،
وحاصر مدينة فاس الى ان تمكن منها، وبقيت هذه
المدينة
تحت امرة الفاطميين حتى سنة 330ه، اي مدة ثماني عشرة
سنة فتولى الادارسة جميع البلاد قائمين بدعوة ابي
القاسم
الشيعي.
ويظهر انه تم بذلك اجتماع هاتين الحركتين
وبدا
الانسجام بينهما... فنجد الادارسة في هذه المرحلة
يظهرون
تشيعهم؛ اذ ملك منهم اذ ذاك القاسم بن محمد بن
القاسم
بن ادريس الثاني الملقب ب «كنون» وقام بدعوة
الشيعة((235)).
غير ان القوة التي كانت تجاورهم من الشمال كانت
تهددهم
باستمرار، فما ان توفي «القاسم» سنة 337ه، وتولى
ابنه «ابو
العيش احمد بن القاسم» حتى دعا الى
الامويين وبايع لعبد
الرحمن الناصر لدين الله (300 377)، ويمتاز هذا الامير
بانه
كان يتوق الى الجهاد في بلاد الاندلس وبها مات سنة
343ه،
تلك البلاد التي كان لها في ما بعد شان في تاريخ هذه
الدعوة،
فما لبث الفاطميون ان اعادوا الكرة سنة 349ه، وردوا
الامور
في المغرب الى نصابها. وبعد هذا ظهر آخر ملوك
الادارسة، وهو
اخو ابو العيش، الحسن بن كنون مبايعا للعبيديين ثم
للامويين
«خوفا منهم لا حبا فيهم» كما يقول ابن ابي زرع في
كتابه
القرطاس((236))
الى ان دارت عليه الدائرة، فابعد واهله عن
المغرب،
وانتهى الامر ان حاربهم وقتل وهو يحاربهم
سنة
375ه، وبذلك انقرضت الدولة الادريسية وهي تخوض
المعارك((237)). لقد ملكت هذه الدولة العلوية
الشريفة بلاد
المغرب زهاء مئتين وثلاث سنوات، وبسطت نفوذها من
السوس الاقصى الى مدينة وهران، وبالرغم من هذه
المدة
الطويلة فانها لم تتمتع بالاستقرار الذي يمكنها
من خوض
المعارك الفكرية والعقدية التي كانت على اهبة
القيام بها بعد
المعارك السياسية((238))، فقد اصابتها هزات عنيفة
من كل
جانب، وقصرت عن الوصول الى مستوى منافسيها في
الخلافة
ل «ضعف سلطانهم وقلة مالهم»((239))، على ان هناك في
راينا عاملين اساسيين آخرين كان من شانهما ان لا
يشجعا على
ظهور التشيع في المغرب يجب ان يضافا الى ما تقدم.
فبالرغم
من ان المغرب قد عرف ظهور دولة المذهب الشيعي
ومبادئه
فان ازدهار هذا المذهب وبلوغ الدولة الفاطمية شاوا
كبيرا
تم بعيدا عن البلاد المغربية في مصر، وقد كان هذا
من الاهداف
التي جعلت الفاطميين ينقلون دولتهم من المغرب الى مصر.
كما ازدهر الفكر الشيعي في البلاد الشرقية
مثل ايران، حيث
كانت هذه البلادمستعدة فكريا لقبول العقائد
الشيعية والخوض
فيها لماعرفته من قبل ذلك من فلسفات وعلوم ومعارف،
كما
انها كانت مستعدة روحيا لذلك بعدما عاشت الصراع
السياسي
الذي خاضه ائمة التشيع. وهذا كله لم يكن يتوافر
في البلاد
المغربية التي كانت عقيدتها الاسلامية ولا تزال
بسيطة
وايمانها بهذه العقيدة ساذجا.
ومهما يكن من امر فقد بذل المغاربة للادارسة الولاء
ودانوا لهم
بالطاعة الكاملة اخلاصامنهم في محبة آل البيت،
واوضح دليل
على هذا التفاني في الاخلاص لهم انهم كانوادائما
معهم
يؤيدونهم في حالاتهم جميعها، في متابعتهم
للمروانيين، وفي
متابعتهم للعبيديين. دولة بني حمود
كاد اثر دولة الادارسة ينمحي، او هكذا ظن اعداؤهم
الامويون
بعد ان اجلوهم عن معاقلهم في الريف الذي كان يدين
لهم
بالحب، وفي جبال اغمارة التي ظلت تنقاد
لهم وتعظمهم((240)) بعد ابعادهم عن بلادهم حتى
لم يبق
منهم بالعدوة رئيس((241)) ونفيهم الى الاندلس. غير ان
التشيع الموروث لاولاد ادريس((242)) خلد هذه الدولة الى
الابد في نفوس المغاربة والبربر بعامة، فلم
تخب دولتهم ولا زال امرها بل سرعان ما انتقلت الى الاندلس لتزيل دولة بني امية
وتخلفها،وكانت حركة اولئك النازحين الى هذه البلاد من تلك الاسرة الادريسية الذين
استقرواسنة 324ه بقرطبة تحت رعاية ملكها الحكم الاموي الرمز الاول لهذا الانتقال.
