اما المبادى الاولية في
الاستنباط الفقهي والديني فهي تتمتع بصدق منطقي
مؤكد ويستحيل فيها الخطا، الامر الذي يجعل منها حجة
بذاتها على مستوى كوني وبالنسبة لجميع العقول والحواس والافراد، في ظل مختلف
الظروف. وتنحصر
هذه المبادى في كتاب الله وقول المعصوم وفعله
وتقريره، وتتطابق معطيات هذه المبادى في المرحلة الاولى مع معطيات العقل الكلي
الضروري بطبيعته، وهوالذي يقرر مبدا استحالة التناقض وحاجة الممكنات الى علة
ونحوهما.
بينما
ثمة ملازمة غير مقيدة بينهما في المرحلة الثانية وهي مستوى التفاصيل. معالجة السؤال الاول حول القضايا الاجتهادية
يتضح الجواب هنا في ضوء الحديث المار اعلاه، ورغم ذلك فلا باس في استعراض
الاجابة بايجاز على اساس ما تقدم. في ما
يتصل بالقناعات التي تتجرد عن المسوغ العقلي
والعقلائي والديني، اي تلك القضايا التي لم تحظ
بدعم من الدين عبر المعصوم ولم يدعمها العقل، فهي
وجهات نظر شخصية فحسب، ولا يمكن ابدا ان نعدها
دينية او ننسبها الى الدين. وعلى هذاالاساس فلا
يسعنا ان نقول في شانها سوى انها تتصل بالاشخاص
وشؤونهم. اماالقناعات التي هي على شكل قضايا تنتمي
الى نطاق العقل الاستنتاجي غير البديهي،وتحظ ى بما يدعمها من الادلة او يسبغ
عليها الطابع العقلي او الديني، فيلزم اولا تحديد مضمون كل منها وتقييمه، ثم
تقييم الادلة التي تقام عليها. ولا يمكن تسويغ اعتناق المرء
أو
رفضه لاي فكرة تتجرد عن الدليل الكافي العام. اننا
نجد ان جميع الانبياء والمعصومين الاثني عشر
والكتب السماوية يدعون العقل الى سبيلهم من خلال
الادلة والبينات الواضحة العامة، ويتحدون سائر
العقول من خلال العصمة والمعجزة والبرهان البديهي
والاحتجاج، من دون ان يسمحوا باي لون من الوان
التعميم لنتائج الادلة التي يتطرق اليها الخطا،
ومن ثم فقد حرروا الانسانية على اساس الواقع، والامر نفسه من اغلال التعميمات
التي تتجرد عن المسوغات العامة، كما حذروا الانسان في ما يتصل بذلك. وحين
نلاحظ احتجاجات القرآن، وبعضها حجج الانبياء
السابقين التي علمهم الله اياها وخلدها في القرآن،
واحتجاجات الرسول والائمة التي جاءت من العلم
اللدني، نجدان ذلك قد تضمن استعراضا تفصيليا
لمزاعم الامم الاخرى وحججها، وطرحا لماجرى تسجيله
من نقد حيالها معززا بالادلة العامة، ونرى ان
القرآن بادر بعد ذلك الى تقديم القضايا الاساسية
للدين والبينات والزبر والكتاب المنير والادلة
السائرة بالنسبة لجميع العقول. ومن الامثلة على ذلك احتجاجات الامام الرضا
ومناظراته مع زعماء الاتجاهات الكلامية والمذاهب والنحل. وفي
ما يتعلق بالمعتقدات التي تطرح على شكل قضايا تنسب
الى العقل او الدين، فلايسعنا اتخاذ موقف عام
حيالها، اذ يظل ذلك منوطا بدراسة محتوى كل من هذه
القضايا والادلة التي اقيمت عليها. والموقف العام
يتطلب ان نضيف اليه قيدا يخصص عمومه،فنقول: لو كانت
القضايا المنسوبة الى الدين مطابقة لمعايير الدين
فيمكن ان تكون دينية،ولا يعني هذا انها دينية بحسب
الواقع الشرعي، بل يعبر ذلك عن مجرد
امكانية دراستها ودعمها في ضوء المقاييس الدينية
الواردة في الاخبار والسيرة والاخبار والنصوص
والمفاهيم، وباقي القضايا المنقحة في اصول الفقه
والتفسير وعلم الدراية. ولكنها ليست صادقة بالضرورة
لانها تتصل بالعقل غير المعصوم، ومن الممكن
ان يجري استبدالها بقناعات اخرى تم تحويلها الى قضايا. واذا
تطابقت قناعات كهذه مع معايير العقل المحددة، يمكن
ان نصفها بالعقلية او الدينية،من دون ان يعني وصفها
بذلك انها صادقة بالضرورة عقليا او شرعيا. ولا
يتحقق صدقها العقلي بالضرورة سوى على تقدير ان تكون
القضية نفسها من قضايا العقل الكلي الضروري، كما
لا يتوافر لها الصدق الضروري دينيا وعقليا في آن
واحد، الا حين تكون من قضايا الدين في واقعه
وحقيقته، وهو ما ينحصر في وجوده الشرعي بكتاب
الله وسيرة المعصوم وقوله. ويمكن لباقي القضايا ان
تستنبط من واقع الدين وحقيقته، بمعنى امكان وقوع
ذلك في سياق الاستنباط على اساس الحدود والشروط
التي تقررت في الاجتهاد الاصولي وفي ابواب الاجتهاد الفقهي. من خلال الاجابة المقيدة المطروحة، آنفا، يمكن الاجابة على ما جاء في نهاية السؤال السابق والذي كان كما ياتي: هل يسعنا ان نثبت عقليا تلك القضايا التي يمكن وصفها بالدينية؟ حيث ان القضايا مارة
الذكر، بخصائصها المشار اليها، تنسجم مع موازين
العقل والدين معا، يمكن اثباتها بالادلة العقلية
باعتبار امكان ذلك مع الادلة الدينية. لكن ذلك
الاثبات بشقيه الديني والعقلي فوق طاقة الانسان المحدود الذي يتطرق اليه الخطا،
فهو عاجزعن ضمانة صدق القضايا تلك دينيا وعقليا بنحو يجري تعميمه الى العقول
كافة. وانما
يتكفل هذه المهمة، وعلى مستوى سائر العقول، ومختلف
مراتب الوجود الطولية والعرضية، المعصومون الذين
جعلهم الله في نظام الكون مرشدين وهداة وائمة. الخلاف في امكانية الاثبات العقلي
تجدر الاشارة، هنا، الى الخلاف الموجود في ما يتصل بامكانية الاثبات العقلي، اذ
اثيرهذا الموضوع في الغرب قبل عصر النهضة ضمن الفلسفة واللاهوت، ولا سيما حول
جملة من الامور التي كانت تشيعها الكنيسة. وجرى
تعميم هذه القضية بعد عصر النهضة الى نطاق الامور
العقلية المحضة، وراحت تعد، منذ عصر «كانط»، من
اكثر مسائل الميتافيزيقيا في فلسفة الغرب تعقيدا.
