الثالث - ان الاختلاف، في بعض الاحكام بين الرجل والمراة، ليس مرده الى عدم التساوي بينهما في سائر الفروض او في الثواب والعقاب، او في افضلية المتقي منهما عند الله، او غير ذلك من الامور التي تساق لنقد هذا التمايز التشريعي - كما اشار الى ذلك المقال حين ذهب الى ان الميزان القرآني محصور بالتقوى فقط، حيث لا فض ل لرجل على امراة الا بها((269)) - بل ان هذا الاختلاف التشريعي تابع للاختلاف التكويني بينهما، وخاضع للمكونات النفسية والعضوية عند كل منهما كما اشرنا اليه.

لذا يمكن ان يكون المقياس الاساسي للتفاضل في الثواب عند الله، يوم القيامة، هوالتقوى فقط، من دون بقية الامور الاخرى من اختلاف الجنس او اللون او الاثنية او..، ومع ذلك لا يستدعي ان يسد الباب نهائيا امام وجود اختلاف في التشريعات الدنيوية،فمثلا نرى من جملة التشريعات انه لا يجوز للمراة ان تؤم رجلا مهما بلغت من تقوى ولو كانت افضل البشر، بل عليها ان تاتم هي بالرجل وان كان لا يملك من التقوى سوى المقدار الواجب من العدالة، وهذا لا يعد تفاضلا في الاصطلاح الاسلامي للكلمة، بل هو اختلاف تشريعي محض.

بل ان هذا الامتياز التشريعي موجود حتى بين الرجال انفسهم في بعض الاحيان، وذلك - على سبيل المثال - فيما اذا كان الرجل متصفا ببعض الصفات المعينة التي لا تتعلق بمسالة التقوى او القرب من الله، كالاحكام الخاصة باصحاب بعض الحرف المتواضعة كالحياكة والحجامة، فقد ورد في بعض الروايات كراهة الصلاة خلف الحائك ولو كان عالما، وخلف الحجام ولو كان زاهدا، وخلف الدباغ ولو كان عابدا((270)).

اذن فوجود مثل هذه الاحكام لا يتنافى مع كون هذا الشخص تقيا ومقربا من الله يوم القيامة، فان امر التقوى لا يتعارض ومسالة الاختلاف في بعض الاحكام الدنيوية.

ونظير هذه الاحكام، ايضا، ورد في بعض الاحداث التاريخية المعاصرة للنبي(ص)، فقد ورد في كتب التاريخ ان الرسول(ص) جهز جيشا قبيل وفاته، مؤمرا عليه اسامة بن زيد، ومن الطبيعي انه كان في الصحابة - المنضوين تحت قيادة اسامة - من هو اتقى منه وافقه، ومع ذلك امره النبي(ص) عليهم لكونه اجدرمنهم بقيادة الجيش وتدبير امر الجند فقط، او لاغراض اخرى غير مسالة التقوى، والاكرمية عند الله.

التاريخانية وفهم النص الديني

اشير في المقال الى ان فصل الدين عن تاريخيته هو من الاخطاء المنهجية التي يقع فيها الباحث((271))، وهذه الملاحظة في الواقع ملاحظة جوهرية تتعلق بفهم النص التراثي، ويؤثر تجاهلها سلبا على هذا الفهم، وهي حقا من الاخطاء المنهجية التي تراودالباحثين في النصوص الدينية عموما، وتلك المتعلقة بالمراة بشكل خاص، اذ ان عدم الالمام بتاريخية هذا النص وبالظروف الموضوعية التي ادت الى صدوره، يوقع الدارس في بحث منقوص لا يفضي به الى الحصول على النتيجة المرجوة، او يؤدي الى تعميم النتيجة المحاطة بظروف تاريخية خاصة الى جميع الازمنة، من دون ملاحظة الخصوصية التاريخية المؤثرة في صدور هذا النص، لذا كانت الدراسة التاريخية للواقع المعيش في عصر النص مهمة كثيرا، كالاهمية المفترضة للبحث نفسه، اذ من دونه قلمايصل الباحث الى نتيجة مرضية.

الا ان الملاحظة المسجلة على المقال نفسه تتمثل في تجاهله استعراض الاحداث التاريخية المحيطة بالنصوص التي استدعاها، فلم يذكر ما يمكن ان يساعد على الاحاطة باسباب نزول بعض الايات، كما انه تحاشى عرض الروايات والاخبار التي تضيء الى حد بعيد الظروف التاريخية للنص القرآني، فان الاخبار تعد مصدرا من المصادرالاساسية التي يستعين بها المؤرخون لمعرفة بعض الاحداث التاريخية الحاصلة في الصدر الاسلامي الاول، والتي قد لا ترتبط بالنص القرآني، فكيف اذا كان ما يرادملاحظته هو الظروف الموضوعية المحيطة بالايات، او الملابسات التاريخية المحفوفة باسباب نزولها؟ فان الروايات فضلا عن كونها تكشف عن مدى ترابط الاحداث التاريخية في ما بينها، تساعد كثيرا في معرفة المراد من الايات، او في جلاء الغموض عن هذا الفهم او ذاك.

نعم تعرض المقال لذكر بعض الروايات والاخبار الشاذة التي استفاد منها للتدليل على عدم صلاحية مثل هذه الروايات المنافية للقرآن بشكل عام لجعلها مصدرا من مصادرالتشريع المعتمدة((272))، كما انه اشار في مكان آخر الى وجود احاديث اعتمدعليها لعدم جواز تولي المراة الحكم والقضاء، ووصفت «جميعها» بانها موضوعة او انهاترتبط بواقع تاريخي معين((273))، من دون الاشارة الى سبب وصفها بالموضوعة،او الى سبب ارتباطها بالواقع التاريخي المعين.

تاثير العادات والتقاليد على فهم النص

ان القول بان ما طبقه المسلمون، طوال التاريخ، لا يعكس في مجالات كثيرة النظرية الاسلامية، ولا يمثل دائما الاحكام الشرعية المتعلقة بها، قول صحيح لا اشكال فيه، اذان الكثير من الافكار الاسلامية قد فهمت فهما مغايرا، كما ان العديد من الاحكام قدمورست بشكل خاط ى عند المسلمين، اما نتيجة تاثرهم بالتقاليد الموروثة عند شعوب البلاد المفتوحة، التي كثرت في عهد الفتوحات الاسلامية، او نتيجة الضغوط التي مورست على المراة من قبل السلطات الظالمة التي توالت على قيادة الدولة الاسلامية.