كماانتقلت مع البربر الفاتحين للاندلس في ذلك
العهد الذين
حفظوا للشرفاء عهد المحبة والولاء، فما ان ظهر
احفاد للادارسة
على مسرح الحياة السياسية بالاندلس حتى
التفواحولهم ودعوا
لهم.. كان ذلك عندما عبر اثنان من اعقاب الادارسة
الى بلاد
الاندلس في خدمة سليمان بن الحكم الاموي، وهما
القاسم
وعلي ابنا حمود بن علي بن عبيداللهبن عمر بن ادريس
الثاني
بن ادريس الاول. وكان اول امرهما ومبدا نشاة الدولة
في اسرتهما ان وليا قائدين على المغاربة في
الاندلس، ثم وكل
سليمان القاسم امورالجزيرة الخضراء، وعليا وهو
الاصغر امور
سبتة وطنجة. وقد كانت لقبائل صنهاجة((243))
وزناتة وبني
يفرن بتاكرونة((244)) وبرغواطة
((245)) اليد
البيضاء في
مدهم بالمساعدة وشد ازرهم، حتى قال الشاعر ابو
عبيدالله
الرعيني في مدح القاسم:
ولما دعا الشيطان في الخيل حزبه
كتائب من صنهاجة وزناتة
ويكفي دليلا على هذه الصلة الوثيقة التي كانت تربط
هذه
الاسرة الهاشمية وبرابرة المغرب ان زوال ظلهم عن
قرطبة
يعزى الى ما اخذه عليهم اهل هذه البلاد من ميل
الى البربر((246)).
ولم يخف بعض الناصحين لملك سليمان، من البربر
الموالين
للامويين، تخوفهم من تولية هذين العلويين
الطالبيين((247))؛ اذ سيظل هذا الحق مطلوبا ما دام فيهم عرق ينبض...
ولم
يمض زمن يسير حتى بدت رايات الدعوة العلوية يقودها
احد
ذينك النازحين الحموديين الى الاندلس علي بن حمود
سنة
457ه. واستجابت الرغبة الدفينة في قلوب مواطنيهم
الذين
كانوا يسكنون قرطبة فسما ذكرهم((248)). ومنذ ذلك الحين
تكونت هذه الدولة. اطلق بعضهم عليهم الحسنيين،
وسماهم
بعض آخر«العلويين» او «العلويين الادارسة» او
«الفاطميين»،
ومهما تكن التسمية فان هذه الدولة قامت لارجاع
الحق
المغصوب لال البيت من اسرتهم. ونلاحظ ان الظروف
كانت تفرض قيام من يدافع عن هذا المبدا؛ اذ ان
الشيعة كانوا
يمرون باوقات عصيبة، فقدساءت حالهم بتونس ولاقوا
التقتيل
والتعذيب، وقامت الفتن بين السنة والشيعة
على اشدها في
العراق بواسط((249)). من ذلك نستبين الهدف الذي
قصدت
اليه هذه الدولة، وقد كان في امرين اساسيين:
اما الهدف الاول فقد اصابت منه الكثير حتى ذكر انهم
كانوا
سبب زوال الامويين من الاندلس والقضاء على دولتهم((250)).
اما الدعوة للدولة العلوية فانهم نجحوا في القيام
بها الى حد
بعيد، فكونوا دولة بجميع مظاهرها وتلقبوا بالقاب
الخلافة مثل
«الناصرلدين الله» و«المامون» و«المستنصر»
و«المتايد»،
وبسطوا نفوذهم على كثير من بلادالاندلس، فكانت
عاصمتهم
مالقة، وملكوا الجزيرة الخضراء وقرطبة واشبيلية
وغرناطة والمرية وقرمونة ورندة واعمالها ومن مدن
المغرب
طنجة وسبتة. وخطب لهم في جميع هذه البلاد وضربت السكة باسمهم.
اما تشيعهم فقد ظهرت آثاره عليهم، لكن المصادر التي
بين
ايدينا، وهي مصادر في اغلبها تؤيد المذهب السني،
تقول: انهم
«تشيعوا ولم يظهروا ذلك ولا غيروا على
الناس مذهبهم»((251))، ولم تعقب على ذلك ولا علقت
عليه
مما يكاد يحس معه من الاشارات العابرة انها اغفلت
الحديث عن
هذا الامر، وغضت الطرف عنه، ولم تذكر الاما اضطرت
اليه
اضطرارا عند نقل شعر لاحد شعراء الاندلس في هذه
المرحلة
مثلا؛اذ كان من اللازم الاشارة الى الشعر الشيعي،
وقد بلغ في
هذا العصر شاوا عاليا. على اننايجب ان لا نغفل ما
يكون قد ركن
اليه دعاة هذه الدولة من السرية التي تحتمها
الظروف القاسية التي تواجه كل عقيدة تحاول الظهور في محيط جديد.