كما انهاتطرح في فلسفة العلم والكلام الجديد
بوصفها اهم مسالة في فلسفة العلم وفلسفة الدين.
وقدم كاتب هذه السطور، في هذا المجال، نظرية بعنوان:
«قابلية
التقييم الموضوعي»،وهي ترى امكانية الاثبات
عقليا وتجربيا وكذلك امكانية الدعم عقليا وتجربيا،
ولكن على نحو مقيد محدود. وهي لا تقول بامتناع ان
تجتمع اساليب النفي والاثبات وامكانية التقييم، وهي بذلك نظرية مركبة تلفيقية. وهذه
النظرية هي حصيلة لنظرية امكانية التقييم
ميتافيزيقيا وفيزيائيا، وهي توحد بنحو اكثر عموما
بين المنهجين العقلي والتجربي بشكل تلفيقي. العابدي: اذا كان المقصود بالدين
ماهيته فهو يتطابق مع ماهية العقل، وتتطابق
غاياتهما
كليهما في هذا السياق، فالغايات التي
يحددها واقع الدين وحقيقته هي غايات
معيارية.
وتنبثق هذه الغايات من صميم العقل الكلي،
وهي ليست مجعولة بوساطة المواضعة والاعتبار والنظرية. ومثالا
على هذا، نجد ان النظام يسود بين الناس بفضل تعميم
القانون والعدل، وهذه غاية كونية تنبثق من العقل
والدين نفسيهما، ولذلك فهي تتسق مع النظام الاحسن
والاكمل كما ان تجاوزها يؤدي الى التراجع والانحطاط وجوديا. اما
لو كان المقصود بالدين هنا القناعات التي تطرح على
شكل قضايا من دون ماهية الدين وواقعه، فان الجواب
يظل منوطا بتناول مضامين القضايا مجتمعة او كلا
منها على حدة، ولا يسعنا سوى الحصول على اجابات مقيدة. ويتطلب
تفصيل الجواب مناسبة مستقلة بغية التمييز بين
غايات العقل الكلي وماهية الدين، والغايات المحدودة التي تفرزها وجهات نظر ورؤى
يتطرق اليهاالاختلاف. ملكيان:
ان عقلانية الغايات هي لون من العقلانية العملية،
بالمعنى المتقدم في الاجابة السابقة. وتتناول هذه العقلانية الغاية او الغايات
التي ينبغي لنا اخذها في الحياة بنظرالاعتبار.
والغاية
العقلانية هي تلك التي تستحق من المرء ان ينفق عمره
وطاقاته في سبيلها، ولا شك في اطار ذلك ان ثمة
اهمية كبيرة لنسبة الاحتمال في تحقق الغاية تلك.
في حقيقة الامر، لا نلاحظ تعبيرات ومفاهيم موحدة ومتشابهة في الغاية (او
الغايات)التي طرحتها مختلف الاديان والمذاهب في ما يتصل بالوجود والحياة، وذلك
بنحو لايسمح لنا ان نقول:
ان
هنالك غايات موحدة يتحرك نحوها بنو الانسان بشكل
اجمالي،
وفي ضوء ذلك ربما لا يمكن تقديم اجابة
نهائية على تساؤلكم. ورغم هذا كله نجد ان بعض
فلاسفة الدين والمتخصصين في علم الاديان المقارن،
جعلوا «السعادة الابدية العميقة» عنوانا عاما
لغايات الاديان كافة، وتجاهلوا ما يحيط بهذا
التعبير من غموض، كما
افترضوا ان السعادة
بمواصفاتها هذه ممكنة التحقق، ولو شئنا ان نتابعهم
في ذلك لامكن القول: ان هذه الغاية عقلانية، بمعنى
انها تستحق من المرء ان ينفق عمره وطاقاته في سبيل تحقيقها. لغنهاوزن: في وسعنا ان نبتدى بالسؤال الاتي: باي معنى يمكن للغايات ان تكون عقلانية في ما يتصل بالوجود والحياة بنحو مطلق؟ وللمرء ان يدون كتابا باكمله للاجابة عن هذا التساؤل، حيث ان ثمة ابحاثا واسعة في الفلسفة تتصل بهذا الموضوع. وحول عقلانية تلك الغايات وطبيعتها من الممكن ان تمثل كل من النظريات التي طرحها الفلاسفة في مختلف العصور في موضوع العقل العملي، فصلا من ذلك الكتاب، اذ في وسعنا هناك ان نتساءل وفقا للنظرية موضوع الفصل: هل تتسم الغايات المطروحة في التعاليم الدينية بالعقلانية او لا؟ ولو عمدنا الى تنفيذ
تلك الفكرة للزمنا بالطبع تخصيص فصل آخر مقدمة
للكتاب،نتناول فيه التعاليم الدينية الماخوذة
بنظر الاعتبار. ولامكن ايضا دراسة
الاهداف المتنوعة التي قدمتها الاديان بايجاز، كي
نركز البحث بعد ذلك على الاسلام، وننتقل اخيرا الى
جملة من التفسيرات التي طرحها المفكرون المسلمون
حيال هدف الوجود. ولو
كان الامر كذلك لوجدنا في حوزتنا عددا من الخيارات
والمعاني قياسا الى عدة نظريات في العقلانية،
التي يمكننا في ضوئها القول بعقلانية ما طرحه الدين
من اهداف وغايات، على اساس التوصيفات التي قدمها مختلف المفكرين. نرى،
بشكل عام، ان ثمة عقلانية في ما طرحه الدين من اهداف
للوجود والحياة، منذزمن اليونان القديمة حتى بعض
الفلاسفة الجدد، بمعنى ان نوس (Nous)
أو الوعي العقلاني يمكنه أن
يدرك أن الاهداف الدينية توجه سلوكنا بنحو حقيقي،
وهي تقدم بالتاكيد وصفا لغاية الخلق (Cration)
العصر الحديث، لدى هيوم وفيبر وسارتر وكثيرين
غيرهم، اعتقادا بان الطبيعة تخلو من اي هدف تماما،
ويمكن للمرء ان يتخذ ايا من ميوله تقريبا دافعا
للسلوك. وحين نصل الى المفكرين المعاصرين نجد
تزايدا سنويا لاولئك الذين يعربون عن عدم ارتياحهم
حيال النظريات التي تجعل العقلانية العملية مقيدة
بال
zweckrationalitat ماكس فيبر((291))؛ حيث يعدها لونا
من العقلانية التي تستخدم بغية تحقيق هدف معين بغض النظر عن طبيعته.