وقد اشار المقال الى هذه الملاحظة المهمة((274))، لكنه لم يشر الى الميزان الذي يمكننا ان نستدل به على التقاليد الموروثة، ونميزها من الاحكام التي تبناهاالاسلام بخصوص المراة، حيث لا بد من الاشارة الى المعيار الرئيس الذي يمكن على ضوئه تمييز العادات الموروثة من الاحكام الاسلامية، وعليه، فليس من الصحيح الاشارة فقط الى مدخلية التقاليد في بعض الممارسات عند المسلمين بشكل عام، من دون بيان المعيار الموضوعي في ذلك، والا فلو اكتفينا بعرض امكانية تاثير العادات في الاحكام فقط، لامكن ان ننسب اي حكم الى الموروث، او نضعه في دائرة مخلفات الضغوط السياسية التي مورست على التعاليم الاسلامية، او لا اقل من ان نشكك في انتسابه للاسلام.

لذا كان من الضروري ملاحظة النصوص الدينية مع الاخبار الصحيحة الكاشفة عن الاحكام والمفاهيم الاسلامية، اضافة الى دراسة مفصلة للعادات والتقاليد التي كانت شعوب البلاد المفتوحة تعيشها قبل الاسلام وتمارسها في حياتها اليومية، والا لم يعدجهد ما ليلامس الحقيقة الاسلامية بجميع جوانبها.

ولعل المثال الذي ضرب في المقال على هذه المسالة - وهو عادة ختان الاناث التي كانت تمارس قبل الاسلام - يعطينا فرصة كبيرة لتمييز التقاليد من الاحكام الاسلامية،وذلك بمراجعة النصوص والروايات، التي سريعا ما نلاحظ انها خالية عن وجوبها، اوحتى عن الندب اليها. والا لو كانت من الاسلام، لكان ينبغي ان نجد لها جذورا في المصادر التشريعية.

كما ان هذه الاشكالية تنسحب ايضا على اجتهادات السابقين وفتاواهم، فانها هي الاخرى مؤثرة في احيان كثيرة على ممارسات المسلمين في ما يتعلق بالمراة، او بغيرهامن المفردات المماثلة في الفقه الاسلامي، لذا لا بد من مراجعة مفصلة للكتب الفقهية السابقة وملاحظة ادلتها في ما يتعلق بالفتاوى الخاصة بالمراة، ومقارنتها مع المصادر التشريعية الثابتة والصحيحة لمعرفة مدى انسجام الموروث من هذه الفتاوى مع المصادر التشريعية المعتمدة.

اذن لا بد من التدليل على الميزان، او المقياس، الذي يبين لنا العادات من الاحكام، ويميز لنا فتاوى الفقهاء من التشريع الاسلامي، ولا طريق لذلك الا استنطاق النص الشرعي الصحيح وفقا للمعطيات الاخرى، والخروج بنتيجة تتوافق مع النص بشكل اكبر.

تحرر الباحث من خلفياته الخاصة

ان الحديث عن النص واتباع ما جاء في النص الصحيح يفتح الباب امامنا للاشارة الى مسالة تتعلق بموضوعية الباحث في الموضوعات التراثية عموما، وهي ان الباحث الذي يريد ان يستنطق التاريخ مثلا لمعرفة ما يحتويه من احداث، عليه ان ينطلق من ذهنية لاتحمل اي خلفيات عن الموضوع المراد علاجه، بل عليه ان ينطلق من المصادر التاريخية المعتمدة فقط من دون الاعتماد على غيرها من الامور الاخرى، حتى لو كانت النتيجة المتحصلة لديه قد جاءت خلافا لرغبته الخاصة، ومثل هذه الامور تعط ي ثقة بالنتيجة الحاصلة، لانها نتيجة مجردة من رغبات الباحث وبعيدة عن الاسقاطات التي قدتبتلى بها هكذا ابحاث.

وهذه المسالة عينها، اذا توافرت في الدارس الاسلامي لموضوع المراة، تمنحه فرصة اكبر للمثول امام الحقيقة، لان الباحث الذي ينطلق من النصوص والمصادر التشريعية، من دون ان يعمل اي اسقاط عليها، ومن دون ان يتاثر بحثه بالمطالبات التي تدعو لتحرير المراة واعطائها حقوقها، ومن دون ان يتاثر بالاراء الموروثة عن السلف، يقترب اكثر فاكثر من الامانة العلمية، ممارسا اقصى ما يمكن من اخلاقيات البحث، لتخرج نتيجة بحثه وفقا لما تفرضه طبيعة هذه المصادر من دون اسقاط رغباته وآرائه المسبقة عليها، حتى لو كانت هذه النتيجة مخالفة لقراءته للاسلام، او لو كانت في نظره منافية لحقوق المراة المدرجة في الاعلان العالمي، اذ ان الخروج بنتيجة مخالفة لرغبتنا لمجرد دلالة النص الصحيح عليها، من دون ان نسقط آراءنا عليه ونحاكمه وفقا لها، لهوكمال الموضوعية المرتجى توافرها في الباحث الذي يعالج الاحكام والمفاهيم الاسلامية والنصوص المتعلقة بها، ولولا ذلك لوقعنا في اتون افهام خاصة للنص - كمااشار المقال - ولغدا ما توصلنا اليه من نتائج مجرد قراءة ناقصة للدين وفهم شخصي مشوب بخلفيات القارى واحكامه المسبقة التي يحاول اسقاطها على النص، في مصادرة واضحة عليه.

دور العلوم الاخرى في فهم النص

اشار المقال - في ما اشار اليه - الى ارتباط البحث، في موضوع المراة،بالموضوعات العلمية الاخرى، كالعلوم الانسانية وعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة وغيرها، ودعا كذلك الى ان يحفر في حقل الشريعة وفي حقول المعارف البشرية، وان يكون علم الكلام الجديد متناسبا مع العلوم الاخرى((275)).

وهذه الدعوة - التي يعد الباحث الايراني الدكتور عبد الكريم سروش اول من نظر لهاعلى مستوى المعارف الاسلامية - تدعو في الواقع لان يستعان بالعلوم الاخرى على مستوى استنباط الاحكام الشرعية واستخراج النظرية الاسلامية، وان يستعين الفقيه والباحث الاسلامي بالمعارف المرتبطة بالعلوم الاسلامية، حتى يحصل على نتيجة لاتخالف في مضمونها ما تم التوصل اليه في الميادين العلمية الاخرى، وحتى يصل الى نتائج اقرب للواقع في فهم النص.

