|
تقوم واحدة من ابرز
المزاعم المناهضة للدين على اساس القول بالنسبية
في ما يتصل بالعقلانية، وتفيد ان استخدامات
العقلانية الدينية محدودة للغاية وان عقلانية
العلوم الطبيعية بديل مناسب لها. يطالب الاتجاه
النسبي في ما يتصل بالعقلانية، بان توجد عقلانيات
متنوعة كي تتناسب كل منها مع الزمان والمكان
والموضوعات ونمط الشخصية. ان انماط النسبية
المناهضة للدين ليست معنية بمقاييس العقلانية التي
تدافع عن الدين، وذلك لوجود مقاييس لبدائل
عقلانية لا يمكن الدفاع عن الدين من خلالها، ونجد ان
بعض انماط النسبية التي تبدي عداء اشد حيال الدين،
تعتقد ان تاريخ العقلانية التي يمكن من خلالها
الدفاع عن الدين، قد بلغ نهايته. والاسوا من ذلك
انهم يرون ان العقلانية، التي يمكن من خلالها
بلورة تقييم ايجابي للافكار الدينية، هي اقل شانا من العقلانية التي لا تتيح
لنا الدفاع عن الدين. ومقابل
هجمات كهذه نجد ان مايكل س. بانر يبرهن على انه يمكن
الدفاع عن العقلانية الدينية في ضوء العناصر
المشتركة بينها وبين عقلانية العلوم الحديثة((302)).
وهو يقول: اننا لو استوعبنا عقلانية العلم الحديث
بشكل صحيح فسندرك كيف يجري تسويغ النظريات على
اساس قابلية تفسيرها، ويضيف ان الفرضيات التي تظهر
في نطاق الدين تتمتع بقابلية كهذه. يزعم
اتجاه النسبية احيانا ان في وسع الدين ان يتناول
بالبحث مفهوم الحياة، غير ان العلم الحديث هو الذي
يتكفل البحث في الحقائق، فيما يكون كل منهما نسبيا
ازاء نطاقه الخاص. ونلاحظ ان باحثة اخرى هي نانسي
مورفي قد اخضعت النسبية الى دراسات واسعة، وهي
تشير الى الفرضية التي تقرر ان الدين لا صلة
له بطبيعة الاشياء في الواقع، وترى نانسي في ضوء
ذلك اننا لو رفضنا صلة الدين الوثيقة للغاية بذلك فلا بد من القول بانه عاجز عن
بلورة مفهوم للحياة. وعلى
هذا الاساس لايسعنا القول: ان دور الدين ينحصر في
النطاق الخاص بمفهوم الحياة من دون
المجالات الاخرى. وهي تحاول التدليل على ضرورة ان
نتقبل رؤية كونية موحدة يتوافر فيها موقع للعلوم
الطبيعية والاجتماعية ضمن تسلسل المستويات، كما
تترابط في اطارها العلوم المهمة الاخرى بفضل دور
اللاهوت الذي يحتل مكان الصدارة في ذلك التسلسل((303)). وقد
اقتصرت على التنويه ببضعة كتب صدرت حديثا، وهي ترفض
اتخاذ نسبية العقلانية مسوغا للمساواة بين
العقلانية الدينية والعقلانية الالحادية((304)). • هل ينسجم التعبد((305)) مع العقلانية، وهو جزء لا يتجزا من الالتزام الديني كما يبدو؟ العابدي: اجيب
عن هذا السؤال باختصار شديد، فالدين يدعو الى اتباع
القضايا ضرورية الصدق والمؤكدة، وهذا اللون من
القضايا لا يتوافر في عالم الوجود سوى ضمن
القوانين الالهية، كما لا يوجد سبيل لابلاغ الناس
بهذه القوانين الا النبي والمعصوم، ومن ثم
فان التعاليم والاوامر الدينية لا بد من ان تقوم
على هذا الاساس، وبخلاف ذلك لا يمكن ان تتحقق اي اوامر او تعاليم دينية. وفي
ضوء هذا، لا نحتاج في ما يتصل بالدفاع عن الدين الى
اكثر من معطيات العقل الكلي. ولو كانت هنالك حاجة
الى نمط خاص من العقلانية لادى ذلك الى
تسليم الدين الى آراء البشر ونظرياتهم، وحينئذ
تصبح مختلف القضايا الدينية تحت رحمة الوان النفي
والاثبات التي يتطرق اليها الخطا والتغير، الامر
الذي لا يبقي مخاطبين يتوجه اليهم الدين. اضافة
الى ان ذلك يستتبع حرمان معظم بني البشر من
رسالة الدين، وخسارة قطاعات واسعة لكل ما في
حوزتها من مسوغات ومبادى اخلاقية امام الخبراء في
مختلف العلوم، وتلاشي الكيانات الاخلاقية تحت ضغط
النظريات والتكنولوجيا. غير ان الدين يقوم على
اساس العقل غير القابل للتغير والذي يمكن تعميم
معطياته، وعلى كيان اخلاقي لا يخضع لحدود وقيود،
وعلى ما يتمتع به هداة اصطفاهم الله من علم وعصمة. كما
تجري مخاطبة كل فرد بالدين بالقدر الذي يكون ذلك لبني الانسان جميعهم، وهذا ما
يصدق بعينه في ما يتصل بخطاب العقل. ملكيان:
ثمة خلاف في وجهات النظر بين المعنيين بالدين سواء
في فلسفة الدين ام في علم اجتماع الدين ام في علم
نفس الدين، حول كون التعبد جزءا لا يتجزا عن
مختلف مستويات الالتزام الديني، او انه جزء
لمستويات التدين الطفولية غير الناضجة. يعتقد بعضهم
ان المؤمنين الذين بلغوا النضج الفكري قد اخذوا
دينهم من خلال التعبدوالاتباع لاشخاص اتقياء
صالحين. ونلاحظ، في هذا المجال، نماذج متعددة منها
على سبيل المثال، اورلو سترونك في كتابه «الدين الناضج: دراسة
نفسية»، وا. فاين سلفرفي كتابه «بحثا عن النضج
الديني»، وكذلك واين اوتس في «علم نفس
الدين»،
وغوردن. و. آلبورت
في كتاب «الفرد ودينه»، وتشارلز. سي. ال. كاو في
كتابه «التكامل والتحول نفسيا ودينيا: الناضج
والنضج». ويصر هؤلاء على ان من يبلغ مرحلة
النضج الديني لا يتردد ابدا في ممارسة تقييم نقدي
لما تلقاه من تعاليم عبر ائمة دينه
واوليائه «والنقد بالطبع ليس مجرد البحث عن
العيوب بل ياخذ بعين الاعتبار هدفا ومنهجا خاصين».