وعلى
أساس الرؤى
التي تقدمه,
الzweckrationalitat،
وعدت
العقلانية اوسع من المفهوم المحدود الذي تقدمه،
وحين نقوم بمزاوجتها مع المحاولات الجديدة في
الدفاع عن عقلانية العقائد الدينية (كما نلاحظ في
اعمال آلفين بلانتينغا الاخيرة)((292))، نجد ان ثمة آراء
ظهرت من جديد واكتسبت المعتقدات الدينية في اطارها العقلانية بالكامل. رغم الاثر الواسع الذي تركته نظرية العقلانية، لدى هيوم وفيبر في الاقتصاد وعلم الاجتماع والادارة والنظريات ذات الصلة بالارادة واتخاذ القرار، فان معظم المفكرين يذعنون حاليا لنواقصها، وهذا ما يقره فلاسفة يعملون داخل تلك الاتجاهات الفكرية.فقد حاول روبرت نوزيك (Robert Nozick) مؤخرا أن يجد مكانا في نظرية حول الارادة لدور القيم الدينية النهائية((293)). نلمح في المنظومات التقليدية اتساقا اساسيا بين الغايات القائمة داخل بنية الخلق والاهداف التي تعمل قوانين الدين والاخلاق على توجيه الانسان نحوها، او ما يعرف بالغايات التكوينية والتشريعية. ويمكن ان نعثر على فرضية الاتساق بين غايات التكوين والتشريع في الفكر الصيني والفكر الهندي الكلاسيكيين وايضا في اليونان القديمة. اما الفكر الغربي المعاصر، بعدهيوم، فهو اساسا يعارض كلتا الفرضيتين، اي انه يرفض وجود غايات تشريعية كما يرفض وجود هدف تكويني. وما زلنا نلاحظ في العلوم الحديثة مستويات رفض عديدة في ما يتعلق بالتفسيرات الغائية التي لا تتقبل التحويل، كما يعمل علماء الاجتماع في العادة على تقديم تفسيرات عملية لقوانين الدين والاخلاق. فهم مثلا يبينون كيف تسهم قوانين كهذه في تعزيز الوحدة الاجتماعية، ويترقبون في العديد من الحالات استخدام نظرية التكامل في تفسير التوصيفات العملية. ويعترف كل من فلاسفة الاخلاق والفلسفة السياسية اليوم ان في وسع المرء ان يمنح المبادى الدينية قيمة نهائية، ولكن بوصفها امرا شخصيا فحسب. ويعتقد عدد من التجربيين والماديين وذوي التوجهات الفيزيائية بان القيم الدينية تنتمي الى اللامعقول حتى لو كانت شانا خاصا، ذلك انهم ينكرون القبليات والفرضيات الميتافيزيقية المسبقة لقيم كهذه، غير ان موقفهم هذا لايستند الى اي اساس صحيح. كما ان رفض الغائية في العلوم الطبيعية والاجتماعية هوحصيلة مواقف في حقل مناهج البحث العلمي (ميتودولوجي) يمكن الاعتراض عليها. وعلى اي حال فان انكار الغائية لا يقوم اساسا على فهم ماهية العقلانية، وحتى على تقدير ان نتبنى مناهج البحث العلمي التي ترفض تفسير الغائية، فلا يعني ذلك تاسيس منهج فلسفي معارض للغائية في الميتافيزيقيا. وفي ضوء ذلك، نرى ان محاولات تجريد
الغايات الدينية من العقلانية، تمنى بالهزيمة في
نهاية المطاف، وان التيار الاصلي في الفكر الفلسفي
ينسجم في ما يتصل بموضوع العقلانية، مع عقلانية
الغايات الدينية. غير ان هذا لا يثبت معقولية
الاهداف الدينية،وستعجز مختلف البراهين التي
نقيمها عن اقناع اولئك الذين اعتنقوا مسبقا
ايديولوجيا لادينية. اما لو افترضنا اننا نخاطب من
يبحث بصدق عن الحقيقة من دون تطرف اوتعصب، فمن
المفترض ان لا يكون من الصعب جدا اقتناعه بعقلانية
الغايات الدينية.يبدو ان هنالك حاجة فطرية لتفسير
غايات الوجود ترسخت في روح الانسان، وهويقتنع
بمجرد الفرضيات ذات الصلة بالمصدر المتعالي
والاهداف الالهية، فتؤمن الروح بهذه الفرضيات
برغبة وتشوق، وتاخذ بمواكبة هذا النظام وذلك الهدف
وتنسجم معهما.وهذه الرغبة عقلانية بالكامل، حيث
العقلانية هي طريق العقل السليم حين يحاول العثور على الحقيقة والتوصل الى
تفسير لما يواجهه من اشياء. • نتساءل عن عقلانية توصيات الدين، او الزاماته من افعال ونحو ذلك، وما هو معنى العقلانية وطبيعتها في هذا الاطار، ولا سيما ما يتصل بالافعال العبادية (rituals)؟ العابدي: ان ما تقدم في الحديث عن غايات الدين
وتمييزها من الغايات التي يتطرق اليها الخلاف،
ياتي بعينه في ما يتصل بالافعال التي اوصى بها
الدين وبالتفصيل نفسه.وعلى هذا نحتاج الى بحث
تفصيلي مقارن فحسب، يتولى في مناسبة مستقلة
تحديدمنظومة الافعال التي اوصي بها الانسان من قبل
واقع الشريعة. والميزة العامة لهذه المنظومة
قبولها للتعميم الى الناس كافة وفي مختلف الظروف،
من دون ان يؤدي ذلك الى ظهور ادنى تقاطع وتناقض
داخل المنظومة هذه، ومن دون خرق لاي من
مبادى ماهية العقل على المستوى النظري والعملي والاخلاقي. ملكيان:
العقلانية المشار اليها، في هذا السؤال، هي الاخرى
من انواع العقلانية العملية،وفي ما يتصل بهذا
اللون من العقلانية يجري التساؤل عن الفعل
«الكذائي»، وهل انه يساعد الفاعل على تحقيق هدفه
(اهدافه) او لا، فالافعال التي تحقق هدف الفاعل
هي عقلانية وما سواها ليس بعقلاني. اما في ما يتعلق
بالحالات التي لا يتوافر فيها جزم حول نتائج
الفعل، ففي وسعنا القول: ان العقلانية تتطلب من
المرء ان يؤدي الفعل الذي تكون حصيلة الضرب
لاحتمال نجاحه في معدل الفائدة المتوقعة منه هي
الاكثر، اكثرقياسا الى اي فعل ممكن آخر. وهذا اللون
من العقلانية هو اهم مصاديق العقلانية الذرائعية، ويرى بعضهم انه المصداق
الوحيد لها. يبدو
انه يمكن تقسيم الافعال التي يوصي الدين، او يامر،
بها، الى قسمين كبيرين:احدهما الافعال الاخلاقية
كالعدل والصدق والاحسان والتواضع، والاخر
الافعال العبادية من قبيل الصلاة والصيام والزكاة
والحج (بوصف هذه نماذج من الدين الاسلامي). وقد
اثير النقاش حول عقلانية الافعال الاخلاقية، وهي
المساحة التي تتجسد فيهاجوانب الاشتراك بين
الاديان والمذاهب، بدرجة اقل، قياسا الى الابحاث
التي تناولت الافعال العبادية ورفضت عقلانيتها.