وهذه الدعوة تحتوي على ايجابيات لا يمكن اغفالها، الا انه نكتفي هنا بتسجيل ملاحظة مهمة عليها، وهي: ان ما يجب ان يدعى للاعتماد عليه من العلوم لا بد من ان يكون ناشئامن اجتهاداتنا الخاصة فيها، لا ان نكون مجرد اناس مقلدين في ذلك، بمعنى ان تكون العلوم التي يجب الاعتماد عليها والتي تفيد في فهم النص الديني - كعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية و.. - من العلوم الخاضعة للنظر عندنا وان نلاحظ ادلتها ومداركها،ونقراها قراءة اجتهادية، لا ان نكتفي بما صدر في نشاتها من آراء ونظريات لم تصل بعدالى مرحلة الثبات، ولم تحصل عند منتجيها على مقومات الصمود امام النقد او التبدل او ان نستعين في فهمنا للنص على ما ثبت بطلانه من النظريات عند علماء الاجتماع اوعلماء النفس - فان الكثير من النظريات التي يراد جعلها مرجعا في القراءة الدينية، تعتمد في وجودها واساسها على مقدمات لا نعترف بصحتها او سلامتها على المستوى المعرفي، او انها نظريات ناشئة من صميم واقع لا يتوافق مع الواقع الخاص بنا، اوينسجم مع ثقافة تغاير ثقافتنا وتتصادم مع مبادئنا ومرتكزاتنا، فنكون باعتمادنا تلك النظريات والعلوم قد قيدنا انفسنا ضمن حدود معرفية واضحة النتيجة من قبل، ونكون قد انطلقنا في دراستنا للنص الديني من منطلق الاسقاط الذي نريد ممارسته بحق النص، ولوقعنا في نهاية المطاف في نظرة مزدوجة للدين: فمن جهة نرى ان النص الديني هو نص مقدس يجب استنطاقه لمعرفة ما بداخله، ومن جهة اخرى نتعامل معه على انه محكوم لعلوم ومعارف تتغاير معه في الاسس والمبادى.

لكن هذا لا يعني ان ما توصلت اليه العلوم الانسانية الحديثة، من نظريات ومعارف، باطل جملة وتفصيلا، بل بات الكثير من هذه النظريات محسوبا اليوم في عدادالمسلمات الاساسية لدى كافة البشر، والتي يعتمد عليها في مجالات معرفية شتى.

من هنا كانت الدعوة للاجتهاد في العلوم والمعارف الانسانية المؤسسة على المعطيات العقلية والفلسفية المبرهن عليها، دعوة مهمة تعيد لنا الثقة بكل ما يمكن ان ينتج على مستوى النظرية الاسلامية المعتمدة على هذه العلوم، وتؤسس لنا مداخل جديدة لعلوم هي في الواقع داخلة في دائرة اهتمام المعارف الاسلامية، لتعطينا فرصة اكبر للتحرك الاجتهادي ضمن دائرة النص.

نماذج لمصادرات على النص

ثمة في المقال بعض الايات التي استقي منها فهم لا ينسجم مع الايات نفسها، ليعاد تجهيزه نقدا على الاراء الاخرى، وهي تمثل انموذجا لمصادرات اسقطت على النص، نشير الى بعضها باختصار:

1- ذكر المقال عبارة: «لا فضل لرجل على امراة الا بالتقوى»، ثم اورد الاية الكريمة (ياايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللهاتقاكم ان الله عليم خبير) [الحجرات/13ج((276))، وكانه راى ان الاية تعد دليلاعلى الدعوى التي اطلقها.
لكن تقدم، قبل قليل، القول: ان مسالة التفاضل عند الله بالتقوى لا تعني عدم وجودتفاضل ابدا بين الناس في الدنيا لاعتبارات اخرى.

2- اورد المقال آية الرضاع في سياق تقسيم الاعمال بين الزوج والزوجة، ثم اردف ذلك بعبارة: «لقد حمل القرآن مسؤولية ادارة هذه المؤسسة التي هي الاسرة للرجل،وحمله مسؤولية الانفاق شريطة ان يكون عاقلا تقيا، لان الله فضل الناس على بعضهم بالتقوى والتعقل»، وبعد ذلك اورد آية الرجال قوامون على النساء..، ثم اتبعها بان شرط قيمومة الرجل التقوى والتعقل والانفاق((277)).
هنا نقول: ان من الواضح ان الايات المذكورة في المقال لا تشير الى ان شرط تحمل الرجل لمسؤولية الاسرة، او ان شرط القيمومة على الزوجة، هو التقوى او التعقل،حيث لم تشر الايات التي اوردها المقال الى شيء من ذلك، الا ان يكون هذا الشرط فهم من دليل آخر غير الايات التي اوردها، ومع ذلك لنا ان نسجل على المقال عدم ذكره الدليل على هذه الدعوى.

3- ذكر المقال آية (وان خفتم الا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساءمثنى وثلاث ورباع فان خفتم الا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى الاتعولوا) [النساء/3].
وربط بينها وبين الاية التي قبلها التي فيها عدم جواز اكل مال اليتيم، ثم اورد هذه العبارة: «اتساءل كيف فهم من هذه الاية السماح بالتعدد من دون قيد اوشرط، وامثلة التعدد المعروفة في مجتمعاتنا لا توحي بالثقة..». ثم نفى ان يكون هناك غير المعصوم ممن عدل بين زوجاته وبين اولاده من امهات مختلفات. ثم ذكر ان الاسلام دين العدل كما امر الله عز وجل في آيات لا تعد ولا تحصى، وبعدها ذكر الاية (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وان تصلحوا وتتقوا فان الله كان غفورا رحيما)[النساء/129]، وعلق عليها بان الكلام عربي واضح لا مجاز فيه ولا يحتمل التاويل((278)).
هنا لنا ان نعلق:
اولا: ان هذا الكلام يتسم بالجزم بعدم احتمال النص القرآني هنا للمجاز
والتاويل، مع ان المجال مفتوح في عالم النصوص لاحتمالات وتفسيرات متنوعة تحيل على القارى الجزم بمضمونه بطريقة حاسمة نافية لفهم آخر، والحال ان الكثير ممن قراهذه الايات خرج باستنتاجات مختلفة.
وثانيا: ان وجوب العدل لا يشمل اولاد الزوجات، كما يظهر في المقال الاشارة الى ذلك، فانه لا دليل ابدا على وجوبه الشرعي، بل وجوب العدل مختص بخصوص الزوجات في مسائل خاصة، لا في كل شيء.
اما الاية الثانية التي تنفي امكانية العدل، فهي لا تنفي امكانية العدل الماخوذ شرطا في الاية الاولى الذي هو واجب، بل تنفي امكانية العدل في الامور غير الواجبة. وتفصيل هذا الكلام وبيانه من حيثياته كلها يستدعي الخروج عن مراعاة جانب الاختصار في هذاالمقال، لذا نحيل القارى الى مراجعة مقال «وقفة مع نصر حامد ابو زيد في نظرته لتعددالزوجات» المنشور في العدد الخامس والعشرين من مجلة المنهاج، فان فيه تفصيل الكلام في هذه المسالة.