ونجد ذلك يتكرر لدى آلبورت واوتس وسترونك في
اعمالهما المذكورة آنفا، حيث يقولون: ان المؤمنين
الذين بلغوا مرحلة النضج الفكري يرون، في
موروثهم العقيدي الديني، معتقدات مؤقتة وعجولة،
حتى يتيقنوا من صحتها او تعينهم المعتقدات نفسها
في اكتشاف عقائد تتمتع بقدر اكبر من الموضوعية،
ويرى بعض الباحثين في الحقل الديني، من جهة اخرى،
ان الالتزام الديني لا يمكن ان يتحقق من دون تعبد. وبغض
النظر عن موقفنا من هذين الرايين، يبدو انه لا شك في
ان حالة التعبد تسودلدى الاغلبية الساحقة من
المؤمنين. اما جوابي عن سؤالكم في ما يتصل
بالانسجام بين التعبد والعقلانية فهو ان امامنا حالتين:
أولا: ان يراد بالتعبد الالتزام بان (س هو ص) لان(ع) يقول ذلك. وما من شك في ان
هذا التعبد لا ينسجم مع العقلانية ابدا. ثانيا:
ان يكون التعبد التزاما بان (س هو ص) لان(ع) يقول ذلك.
ولكن اقوال(ع) تتطابق مع معطيات الواقع باسرها، او
ان تتاكد المطابقة هذه على الاقل في تلك
الاقوال التي تنظر الى قضية (س هو ص) من بعض الجهات.
وفي هذه الحالة ليس ثمة تقاطع بين التعبد
والعقلانية، شريطة ان نثبت صدق الفرضية التي تقرر
«ان اقوال (ع) تتطابق مع معطيات الواقع باسرها او
مع تلك الاقوال التي تنظر الى قضية (س هو ص) من بعض
الجهات على الاقل». او ان يمكن اعتبار هذه الفرضية ايمانا عقلانيا. لغنهاوزن:
في اطار الاجابة عن السؤال هذا يمكن ان نتناول عدة
قضايا، ذلك لان التعبد يرتبط بجوانب مختلفة
كالمعتقدات والقيم والاخلاق والايمان والاحكام
الفقهية والشان الروحي. وفي ضوء هذا يمكن تيسير
البحث عبر تقسيم القضايا الى عملية ونظرية،
كي نطرح في ما بعد جملة من النقاط العامة. يتساءل
غراي غاتينغ في دراسة دقيقة اعدها: كيف لنا التوفيق
بين ما يتعرض له الدين اليوم من تساؤلات ونقد وبين
مطالبة الدين لنا بتعزيز الايمان؟ يقول غاتينغ: لو
قمنابدراسة مختلف الادلة المقدمة لصالح الدين او
ضده، فربما وجدنا ان العقل يؤيدالمعتقد الديني،
غير انه علينا الاعتراف بان الادلة التي هي في غير
صالح الدين قوية ايضا ومؤثرة في الوقت نفسه. وحتى
على تقدير ان يكون من المؤكد ان في وسعناالاجابة
على سائر ادلة الالحاد، فيبدو ايضا ان العقلانية لا
تدعم تعبدا كذلك الذي ياخذه الدين بنظر الاعتبار.
فلو اختلف علماء الفيزياء في قضية معينة، على سبيل
المثال، وتولينا تقييم ادلة الطرفين، سنجد الحق مع
احد الطرفين بينما نلاحظ ان الاخر قدارتكب خطا. ولا
يتمتع التعبد هنا بطابع علمي كاف حتى لو كانت
ادلتنا قوية للغاية. وفي ضوء طبيعة هذه المناقشة، لا بد لنا من ان نتقبل احتمال ان تكون ادلتنا خاطئة،فربما لم ننتبه الى عنصر مهم كالمعطيات، او اننا اخطانا في الجانب المنطقي والرياضي. لماذا لا يكون الامر هذا مسوغا في الدين ايضا؟ يرى غاتينغ ان علينا ان نتقبل عدم وجود اليقين في الدين، وهذا نظير غياب اليقين في العلوم الطبيعية، ويعتقد غاتينغ ان هذا هو مقتضى العقلانية. لكن رفض المؤمنين لاستنتاج غاتينغ يعبر عن وجود تباين بين الاعتقادات الدينية ومجال التنظير، ولا يعني هذا مجرد اختلاف بين الفيزياء والميتافيزيقا على مستوى طبيعة الادلة والبراهين. ذلك ان نتيجة غاتينغ صحيحة في ما يتصل ببعض مسائل الميتافيزيقا، كالنظريات المتباينة حول العلل او في ما يتعلق بالصفات ونحوها. اذن ما هو مصدر اليقين الديني؟ لا يتمثل هذا المصدر بالادلة السلبية منها والايجابية وحسب، بل يشمل ذلك تعزيز الشعورالحضوري nous والشهود والكشف في ما يتصل بوجود الله. هل يتمتع هذا
اللون من اليقين بالعقلانية؟ سيكون الجواب بالنفي
اذا حصرنا العقلانية بdianoiaآ
((306))، فسيحظى بالعقلانية
كل من اليقين هذا والتعبد القائم على اساسه. ثمة
دراسات عديدة لروبرت آدامز في مجال التعبد ايضا((307)).
ويقتضي التعبد الديني ان نجعل حب الله محورا
لمختلف الدوافع وضمن سائر المواقف والاعمال التي
تتحقق بنية التقرب من الله. ويرى بعضهم ان هذا تعصب
وتطرف وانشغال لاعقلاني بالدين، الامر الذي لا
يترك فرصة لمتطلبات الحياة العادية. يرى آدامز ان
مبدايمنح الانسجام للتعبد الديني، يتيح لنا في
اطار التجربة الدينية ايضا ملاحقة اهداف اخرى ذات مستوى ادنى، تلك الاهداف التي
ليست منافسة للهدف الديني. يرى عددمن المفكرين الدينيين، مثل اوغسطين وبعض
العرفاء كذلك، ان القيم الاخرى غيرالدينية هي مجرد قيمة اداتية آلية مقارنة
بالقيمة الذاتية الوحيدة والنهائية وهي لقاء الله.غير ان آدامز لا يقتنع بهذا
الموقف التقليدي، ويرفض ان تكون القيم المحدودة مجردآلة وحسب. يقول
آدامز: لو كنا، على سبيل المثال، نحب الاخرين بوصف
الحب هذا اداة وآلة وحسب، فان ذلك ليس ودا حقيقيا.
وهو يقترح بدلا من ذلك ان يكون ثمة نزوع عام في
التقدير والتقييم حيال الاشياء الحسنة الخاصة،
يعمل على مساعدة الانسان في التوفيق بين مختلف دوافعه على اساس الخير المطلق.
وحيث ان الله خير مطلق، كمايرى آدامز، ففي وسعه تعالى ان يكون محورا مستبطنا
لدوافع الانسان، لان الاشياءالمحدودة انما تكتسب حسنها بقدر ما تكون مقربة الى
الله شبيهة به. فهذه الاشياء الخاصة المحدودة ليست اداة لتحقيق الخير المطلق،
بل هي مصاديق لهذا الخير. يقوم
منهج آدامز على جملة من القضايا في اللاهوت اقف انا
امامها مترددا، لا سيما انه يصف الله بالخير
المطلق، وهذا وصف افلاطوني للغاية. وفي اطار التراث
الاسلامي، من الافضل جعل الحسن الالهي ضمن اسمائه
وصفاته (الله لااله الا هو له الاسماء الحسنى) (20:8).