ولعل واحدا من اسباب ذلك هو ان الافعال الاخلاقية
ستتمخض عن معطيات فردية وجماعية حتى لو كانت قد
انبثقت عن نسيجها الديني وبنيتها الدينية الخاصة.
اما العبادية فهي تمتلك معنى ومفهوما ومكانة
واهمية عملية، في اطارها الديني فحسب. وربما كان
السبب الاخر هو ان الافعال الاخلاقية تستند بنحو
اقل بكثير على الفروض القبلية والمسبقة في
الميتافيزيقيا والانطولوجياوالانثروبولوجيا،
قياسا الى الافعال العبادية التي تتاسس بشكل اكبر
في ضوء تلك القبليات والفرضيات المسبقة، وهي
قضايا لا يمكن فهمها وتقبلها في الغالب الا من
قبل الانسان التقليدي ما قبل الحداثي، اذ يظل
تقبلها صعبا بالنسبة الى ما يحمله انسان الحداثة من رؤية ونمط تفكير. واخيرا
يمكن ان يتدخل في ذلك عامل ثالث هو ان الافعال
الاخلاقية تخضع الى قدر اقل من محددات الزمان
والمكان والملابسات والحالات الخاصة، قياسا الى
الافعال العبادية. وفي ضوء ذلك، تتمتع بطابع
كوني عالمي (universality)،
أكثر، وتعاني قدرا اقل من السمة التاريخية
والمحلية والمرحلية (locality)، ولذلك فهي
ليست غريبة او شاذة او غير مالوفة بالنسبة
الى مختلف الامم والشعوب، وهي لا تمثل مدعى
لاشمئزاز المرء وتذمره ايا كان واينماكان، حتى
نفترض انه سيعمد الى التساؤل عنها وعن مسوغاتها او
انه يخوض احيانا في جدل يستهدف رفضها وابطالها. على
اي حال، تتطلب بلورة عقلانية عملية في ما يتصل
بالاديان والمذاهب، تقديم هدف او بضعة اهداف اولا
تتمتع بعقلانية غائية (اشرنا اليها في هامش السؤال
السابق)،
ثم التدليل على ان الشعائر والمناسك هذه هي
الطريق الوحيد او الامثل لتحقيق تلك الاهداف. اعتقد
ان في وسع افعال العبادات ان تكون عقلانية حين ينظر
اليها بوصفها ممارسات رمزية (symbolic)، الى
ترسيخ الفضائل الاخلاقية في عقل الفاعل وضميره
عندما يؤديها عالما برمزيتها ومستوعبا بنحو تفصيلي
دقيق ما يعكسه كل من اجزائها من حقيقة، ويبقى هذا
مشروطا كذلك بان تكون هذه الممارسات هي
الطريق الوحيد او الامثل لتعليم تلك الفضائل وترسيخها لدى الفاعل. لغنهاوزن:
نريد بعقلانية فعل او عمل ما ان في وسعنا توظيف
العقل العملي في التوصل الى ذلك الفعل. والفعل العقلاني هو ما حكم العقل بادائه
او ما كان يمتلك قيمة ذاتية اواداتية آلية. طرح
روبرت ام. ادامز مؤخرا دليلا يقوم على وجود نوع ثالث
من القيمة، اذيمكن ان يمتلك العمل قيمة رمزية ايضا((294)). ولم
يتضح لدي بشكل كاف مدى صحة ما طرحه ادامز، فلعل
القيمة الرمزية هي لون خاص من القيمة الاداتية.
ونرى مثلا ان تناول التفاح امر عقلاني في ضوء
القيمة الذاتية لهذه الفاكهة، ولو تصور المرء ان
تناول هذه الفاكهة يعد امرا حسنا في ذاته بغض
النظرعن الالتذاذ او ما يعود به ذلك من فائدة
فيزيائية، فان هذا الفعل يكتسب قيمة اداتية. امالو
كان هذا الفعل يستهدف تحقيق امر آخر، كالالتذاذ او
العافية البدنية، فيمكن ان يكتسب قيمة رمزية.
ولنفرض ان ثمة تعاقدا او اتفاقا يجعل القيام بهذا
الفعل معبرا عن ان المرء يدعم شيئا آخر يمتلك قيمة
مختلفة، كما لو ان وزير الزراعة اخذ يتناول
التفاح في مكان عام، فنجد هنا ان ما قام به الوزير يعد دعما لزراعة التفاح. ولكن
ربما كان عليناالقول: ان القيمة الرمزية هي في
الحقيقة لون من القيمة الاداتية الالية، لان هذا
الفعل اداة للتعبير عن دعم زراعة التفاح، وهو ما
يمتلك بدوره قيمة اداتية او ذاتية. لا بد
من الانتباه الى انه يمكن لفعل واحد ان يمتلك قيمة
ذاتية واداتية ورمزية في الوقت نفسه. في
ضوء ذلك، نتساءل الان عن طبيعة القيمة التي يمكن ان
تنطوي عليها العبادة والتي تؤدي الى عقلنة الممارسة العبادية بالنسبة للانسان.