4- اورد المقال((279)) عبارة «اما الذين تزوجوا اربع نساء اسوة بالنبي فكانهم لم يقراوا قوله تعالى: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوامن قبل وكان امر الله قدرا مقدورا) [الاحزاب/38]، وقوله: (يا نساء النبي لستن كاحدمن النساء) [الاحزاب/32].
نشير هنا الى ان هذه الاية لا تدل على ان للنبي(ص) احكاما خاصة به، بل هي تفيدان على النبي ان يقيم ما فرض الله عليه، ومن خلال سياقها نعلم ان المراد هو حكم تزوج النبي(ص) من زينب زوجة زيد الذي كان ابنه بالتبني، وكانت العرب ترى ان ولد التبني كولد الرحم يجري عليه ما يجري على الابن، وعليه فالاية لا تشير ابدا الى حكم مختص بالنبي.
نعم هذا لا يعني انه ليس هناك احكام مختصة بالنبي(ص)، الا ان هذه الاية لاتكشف عن ذلك ابدا. ولو افترضنا انها تفيد بشكل مجمل اختصاص بعض الاحكام بالنبي(ص)، فلا تكون هذه الاية بالذات دليلا على اختصاص حكم تعدد الزوجات به، لعدم وجود الدليل الذي يفيد الاختصاص، خصوصا اذا لاحظنا السياق التاريخي للمسالة، حيث غالبا ما كانت الصحابة في الزمن الاول يتزوجون غير واحدة، ومع ذلك لم يكن الرسول(ص) ينهاهم عن هذا الفعل، بحجة انه من الاحكام المختصة به.

5- بعد ان استعرض المقال الايات التي تتحدث عن احكام الارث في الاسلام، قال ان آيات الارث آيات حدودية، حيث اعط ى الله للانثى نصف حصة الذكر حدا ادنى، وهذا الحد الادنى في حالة عدم مشاركة المراة في المسؤولية المالية للاسرة((280)).
لكن من الملاحظ ان فكرة الحدود التشريعية في الخطابات الاسلامية - التي يظهران كاتبة المقال قد تاثرت بكتاب الدكتور محمد شحرور «الكتاب والقرآن قراءة معاصرة» والذي اشار الى هذه المسالة بشكل مفصل - وان كانت فكرة جيدة ثبوتاوعلى مستوى التنظير، الا انها تفتقد للدليل على مستوى الاثبات والتطبيق.
ثم انه لو افترضنا ان الايات المذكورة هي آيات حدودية كما اشير الى ذلك، فما هوالدليل على ان للمراة نصف حصة الرجل من الارث فيما اذا لم تشارك في المسؤولية المالية للاسرة؟ فلماذا لا نفرض ان شرط هذا الحد هو كون القيمومة للرجل من دون المراة، او ان شرطه هو ان المراة هي التي تهتم بالرضيع من دون الرجل؟ او غير ذلك من الامور الاخرى التي قد تبدو سخيفة للوهلة الاولى، الا انها تشترك مع الشرط المفترض - تحمل الرجل للمسؤولية المالية - في عدم قيام دليل عليه.
ولعل الدكتور شحرور نفسه تورط في دعوى لم يقدر على تقديم دليل موضوعي على صحتها على مستوى الاثبات بشكل يشمل اكثر الخطابات والنصوص الاسلامية، كمااعتمد ذلك هو في كتابه المذكور، ولعل الدخول في مناقشة هذه المسالة عند شحروريخرجنا عن موضوعنا ويدخلنا في سجال آخر حول الحدود التشريعية في الاسلام، لذا
انصح القارى للافادة من المقال المنشور في مجلة المنهاج العدد السادس والعشرين،والذي حمل عنوان «مسالة الحجاب في القرآن وقفة مع د. محمد شحرور».

المراة ودور علوم الاحصاء

لا بد من الاشارة الى مسالة مهمة يمكن ان تساعد الباحث في موضوع المراة، وتعطيه ثقة بما يطرحه من اشكاليات او ما يجده من حلول، وهي ان يصار الى اعتماد الاحصاءات في مجالات الدراسات المتعلقة بالمراة بشكل عام بوصفها مصدرا من مصادر البحث الذي يعمل به، بان يعتمد الباحث على الاحصاء لمعرفة مدى استعدادالمراة للانسجام مع ما يطالب لها من حقوق او من مساواة بالرجل، وانموذجا على ذلك، وكي نرى مدى تواؤم مسالة تعدد الزوجات مع المراة وحقوقها، نذكر ما ورد من احصاءات في اكثر بلدان العالم من زيادة عدد الاناث على عدد الذكور في العمر الذي يمكن الزواج فيه، واذا اضفنا الى ذلك الاحصاء الذي يفيد زيادة الطلاق بين الازواج، وان الزواج الجديد قلما يحصل مع امراة مطلقة، لامكن للباحث الخروج بنتيجة بعيدة عن النظرية الاسلامية او معطيات النص المتعلقة بذلك - مفادها ان الزواج المتعدد يمكن ان يكون حلا بالنسبة للكثير من الفتيات العانسات، والنساء المطلقات والارامل، او يكون حلا للمشكلات الاجتماعية المنبثقة من حالات العزوبة والفراغ العاطفي عند الانثى.

واذا استخدمنا نتائج الاحصاءات في موارد كثيرة اخرى، ينفتح لنا المجال امام العديدمن الاشكاليات التي تلح في اعطاء حلول لها، لم يشر اليها سابقا، او امام فرضيات قدتشكل حلولا جديدة لم تكن على بساط البحث لمشاكل مزمنة، او ان نعزز ثقتنابالحلول المطروحة من قبل.

من هنا، لا بد من ان تحمل الابحاث المتعلقة بالمراة على محمل الجد، ويتعامل معهامعاملة جادة، بحيث لا يمكن لنا ان نطلق حولها الاشكاليات والحلول كيفما اتفق، او ان نقتصر في معالجاتنا لقضايا المراة على دراسات منقوصة، او ايحاءات لا تتعدى كونهاافكارا لا ترجع الى نظرة متكاملة لها، او ان نجري في ابحاثنا مجرى التسويغ والتقريب لما يعد المقياس الرئيسي لحقوق المراة - وهو الاعلان العالمي لها - الذي يتنافى في بعض جوانبه مع الحقوق الاساسية للمراة، بل علينا ان ننطلق من المعطيات الواقعية على ضوء ما نراه في مصلحتها، بعيدا عن التاثر بما يثيره الاخرون من انتقادات، او مايطلقونه من دعوات لتحريرها من الاستعباد الذكوري، او حتى بعيدا عن الموروث التقليدي والفقهي الذي ربما مارس على المراة ظلما باسم الدين والاسلام، او غيرها من الامور.