ومع ذلك، نستطيع ان نتبين الجو الذي خلفه وصولهم
الى
الحكم وآمال الناس فيهم.يقول ابو عبيدالله
الرعيني الاعمى،
من قصيدة في القاسم بن حمود يذكر فيها
خيران الصقلبي وقتل المرتضى المرواني وفتح غرناطة:
لك الخير خير ان مضى لسبيله
وفرق جمع الكفر واجتمع الورى
وقام لواء النصر فوق ممنع
واشرقت الدنيا بنور خليفة
على ان اهم ما كان الناس يمجدون به هذه الدولة وما
يرجون
منه كل الخير هو نسبهم الهاشمي، لذلك كان هؤلاء
الامراء
يسلكون نهج اجدادهم في اعطاء صورة لتلك العهود التي يرجونها بوجودهم. فعندما
تولى علي بن حمود، الملقب بالناصر لدين الله،اخذ الحكم بقوة وساس الناس بالعدل حتى
نقلت في ذلك الاخبار العجيبة، ووجدالناس في كنفه الامن والطمانينة، وقد قصده الشاعر
احمد بن عبد المالك بن شهيد،وقال وهو يودع قرطبة ملتجئا الى مالقة:
عليكم بداري فاهدموها دعائما
اذا هشمت حقي امية عندها
وطبعا كان كباقي اسرته متشيعا. ونستطيع ان نستدل من
الاوصاف التي وسم بها ان الافكار الشيعية كانت
تروج بالاندلس
آنذاك، فقد كان ذا ولع بالمدائح النبوية، فكثر
هذاالفن في
عهده وشاع في الاندلس في ذلك الحين، وكان يجزل
العطاء
لشعر المدائح النبوية، وقصده الشعراء المتشيعون،
فهذا عبادة
بن ماء السماء كان معروفا بالتشيع يمدحه ويثبت احقيته في الامامة ويهيب بالناس
الى طاعته. يقول:
أبوكم علي كان بالشرق بدء ما
فصلوا اجمعون وسلموا
ويصف ابو عبيدالله الرعيني القرطبي عليا هذا بالامام فيقول:
سقا منبت اللذات منها ابن هاشم
امام، امام الدين حد حسامه
وقد قيلت في رثاء علي بن حمود احدى الروائع من غرر
الشعر
الشيعي لابي عمراحمد بن دراج القسطلي ابدع فيها
واجاد،
فاستنزعت من ابي الحسن علي بن بسام في كتابه
«الذخيرة في
محاسن اهل الجزيرة» اطراء جميلا واعترافا جعلها
في
قمة الشعر الشيعي، فقال عنها: «وهذه القصيدة له
طويلة، وهي
من الهاشميات الغر... لوقرعت سمع دعبل بن علي
الخزاعي،
والكميت بن زيد الاسدي لامسكا عن القول وبرآ اليها
من القول
والحول، بل لو رآها السيد الحميري وكثير الخزاعي
لاقاماها
بينة على الدعوى، ولتلقياها بشارة على زعمهما
بخروج الخيل
من رضوى...»((252)). وتبدا هذه القصيدة ببكاء شجي، بكاء
تجهش به قلوب الشيعة في كل مكان، ويترددمعناه في الشعر الفارسي، مستوحى من حمرة شمس
الاصيل، يقول:
لعلك يا شمس عند الاصيل
فكوني شفيعي الى ابن الشفيع
ثم يصف الواقعة الاليمة التي حلت ب آل البيت، فيقول:
تهاوت بهم مصعقات الرواع
بوارق ظلماء ظلم قبيح
فأذهل مرضعة عن رضيع
ويصف فيها علي بن حمود ونسبه، فيقول:
لعل عواقبه ان تتم
الى الهاشمي الى الطالبي
الى ابن الوصي الى ابن النبي
وهذه القصيدة طويلة تنوف على سبعين بيتا((253))،
كلها
ذات نفس واحد الى آخرها، وقد ختمها مؤكدا مقام آل
البيت
واحفادهم بني حمود، وامامتهم المدعمة بالكتاب وبالمنطق، فيقول:
فأنتم هداة حياة وموت
وسادات من حل جنات عدن
وانتم خلائق دنيا ودين
أما ابن علي بن حمود، وهو يحيى بن علي بن حمود،
الملقب
بالمعتلي بالله، فقد زادعلى من سبقه من بني حمود
بمزية،
رفعته مقاما سنيا تلك هي كرم الولادة، فامه هي بنت
محمد بن
الامير حسن بن القاسم، فهو اذن هاشمي الابوين. وقل
ان
اجتمع ذلك لاحد من خلائف الاسلام الا ثلاثة من
ابناء
القرشيات كان هو مكمل اربعتهم. اولهم جدهم الاعلى
سيدنا
علي بن ابي طالب (كرم وجهه)، وثانيهم ابنه سيدنا
الحسن،والثالث هو الامين محمد بن هارون. وقد زاد
الى هذا
الشرف ولوعه بتهذيب النفس والتخلق بالفتوة شان جده
(الفتى) فكان شغوفا بالفروسية وجري الخيل
والخروج للقنص.
ولقد قصد الشعراء، كما اشرنا في ما سلف، بني حمود
ينثرون
في مدحهم درر الشعر. واذا كان في عمل هؤلاء الشعراء
ما يعبر
عن عصرهم لانهم لسان المجتمعات في مختلف العصور،
فاننا
نجد ذلك ان اغفلنا جانب التقرب في مديحهم؛ حيث
ان شعرهم يحمل نزعة روحية ورسالة عقدية تنم عن
الايمان
باهل البيت ومذهب اشياعهم في امامتهم وعصمتهم
وحقيقتهم التي قال عنها احدهم: انها قبس من نور
الله،بل اننا
لنجد من بينهم بعض الشعراء ممن عرفوا بالتشيع. ومن
ذلك
نجد قصيدة طويلة قالها ابو زيد عبد الرحمن بن مقانا
الفندقي
الاشبوني في ادريس بن يحيى بن علي بن حمود الملقب بالعالي (438-434)، وكان
معروفا بالخير والعدل ننقل منها هذه الابيات:
يا بني احمد يا خير الورى
نزل الوحي فاجتبى انه من نور رب العالمين((254))
هكذا عاش جزء كبير من الاندلس احدى مراحل تاريخه في
مطلع القرن الخامس،وظل تحت حكم آل البيت المتشيعين
يتبادل السلطة فيه الابناء والاخوة وابناء
الاعمام من بني حمود
طوال ثمان وخمسين سنة((255))، وهم يحاولون نشر الرخاءوالاخاء
واقامة العدل، حتى نجد هذه الصفة تلزم سيرة اكثر ملوك هذه الدولة في ما ذكرفي