فلو كان للعبادة قيمة ذاتية لباتت امراغير مهم لا بد من ان نتجاهله، لاننا لا
نعبد من اجل العبادة نفسها. فلا
نركع مثلا على اساس ان في هذا الوضع الفيزيائي
قيمة تعود على الجسم بالفائدة، حيث لا وجود
لاي قيمة ذاتية في ذلك. لكن
القيمة الاداتية للعبادة تتمثل في كونها اداة
للقرب الالهي، لانه سبحانه امر بها ونحن ندرك ان
تعاليم الله تستهدف خيرنا وفلاحنا، اي من اجل
تقربنامنه تعالى، وليس هنالك من امر اكثر عقلانية
من طاعة الله. يمتلك القرب الالهي قيمة ذاتية،
والعبادة اداة رمزية للعشق والطاعة بغية التقرب من
الله سبحانه. ويمكن للعبادة ان تنطوي على الوان اخرى من القيمة، فيمكن ان تسهم
في منح المرء شعورا بالرضا الروحي، غير ان ذلك لا يمكنه تسويغ العبادة. ونجد ان
العبادة باطلة شرعيا حين لاتكون القربة نية للعمل، حتى لو عاد علينا ذلك بالرضا
الروحي. من جهة اخرى،ستظهر العبادة ممارسة غير عقلانية حين يجري رفض معتقدات
الدين جهلا او عنادا. عادة
ما نجد في نظريات التحليل النفسي التي تحمل طابعا
الحاديا صارخا، ان العبادة تنشا عن الاكراه
والاضطرار (neurotic
compulsion) هذه النظرية
بصفة يقع في مقابل السلوك الذرائعي. ويعتقد هذا
الاتجاه ان السلوك البراغماتي الذرائعي هو نمط
عقلاني، لانه ياخذ بعين الاعتبار منفعة
تحقق الاهداف الدنيوية((295)). يعرب العديد من علماء النفس والاجتماع عن موقفهم المتعصب ضد الدين من خلال القول: انه لا يمكن تسويغ الطقوس الدينية عبر العلم أو العقل العرفي والعلماني (common sense) . ونلاحظ ان علماء الاجتماع والانثروبولوجيا الذين يقارنون بين السلوك العقلاني والعبادي، يميلون في العادة الى ما تنطوي عليه العبادة من معط ى اجتماعي - ثقافي، ويرون ان المضمون الظاهري للعبادة هو اطار شكلي للاهداف الاجتماعية التي تتضمنها العبادة بنحو غير مباشر. ويبدي بعض الانثروبولوجيين، مثل كليفورد غيرتزوفيكتور تيرنر، اهتماما بالمضمون الديني الصريح لرموز التعاليم الدينية، ويبينون كيف يمكن للعبادة ان تمنح قوة عاطفية لنظريات علم الفلك (كالقول بان الغيوم خاضعة لامرالله) والقيم التي تمتلك اهمية ثقافية، وهذه القوة تخلق الوحدة والتكافل الاجتماعيين((296)). غير ان هؤلاء ايضا يقررون ان العبادة التي يؤديها الناس لاتستهدف تحقيق تلك القيمة الاجتماعية، وبالتالي فهي ليست عقلانية من حيث المسوغ الذي تمارس على اساسه. وتكتسب ممارسة العبادة عقلانيتها عند اولئك الذين يؤمنون عقلانيا بحقيقة المعتقد الديني فحسب، كما ان عقلانية المعتقد تقتضي بالتاكيد عقلانية العبادات التي تقوم عليه. ان اداء العبادات والمناسك امر عقلاني لان ذلك ما امر به الله ومن العقل ان نطيعه سبحانه. الم تبق هنالك نقطة اخرى يجدر بنا التطرق اليها؟ احسب ان ثمة معنى اعمق سيعيننا كثيرا في فهم عقلانية العبادة، فنحن ندرك ان القيمة الاداتية للعبادة تتمثل في القرب الالهي، لان الوحي جاء بذلك ووصلنا عبر الانبياء ولاسيما النبي الخاتم(ص). غير اننا لا نعلم كيف يقربنا الله بفضل العبادة. ان طريق التسليم له سبحانه، اي العبادة، يؤدي الى التقوى لدى العابد ويعزز فيه روح التواضع ويدفعه الى ذكر الله، كما ورد في قوله تعالى (ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)[العنكبوت/45].كما
يمكن القول، في ما يتصل بمعطيات العبادة النفسية
والاجتماعية: ان تعاليم الدين تؤدي دورا مهما في
منح الانسان توازنه النفسي((297))، ويعتقد علماء
الاجتماع ان العبادة تسهم في ايجاد الوحدة
والتقارب بين الاشخاص الذين يؤدون طقوس
العبادة معا، ويقوم الظاهراتيون بوصف المسار
الباطني للعبادة. ويمكن لسائر خصائص العبادة ان
تؤدي دورا في ما يخططه الله للانسان ومن اجله، ومن
خلال العبادات واجبها ومستحبها نتقرب الى الله بنحو افضل ونحقق تقدما على طريق
التكامل. يمكن
للتدبر في عوامل كهذه ان يعيننا على فهم جانب محدود
من الحكمة التي تنطوي عليها التعاليم الالهية. غير
ان فهما كهذا ليس شرطا لازما في تحقيق عقلانية
العبادة كما
انه لا يكفي في ذلك، حيث نعجز عن
استيعاب كنه الحكمة الالهية، لكننا نتوكل
عليه سبحانه، ونحاول ان نطيع تعاليمه، وهذا ما يمثل العقلانية بالكامل.
• لو
تجرد الدين من العقلانية في دائرة معينة، فهل
يمكننا الدفاع عنه والقول: ان العقلانية غير ممكنة
او غير مطلوبة في ذلك النطاق على الاقل؟ قالعابدي:
يتضح جوابنا على هذا مما سبق، ونقول بايجاز: لا يوجد
في الشريعة ما يتقاطع والعقلانية العامة الكلية
ولا يمكن ان يوجد نظير لذلك، وهذا في مستوى
حقيقة التشريع الموحى الى الانبياء والمبلغ من
قبلهم الى البشر. وفي ضوء هذا، ينبغي في
هذه الموضوعات، وقبل كل شيء، اعتماد المناهج
المنسجمة التي تواكب العقل الكلي ومصادر الدين الاولية والتعويل قدر المستطاع
على المعطيات والمبادى. ملكيان: اعتقد ان العقلانية مطلوبة في مختلف المجالات والمستويات، ولا يمكنها الاان تكون كذلك. ولا يسعنا القول: ان العقلانية بمعنى المرجعية المطلقة للادلة الصحيحة، ليست مستحسنة او محبذة دائما، حتى لو اعتبرنا عقلانية ارسطو التي جعلهاالمائز بين الانسان وغيره من الحيوانات، عقلانية وصفية تعبر عن المؤهلات والمواهب الفكرية التي تستتبع في العادة قدرة على النطق والاستخدام اللغوي، وميزنا بينها وبين العقلانية (الايصائية؟) المبحوثة في هذا الحوار. فلا يمكن ان نرفض مرجعية الادلة الصحيحة في بعض الحالات او الموارد الزمانية والمكانية، او ان نستحسن تبعية ناقصة محدودة للادلة الصحيحة، او نحبذ مرجعية الادلة الخاطئة او الفاسدة! مع الاخذ بنظر الاعتبار