منتدى المنهاج

الدين والعقلانية (1)

المشاركون:

د. مصطفى ملكيان
الشيخ علي العابدي
د. محمد لغنهاوزن
أ. محمد تقي الكرمي
د. زهير غزاوي

الدين والعقلانية
حوار شارك فيه:
«د. مصطفى ملكيان والشيخ علي العابدي ود. محمد لغنهاوزن»
 

هل تتمتع المعتقدات الدينية بالعقلانية؟ واذا كان الامر كذلك، فهل يعني هذا اتساقها الداخلي (Consistency) فحسب، او ان القضية ابعد من ذلك، وترتفع الى مستوى يجعل من الممكن اثبات تلك المعتقدات عقليا؟

ملكيان: يمكن القول، مبدئيا، ومدخلا للموضوع: ان العقلانية تعني اتخاذ الادلة الصحيحة مرجعية مطلقة (وهذا ما اريده انا ايضا من تعبير العقلانية). ولكن يبدو ان ثمة انماطا متعددة للادلة، كما يختلف معيار الصحة الذي يتطلبه دليل معين عما يتطلبه دليل آخر. وهكذا يمكن القول: ان للعقلانية الوانا مختلفة، او ان للقوة العاقلة، بتعبير آخر،شؤونا وادوارا متنوعة. وفي وسعنا تقسيم مستويات العقلانية جميعها الى نوعين رئيسين: العقلانية النظرية ذات الصلة بالعقائد، والعقلانية العملية التي تتعلق بالسلوك. ونقوم بوصف العقائد بالعقلانية النظرية كما نصف السلوك بالعقلانية العملية، فلو وصفنا فكرة معينة بالعقلانية فاننا نريد بذلك العقلانية النظرية، اما لو وصفنا بذلك موقفا عمليا فاننانقصد حينئذ العقلانية العملية. ولكلا النوعين من العقلانية اقسام عديدة تتفرع عنه،وهنالك مناقشات ودراسات كثيرة تناولت مختلف انواع العقلانية، وقد تضمنت ما لايحصى من الخلافات والرد والقبول.

التفسيرات المتنوعة للعقلانية

1- وفي ضوء ما تقدم، من اجمال شديد، اعتقد انكم تقصدون، في سؤالكم، العقلانية النظرية، ولكن لا يمكن تقديم اجابة واحدة نهائية لذلك، لانه قد جرى طرح تفسيرات عديدة للعقلانية النظرية. ربما كان في وسعنا ان نصف فكرة معينة بانها عقلانية وهي اماان تكون حينئذ بديهية او انه جرى استنتاجها من البديهيات عبر استدلال موضوعي(وهذا احد تفسيرات العقلانية). ووفق هذا المفهوم، لا يمكن القول بعقلانية اي فكرة اوعقيدة دينية او عقلانية اي من الديانات والمذاهب. ولا شك في ان اللاعقلانية هذه لاتعني بطلان العقائد والاديان وفسادها وعدم مطابقتها للواقع، بل ان لا عقلانيتها حيادية ازاء الصدق والكذب ولا تقتضي ايا منهما، وبعبارة اقل تعقيدا فان العقيدة غير العقلانية وفق هذا المفهوم، يمكن ان تكون صحيحة كما يمكن ان تكون خاطئة.

2- ووفقا لتفسير آخر يمكننا ان نسبغ وصف العقلانية على تلك الفكرة التي تنسجم مع عقائد الانسان وقناعاته كافة، او مع اغلبيتها الساحقة على الاقل. وفي ضوء ذلك، لا بدمن القول: انه يمكن ان تصبح العقائد الدينية عقلانية في الغالب لدى الانسان التقليدي غير الحداثي، بيد ان معظم العقائد هذه غالبا ما لا يمكن ان تكون عقلانية لدى الانموذج الحداثي من الناس. ولا شك في ان اللاعقلانية هذه ايضا ليست بمعنى البطلان.
وعلى هامش المفهوم الثاني للعقلانية النظرية، في وسعنا القول: انه من الممكن للعقائدالدينية ان تتمتع بانسجام داخلي. واذا اخذنا بعين الاعتبار منظومات عقيدية تتمتع اجزاؤها بانسجام داخلي فوصفناها بلون من العقلانية النظرية، فليس من المستبعد حينئذان توجد لدينا منظومة عقيدية دينية تمتلك طابعا عقلانيا، بمعنى توافر الانسجام الداخلي. لكن هذا الانسجام الذي يتوافر في منظومة عقيدية معينة (دينية كانت ام غيردينية) هو شيء، وان يكون في وسع المرء اثبات تلك المنظومة عقليا شيء آخر.
ان الانسجام الداخلي هذا هو شرط حتمي للصحة والتطابق مع الواقع، غير ان توافرالشرط لا يكفي بمفرده في ذلك، ولذلك لا يمكننا ببساطة ان نستنتج الثاني من الاول، اذ اتصور انه لا يمكن ان نتولى اثبات منظومة عقيدية او دينية او مذهبية بمنهج عقلي، كما اشرت آنفا.

3- ويمكننا، حسب تفسير ثالث للعقلانية النظرية، ان نسبغ هذا الوصف على الفكرة التي لم تتكون نتيجة للمشاعر او العاطفة او الايمان والتعبد او من خلال معاييروترجيحات او انحيازات غير موضوعية مجردة عن الدليل. وفي ضوء ذلك، لا شك في ان معظم العقائد الدينية تمثل عقائد لا عقلانية، لانها قد تكونت بتاثير من بعض العوامل المذكورة اعلاه، غير انها بالرغم من ذلك يمكن ان تكون صحيحة.

4و5- اذا امكن ان نعد الفكرة عقلانية حين تتوافر ابحاث كافية تدعمها وتؤيدها، فكيف نعين مستوى الكفاية والقدر اللازم من البحث والدراسة، او من هو الذي يحدد ذلك؟وهنا توجد اجابات مختلفة.
قد يقال: ان القدر الكافي من البحث والدراسة يتحدد على اساس ما يراه الشخص صاحب الفكرة نفسه، وهذا هو المفهوم الرابع للعقلانية النظرية، وفي وسعنا هنا القول بامكانية منح العقائد الدينية صفة العقلانية. وهكذا الحال في ما اذا كان تحديد ذلك على اساس ما يؤمن به الشخص من معايير ومقاييس ذاتية (
Subjective) النظرية. رغم انني اتصور ان احتمال عقلانية هذه العقائد في ضوءالمفهوم الخامس اقل منه على اساس المفهوم الرابع، ولكي يتضح الفارق بين المفهومين يمكن ان ناخذ بنظر الاعتبار مثالا على ذلك، فنفترض شخصا في حوزته معايير تحدد المقدار الكافي من البحث والدرس المشار اليه، وهي معايير تتجلى في افعاله واقواله وسائر شؤونه، ونفترض اننا حين تناولنا انموذجا من الافكار التي يعتنقها وحاكمناها على اساس ما اعتمده من تلك المعايير المنهجية، وجدنا انه لم يدعم فكرته بالقدر الكافي من الابحاث، وهكذا فان قناعته هذه ليست عقلانية بالمفهوم الخامس،لان ما بذله من جهد يظل ناقصا على اساس ما يمتلك من مقاييس. ولكن لو انه في الوقت نفسه لم ينتبه الى ما تقتضيه معاييره تلك، وتصور انه قد عزز قناعته (الخاطئة طبعا) بالقدر الكافي من الجهد العلمي، فان عقيدته تلك ستكون عقلانية وفق المفهوم الرابع لاعتقاده بانه قد وفى بالمستوى المطلوب.