شانهم، وحتى قال الشاعر ابن مقانا في ذلك:
خلقوا من ماء عدل وتقى
وحتى ان خمسة منهم قد لقبوا انفهسم بالهداية، وفي ذلك احد مظاهر نزعتهم
الشيعية. من مظاهر التشيع
ومرت هذه الدولة الهاشمية كما مرت سابقتها، يكتنف
الغموض
امر الدعوة الشيعية في ايامها ومدى اثره في
المجتمع الذي
مارست فيه الحكم. ونحن لا يمكننا ان نقتنع باقتصار
تاثيرهم
على من حولهم من الشعراء فقط وعدم وجود صدى لهذه
الدعوة بين مختلف الطبقات من الناس. ومن حسن حظنا
هذه
المرة ان احد اعلام المفكرين في القرن الثامن
الهجري، لسان
الدين بن الخطيب، اتحفنا باشارة ذات اهمية
كبرى.والفضل
في ذلك يعود الى احدى النسخ الخطية الفريدة من
مؤلفه
التاريخي: «اعلام الاعلام في من بويع بالخلافة قبل
الاحتلام»
التي حفظتها لنا خزانة جامعة القرويين في مدينة
فاس من
عاديات الزمن((256)). وبهذه الاشارة تنحل
العقدة
المستعصية، وينكشف لنا ما كان غامضا من قبل، وهو ما
اغفل
الحديث عنه المؤرخون مما كان يجري في الاندلس من
اثر
التشيع. ذلك ان ابن الخطيب، عند حديثه عن دولة يزيد
بن معاوية، انتقل به الحديث الى ذكر عادات
الاندلسيين واهل
شرق الاندلس، وبخاصة في ذكرى مقتل سيدنا الحسين من
التمثيل باقامة الجنائز وانشاد المراثي. وقد
افادنا عظيم الفائدة،
حيث وصف احد هذه الاحتفالات وصفا حيا شيقا حتى
ليخيل
اننا نرى احياءهذه الذكرى في بلد شيعي. وذكر ان هذه
المراثي
كانت تسمى الحسينية وان المحافظة عليها بقيت مما
قبل
تاريخ عهد ابن الخطيب الى ايامه. ونبادر الان الى
نقل هذا
الوصف على لسان صاحبه:
«ولم يزل الحزن متصلا على الحسين والم آتم قائمة في
البلاد،
يجتمع لهما الناس ويختلفون لذلك ليلة يوم قتل، بعد
الامان
من نكير دول قتلته ولا سيما بشرق الاندلس،فكانوا
على ما
حدثنا به شيوخنا من اهل المشرق (يعني مشرق الاندلس)
يقيمون رسم الجنازة حتى في شكل من الثياب يستخبي
خلف
سترة في بعض البيت وتحتفل الاطعمة والشموع ويجلب
القراء
المحسنون ويوقد البخور ويتغنى بالمراثي الحسنة»((257)).
وفي عهد ابن الخطيب كان لا يزال لهذه المراثي شان
ايضا،
فانه في سياق حديثه السابق زادنا تفصيلا وبيانا عن الحسينية وطقوسها، فقال:
«والحسينية التي يستعملها الى اليوم المسمعون
فيلوون لها
العمائم الملونة، ويبدلون الاثواب في الرقص كانهم
يشقون
الاعلى عن الاسفل بقية من هذا لم تنقطع بعد،
وان ضعفت، ومهما قيل (الحسينية) او (الصفة) لم يدر اليوم اصلها».
وفي المغرب اليوم لا يزال اولئك «المسمعون» الذين
اشار اليهم
ابن الخطيب يعرفون بهذا الاسم وينشدون. وكثرت في
انشادهم على الاخص المدائح النبوية. كما
ان الموسيقى
الاندلسية الشائعة اليوم في بلاد المغرب تشتمل في
اكثرها
على المدائح النبوية ايضا.
كما افادنا ابن الخطيب، بنقله انموذجا لهذه
المراثي، مدى
عناية الشعراء بهذا الموضوع وعرفنا باحد الشعراء
الشيعة في
الاندلس الذي اشتهر برثاء سيدنا الحسين. وهو
ابوالبحر صفوان
بن ادريس التيجيبي المرسى (598561ه). وهذه القصيدة
كانت مشهورة ينشدها «المسمعون» منها((258)):
سلام كازهار الربى يتنسم
على مصرع للفاطميين غيبت
على مشهد لو كنت حاضر اهله
على كربلاء لا اخلف الغيث كربلا
مصارع ضجت يثرب لمصابها
ومكة والاستار والركن والصفا
وبالحجر الملثوم عنوان حسرة
وروضة مولانا النبي محمد
ومنبره العلوي للجدع اعولا
ولو قدرت تلك الجمادات قدرهم
وما قدر ما تبكي البلاد واهلها
لو ان رسول الله يحيا بعيدهم
واقبلت الزهراء قدس تربها
تقول: ابي هم غادروا بنى نهبة
سقوا حسنا للسم كاسا روية
وهم قطعوا راس الحسين بكربلا
فخذ منهم ثاري وسكن جوانحا
ونتلمس هذه الحركة في ما بعد عصر مبدع هذه القصيدة
الحسينية، فنعثر على اثر للفكرالشيعي؛ حيث نلتقي
باحد ادباء
الاندلس في النصف الاول من القرن السابع الهجري هو
القاضي
ابو عبيدالله القضاعي البلنسي (المقتول في 20 محرم
سنة
658ه)، ونقف على اسم كتابين من مؤلفاته العديدة
موضوعهما
هو رثاء سيدنا الحسين، اولهما:«[معدن ج اللجين في
رثاء
الحسين». ولا يعرف اليوم اثر لهذا الكتاب غير اسمه، وثانيهما:
«درر السمط في اخبار السبط». وكان كل ما بقي من هذا
الكتاب هو ما نقله المقري في كتابه: «نفح الطيب من
غصن
الاندلس الرطيب». وقد اعترف المقري بانه اغفل نقل
بعض
الفقرات من الكتاب مما «يشم منه رائحة التشيع»((259)) ثم
انه اكتفى بنقل جزء من الباقي فقط. ونضيف هذا القول
الواضح
والشهادة الصريحة الى مااشرنا اليه سابقا عن علة
سكوت كتب
التاريخ وغيرها عن الاشارة الى آثار التشيع
في المغرب
والاندلس. ولم يخل عمل المقري مع ذلك، من اعطائه
حكما
موضوعيا عن هذا الكتاب. فقال: «وهو كتاب غاية في
بابه». وقد
اكتشف هذا الكتاب اخيرا برمته.واستطعنا ان ندرك عن
كثب
اهميته البالغة في هذا الباب((260)).