وثمة طريق آخر لمعالجة موضوع آدامز تقدمه لنا هذه
النقطة اضافة الى بوادر نلمحها في مصنفات بعض العرفاء. كما
ان الله، سبحانه وتعالى، يتجلى في الاشياء
المحدودة، وبخاصة من خلال ظهوراسمائه وصفاته في
الاولياء، يمكن ايضا ان يكون تعلقنا بالاشياء
المحدودة تجليا لحبه والتعلق به ولا سيما تعلقنا
بمظاهر الاسماء والصفات الالهية. فنحن لا ننجذب
نحوالاشياء المحدودة لانها طريق اليه وحسب، بل ان
حب تلك الاشياء يعبر عن حبنا له سبحانه. وهكذا
يمكننا الاجابة عما يواجهه التعبد الديني من اتهام
باللاعقلانية على مستوى التعبدالعملي، فهذا
التعبد، في ما يتصل بالله، لا يعني غفلة عن
المسؤولية وتجاهلا للمحبة التي هي حق المخلوقات
الاخرى، بل في اطار التعبد هذا نستشعر مختلف
الوان المحبة ونحقق الالتزام بمختلف مهماتنا. والنقطة
الاخرى الاكثر عمومية هي اننا حين نتناول عقلانية
التعبد لا بد من الانتباه الى ان الابحاث
والتقييمات العقلية يمكن ان تجري بمعونة من
الاخرين وحسب، اولئك الذين سبقونا وراحت اعمالهم
ومدوناتهم تترك اثرها على لون تفكيرنا، وايضا
بفضل اولئك الذين نخوض معهم نقاشا حول الافكار. ان
عقلانية التعبد هي ان يكون التعبدموضوعا لتقييم
العقل السليم ايجابيا، وهو ما لا يتحقق من دون عون
من الاخرين، بل يتطلب تنفيذ خطة دينية شاملة يمكن
معها ان يجتمع المؤمنون على طاولة الحوار، من قبيل
هذه الفرصة التي يتيحها حوارنا هذا، بل ينبغي ان
يتجاوز ذلك الاوساط الدينية ليستوعب حوارا مع
اشخاص ينتمون الى تيارات مختلفة. وفي اطار تجربة
كهذه، في وسعنا وعبر مسار الفكر في هجومه ودفاعه،
ان نتيقن بان في حوزتنا المصادر الكافية للدفاع عن
معتقدات امتنا، وهذا اليقين يدفعنا الى التعبد في
حد ذاته. سنكون مخطئين لو حسبنا ان التعبد الديني
يبدو لا عقلانيا على اساس انه يتطلب الالتزام
بمعتقدات الدين وقيمه وهي عادة لا تتسق مع التقييم
العقلاني. ليس من الضروري ان يساورنا القلق على
الدوام في ما يتصل باحدث ما يطرح من شبهات حول
معتقدات الدين وقيمه. فالعقلانية تتطلب ان نسهم في
الاوساط التي تتوفر على التقييم العقلاني،
وفي بعض الاحيان لا تطالبنا العقلانية بان نمارس
التقييم العقلاني، بل في وسعها ان تمنعناعن ذلك.
فالعقلانية تتولى تسويغ الايمان والتعبد، غير ان
اكتسابهما شان اكتساب الفضائل الاخرى، يمنح اهل العلم قدرة في ضوء تلك الفضيلة
نفسها، على الاستغناءعن التقييم العقلي في مستوياته الجزئية، وفي خطوات هذا
الطريق كافة. ويتطلب تسويغ
التعبد الديني، عقليا، الحؤول دون ان تترك الشكوك
اي اثر على التزامنا الديني.لاحظ الموضوع المتصل
بهذه النقطة في الفصل الاخير من كتاب مكنتاير، تحت عنوان: • نلمح، في اعمال مفكري ما بعد الحداثة Post modern تقليلا من الشأن العقلانية بأشكال مختلفة، فهل يمكن لذلك ان يمثل مكسبا للدين؟
ملكيان: ان التقليل من شان
العقلانية او احتقارها بتعبير اوضح، لا يمكنه ان
يحقق مكسباللدين والالتزام الديني. لان هذا لو وفر
على انصار الدين جهد تفسير اقوالهم ودعمهابالادلة
القوية، فانه لن يبخل على مناهضي الدين بذلك. ان
عالما تتعرض فيه العقلانية الى الجفاء، سيعتقد كل
من طرفي الخلاف بان مقولاتهم تستغني عن دعم الادلة
وطرح صياغات مبررة ومبرهنة. ولو حقق ذلك مكسبا
للمؤمنين فانه سيمنح المكسب نفسه الى غيرهم. لغنهاوزن:
ما بعد الحداثة لون من الخطيئة، ومنهج يفترض مسبقا
بطلان المقولات الدينية، انها لون من الفكر لا بد
من ان يوصف بانه
disoriented أو disorientingا
((308)). وهي أساسنا تتقاطع مع التوحيد، ولعله من الافضل اعتبارها احدث
موضة الحادية، وهي شيطان في زي باريسي. ينكب اتجاه
ما بعدالحداثة بالدرجة الاولى على السخرية من
مقولات الحداثة في ما يتصل بالعقلانية،وحيث ان
العديد من تلك المقولات تتعارض مع الرؤية الكونية
الدينية، يتصور بعضهم ان نقدا كهذا يصب في صالح
الدين. غير ان اهم مفكري ما بعد الحداثة لا يبدون
اي ميل نحو الدين، ويناهضون العقلانية الدينية
بقدر مناواتهم لعقلانية العلوم الحديثة. فيرى ميشيل
فوكو، على سبيل المثال، ان كل منهج معرفي سائد هو
مجرد خدعةش درر الظلم، بينما
يستهدف في هجومه هذا حداثة التقدم العلمي. ويعتقد
مفكرون ما بعد حداثيين، مثل ليوتار، انه لا يوجد
اي انموذج ما وراء سردي (metanarrative)
يمكننا من خلاله أن نتوصل
الى فهم شامل. وتستهدف هذه الفرضية ثانية التدليل
على ان في وسع العلوم الحديثة تقديم نظرية شاملة
لمختلف الابعاد في الحياة الانسانية. ونجد ان
المفكر الديني، في نحوعام، يثني على التقريع
الموجه الى غطرسة الفكر العلموي. وتقوم افكار
البروتستنتنية الليبرالية على اساس ان الحقائق
الدينية لا يمكن تفسيرها اخلاقيا وميتافيزيقيا،
وحرص المفكرون البروتستانت منذ مدة طويلة على
تقليد يتم بموجبه رفض مختلف الوان التحولية
Reductionalism
ولا
سيما
محاولة تفسير الدين في اطار علمي محض(العلوم
الحديثة). وادى هذا التقليد بدوره الى ظهور
هرمنيوطيقا ديلتي((309))
Dilthy،
وانبثق فكر ما بعد الحداثة
اتجاه الهرمنيوطيقا الالحادي.