6- وفي المفهوم السادس للعقلانية النظرية لا يكون تحديد القدر الكافي من الجهدالعلمي منوطا براي الشخص نفسه ولا بمعاييره الذاتية، بل يتحدد ذلك في ضوء المقاييس العامة الموضوعية (Objective وحسب هذا المفهوم لايمكن وصف أي من العقائد بالعقلانية كما اتصور.

بين العقلانية والصوابية

ثمة المزيد من التفسيرات المقدمة للعقلانية النظرية، واتجنب استعراضها هنا بهدف الايجاز. لكنني اجد من الضروري التاكيد ان عقلانية فكرة معينة وعدمها (وفق مختلف مفاهيم العقلانية) هو شيء، وصواب تلك الفكرة وعدم صوابها شيء آخر. ولا بد من ان نحذر من الخلط بين هذين المستويين في تقييم المعتقدات، فبمعزل عن النظرية التي نعتمدها في ما يتصل بصواب الفكرة او عدمه، وبغض النظر عن مفهوم العقلانية الذي ناخذه بعين الاعتبار، يمكن ان تكون عقيدة ما صادقة وعقلانية في آن واحد، اوكاذبة وعقلانية، او كاذبة وغير عقلانية، او صادقة وغير عقلانية، كذلك. ان البحث في عقلانية العقيدة ولا عقلانيتها يدور في الواقع حول ما نمتلك وما لا نمتلك من حق وصلاحية في اعتناق العقائد من وجهة نظر ابستمولوجية. فالعقيدة العقلانية هي تلك التي نمتلك مسوغا معرفيا ابستمولوجيا في اعتناقها سواء كانت مصيبة ام خاطئة، اماالعقيدة غير العقلانية فهي تلك التي لا نمتلك مسوغا معرفيا في اعتناقها بغض النظر عن كونها مصيبة او مخطئة في الامر الواقع نفسه. وقد ابديت تاكيدا على «الزاوية المعرفية الابستمولوجية» كي اشير الى انه من الممكن الحديث عن مسوغات اخرى غيرالمسوغ المعرفي في ما يتصل بتكوين المعتقد، وهنالك من تحدث عن ذلك. لكنني اتناول هنا المسوغ المعرفي وحسب. رغم ان الحديث عن المسوغات غير المعرفية في ما يتصل ببناء العقيدة، هو في حد ذاته موضوع شيق للغاية.

وعلى اعتبار ان «الكلام يجر الكلام» اود الاشارة الى نقطة شيقة اخرى، وهي العلاقة بين العقلانية والاخلاق. فهل الاعتقاد بفكرة غير عقلانية هو امر قبيح على الدوام من زاوية اخلاقية، بينما الايمان بفكرة عقلانية هو امر حسن على الدوام من الجانب الاخلاقي او ان علينا هنا ايضا القول بالتفصيل والتمييز بين عدة مستويات؟ اسمحوا لي ان احيل هذا الموضوع الى فرصة اخرى.

لغنهاوزن: ما اكثر اولئك الذين يعدون العقل اداة في الوصول الى نقاط مختلفة من نطاق الحقيقة والبرهان. ان الاتساق الداخلي في اي قضية هو امر يشبه الاشارة الى نقطة في خارطة. والقول: ان قضية ما تتمتع بانسجام داخلي هو بمثابة القول ان النقطة «المعينة»التي نحاول بلوغها تقع في الخارطة، حيث ان ذلك لا يعني ان بوسعنا الوصول الى تلك النقطة كما لا يعني انه متعذر علينا. نلاحظ ان مفهوم العقلانية المطروح في مثال الاتساق سطحي وساذج الى درجة تجعل منه ببساطة مدعاة للسخرية. ولا شك في ان المثال هذا لا يمكنه ابدا تفسير دور العقلانية في تكوين الادراك الحسي والقناعات ذات الصلة بالعلوم الطبيعية والتاريخ وتقنيات الحاسوب الالكتروني والرياضيات والاخلاق والمنطق والهندسة. فكيف لنا تخيل ان مثال الانسجام الداخلي يكون مجديافي الالهيات؟ ليس هنالك من يتساءل عن افكار الرياضيات، وهل انها تكتسب العقلانية وفق مفهوم الانسجام الداخلي او انها عقلانية بمضمون ابعد من ذلك يجعلها قابلة للاثبات العقلي. نتولى في الرياضيات ضمن المرحلة الابتدائية مثلا التدليل على ان العدد اثنين مضافا الى اسه المساوي عشرة، سيساوي 1024. لكننا لا نتولى اثبات وجودالاعداد نفسها، وهذا السؤال ونظائره يتناسب اكثر مع الاقسام النظرية من الرياضيات.وقد اثبت غودل((281)) انه لا تكفينا في الرياضيات مجموعة من الاكسيومات((282)) التي تتمتع باتساق داخلي في ما بينها. ومنذ ذلك الحين، شاع لون من الابحاث طرح السؤال الاتي: هل توجد مجموعة محددة من البديهيات في قسم خاص من الرياضيات؟ وايضا هل في وسعنا اثبات وجود مجموعة كهذه اساسا؟ونحاول في ما يتصل بالمورد الاول اثبات ان افتراض وجود مجموعة كهذه من البديهيات لا يؤدي الى التناقض. وعلاوة على هذا، فاننا نسعى في ما يتصل بالقضية الثانية للتدليل على انه ليس هنالك فرضية حول مجموعة بديهيات كهذه، والا فسيؤدي ذلك الى التناقض.

المهم ان نتنبه الى اننا غير مضطرين في كلتا القضيتين الى التساؤل عن طبيعة هذه البديهيات. ولا يمكن فهم هذه الاسئلة الا في اطار تلك المقاييس العامة التي يجري دعمها كليا في ابحاث المنطق الرياضي. لكننا لا نمتلك في الالهيات مقاييس عامة يتفق عليها الجميع كهذه لتحدد لنا بدورها طبيعة البرهان المقبول، الامر الذي ادى الى استخدام المجاز والتمثيلات على نطاق واسع. كما ان هنالك غموضا في الفكر اللاهوتي يكتنف الالية التي يمكن من خلالها البرهنة على الانسجام الداخلي. ويمكننابالطبع ان نحاول في الالهيات بناء مقاييس علمية صورية وعامة كهذه، ولو كنا قد انجزناذلك لكان في وسعنا الان، ووفق تلك المقاييس العامة، ان نتساءل عما يتمتع باتساق داخلي وما يمكن اثباته.