ومهما اطلنا في التنويه بهذا الكتاب واسلوبه
الجميل وبيانه
الرائع وتاثيره البالغ في سامعيه بوصفه لتلك
الحوادث المؤلمة
من تاريخ الاسلام، فان ذلك لا يكفي لبيان منزلته في
الادب
الشيعي. وهو على كل حال يقدم لنا الدليل القاطع على
رواج
حركة التشيع في الاندلس في هذا العصر. ولكي ناخذ
فكرة
واضحة عن ذلك انقل بعض الفقرات من هذا الكتاب مما
لا
يبقى معه شك بتشيع صاحبه. بدا بتحية آل
البيت والشهادة
بحبهم: «اولئك السادة احيي وافدي، والشهادة بحبهم
اوفي
واؤدي، ومن يكتمها فانه آثم قلبه».
ثم خاطبهم وذكر نقاء حقيقتهم النبوية، وعاقبة امرهم:
«يا لك انجم هداية، لا تصلح الشمس لهم عن آية.
كفلتهم في
حجرها النبوة فلله تلك النبوة، ذرية بعضها من بعض.
سرعان ما
بلى منهم الجديد وغرى بهم الحديد نسفت اجبلهم
الشامخة،
وشدخت غررهم الشادخة، فطارت بطررهم الارواح، وراحت
عن جسومهم الارواح، بعد ان فعلوا الافاعيل، وعيل
صبر اقتالهم
وصبرهم ماعيل».
ويتحسر عليهم ويعرض باعدائهم، فيقول:
«اشكو الى الله ضعف الامين وخيانة القوى، قعد
بالحسين حقه
وقام بيزيد باطله واخلاقه، حضر موقف القضاء
الخصمان، وعنت
الوجوه للرحمن، جاء الحق وزهق الباطل، ان الامامة
لم تكن
للئيم ما تحت العمامة من سبط هند وابنها دون البتول
ولاكرامة، يسر ابن فاطمة للدين يسميه وابن ميسون
للدنيا
تستهويه، اعطوا فكل ميسر لماخلق له، فاما هذا فتحرج
وتاثم،
واما ذاك فتلجلج وتلعثم، مشى الواحد الى نور
يسعى بين يديه،
وعشى الثاني الى ضوء نار لا يغروها لديه، يا ويح من
وازى
الكتاب فقال والدنيا امامه: كانت بنو حرب فراعنة،
فذهب ابن
بنت رسول الله ليخرجهم من العراق فانعكس الروم
وحورب ولا
فارس والروم».
وعندما يصف الحادث المفجع لقتل سبط الرسول نحس ان
قلبه يكاد ينفطر من الاسى، فيقول:
«عاشر محرم ابيحت الحرمات، وافيضت على النور
الظلمات،
فتفاقم الحادث، وحمل على الطيبين الاخابث، وضرب
السبط
على عاتقه ويسراه، وما اجرا من اسال دمه واجراه، ثم قتل بعقب ذلكم وغودر حتى
العاديات ضبحا».
ويضيف مشيرا في الاخير الى ان هذه الداهية كانت
السبب في
ادبار عز المسلمين: «اية فتنة عمياء، وداهية
دهياء، لا تقوم بها
النوادب، ولا تبلغ معشارها النوائب. طاشت لهاالنهى
وطارت،
واقبلت شهب الدجى وغارت. لولاها ما دخل ذل على العرب
ولا
الف صيد الصقر بالخرب ونسف النبع بالغرب. فانظر الى
ذوي
الاستبصار خضع الرقاب نواكس الابصار.
وان قتيل الطف من آل هاشم
وفي الاخير، يعود الى تاكيد الايمان بهم والتعلق بحبهم وتفضيلهم على
اعدائهم،يقول: «ما عذر الامية وابنائها، في قتل العلوية وافنائها، اهم يقسمون رحمة ربك؟ كم دليل في غاية الوضوح، على انهم كسفينة نوح؛ من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ثم يحسسهم آل الطليق ويطرهم آل الطريق، وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد. نسائهم أيامن أمية، وسماؤهم أرض بني سمية.
من عصبة ضاعت دماء محمد و
كان الحسين يقطع الليل تسبيحا وقرآنا، ويزيد يتلف العمر تبريحا وعدوانا.
عمرك الله كيف يلتقيان»((261)).
وقد بقي لهذا الكتاب ونزعته الشيعية صدى انتقل الى
المغرب
وظل بها زمنا طويلا،فبعد ثلاثة قرون من تاليفه نعثر
على شرح
له لاحد المغاربة هو الفقيه الاديب سعيدالماغوسي
الملقب
ب «بوجمعة» المولود سنة 950ه. ويعد هذا الشرح اليوم
من المفقودات. غير ان ابن القاضي يخبرنا في كتابه
درة
الحجال((262))
انه كان موجودافي خزانة المنصور السعدي
في مدينة مراكش، وتظهر عناية ملوك المغرب بمثل
هذه الت آليف، في ما قيل من ان شارح هذا الكتاب اخذ مكافاة على تاليفه وزنه
ذهبا. اتصال بالتشيع لم ينقطع
هكذا عرف المغرب هذه العقيدة خلال تاريخه، وقد
استمر على
اتصال بها الى اليوم في ما نشاهده من مظاهر
اجتماعية وثيقة
بحياته العائلية حتى تغلغلت في روحيته، وان اقوى
تلك
الصلات التي ستظل تلازم عقيدته الى آخر الدهر صلة
الايمان
بالامام المهدي وخروجه في آخر الزمان ليقوم بامر الدين، فيحيي الشريعة ويملا
الارض عدلاكما ملئت ظلما.