يصف
بلانتيغا ما بعد الحداثة بأنها عدم شجاعة((310))
(Loss
of nerve)ا
((311))،
ويحاول انصار ما بعد الحداثة ان يدافعوا
عن انفسهم حيال اولئك الذين يرون خطا مقولاتهم او
كذبها، وذلك عبر الايحاء بانه لا يوجد اي تباين
مطلق بين الصواب والخطا او الصدق والكذب. لكن
الحقيقة على خلاف ذلك، فالدين يطالبنا بان نقف مع
الامور الصادقة والصحيحة، لا تلك التي تبدو لنا نحن
صحيحة وصادقة،ويتطلب الالتزام الديني ان يتحلى
المرء بالجراة، وعلينا ان نتقبل المسؤولية في ما
يتصل بتصديقاتنا المطلقة. يطرح
مفكرو ما بعد الحداثة، مثل رورتي ودريدا وليوتار
وكريستيفا وفوكو، مفهوما للحقيقية، ولو استوعبنا
هذا المفهوم سندرك ان ما بعد الحداثة لون من
الخطيئة. يقال احيانا: ان ما بعد الحداثة وصف للظرف
الراهن، وسقوط الانسان الغربي الذي تمزقت هويته،
فهو قد اضاع وجهته بعد ان جرى استقطابه نحو آلاف
الوجهات، وهو لا يمتلك اي مقدرة عقلية ولا يرغب ابدا في تقييم المتطلبات
المختلفة التي يواجهها. وتعمد
ما بعد الحداثة احيانا الى دعوة الانسان الى
الخطيئة، بينما يدعو الدين بني آدم الى ان ينفتحوا على آفاق اوسع، وهو ما يرفض
اتجاه ما بعد الحداثة امكانه اساسا. يحثنا
الدين على ان نفكر في النقطة التي بدانا منها وتلك
التي نتجه نحوها، والعثورعلى الوجهة التي تقودنا
الى الحقيقة النهائية الشاملة، كما ارسل الينا
القرآن بوصفه اداة قصصية ادبية تمثل اساسا نصيا
لتلك الوجهة، بينما تعبر ما بعد الحداثة عن
محاولة للتقليل من شان هذه الامور. العابدي:
قبل الخوض في السؤال تجدر بنا الاشارة، في ضوء
الحديث السابق، الى ان العقلانية ليست منهجا ولا
نظرية وانما هي اساس المعرفة والاخلاق، بمعزل
عن النظريات التي طرحت في تفسير العقلانية. وعلى
هذا فليس في وسع النظريات ان تواجه العقلانية، وهي المقياس في اختبار النظريات. اما
في شان السؤال، فان الحداثة التي بدات مع عصر
النهضة قامت تدريجيا بتحويل لون خاص من العقلانية
الى ايديولوجيا، وسادت هذه العقلانية المؤدلجة
بفضل الدعاية التي تولاها الاتجاه التجربي
والحسي، واتجهت خارج اطار المنهج الكانتي نحوضعضعة
اسس الاخلاق، وادت الى ضرب طوق من العزلة على العقل
النظري بماشمل حتى جانب العقل الكلي. ورغم ان
الحداثة لم تكن منظومة ولا نظرية، فهي
ثقافة انبثقت من عصر النهضة وهيمنت على الكثير من
الافكار ومراكز المجتمع الانساني،طوال بضعة قرون
عبر معوقات عقلانية حادة. ولهذا لم تكن هذه
العقلانية المغلقة في صالح الانسانية ولا في صالح الدين. لم يكن الطابع
العقلاني سببا في تلك الخسارات، بل تمثل ذلك بالعقلانية المغلقة التي اكتسبت
الطابع الحسي وتحولت الى ايديولوجيا الحداثة، وسلبت العديد من التيارات جراتها
على التفكير خارج ذلك الاطار.
ظهرت ما بعد الحداثة نتيجة جانب من نقد الحداثة وشيء من
الاحتجاج عليها، غير انهاتنطوي على مضمون الحداثة
ولم تتخلص من ثقافتها. وقد اسهمت الى حد ما
في تقويض الحداثة.
ان
احدى تبعات ما بعد الحداثة اضعاف عقلانية
الحداثية، غير ان هجماتها توجهت بالدرجة الاولى
نحو استبداد الحداثة. ادت ما بعد الحداثة الى
بث الفوضى في العقلانية، من خلال خرقها منظومة
الحداثة من دون ان تتمكن من الاسهام في اعادة
تنظيم العقلانية. وليس في وسع هذه الفوضى ان تكون في
صالح الانسانية والدين.
اننا بحاجة الى العقلانية بغض النظر عن الحداثة وما بعد الحداثة، فالتعقل الذي
هوعقلانية منفتحة حاجة انسانية دائمة. ويمكن
لعقلانية كهذه ان تحرر ما يمتلكه الانسان من طاقات
عقلية واخلاقية. وفي ضوءهذا كان لا بد من الاشارة
بنحو عام الى ان اضعاف العقلانية وضعضعة مرتكزات
العقل يعودان بالضرر على كل من الانسان والدين، بمعزل عن تبعات الحداثة وما
بعد الحداثة. القسم الاول محمد تقي الكرمي تمهيد أ ولا: لا تمتلك المفاهيم معاني واضحة وثابتة، كما انها ترتبط، في ما بينها بعلاقات متشابكة ومعقدة. وللمفهوم غير وجه، اضافة الى انه يمثل عصارة مضامين مختلفة،وبعبارة اخرى: لكل مفهوم نسيجه الناجم عن علاقات متشابكة تتمظهر في كل عصر وتؤدي عملا ودورا خاصا.ولا
تحتل المفاهيم فضاءها المعرفي دفعة واحدة، بل ان كل
عصر يبرز حالة ارتباطها اوانفصالها عن المفاهيم
الاخرى، ومن هنا كانت المفاهيم مركبة، او لها عدة
اضلاع ترتبط بالصرح والبناء، فهي متغيرة الماهية
وبالنتيجة تاريخية، ولذا يتوجب النظر
الى تاريخها. وهكذا،
فلمفهوم «العقل» قصته في رقعة التراث الاسلامي،
وبخاصة في دائرة الشريعة.ومن غير الصواب ان نعتقد
بان تصورات الفقهاء، من قبيل الشيخ الانصاري
والشيخ هادي الطهراني او الشيخ محمد الاصفهاني،
عن العقل انما هي صورة تكاملية لتصورات من سبقهم
من الفقهاء، من امثال الشيخ المفيد والشيخ الطوسي
او المحقق الحلي، ذلك ان التغيرات العلمية لا تتخذ
مسارا خطيا كما انها ليست وليدة تراكم مفهومي، بل
ان التغير في الارادات والرؤى والاواصر المفهومية
يدفع بال «المعرفة» ايضا الى الخطو والتحرك في
مسار آخر. ان «التكسر»، او الانفصال، ركن اساسي
في المعرفة العلمية، ومع الاخذ بعين الاعتبار
مجموع هذه الاواصر والتكسرات يمكن التوصل الى معرفة مفهوم ونظرية ما.