مستويات العقلانية ومراتبها، من جهة اخرى، فلا
يمكن القول بعدم امكان العقلانية في نطاق ما، بل
يمكن ان نقول مثلا: ان مستوى عاليا من العقلانية لا
يتوافر في دائرة معينة، ولا خيار امامنا سوى
الاكتفاء في الدائرة هذه بالمستوى الادنى من
العقلانية. وقد اعتمدت هنا بالطبع قضيتين من دون ان
اقيم عليهما دليلا، بل ارسلتهما ارسال المسلمات،
الاولى ان للعقلانية مراتب ومستويات، والثانية ان
الحدالادنى من العقلانية متوافر على الدوام في
مختلف المجالات والحالات. ولا تسمح طبيعة البحث
هنا بان نستعرض ما اقامه الابستمولوجيون على هاتين
القضيتين من أدلة. لغنهاوزن:
علينا ان نحرص هنا على التمييز بين مستويات الدين
ودلالته اللغوية، اذيجري استخدام مفردة الدين (ٌReligion) الاجتماعية واخرى
على ما يرادف الايمان او الديانة. وقد منحت هذه
المفردة في اللغة الانجليزية معاني مختلفة، وهي
تنطوي احيانا على دلالة عامة بنحو يجعل من الممكن
اعتبار الشيوعية دينا كذلك. وثمة مستويات كثيرة في
بعض معاني الدين تغيب فيها العقلانية، فحاول
المشركون مثلا ان يعمدوا الى قتل الانبياء بمسوغات
دينية. غيرانني اتناول هنا الدين بمعنى الهداية
الالهية للانسان بنحو وآخر، وذلك ما يقوم
به سبحانه من خلال الانبياء، حيث وصلت الصيغة
النهائية المؤكدة لتلك الهداية عبر خاتم الانبياء
محمد(ص) وهي الاسلام. فانا اتحدث في الحقيقة عن
عقلانية الاسلام،واتناول السؤال الاتي: هل ثمة
مستويات في الاسلام يمكن اعتبارها غير عقلانية؟
ان العقلانية هي منهج العقل السليم، شريطة ان لا
يرتكب هذا العقل خطا في تقييم الادلة والمعتقدات
والاعمال والقيم والاهداف، وحين لا يقع العقل في
الخطا ضمن هذه المجالات يمكننا وصفها بالعقلانية. اي ان
العقل لو تقبل بعض القيم او الافعال بنحو صحيح، ومن
دون ان يقع في الخطا،ففي وسعنا القول: ان هذا في حد
ذاته ينطوي على قيمة عقلانية، غير ان ذلك
موضوع ثانوي لان العقلانية منهج عقلي وهي ليست
شيئا قيميا وعقيديا. فحين نقول: ان الدين عقلاني
نريد بذلك ان تقبل المعتقدات الدينية امر عقلاني،
وان بالامكان تركيب ادلة كافية تثبت المعتقد
الديني، كما يعني ذلك عقلانية طاعتنا للتعاليم
الدينية واجبهاومستحبها، وعقلانية ايماننا بالقيم
الدينية وسعينا الى تحقيق الاهداف التي وجهنا
الدين نحوها. يتحدث
الدين الى الانسان في مستويات مختلفة، وحين يدعو
الانسان الى توظيف عقله يمكننا وصف هذه الدعوة
بالعقلانية، فيقول سبحانه مثلا (اعلموا ان الله
يحيي الارض بعد موتها قد بينا لكم الايات لعلكم تعقلون) [17: 57]. لا
يتحدث الدين مع الانسان في المستوى العقلي فحسب،
فالدين يولي اهتماما لمايتملك الانسان من تهيب
حيال الله وفيما يتصل بالمشاعر والخوف والاحترام
والعشق.
ويمتلك القرآن جمالية متميزة بسبب ما
يتضمنه من حس جمالي انساني، ولا يتقاطع هذا مع
العقل، غير انه علينا الانتباه الى ان ميل الانسان
نحو الدين وانجذابه اليه هواوسع مما يمكن تصنيفه
على النطاق العقلي. ولعل دافع الايمان بالنسبة الى
بعض تلك النخبة المتميزة التي آمنت بالاسلام كان
الحب لرسول الله(ص) واهل بيته(ع).
وليس رد الفعل
العاطفي هذا متقاطعا مع معطيات العقل، لكنه لا يدخل
في دائرة العقل في الوقت نفسه. في وسع العقل ان يتولى تقييم ذلك، ويحكم بحسن
المحبة مثلا غيران تكوين هذا الحب وايجاده خارج عن صلاحيات العقل. لقد عبرت عن العقلانية باسلوب يتطلب ان لا يرتكب العقل خطا في تقييمه للادلة والمعتقدات والافعال والقيم والاهداف. وهذا تعريف عام شامل للعقلانية، بيد انه يمكن تقسيم العقلانية الى descursive وnon-descursive التساؤل عن عملية التقييم، فهل تتمثل بالتحليل المعرفي والتقييم او تجري من خلال الشهودوالتبصر العقلاني؟ ويشير ارسطو احيانا الى هذا الاختلاف بعبارتي dianoia وnous، ولعله يشير بذلك الى العقل الكلي والعقل الجزئي. ان كلمة discourse بمعني الخطاب. وهي تعني في اللاتينية الركض من هنا الى هناك.حين تنامى الشك بالعقل في الفلسفة الغربية الحديثة، كانوا يرون ان العقلانية تعني الاستدلال discoursive. ذلك أن هنالك جانبا مهما في الدين يتصل بالتعامل المباشر مع الله، وهو ما يعبر عنه بnoetic أي انه يتعلق بالشهود والمكاشفة nous. وبهذا المعنى في وسعنا القول: ان جانبا مهما في الدين هو غير عقلاني، اي انه ليس dianoetic، لأن الأخير يدعونا الي التساؤل والبحث والتقييم والاستدلال، وهذا مايتم في الغالب من خلال الحوار والجدل والكلام المنطوق((298)).وثمة
نشاط وممارسة عقلية تطالبنا بها العقلانية الناطقة
أو
discursive
أو
dianoetic،
اذ ان علينا ممارسة
التقييم قرار بشان نمط السلوك الذي
نعتمده.
كما ان هنالك جانبا آخر في الدين يطالبنا
بالانصات والاستماع، وهذا الجانب يتصف بطابع
الانفعال والتاثر بالدرجة الاولى. اننا ننصت الى
صوت الهدى الالهي ونلتفت الى الشيء الحاضر
بيننا، وهذا لا يعني لا عقلانية في ما هو حاضر وفي
طريق الهدى، بل اريد القول: ان العقلانية الجزئية
لا تؤدي بنا الى الله. علينا ان نمارس الانصات اولا
ثم نخوض في النقاش بعد ذلك حول ما انصتنا اليه.