والمغاربة يتعلقون بهذه العقيدة بشدة، غيرة منهم
على الدين
حتى لنرى اليوم من ضاقت حاله واشتد عليه الامر،
ويئس من
الجور وفساد الاعتقاد والاعمال في المجتمع
يصعدزفرة من
الاعماق داعيا الله ان يفرج الكرب بخروج صاحب
«السيف».
والاراء متضاربة عند العامة عن مكان بظهوره. وقد
تعلق الناس
بخاصة بفكرة خروجه في قلب مدينة فاس من وسط مزار المولى ادريس الثاني ابن منشى
الدولة الادريسية الهاشمية.
وذلك يرمز الى ربط هذه العقيدة ب آل البيت. ومن
الناس من
كان يعتقد ظهوره بالسوس الاقصى، وفي رباط ماسة في
الصحراء المغربية. ولكي نرى كيف ان هذه العقيدة
كانت شائعة
بين الناس في المغرب والى اي حد تمسك بها المغاربة
نذكر
انها كانت الدعامة الاساسية لقيام دولة بربرية
حكمت المغرب
في القرن السادس الهجري، تلك هي دولة الموحدين (515-621ه).
فمؤسس هذه الدولة هو محمد المهدي بن تومرت، شريف
يتصل نسبه بسيدناالحسن ابن سيدنا الحسن ابن سيدنا
علي
بن ابي طالب (كرم الله وجهه)، قام بالمغرب سنة 515ه،
وكان
مبداه الاساسي هو الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وكان
تقيا ذاورع وصلاح فذاع اسمه وطار صيته وتعلق به
الناس وراوا
الخلاص على يديه. وادعى انه هو محمد بن عبيدالله
المهدي
المعصوم، فبايعوه على ذلك. وكتب لاتباعه كتبامنها:
«اعز ما
يطلب» و«عقائد في اصول الدين». وكان في ما يظهر
ينزع
الى التشيع((263)). ثم انطلق ينشر دعوته
بالسيف، وارسل
اول جيوشه لمحاربة المرابطين في مدينة مراكش سنة
517ه
تحت شعار «الاقرار بالامام المهدي المعصوم»((264)).
وقد قال
فيه احد الشعراء قصيدة طويلة مطبقا اوصاف
الامام المهدي
التي وردت في الاحاديث عليه، ومدعيا انه هو المهدي
المنتظر، انشدها على قبره. قال فيها:
سلام على قبر الامام الممجد
ومحيي علوم الدين بعد مماتها
اتتنا به البشرى بان يملا الدنا
ويفتح الامصار شرقا ومغربا
فقد عاش تسعا مثل قول نبينا
وقد كان لهذه الدولة الموحدية التي انشاها المهدي بن تومرت شان عظيم في تاريخ
المغرب، وازدهرت في ايامها العلوم والاداب والفنون والعمران.
واتخذت المهدوية مظهرا آخر في الفكر المغربي عندما
امتزجت بالروح الصوفية فتجلت في القرن السابع
الهجري في
نظريات عرفانية، ومشاهدات روحانية،
ولطائف ربانية. ذلك
عند الشيخ الاكبر محيي الدين بن العربي الحاتمي.
فقد ذكر ان
هذا الامرهو الكنز الخفي بالبحر الغربي((265)).
ووحد بين
المشرق والمغرب حيث يكون طلوعه. وفي ذلك يقول الشيخ
الاكبر: «فصل - ولما كان فتح المدينة التي هياتها
هكذا بالتكبير
والتهليل، وفي مقدمة العسكر جبريل، وقد عطف اللواء
المشرق
نحو بلادالمشرق، ورياح المغرب تزعجه، وبشائر الفتح
تلهجه
والملائكة به حافون، وعليه ملتفون وامامه
مصطفون».
ثم يدعو الشيخ الاكبر الى التشبث بالامام، ومتابعته، والتحفز لتلك الرحلة
الكبرى، فيقول:
«فاذا اخذت في الرحيل، فاطو بساطك ايها الخليل، وسر
معه
بما معك من كثير اوقليل، فان لم يكن عندك قوة مال
ولا
طاقة لك بحمل العيال، فسر الى معدن الامام،ليحثو لك
من
المال ان استطعت ان تحمله، وذلك ايضا له علامة مع
جلى
الجبهة وقنى الانف، وسيرته في الملك بين اللين
والعنف،
فاصحب الركب المحفوظ المصان الملحوظ، فانه لا خير
في ما
تبقى بعده، ولكن الخير امامه وعنده». المراة والنص هوامش نقدية على مقالة «حقوق المراة في الاسلام بين النص والممارسة» الشيخ زين العابدين شمس الدين مقدمة
كثيرا ما تعالج مسالة حقوق المراة، في الاسلام، بعيدا عن
مرتكزاتها النصية، ويقتصرفيها على الاشارة الى بعض التشريعات الاسلامية المتعلقة
بالمراة التي توصف بانهامتنافية وحقوقها في احيان كثيرة، فيدور السجال حولها مدا
وجزرا في صراع بين النفي والاثبات لا يمكن لفصوله ان تنتهي ابدا، ويتجدد هذا السجال
مع كل فكرة تطرح اومفردة تنقض او امر يراد البرهنة على خلافه.