وعندما ننظر الى المعرفة العلمية، من هذا الافق، فاننا لن نراها حصيلة للتراكم
وانماوليدة علاقات معقدة او متشابكة في حالة تكسر وتشكل. ان
المفاهيم ليست مفردات بسيطة وسطحية، وانما هي
كائنات خطرة تتخفى قبل ان تظهر، والحق انها المفتاح الذي يفك مغاليق النصوص
والغازها، كما ان العمل بها مخيف ويغوي بالقدر نفسه ايضا. وقد
ذكرنا هذه النقطة لنفضح المدعيات الكبرى لعموم
مؤرخي الفقه والاصول. ذلك انهم يعدون «الشريعة»
كلا متوحدا ومنسجما يتبع مسارا واحدا. وبدل ان
يهتموا بتحليل البنى الموجودة في كل عصر انصرفوا
الى الكشف عن المعاني الذاتية للمفاهيم
فقط واستغرقوا في ذلك. مع ظنهم ان لكل منها معنى وجوهرا مستقلا بذاته. وبتعبير
آخر: ان مؤرخي الشريعة يظنون ان للمفاهيم، من قبيل:
الواجب، الحرام، النص، السنة، العقل والاجماع،
معاني متساوية طوال العصور. وعلى سبيل المثال،
ان تفسير الصحابة كعبدالله بن عباس وعبيدالله
بن مسعود لهذه المفاهيم يتساوى مع تفسير الفقهاء في القرون الوسيطة، بل وحتى
الفقهاء في العصر الحاضر. وهذه
النظرة الى التاريخ تتجاهل قضايا كثيرة، فتصل
الاضرار الجسيمة الى دلالة المفاهيم المذكورة آنفا التي ترتبط بها جميعا. وعلى
سبيل المثال، «النص» هو من المفاهيم الاساسية جدا
في الشريعة وفي التراث الاسلامي، وقلما توجد
مفردة حظيت بهذا القدر من الاهتمام والسعي الى
تعريفها في عموم الكتب الفقهية والاصولية
والتخصصية اكثر منها؛ اذ لا يوجد فقيه اسلامي، منذذلك الوقت، لم يقم بتوضيح
معنى هذه المفردة. ومع
هذا كله، وعندما نلقي نظرة الى تاريخ الشريعة سنجد
ان الفقهاء، وبشكل عام، لايتوافرون على تصور واضح
ودقيق لهذه المفردة، وسنجد توظيفا متناقضا ايضا.
فكيف اذن بالكلاميين او المتصوفة مع ما هم عليه من تصورات تختلف بشدة.
ولذا نصل الى هذه النتيجة، وهي ان النص لا يمتلك مفهوما دقيقا، بل ان معناه
يتمظهرمن خلال توظيفاته المختلفة طوال التاريخ. ان
فهم «النص» رهن بفهم التحولات في معناه، اي انه
يجب النظر الى توظيفاته وفق المقاصد الفقهية لدى
الكلاميين والمتصوفة، او من اجل اثبات دعاواهم
التي يستندون اليها. وبعبارة
اخرى: ان الاستناد الى النص لم يكن عملية بسيطة
خالية من كل شائبة، بل كان منهجا فاعلا لاثبات
مشروعية «المقولات»؛ حيث تجهد كل فرقة في توظيفه
من اجل حذف الاخرى. تاريخانية النص والمنهج ثانيا: ان غياب الرؤية العلمية والتاريخية للشريعة، سواء في الماضي ام في الحاضر،قضى على امكانية ظهور جميع اشكال المعرفة العلمية، المتعلقة بصور التبلور والتكامل في الشريعة، لقد صرف الاقدمون معظم جهودهم في اثبات وثائقية «المقولات» وفرز«الصحيح» من «المجعول» او المزور، وقلما اولوا اهتماما لفهم المقولة او لبيان شكل ارتباطها مع الواقع المعاصر((312)).من
جهة اخرى، كان فهمهم سطحيا بشكل عام، وكانوا عاجزين
عن فهم القوانين المهيمنة عليها وبيانها. اضف
الى ذلك ان تقاريرهم التاريخية ونقولهم نسيج يتالف
من «الحقائق» و«الاساطير»، فاتخذ السند التاريخي
«مفهوما» ضيقا ومحدودا تنضوي تحته
المقولات الرسمية والرائجة، هذه المقولات ميزتها
الاساسية امتلاكها «سلسلة اسناد» طويلة فقط((313)).
ونقطة اخرى هي ان المجتمعات الاسلامية، في ما مضى
وحتى اليوم، لا تنظر الى اختلاف وجهات النظر على
انه ظاهرة طيبة وحسنة، بل تعده اساسا للفتن وسببا في
تمزق المجتمع((314)). فليس
اعتباطا ان يشغل اصل «الاجماع» - وهو اساسا بمثابة
اداة لتوحيد فكرالمسلمين وسلوكهم - مكانه الخاص في
الماضي والحاضر؛ ومن هنا بذل المؤرخون، وبخاصة مؤرخو الشريعة - وهم في الغالب من
فئة كتاب الاصول الفقهية جهودا - كبيرة في توحيد النظريات وحذف التيارات المعاكسة. وقد
أغفل المستشرقون، ايضا، في بحوثهم، الجانب
التاريخي في نمو الشريعة وتغيرهابالرغم من الافاق
الجديدة التي فتحوها على صعيد كتابة تاريخ
الشريعة؛ اذ صوروا«الاسلام»، وبخاصة جانب الشريعة منه، امرا ثابتا منفصلا عن
عوامل الزمن. وهذا
ما يشاهد بوضوح في عموم الكتابات والبحوث
التاريخية الاسلامية في الوقت الحاضر، وبخاصة ان
الباحثين لم يغفلوا البعد التاريخي، في مجموع
الفكر الاسلامي عموما فحسب، بل قطعوا دفعة واحدة
العلاقة مع الواقع، واذا بتفكيرهم لايعكس واقعهم
الحالي وانما يؤشر الى اراداتهم وشعاراتهم. ومن هذا
الافق يمكن الاشارة الى مغالطتين على الاقل في
البحوث والدراسات الماضية والحالية في
تاريخ الشريعة: وهذا
التصور الايماني، والسطحي في الوقت نفسه، عن تاريخ
السنن الدينية، جر حتى الان الى مغالطات معرفية
قاتلة؛ اذ انه تجاهل تماما جميع النزاعات القائمة
بين المؤمنين منذ بدئها حتى اليوم، فيما الحقائق
ووقائع التاريخ تفيد ان «السنة» لم تنطو على
مفهوم واحد ولم تكن في حالة من الانسجام. ويكفي
النظر، في هذا المضمار، الى ارث الماضين في ما كتب
في اصول الفقه، ليتضح حجم النزاعات الشديدة التي
احتدمت من اجل تحديد اطر كل مفهوم او اصل من الاصول
ومعانيه. ان الكتابة التاريخية اليوم تسعى جاهدة في
رسم معنى ثابت للسنة متجاهلة جميع التحولات التاريخية برمتها. وعلى
اية حال، فقد سعى علماء الاصول الى اتخاذ الكتاب
اول مصدر من اجل تاويله فقهيا. وهذا امر صحيح،
فالقرآن الكريم بين بعض الاحكام الشرعية، ولكن
يجب الالتفات الى هذه النقطة، وهي ان هذه الايات
الفقهية في القرآن انما هي مجموع معلومات متناثرة
وضعت بين ايدي المسلمين، وقد جاء معظمها في قالب
اخلاقي، واذن يتوجب بذل جهد تاويلي على آيات الوحي
لكي تطرح في صورة «احكام فقهية ملزمة»، وهذا ما
فعله علماء الاصول بالافادة من العلوم المختلفة،
كعلم الحديث، علوم القرآن، النحو وعلم الكلام بطبيعة الحال.