اتصور احيانا اننا استغرقنا في اقاويلنا
العابثة
الى درجة نسينا معها التعاليم الموجهة الينا. علينا
احيانا ان نمسك عن الحديث ونتفرغ للانصات بالكامل. اعتقد
انه لا ينبغي خلال محاولتنا فهم الاشياء ان نعول
دائما على التقييمات العقلانية، لافي ما يتعلق
بالدين فحسب بل في مختلف الحقول. لا بد لنا بالتالي
من ان نستغني عن حساباتنا الرياضية في نقطة معينة
كي نتيح للحقيقة ان تتدفق وتتجلى، وهذا ما يصدق
في الرياضيات والمنطق نفسيهما. اي انه لا يسع
المرء ان يفهم الرياضيات حين يستغرق في حساباتها بالكامل، بل من الضروري ان
يتدبر قليلا في العلاقات الرياضية. ويمكن للاستدلال
ان يعيننا في تحديد النقطة التي يكون من المناسب
فيها ان لا ننشغل به نفسه. لا يمكن لاي انسان ان يظل
طوال الوقت مستغرقا في التحليل العقلي،
ويلحق الاجهاد والتعب حتى بذوي الاتجاهات العقلية فنراهم ينصرفون الى متابعة
برامج التلفاز
ونحو ذلك. كيف نحدد اللحظة التي تناسب ممارسة التحليل العقلي؟ ان احدى وسائل ذلك هي ان نطلب بوعي المساعدة من العقل نفسه، فيسال المرء نفسه مثلا: هل او اصل العمل في كتابة المقال هذا او انصرف الى النوم لان الوقت متاخر؟ ولعله سيقرر ان ينام ساعة او ساعتين ليعود الى العمل ثانية باعتبار ان عليه تسليم مقالته في وقت قريب، فيستعين بالجرس المنبه كي يستيقظ في وقت مناسب. ولكن نلاحظ اننا مثلا نستدرج تلقائيا الى الجدل العقلاني من دون ان نكون قد اتخذنا قرارا واعيا بذلك، كما نتولى رفض المقولات في ضوء الادلة المتاحة لنا من دون ان نخضع الموضوع للدرس الكافي وبمايتطلبه من عمق. وحين يصيبنا التعب ننصرف الى النوم من دون ان نفكر في مسوغ للنوم او الاستيقاظ، وهذه مواقف تتمتع بكامل العقلانية. يقولون في الفلسفة الاسلامية:ان سائر العلوم تتاسس على العلم الحضوري وانه لا يسع المرء ان يفعل شيئا من دون هذا العلم. ان التوصل الى العلم الحضوري هو لون من ال((299)) noetic. وفي سبيل مضافعة الوعي بالعلم الحضوري وجعله اشد، لا بد من التوقف عن الحوار مع الذات والحديث معها nonoligue وأن نعمد الي الاصغاء من خلال آذاننا الداخلية. وهذا لون من الاستعداد لاستيعاب شيء او الاصغاء الكامل الى جانب من عقلانية nondiscursive وهو ما يتحقق من خلال الكشف nous نفسه. • هل تعتقدون ان العقلانية امر نسبي وان للدين عقلانيته الخاصة التي تختلف عن الانماط الاخرى من العقلانية؟ واذا كان الامر كذلك فكيف يمكن الدفاع عن الدين حيال معارضيه وما يطرح ازاءه من بدائل؟ العابدي: في ضوء الاجابة السابقة عن السؤال الاول، نجد ان الدين يخاطب سائرالعقول من دون تمييز بين الحالات والظروف والمراحل. وعلى هذا، فان عقلانية الدين هي عقلانية عالمية تدعو مختلف القوى العقلية الى اتخاذ مبادى الدين ونظمه معيارا من خلال ما تقتضيه العقول، وهذا ما يمثل الميزة العامة للدين الحقيقي وشرطه لزوما وكفاية. وهكذا فان الدين لا يدعو ابدا الى تجاهل العقل ولا يقول: عليك بالايمان اولاوستفهم بعد ذلك. بل يقول الدين كما جاء في السياق القرآني: افلا يعقلون؟ افلايتدبرون القرآن؟ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
ملكيان: انني اتقبل نسبية العقلانية بمعنى خاص
فحسب، ذلك ان القضية (س) اذا كانت صادقة فهي كذلك
على الدوام، وان كانت كاذبة فهي كذلك على الدوام
ايضا. ولكن رغم ذلك يمكن في الوقت نفسه ان يكون
ايمان الشخص (ص) بهذه القضية في اللحظة الزمنية
(ع1) ايمانا عقلانيا، لكن قناعة (ص) بالقضية نفسها
في اللحظة (ع2) ليست عقلانية، او ان يكون ايمان شخص
آخر هو (ص) بها في اللحظة (ع1) فضلا عن (ع2) هو غير
عقلاني ايضا. وبكلمة اخرى فان صدق القضية او كذبها
لا يرتهن بالازمنة او الاشخاص، بينما تظل عقلانية
القضية او عدمها مرتهنة بقناعات
الاشخاص والاختلاف الزمني، اي ان الصدق والكذب امران مطلقان غير منوطين بشيء،
اما العقلانية وعدمها فهي نسبية وتابعة غير مستقلة.
ولكن لا يشكل مفهوم العقلانية المقبول هذا ابدا مسوغا للقول: ان
الدين يمتلك عقلانية خاصة تختلف عن الانماط الاخرى للعقلانية. نعم
يمكن القول: ان الدين يقدم مفهوما لغاية الوجود
وحياة الانسان يختلف عن الغايات والاهداف التي
تقدمها الاتجاهات والمذاهب الاخرى، او انه يطرح ما
يجده مفيدا ومجديا من آليات واساليب تغاير ما
تقترحه تلك الاتجاهات في اطار تحقيق
الاهداف والغايات. ولكن حتى لو صح ذلك فانه لا يعني
ان الدين يمتلك عقلانيته الخاصة، لان ما يقدمه الدين من غايات واهداف او آليات
واساليب يوصي بها او يوجبها هو شيء، بينما العقلانية العملية لتلك الغاية او
مجمل هذه الاليات والاساليب شيء آخر.
يمكن ان تكون هناك غايات واهداف او آليات واساليب
خاصة بالدين في مقابل الاتجاهات والمذاهب الاخرى، او ان تكون خاصة بدين معين في
قبال ما سواه من الاديان، لكن لايمكن لعقلانية تلك الاهداف او الاليات او عدمها
ان تختص بالدين بنحو عام او باحد الاديان على وجه الخصوص. كما
يمكن في ما يتصل بالعقائد والعقلانية النظرية
ان يطرح الدين بنحو عام عقائد خاصة به، ويمكن ان تكون لدين خاص من الاديان
عقائدكهذه ويامر اتباعه باعتناقها، غير ان هذه العقائد شيء وعقلانيتها او عدمها
شيء آخر.يمكن ان تكون العقائد خاصة بالاديان بنحو عام او بدين منها على وجه
الخصوص، بيدان عقلانيتها او عدمها لا يمكن ان تكون خاصة بالدين. وموجز
القول: ان العقلانية هي امر اوسع من الدين يجري على
اساسه تقييم تلك المعتقدات والافعال والغايات،
رغم ان العقلانية ليست امرا فوق التاريخ، اي انها
ليست خارج اطار الثقافة والملابسات الشخصية. وذلك
ما يميزها من الصدق والكذب في القضايا اذ ليسا امرا اوسع من اطار الدين فحسب بل