يمكن ان نلاحظ، في الهيات ابن سينا وتوما الاكويني، منهجين في تكوين الهيات صورية كهذه، فكما حاول اقليدس اختيار القضايا التي تبدو بديهية وبناء البرهان على ضوئها، فاسس مبدا لعلم الهندسة، حاول كل من ابن سينا والاكويني العثور على المبادى البديهية للميتافيزيقا في سبيل البرهنة على وجود الله. ان هذين المنهجين في الهندسة والالهيات انتهيا الى المصير نفسه، فالبداهة التي كان مفروغا منها عند القراء الاوائل لمصنفات هؤلاء العلماء، راحت تهتز وتضعف نتيجة لتطور المنظومات البديلة في الهندسة والالهيات، ولكن تواصلت الابحاث في مختلف المنظومات الهندسية وفق مقاييس اكثر عمومية في الرياضيات العالية، بينما نلاحظ ان المنظومات المتنوعة في الالهيات لم تجد لها مكانا في الميتافيزيقا وفق انظمة اكثر عمومية، ذلك ان الميتافيزيقانفسها تعرضت الى التفكيك. ولكن لا ينبغي اعتبار التفكك هذا نهاية للميتافيزيقا. ورغم ان هنالك دوريات اكاديمية رفيعة المستوى في هذا المجال، لكن ذلك لم يتمخض عن مقياس عام يمكن التدليل من خلاله على اتساق المعتقدات الدينية، فضلا عن اثبات صحتها.

ان غياب المقاييس الميتافيزيقية التي يجري الاتفاق عليها في الالهيات، بوصفها فرضية للبرهان، لا يعني اننا عاجزون عن اثبات وجود الله عبر منهج عقلي. لكن ذلك انما يعني اننا لن نجد سوى القليل من الركاب الذين نصطحبهم في مركب العقل، وذلك لان الاخرين يجدون مركبات اخرى تقلهم نحو نقاط اخرى، [اي ان طريق الميتافيزيقا مليئة بالانشعابات والتعرجات، ومن الصعب العثور على مسافرين يتجهون نحو الله].

في وسعنا مواصلة المنهج العقلي في سبيل استيعاب مبادى الميتافيزيقا التي يمكن من خلالها البرهنة على وجود الله، غير اننا لا نستطيع اقناع اولئك الذين ينكرون موضوعية مدركاتنا. اما في ما يتعلق بالجوانب الاخرى فيبدو ان اولئك الذين نختلف معهم في وجهات النظر يفكرون بطريقة عقلانية بالكامل.

كانت هذه مجرد اشارة الى اكثر الرؤى الراهنة شيوعا في ما يتصل بالمعتقدات الدينية النظرية وكيفية اكتسابها صفة العقلانية، غير ان هنالك طرقا اخرى يمكن للافكار الدينية من خلالها ان تكتسب العقلانية، وهي سبل تتمتع بالاهمية نفسها على الاقل. ان العقلانية اداة توجيه تفتح الطريق نحو الهدى والبصيرة، وهي بمثابة مكنسة تزيل تراب المغالطات والخلط المنطقي عن مرآة الروح، فالعقلانية تصون التفكير عن المغالطات الخادعة التي تصدر عن الشياطين والنفس الامارة بالسوء، والجانب السلبي الوحيد في العقلانية هو انها تنسج انماطا غير هادفة من الاستدلال، وهو ما يلزم ان نجد له مكنسة اخرى. اعني ان في وسعنا توظيف العقلانية لصالح المعتقد الديني عبر اساليب اخرى غير برهان الاتساق الداخلي وبنية القياس. ورغم هذا كله لا اريد انكار ان هنالك خيارات اخرى سوى العقلانية في وسعها تقديم العون للمعتقد الديني، كالرياضيات والعبادة والزهد او الدعم المعنوي والروحي من المجتمع.

لم يتناول الفلاسفة الغربيون كثيرا هذا الموضوع في نطاقه العملي، وليس هنالك من الابحاث سوى القليل عن كيفية اكتساب المعتقدات الدينية العملية طابعا عقلانيا، بمعنى ما تطالبنا به معتقداتنا في ما يتصل بالله. وبعبارة اخرى: الموضوعات ذات الصلة بالامروالنهي الالهيين، والاعمال التي تقتضي العقاب والثواب من الله سبحانه، وما يتعلق بالهدف من العبادة والقيم الدينية والاخلاق والفضيلة. وثمة استثناءات طبعا مثل كتاب روبرت. ام. آدمز، الجديد((283)).

لكن، علماء الاصول والكلام في التراث الاسلامي، اهتموا منذ قرون عديدة بدورالعقل في تقييم الاحكام الدينية، كما قدم العرفاء، في هذا المجال، اسهامات تتعلق بالفضيلة بالدرجة الاولى. ومثالا على ذلك طرح علماء الاصول قضايا تتصل بمسؤولية المكلف حيال الله حين لا يتوافر اي حكم واضح في مورد معين((284)). وهذا ماقد يواجهنا في ظروف كثيرة، فربما خفي حكم شرعي معين على بعضهم، لانه عاجزعن فهمه او انه يجهل الاسلام بالكامل، او انه لم يكن يعلم الحكم المناسب في موردخاص، او لانه لم يكن فقيها ولم يكن هنالك فقيه يمكنه الوصول اليه، بل ربما كان المرء فقيها غير انه لم يتمكن من العثور على الحكم في المصادر الشرعية. وتعبر الحلول المطروحة لمعالجة هذه القضايا عن الرؤية التي حملها علماء الاصول عمايمكن ان يؤديه العقل من دور في تكوين افكار تتصل بهذه الموارد.

وحين يكون في وسع العقل ان يسهم في العثور على حكم معين حتى لو كان يفيدالتعذير وبراءة ذمة المكلف حيال تكليف محتمل مثلا، فان هذا الحكم يكون على اساس مبادى يدركها هو. غير ان هنالك خلافا واسعا حول هذه المبادى بين اتباع المذاهب المتعددة وحتى بين اتباع المذهب الواحد، فالبرهان يقوم على مبادى عقلائية،غير ان العقلاء يختلفون في تحديد المبادى تلك.

تتمثل النقطة الاخيرة التي يجب ان لا نتجاهلها في ما يتصل بعقلانية المعتقد الديني، بالفرق بين البرهنة على المبادى الاولية والبرهنة بوساطة المبادى هذه، وهو ما تناولته اعمال ارسطو بشكل مسهب. يرى ارسطو ان الديالكتيك، او الجدل، هو منهج مفيدفي البرهنة بوساطة المبادى الاولية، وتؤدي العقلانية دورا مهما في ذلك، لكن هذه ليست بعقلانية القياس. ويتم تفسير هذا الديالكتيك عبر ملاحظة النظريات الشائعة على اختلافها وآراء الحكماء، كي يتولى بعد ذلك تناول كيفية توظيف هذه النظريات في معالجة مختلف القضايا.