وخلاصة القول: ان فقه القرآن امر تاريخاني،وهو جهد بشري برمته. وفي
خطوة لاحقة، بذل علماء الاصول جهودا مضاعفة في
توظيف المصدر الثاني للتشريع (السنة) واكسابه صفة المشروعية. وهنا
يبرز الدور التاريخي للشافعي (المتوفى عام 204ه)
باعتباره اول من نظر بوضوح للاصول الفقهية؛ اذ الف
كتابيه المهمين: «الرسالة» و«الام» ليتوسع
بمساحة الوحي،فتشمل السنة من خلال التوسع في تاويل
المعنى اللغوي لها الى معناها الاصطلاحي لتصبح السنة المنقولة عن النبي(ص) في
مستوى الوحي القرآني، بل لتصبح جزءا منه. وقد
انجز الشافعي هذه المهمة من خلال تاويل واضح لعدة
آيات وتوظيف قسم من قواعد النحو والتفسير، فاستدل
على ان القرآن، وان كان قطعيا في سنده، الا انه
ظني في الدلالة، ولهذا فهو بحاجة الى مرجع تفسيري
معتبر ليتحول «الاجمال» القرآني الى «بيان»،
ولتتحول الفاظه العامة غير القطعية الى تخصيص
ودلالة، ومن ثم الى حالة من القطع. وهذه الوظيفة الخطيرة تتحملها السنة التي
تفسر النص القرآني. وبهذا
تكون السنة موجودة في قلب الوحي القرآني وبمثابة
ركن اساسي فيه، فيصبح النص القرآني معلقا في غياب
الرجوع الى السنة، او يبقى على الاقل في حالة
من الغموض والابهام. والخلاصة
ان الشافعي «شوش» على وضوح الدلالة في
النص القرآني من اجل تثبيت السنة، والجدير ذكره ان
هذا العصر شهد، ومن خلال تاويل الفقهاء لحشد من الايات القرآنية، ابداع بعض
المفاهيم الفقهية المهمة لتصبح في ما بعداصولا عقيدية لا يمكن انكارها من قبيل: شمول
القرآن وكليته((315))، كمال الشريعة وخلودها((316))،
تقسيم الوحي الى متلو (القرآن) وغير متلو((317))
(السنة)، وجوب طاعة النبي((318))، عصمة النبي(ص) في مسالة
الشريعة((319))، قداسة الصحابة وعدالتهم مطلقا،وفي حالة من
التطرف القول بعصمة جميع رواة الحديث، «لان القول
بعدم عصمتهم يشكك في رواياتهم عن النبي»((320)). وقد
اثار فهم الشافعي للسنة معارضة كثير من الفقهاء
والناقدين الاسلاميين في قرون تالية. وقد انعكست
هذه المعارضة في تاليفات، مثل «المحصول» للفخر
الرازي، «شرح نهج البلاغة» لابن ابي الحديد،
«الحور العين» لابي سعيد نشوان الحميري،
«معارج الاصول» لابي جعفر بن قبة، «الذريعة»
للسيد المرتضى و«السرائر» لابن ادريس. والنتيجة
ان الفقهاء، ومن اجل ارساء دعائم السنة، قاموا بجهد
تفسيري وتاويلي واسع تجاهلته الكتابة التاريخية
المتداولة، وجعلت السنة في فئة المفاهيم الضرورية
للدين واعادتها الى عهد صدر الاسلام. وعلى
صعيد المصدر الثالث في التشريع (الاجماع)، تصبح
المسالة من التعقيدوالصعوبة الى الحد الذي اعترف
فيه مؤرخو الفقه انهم يواجهون معضلات
تاريخية وعلمية عديدة واسئلة ظلت دونما جواب تسد
الطريق على حجية «الاجماع». ومع
هذا كله، فقد سعوا، مستندين الى طائفة من الروايات
المنقولة عن النبي(ص)،الى ارجاع هذا الاصل الى
مرحلة صدر الاسلام متجاهلين التغيرات التي طرات
عليه فاضفوا عليه معنى واحدا منسجما. ومن
الصعب تجاهل جهد طائفة من الفقهاء، وعلى مدى عهود
مختلفة، لتاويل الاجماع والانتقال به من الاطار
الايماني الذي يعني اجماع الامة الاسلامية كلها
الى الاطار الاصطلاحي الذي يتحقق باتفاق مجموعة من الفقهاء. وفي
باب «القياس/العقل» بلغ الاختلاف في الفهم بين
علماء الاصول حول كيفية اعتباره مصدرا معتبرا في
التشريع، من الحدة درجة اعجز مؤرخي الفقه اليوم عن
تجاهل النزاعات في هذه المضمار فلم يقدموا نظرية منسجمة متوحدة.