هما لا تاريخيان ايضا. لو افترضنا على هذا الاساس ان ثمة عقلانية خاصة بالدين، اي ان الدين يكون موضوعاللتقييم واساسا ومعيارا له في آن واحد، فما الذي يسوغ لنا ان نرفض وجود عقلانية خاصة ايضا في كل من مستويات الهذيان (delusions) والوهم (illusions) والخرافة (superstitions) التي ابتدعها الانسان؟
لغنهاوزن:
يمكن القول بنسبية العقلانية بمعنى من المعاني، غير انني لا احبذ هذا
التعبيرلانني متاكد ان ذلك سيساء فهمه، وثمة سبب جيد لسوء الفهم هذا؛ حيث يجري
توظيف الزعم بنسبية العقلانية ماضيا وحاضرا في تسويغ عدم الالتزام ويؤدي الى
اهتزازمكانة اليقين. غالبا ما يقول انصار النسبية: ان علينا المساواة بين انماط
العقلانية ومنحهااهمية متكافئة باعتبار تنوع البدائل العقلانية. ان النسبية
المتطرفة في ما يتصل بالعقلانية هي امر غير عقلاني في حد ذاتها. لو كانت
الموضوعية التي ينطوي عليها منهج فكري محدد مساوية لما يتوافر من موضوعية في
مختلف المناهج الاخرى، فهذا يعني انها غيرمجدية جميعا. ذلك ان قيمة المنهج
الفكري العقلاني تكمن في كونه اداة يسعنا من خلالها ان نحدد مدى الصواب في
المزاعم المختلفة، ونتولى تقييم القيم المنافسة، وان ندرك الطريق الامثل لتحقيق
تلك الاهداف. تروج اليوم السخرية من العقل والعقلانية مع الاسف، وثمة اتجاه يرى
ان جميع الخيارات مسوغة في ما يتصل بالموضوعات المهمة. ولا بد من ان نتوقف عند
هذه النماذج، حيث يجري توظيف انماط النسبية في العديد من الموارد بهدف تسويغ
الحالة الاستسلامية. وفي ضوء رد الفعل المسوغ من خلال النسبية حيال مستويات
الفساد اخلاقيا ونظريا، يمكن ان نتفهم مبادرة العديد من المفكرين الى طرح رؤى
اطلاقية متطرفة((300)). يحذر
اتجاه الاطلاقيات المتطرف من ان يتراجع ولو لخطوة
واحدة، لانه يخشى ان يؤدي ذلك الى تقدم خصومه مئة خطوة. فلو
قلنا: ان النسبية صحيحة بمعنى خاص فسيعمد كل من
اتجاه النسبية المتطرفة واتجاه الاطلاقيات
المغالي الى استغلال ذلك لصالحه بنحو سيء. رغم
ذلك فان رد فعل كهذا يتطلب ان نقضي على كل ما
يحمل عنوان النسبية، وهذا ما ينطوي على رد فعل
خاط ى. اننا بحاجة الى موقف يجري تحديده بدقة في
سبيل الحؤول دون مزاعم النسبية المغالية. وكلما
تحققت هزيمة الاتجاه النسبي بفضل منهج معين وجدنا
ان المنهج نفسه يزخر بالثغرات الى درجة ان ذلك
الاتجاه يتمكن من العودة ثانية من خلال بعض
الثغرات. فمن الافضل ان تكون مناهجنا خالية من
ثغرات كهذه كي يتم قطع الطريق على النسبية ومنعها
من استغلال تلك الفرص والعودة ثانية الى السطح. اذن
باي معنى يمكننا ان نقول بنسبية العقلانية؟ اذا
افترضنا ان العقلانية هي منهج يتولى من خلاله
العقل السليم تقييم الادلة والمعتقدات والاعمال
والقيم والاهداف من دون ان يرتكب خطا في ذلك، فلا
يوجد لدينا ما يضمن تطابقا في اداء العقول السليمة
خلال حركتها في مجالات متباينة. اضافة الى انه ليس
من المؤكد ان الله قد اخذ بعين الاعتبارنمطا واحدا
من العقلانية بالنسبة الى سائر العقول السليمة وفي
مختلف الظروف وفي مايتصل بتقييم مختلف القضايا. اذ
اننا نجد، على سبيل المثال، مناهج متنوعة حتى
بين علماء الاصول الشيعة، ولعل جانبا من مستويات
الاختلاف تلك يعود الى خطا ارتكبه بعضهم في نقطة
معينة، ولكن ربما كان ذلك ايضا بسبب لون من المرونة
تنطوي عليه العقلانية. ربما كانت الرؤى المتباينة
تتطابق الى حد ما مع عقلانية بديلة. وفي هذاالسياق،
ربما وجد لون من النسبية في ما يتصل بالعقلانيات
البديلة التي توجد بينهامستويات محدودة من
التباين. يمكن ان تكون هنالك عدة بدائل عقلانية
تتطابق مع كل منها رؤية معينة، كي يمكننا القول
بعقلانيتها جميعا على اساس احد انماط
العقلانية،بينما يغيب الاتساق بينها في الوقت
نفسه. غير ان مستويات التباين تلك ليس
طوعية اختيارية، بل لا بد من خضوع كل من نماذج
التباين الى الدراسة بالمقارنة بمختلف المنظومات التي تنطوي في داخلها على
التباين. ان
نمط النسبية الذي يمثل تحديا للدين بالدرجة
الاولى، يتمخض عن توظيف مناهج متعددة في تقييم
العقلانية في مختلف الثقافات كما يبدو، ذلك انه من
المستبعد ان يكون العقل خاصا بثقافة معينة. وهكذا
يبدو ان ثمة في العقلانية نمطا ثقافيا من
النسبية، غير ان امكانية نسبية كهذه لا تتطلب ظهور
مستويات تفاوت مهمة في اطار التوظيف الصحيح
للبدائل العقلانية. ولعل مستويات التباين النسبية
هذه هي على شاكلة الاساليب المتعددة في حساب
الاعداد، اذ توجد اساليب متعددة في الرياضيات غير
ان النتائج واحدة. ولو اختلفت النتائج فسنفترض ان
سبب ذلك يعود الى استخدام خاطى للاسلوب الرياضي،
لا لخطا في الاسلوب نفسه. اما لو كان اختلاف النتائج
كبيرا ويظهر على الدوام اثناء استخدامنا لاسلوب
خاص، فسنرتاب في شان الاسلوب هذا، ونحتمل انه
بحاجة الى تعديل او انه خاط ى بالكامل ولا بد من ان يستغنى عنه. ليس
في وسعنا تقييم المنظومات العقلانية بشكل محايد،
وعلى هذا الاساس يستنتج النسبيون ان هذه
المنظومات متكافئة في ما بينها، لكن ذلك ليس بصحيح.
ثمة اساليب عديدة يمكننا من خلالها ان نتوصل الى
نتيجة مؤكدة حول الافضلية النسبية لواحدة من تلك
المنظومات، رغم اننا لا نستطيع ان نبدا من نقطة
حيادية. وفي ضوء بعض تلك الاساليب يمكن البحث عن
حالات التعارض والتناقض في البدائل هذه عبر
مقاييسهاهي نفسها. والاسلوب الاخر هو ان نتحرى ما
يوجد في بعض الحالات من ذرائع يجري استخدامها في
تعزيز المزاعم العامة حين تواجه ادلتها المتقاطعة.
ولعل كتاب اليسدر مكينتاير «اي عدالة، اي
عقلانية»((301)) يقدم لنا بحثا هو الاهم
والاكثرتفصيلا في هذا المجال. يقترح مكينتاير منهجا يتصل بامكانيات الترجمة والمقارنة التاريخية التي يتسنى توظيفها في تقييم البدائل العقلانية المنافسة. |