من هنا كانت الحاجة الى اعادة النظر في الموروث
الديني -
بشكل عام، والمتعلق بالمراة بشكل خاص - على ضوء
النص، ما
يقتضي فتح الطريق امام قراءة ما قاله المتقدمون في
مسالة
المراة بالذات قراءة نقدية يستخرج فيها الغث من
السمين،
وتؤدي الى تكامل العلوم والمعارف في هذه الموضوعات
وامثالها، ومن دون الرجوع الى النص تغدو تلك
العملية صعبة
للغاية. ونحن، في هذه القراءة النقدية، نكون قد
مارسنا حقنافي
النقد والتفكير وقراءة تراثنا بما يتوافق مع
حاجاتنا ومتطلباتنا
التي نعيشها في واقعناالمعاصر، ونكون قد ابقينا
الباب مفتوحا
امام الاجتهاد الذي يعد الروح الاساسية للتشريع
الاسلامي، اذ
لولا الاجتهاد لتجمد هذا الدين وتقوقع في زاوية من
زوايا التاريخ، ولبقي مجرد تجربة يقرؤها اللاحقون
من البشر،
من دون ان يضخ بتلك الحيوية التي يحظى بها الآن.
كما ان هناك اهمية خاصة لقراءة المراة نفسها
للقضايا المتعلقة
بالمراة في النصوص الدينية والتاريخية، الى جانب
قراءة الرجل
لها، اذ ان الاقتصار على قراءة احدهما من دون الطرف الاخر، قد يؤدي الى بعض
الضعف العلمي، من مظاهره استبداد احدالطرفين بتسليط رايه ونظره الخاص على الطرف
الاخر.
اضافة الى ان قراءة المراة للمراة مع قراءة الرجل
لها، تنطوي
على اهمية مضاعفة، تتمثل في انبثاق
الاشكاليات التي تثار او
تعالج، من صميم الواقع المعيش للباحث، كما ان تنوع
الاطلالة
على الاشكاليات المتعلقة بالمراة، او الحلول المفترضة لها، يعطي فرصة اكبر للدخول في حوار هادى بعيدا عن
الحوار
المنطلق من اثبات الذات وافناء الاخر، او المبني
على شعور
بالنقص او الاستعلاء. كما يؤدي ايضا الى تكامل
القراءة الى الحد
الذي يقترب بها من النتيجة المتوخاة.
من هنا احتوى البحث الذي تفضلت به، مشكورة،
الدكتورة
دلال عباس في مجلة «المنهاج»، العدد السادس
والعشرين،
تحت عنوان: «حقوق المراة في الاسلام بين النص
والممارسة»،
على مميزات خاصة قد تكون مفقودة في غيره مما كتب في
هذا المجال، كما تضمن بعض الصفات التي تمت الاشارة
اليها
سابقا، ما جعله مستحقا لان تضاف اليه بعض الهوامش:
النقدية
تارة، والتوضيحية اخرى، لاتمام الفائدة التي
بداتها الدكتورة في
طرق مثل هذه الابحاث، واهابة بها لان تتناول غير
هذه
المسائل المتعلقة بالمراة بجدية وموضوعية اكبر.
وسوف نقتصر، في هذه الهوامش، على الاشارة فقط الى
ملاحظات منهجية عامة في هذا المقال - من دون ذكر
الايجابيات التي يحتوي عليها لكثرتها - تاركين
الدخول في
متابعة المفردات او ملاحقة الجزئيات المثارة، وسوف
نعرض
عن ذكر مضمون المقال المذكور اعتمادا على مراجعته
من
قبل المهتمين في العدد آنف الذكر من «المنهاج». المعالجة الموضوعية لاشكاليات المرأة
ثمة ملاحظة تكاد تكون منسحبة على جل من طرق باب
البحث في موضوع حقوق المراة في الاسلام، وهي ان
اغلب
الباحثين - والمسلمين منهم على وجه الخصوص - قد جروا
في
معالجتهم لهذا الموضوع على منوال الباحثين
الغربيين
والمستشرقين في القرون المتاخرة، الذين كانوا
يتناولون
موضوع المراة في الاسلام من جهة ما فيه من اشكاليات
تشريعية تخالف في نظرهم الواقع الغربي المعيش
عندهم،
ناسبين تلك «المخالفة» الى معارضتها لحقوق
المراة، فنرى ان
الباحث المستشرق لم يثر اهتمامه في التشريعات
الاسلامية
اكثر من ان المراة المسلمة قد وقعت تحت وطاة الرجل
في ما
يتعلق بالطلاق والزواج المتعدد والارث و...،
متغافلا ما احدثته
موجة الحداثة المتنامية في العالم اليوم من خلل في حقها.