ويطلع القارى، في هذه المقالة، على جانب من هذه النزاعات والتحولات في معاني
هذاالباب (القياس/العقل). وبناء
على ما سبق يمكن التوصل الى هذه النتيجة، وهي انه لا
يمكن الادعاء بتوحدالمناهج والرؤى في الاستنباط
الشرعي؛ ذلك ان ادعاء كهذا مغالطة ليس الا، ولا بد
من تقديمها الى منصة النقد. العصر الحديث ومحاولات الترميم ثالثا: ان العصر الحديث، في العالم الاسلامي، تزامن مع وقوع حوادث مهمة من قبيل انهيار الدولة العثمانية وتنامي التسلط الغربي الاستعماري على مقدرات معظم الدول الاسلامية، وقد تركت هذه الحوادث المتتالية والنافذة تاثيرا عميق الغور في الذهن والروح المسلمين واسلمتهما للحيرة والذهول.ويتفق
مؤرخو فكر هذه المرحلة على هذه النقطة، وهي ان
تبلور الاتجاه السلفي من جهة والاتجاه التجديدي
من جهة اخرى مرتبط بهذا المقطع التاريخي من حياة
العالم الاسلامي، كما انه كان منشا لظهور هذه
الثنائية في المفاهيم: السلفية ر
التجديد،الاسلامر الغرب والهداية ر الاستلاب،
فهذه الثنائية المفاهيمية انما هي حصيلة
تلك المرحلة. وظهر
فريق مغترب ينظر الى «الميراث الاسلامي» باسره
بوصفه جزءا من الماضي المندثر، ويرى في «المدنية
الغربية» الاطارر المثال الذي يحتذى والمرجع
الذي تنبغي العودة اليه. وفي
مقابل ذلك، برز فريق آخر تلقى تعليمه غالبا في
المراكز التعليمية التقليدية يشترط التمسك
بالميراث الاسلامي طريقا وحيدا للخروج والخلاص من
المعضلات الاجتماعية والفكرية والسياسية الكبرى. وهنا
حدث تمزق حاد في ذهنية هؤلاء وايمانهم ازاء مفهومي
التراث والتجديد اوالاسلام والنمط الغربي، لنرى
بعد ذلك انه لا الحداثويون ولا دعاة العودة الى
التراث الاسلامي تمكنوا من راب هذا الصدع. ونتيجة
لذلك، تعرضت ذهنية المسلمين الى حالة من
الازدواجية والتشويش الحاد، سرعان ما انعكست
آثارها السلبية في العلاقات واتخاذ القرارات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية
الكبرى. والمشكلة
الاساسية، لدى هؤلاء، ليست في نوعية انتخاب
الثقافة الاسلامية او الغربية،بل في هذه الحالة من
الازدواجية والغموض التي تجثم على الروح الفردية
والاجتماعية على حد تعبير الجابري((321)). وتجب
الاشارة، هنا، الى ان الدفاع عن كمال الشريعة
وخلودها والذي لا يزال حتى الان الشعار الاساسي
للمفكرين الاسلاميين لا يمكن عزله عن مقولة
الدفاع عن هوية الذات. وفهم
هؤلاء عموما هو ان الغرب (الاخر) في حكم الغريب الذي
توسل ببريقه وقوته وعلمه الحديث ليجتاح البلاد
الاسلامية واضعا الهوية الاسلامية
والاستقلال الوطني في مهب الرياح((322)). ومن
الطبيعي، في مثل هذه الحالة، ان لا تكون «الشريعة
الاسلامية» مجرد مثال معرفي للمسلمين الذين
يرزحون تحت نير الاستعمار، بل الدواء الناجع الذي
يعيد لهم عافيتهم وينفخ فيهم الروح مرة اخرى. ومن
هنا يمكن فهم اهتمام فقهاء هذه المرحلة
التاريخية بكتابات الشاطبي (المتوفى 792ه) وافكاره،
ذلك انه، من جهة اولى في رايهم، الفقيه الذي يمكن
من خلال فقه مقاصده احياء الفقه الاسلامي ليحل محل
القوانين الغربية ومن جهة اخرى ان نظامه الفقهي
مؤشر على عنصر الخلود والحركة في الفقه الاسلامي وامكانية اعادة بنائه. بعبارة
اخرى: ان الفقهاء المسلمين، وعوضا عن فهم المعضلات
الاساسية في مجتمعاتهم وحلها، نادوا بشعارهم
الخطير والغامض في الوقت نفسه، وهو «الدفاع
عن الشريعة الاسلامية». فاصل
«الاجتهاد» الذي كان، في ما مضى، مجرد اداة
لاستنباط الحكم الشرعي الفرعي والعثور على الجواب
المناسب في حل المشكلات الحقوقية المستجدة، تحول
شيئافشيئا الى قيمة اسلامية اصيلة يتوجب الدفاع
عنها بكل قوة. فليس اعتباطا ان يشهدمطلع القرن
العشرين تمسك عموم المفكرين الاسلاميين باصل
«الاجتهاد» لاثبات فاعلية الشريعة وخلودها، وقد
اضحى هذا التمسك محورا في بحوثهم ومناقشاتهم،
كان وجود مفهوم((323)) «الاجتهاد» او «العقل» في
الميراث الفقهي قد اثار في اذهانهم قدرة الشريعة
وامكاناتها الموجودة بالقوة وامكان اخراج ذلك الى
الفعل، ومن ثم معالجة التخلف في المجتمعات الاسلامية وطرد المنافس الغربي. ويرى
عامة المفكرين الاسلاميين، في تخلف العالم
الاسلامي، امرا طارئا ونتيجة لازمات العصر
الجديد. وفي اكثر التقادير عائدا الى مجموعة من
المشكلات المعرفية او المشكلات التنفيذية. من
هنا سعى خير الدين التونسي، مستندا الى بعض الادلة
الفقهية، الى اعتبار الحكومة امرا ضروريا على
اساس انها الضمان في تحقيق العدالة؛ وتحقيق
العدالة يعد من مقاصد الشريعة الاسلامية. وفي هذه
المرحلة، قام فريق من الفقهاء في المغرب
العربي بشرح مخطوطات متعددة لكتاب «الموافقات»
للشاطبي، والبحث في المقاصدالخمسة للشريعة (حفظ
الدين، العقل، النسل، النفس والمال) وشيئا فشيئا،
اصبحت قضية المصالح الاجتماعية العامة الهاجس الاصلي للفقهاء والمفكرين. من
جهة اخرى، سعى محمد عبده الى تقديم تفسير عقلاني
للتعاليم والاعتقادات الدينية، وترك للعقل حرية
التفسير والتاويل في النصوص الدينية، فاستلزم ذلك
ابتعاده عن المذهب الاشعري الذي كان سائدا ورسميا
في زمانه منصرفا الى تعاليم المعتزلة. ورسالة
التوحيد تؤشر بوضوح على هذا التحول الفكري لدى محمد
عبده، بالرغم من اضطراره الى حذف قسم مهم من
تعاليم المعتزلة بعد تصاعد الاعتراضات من
شيوخ الازهر التقليديين. ومع هذا كله، فقد تمكن من
خلال ايجاد علاقة بين مفهومي «الاجتهاد»
و«العقل» من تقديم تفسير جديد لدور العقل البشري
ومكانته في دائرة الشريعة. فظهر نتيجة لذلك مفهوم
جديد بالمرة عن «العقل في حريم الشريعة»مخالف تماما لفهم الفقهاء في القرون
الغابرة. وقد
سعى تلامذة عبده طبعا باستثناء بعضهم كرشيد رضا الى
استمرار هذاالاتجاه والتوسع في «الاجتهاد»
و«العقل»، واضفاء ابعاد جديدة على هذين
المفهومين،ويبرز مصطفى عبد الرازق بلا شك بوصفه
اهم انموذج في هذا المضمار. ان فلسفة عبد الرازق
وعلمه واطلاعه العميق على التراث الاسلامي والمامه
الواسع بالعلوم والنظريات الغربية الجديدة من جهة
نتيجة دراسته المنهجية في جامعتي الازهر في مصر
والسوربون في فرنسا وتسنمه مناصب رفيعة في الدولة
من ضمنها رئاسة الازهر من جهة اخرى، قد مكنه من
ايجاد تحول في التفكير الديني وتحديد مساره((324)). وقد
أمضى مصطفى عبد الرازق عمره في التدريس والنشر
وتعليم الفلسفة الاسلامية، واضافة الى تاليفه
كتابا مستقلا في الافكار الاصلاحية لمحمد عبده
وترجمته لرسالة التوحيد الى اللغة الفرنسية، فقد
الف كتابه الهام الموسوم ب «تمهيد لتاريخ
الفلسفة الاسلامية»((325)) الذي واجه فيه آراء
المستشرقين لاول مرة في اعتقادهم بان الفلسفة
الاسلامية لا تعدو كونها اقتباسا عن الفلسفة
اليونانية، مدافعا عن اصالة الفلسفة الاسلامية،
وقد افرد مصطفى عبد الرازق الصفحات الاولى من كتابه
هذا لنقل ادعاءات فريق من المستشرقين الغربيين
المشهورين عن مكانة الفلسفة الاسلامية، ومن
جملتها ادعاءات «تينمان» (tennemann)
في كتابه الموجز عن تاريخ الفلسفة وآرنست رينان
T.Renan رشد [الفلسفية].