حين نتمكن من معالجة قضية معينة عبر الاستعانة بمجموعة خاصة من المبادى، من دون مجموعة اخرى مناظرة، فان ذلك سيدعم المجموعة الاولى، بينما يدلل على بطلان المجموعة الثانية وكذبها. وهنا نجد ان العديد من البراهين في اخلاق ارسطوواعماله العلمية عن الطبيعة، ايضا، قد جرى توظيفها من قبله بغية العثور على المبادى الاولية. فهو يبدا بملاحظة وجهات النظر المختلفة الى الموضوع والاشارة الى اقوال الفلاسفة وحتى السوفسطائيين، ثم ينتقل الى القضايا التي لا يمكن معالجتها عبرالنظرية التي هو في صدد الاعتراض عليها، وانما تتيسر معالجتها من خلال المبادى التي يقترحها. وهذا لون خاص من الديالكتيك، اذ يمكن للديالكتيك ان يكون مجرد ممارسة جدلية غير هادفة، اي نمطا من الرياضة الفكرية. ولكن المنهج الفلسفي يتمسك بالنظريات المشهورة، فحسب، في سبيل اكتشاف المبادى الحقيقية، فالجدل يختبر فقط بينما تحاول الفلسفة ان تمسك بالحقيقة((285)).

العابدي:

القضية الاولى وتعديلها

جرى طرح السؤال الاول في ما يتصل بالعقلانية والدين (او العقل والدين) بالشكل الاتي: هل تتمتع المعتقدات الدينية بالعقلانية؟ واذا كان الامر كذلك فهل هذا بمعنى الاتساق في داخل المعتقدات هذه فحسب او ان القضية ابعد من ذلك وترتفع الى مستوى يجعل من الممكن اثبات تلك المعتقدات عقليا؟ ونلاحظ على ذلك ماياتي:

أولا - اتصور ان هذه الصياغة ناقصة وخاطئة في آن واحد، ذلك ان العقائد على نوعين: احدهما العقائد الشخصية والاخر غير الشخصية التي هي قضايا يمكن تعميمها.لكن الصياغة الانفة للسؤال لم تميز بين هذين القسمين، فظل السؤال معلقا بين الذاتي والموضوعي.

لا يمكن اسباغ الطابع الكلي على العقائد الشخصية، وستصنف في حقل الشؤون الفردية حين لا تكون قد انبثقت عن مصدر عام، اما اذا انبثقت عن مصدر عام فهي غيرشخصية حينئذ، فتصنف في حقل القضايا الموضوعية.

وكما سياتي لاحقا فانه لا يمكن تفسير الحقيقة الدينية الا من خلال القضايا العامة والمبادى الكلية والعقائد التي يمكن تعميمها، والتي تتصف بانها موضوعية وغير ذاتية اوشخصية.

ثانيا - ان السؤال سيكون خاطئا لو استخدمنا القضايا بدلا من المعتقدات بحيث تكون الصياغة كما ياتي: «هل تتمتع القضايا الدينية بالعقلانية؟»، اللهم الا اذا تم التنبيه على ان المقصود بالقضايا الدينية ليس تلك القضايا التي هي من مقتضيات الدين. اذ ان القضاياتنقسم الى عامة واكتسابية استنتاجية من حيث كونها منبثقة عن الدين، وهذا ما ينطبق على القضايا العقلية ايضا.

وفي ضوء ذلك، لا بد، في تفسير القضايا الدينية، من ان نعمد قبل كل شيء الى التساؤل عن ماهية الدين، ونقوم بعد ذلك بالتساؤل عن ماهية العقل، وحينئذ تنقسم القضايا الى نوعين:
الاول - تلك التي يقتضيها الدين والعقل،
والثاني - تلك الفئة التي تتكون من خلال وساطة العقل الخاص بنحو اكتسابي استنتاجي من مصادر الدين والعقل. وهذه قضايا دينية او عقلية باعتبارها قد انبثقت من مصادر الدين او العقل، ولكن حيث انها تتعلق بالعقل الخاص وجانب الاكتساب والاستنتاج فانها قابلة للخطا، ومن ثم فانها ليست من مقتضيات طبيعة العقل او الدين، فهي ليست من المقتضيات الاولية للدين والعقل.

وسيتضح محور السؤال حين يتحقق هذا التقسيم وتتاسس المحددات والشروط للانواع الثنائية في مختلف القضايا بل مختلف التصورات والفرضيات، وعندما تتحددماهية الدين بمعزل عن النظريات، الى جانب ماهية العقل وماهية الواجبات والقانون.وبذلك يتميز السؤال الصحيح من غيره في ما يتصل بالقضايا الدينية.

رغم ان تقسيم القضايا الى عامة واستنتاجية موجود منذ امد طويل، بيد ان بلورته وتحديد مختلف المعطيات التي تترتب عليه لم يظهر في مرحلة بعيدة جدا، ولا سيماالتمييز بين البراهين العامة والخاصة، ثم تحديد احكام كل منهما في المعرفة البشرية القابلة للخطا، على شكل نظرية اصبحت اساسا للحجاج والبرهان، فهذه الجوانب اماانها لا تمتلك سابقة تاريخية او ان تاريخ بحثها وتناولها ليس بالرصيد المهم في دائرة المعارف القابلة للخطا. يمكن العثور على تقسيم للقضايا وتحديد الاحكام الخاصة بكل نوع منها وملاحظة اهمية وجود كل منها في مصادر العقل والدين، وذلك في سياق التقييمات التي يمكن تطبيقها على العقل بشكل عام والادلة بنحو خاص وما يتصل بالعقل العملي والقانون الاخلاقي بنحو اكثر خصوصية. وتتضح، في هذا السياق، دعوة الدين الى التمييز بين الاراء ووجهات النظر وفرزها عن الحقائق والقضايا الدينية الخالصة او العقلية الخالصة. كما يدعو، في السياق نفسه، الى تخليص مبدا الالتزام الديني من الامور القابلة للخطا، ويؤكد على اهمية وجود مرشدين اولياء لا يتطرق اليهم الجهل والخطا.

وثالثا: يكتسب السؤال غموضا حين يدور حول القناعات والعقائد بشكل غير محدد، امالو جرى تحديد العقائد تلك، فسيلاحظ السؤال مضمون كل منها والذي سيحظ ى بدوره بما يناسبه من اجابة. اذن ثمة خطا منطقي في السؤال غير المحدد عن العقائد الدينية، والذي جاء في السؤال الاول من الحوار، لان التساؤل اخذ بعين الاعتبار عنوانا عاما بمعزل عن مضمونه.

ورابعا: اذا حاولنا تصحيح السؤال بان نجعل موضوعه نوع العقائد الدينية وطبيعتها العامة،فانه سيعود حينئذ الى ماهية الدين، وحيث ان ذلك من الاستلزامات العقلية ومن استلزامات النظام العام كما سياتي، فهو لن يصلح ان يكون موضوعا للتساؤل عن العقلانية ولا يمكن الحكم في شانه. بل انما يمكننا ان نتخذ اساسا للحكم في ضوئه وتقييم الاشياء على اساسه فحسب، كما انه لا يمكننا الحكم في ما يتصل بطبيعة العقل،ولا نستطيع في هذا النطاق سوى اتخاذه هو نفسه اساسا لتقييم نفسه ومبدا للحكم عليه.وسياتي توضيح هذا في النقطة المتعلقة بالدين والعقل.