وقد جرى الباحث المسلم على ذلك من دون ان يحاول
قراءة
موضوع المراة قراءة شمولية، مستعرضا الاشكاليات
التي تحيط
بها في التشريعات الوضعية عند الغربيين، والتي
كثيرا ما تتنافى
مع حقوقها من حيث هي امراة، بمعنى ان تتم الدعوة
لمعالجة الاشكاليات الخاصة بالمراة في واقعنا
المعاصر وفقا
للحلول الاخلاقية التي تفرضهاطبيعة حقوق المراة
نفسها،
بعيدا عن النظر اليها ومعالجتها من جانب الحلول
المطروحة من قبل التشريع الاسلامي والحقوق
الاسلامية
المتعلقة بها. فعلى سبيل المثال، قلمانرى باحثا
تناول اشكالية
استخدام جسد المراة وسيلة من وسائل الانتاج من
منظارهاالحقوقي والتقنيني، كتناوله الاشكاليات
المترتبة
عليها في التشريعات الاسلامية، اضافة الى انه لم
تتم بعد صياغة
حقوقية متكاملة يؤخذ فيها بعين الاعتبار التشريعات
الوضعية التي تبيح استخدام جسد المراة في الاعلانات وفي الافلام وفي مراكز
الدعارة و....، بل انه لم تتم الدعوة حتى الان لدراسة هذه المفارقة بشكل جدي
وموضوعي. فهل تقتضي الموضوعية ان يشار فقط الى ما قد يرى انه يتعارض مع حقوق المراة في خصوص التشريعات الاسلامية، من دون الاشارة كذلك الى ما يفوق هذه المخالفة لحقوقها على صعيد آخر؟ او هل نكون اكثر اخلاصا لقضايا المراة اذا اغمضنا الطرف،عند حديثنا عن حقوقها، عن جانب استغلال جسدها لاغراض دعائية وتجارية، لمجردزيادة مبيع سلع قد لا تمت الى المراة بصلة؟ او اننا نكون صادقين مع انفسنا حين نترك عنان البحث النقدي ينصب على خصوص الاحكام الشرعية المتعلقة بها، من دون الاشارة الى اشكاليات حقوقية تتعلق بكرامة المراة وشخصيتها في التشريعات الوضعية الاخرى؟
ان اغفال الباحثين للبحث الشمولي في موضوع المراة
هو الذي
ادى الى صيرورة القول بان التشريع الوحيد الذي
يكرس ظلم
المراة ويعمل على هدر حقوقها هو التشريع الاسلامي،
قولا
مسلما به في وقتنا الحاضر، لذا لم يكد يتعرض احد
لحقوق
المراة، الاو نراه يشير الى هذه المفارقات
التشريعية لها، ومثل
هذه النظرة المسلم بها تكاد تكون على الطرف النقيض
في
التشريعات الاخرى، وخصوصا الغربية منها، فتبرز
كانها
تصب في خانة المصالح الاساسية للمراة وتدور في
فلكها، وانها
هي الوحيدة التي تسهر على تشريع ما يتناسب مع حقوق
المراة
وكرامتها، وانها اول من طالب بوضع حقوق لها
ورفع الظلم
التاريخي عنها. وهذا الارتكاز والتسالم ليسا الا
نتيجة طبيعية
للقراءات النقدية الاحادية الجانب للمراة وحقوقها، من دون القراءة الشمولية
لها.
ان مثل هذا المقال الذي تناول «حقوق المراة بين
النص
والممارسة»، هو المعني بمعالجة مثل هذه
الاشكاليات، وتسليط
الضوء على المفارقات الموجودة في ما يتعلق بحقوق
المراة على
مستوى التشريعات الوضعية المعاصرة، وذلك بالمقدار
الذي
تم تسليط الضوء فيه على المفارقات الموجودة في
التشريع
الاسلامي على ضوء النص،والاشارة - قدر الامكان - الى
ما يمكن
ان يفيد في هذا الميدان الذي بلغ التساهل، في شان
المراة فيه،
حدا لا يمكن السكوت عنه، او الاغماض عليه. لذا ليس
هناك
ابداما يسوغ اغفال المقال لهذا الجانب من البحث او
مروره
مرورا سريعا في مقدمته((266))، فان معالجة هذه الابحاث
المهمة المتعلقة بحقوق المراة والتي تمس كرامتها
بشكل
مباشر، والاشارة الى الاشكاليات المتعلقة بها
تفصيلا، يجب
ان تكون من اولويات الباحث الموضوعي في موضوع المرأة.
اضافة الى ان المقال قد اخذعلى عاتقه معالجة حقوق
المراة
على مستوى الممارسة ايضا، وهو يتضمن بطبيعته
مثل هذه
الابحاث، فان معالجة هذه الاشكاليات والمفارقات
التشريعية
موجودة في النص الاسلامي المتعلق بالمراة. المراة والتشريعات الاسلامية
ان التشريع الاسلامي، في ما يتعلق بالمراة، مبني على اسس، يمكن ان تختصر ضمن
ثلاثة اركان:
وعلى هذا الضوء، قامت التشريعات الخاصة بالمراة في
الاسلام،
حيث انها اخذت في وضع الاحكام والتشريعات المتعلقة
بها
جانب الصلاح الاجتماعي الذي يتواءم مع اغلب النساء
في
المجتمع، ولا يعير اهمية للفرد النادر منهن الذي قد
يكون
مثل هذا التشريع متنافيا مع خصوصياته. فلو فرض ان
امراة
كانت تملك من المؤهلات والجدارة التي تمكنها من
قيادة
الجيش اكثر من اي رجل آخر، او انها كانت تمتلك قوة
جسدية استثنائية تفوق قوة الرجال، فلن يكون هذا
الفرد من
النساء ماخوذا بعين الاعتبار عند تشريع احكام
الجهاد في
الاسلام. كما انه لا يمكننا ان ندعو - بناء على ذلك
لتبديل التشريعات والاحكام المتعلقة بها على هذا
المستوى،
ونقول ان وضع الجهاد عن المراة يتنافى مع حقوقها المفروضة، او ان نعد ذلك نقصا
تشريعيا في حقها.
وكذلك الامر لو فرض ايضا ان امراة كانت تملك من
القدرة
على ادارة عواطفها والتحكم باحاسيسها والثبات في
مواجهة
الخصوم في المنازعات، وغيرها من الخصوصيات
المطلوب
تواجدها في القاضي، فلن يكون ذلك مسوغا كي ندعو
لتغييرالاحكام الكلية المتعلقة بالقضاء، فيما لو
فرضنا ان الادلة
القائمة على عدم جواز تولي المراة للقضاء صحيحة. |