وقد انكر مؤرخا الفلسفة المذكوران اصالة شيء يدعى بالفلسفة الاسلامية معتبرين
اياهامجرد تقليد ناقص للفلسفة اليونانية. وادلتهما
الرئيسية في ذلك تنهض على مجموعة مقدمات يمكننا ترتيبها كما ياتي:
يقول رينان في هذا المضمار: لا يمكن تعلم شيء من
الفلسفة من الساميين. والعجيب ان هذا العرق الذي
ابدع في جمال الدين هذا الابداع كله، كيف ظل عاجزا
عن طرح مسالة فلسفية؟! ان الفلسفة لدى الساميين
ليست سوى اقتباس محض عن الفلسفة اليونانية او
تقليد لها((328)). ويستنتج
في ما بعد: انه من الخطا اعتبار الفلسفة اليونانية
المترجمة الى اللغة العربية فلسفة عربية
[اسلامية]؛ ذلك انه لا توجد اية جذور ابداعية
للمباحث الفلسفية في اي من بقاع شبه الجزيرة
العربية باستثناء بعض المباحث الفلسفية اليونانية
المكتوبة بالعربية، وعلاوة على هذا ازدهرت
«الفلسفة» في اراض نائية عن البلاد العربية
كاسبانيا، مراكش، وسمرقند وسكانها في الغالب ليسوا
من العنصر السامي((329)). وقد اعتمد
عبد الرازق في الرد على مدعيات المستشرقين منهجا
خاصا اسماه المنهج التاريخي((330)). وفي
اعتقاده انه، بالاتكاء على هذا المنهج، وهو اقرب
الى المناهج المعتبرة في العلوم التجريبية، يمكن
العودة الى العهود الاولى للتفكير الاسلامي، وهناك
يمكن معرفة العناصر الاولية التي كونت الفلسفة
الاسلامية ومتابعة مسارها وتحولاتها التاريخية((331)). وتجب
الاشارة هنا الى ان مصطفى عبد الرازق، ومن اجل
اثبات وجود الفلسفة الاسلامية، كان مضطرا، واضافة
لنقده ادعاءات المستشرقين، لان ينقد ايضا كلام
الفقهاءوحديث اهل الشريعة المتشددين الذين يرون في
الفلسفة الاسلامية مناهضة للشريعة اساسا فلم
يدعهم من دون جواب، بعبارة اخرى: انه قام بجهد مضاعف
من اجل اثبات اصالة الفلسفة الاسلامية
ومشروعيتها، اذ اننا نرى، وعلى امتداد
صفحات كتابه: «تمهيد لتاريخ الفلسفة
الاسلامية»، عرضا متواصلا لاراء الفريقين
ونقدها.والحقيقة ان المهمة التي نهض بها عبد الرازق
كانت من الخطورة بحيث يتوجب عليه،وهو يواجه
المستشرقين المنكرين لاصالة الفلسفة الاسلامية
وادعائهم بمعارضة الاسلام لكل اشكال التفكير
العقلاني، يتوجب عليه الحديث بطريقة لا تضعه في
خانة المساندين لاراء الفقهاء المتشددين بموقفهم
المتشنج ازاء الفلسفة. وخلاصة القول: ان كتاب «تمهيد..» يعد عملا نقديا لكن
يشوبه التاويل. ويطرح
عبد الرازق، في الفصل الثاني من كتابه، نظريته
الاساسية ساعيا الى تقديم اجابة مناسبة عن
النظريتين المتنافستين، معتمدا منهجه التاريخي في
البحث عن المنابع والبدايات الاولى المكونة
للتفكير الاسلامي وتاريخ العرب قبل الاسلام، جاعلا
من القرآن والشريعة الاسلامية الحجر الاساس في
الاستدلال، فعدد ادلته التي ستصبح اساسا ليستند عليه المتنورون الدينيون،
وادلته الرئيسية هي: 1- ان
العرب، قبل الاسلام، كانوا على قدر من الاطلاع على
المعارف والعلوم العقلية،من قبيل علم النجوم والطب
وسواهما، وقد صاغوا كثيرا من الرؤى العقلانية في
قالب بياني حكيم((332)). واستنادا الى
كلام فريق من الفقهاء المتشددين، من اهل الشريعة،
راى ان التاريخ الاسلامي شاهد على حجم المنازعات
والتحديات الهائلة والواسعة بين المسلمين، ابتداء
من الصحابة الى التابعين؛ وذلك حول فهم الايات واحكام الشريعة وتفسيرها. وهذه
الاختلافات لم تكن تقع خارج حدود الدين، بل ان جزءا
منها مرتبط بعصرالنبي(ص) نفسه، وعلى حد تعبير
«مزني»: «ان
الفقهاء استخدموا القياس سواء في الفقه ام في
قضايا الدين الاخرى منذ عصر النبي نفسه»((336))،
وهذا ما وفر ارضية ظهور الاجتهاد. يضيف
عبد الرازق: «ومن هذا الافق يمكن اعتبارالاجتهاد
بالراي اساسا للرؤية العقلانية لدى المسلمين»((337)). ولكن
مؤلف كتاب «تمهيد..» يجد نفسه، في دفاعه عن اصالة
الفقه واصوله، مضطرالنقد آراء فريق من المستشرقين؛
ذلك انهم يسعون الى اثبات تاثر هذين
العلمين بالعلوم الاجنبية، وبعبارة اخرى التاكيد
على المنشا غير العربي وغير الاسلامي
لهذين العلمين((338)). |